تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

العدالة الآن (2): كيف كسرت المصريات حاجز الوصم بشأن العنف الجنسي

هند أحمد زكي
4 دقيقة قراءة
العدالة الآن (2): كيف كسرت المصريات حاجز الوصم بشأن العنف الجنسي
Soheir Sharara

هذا المقال هو الثاني ضمن سلسلة النقاشات النسوية «العدالة الآن»، لقراءة الأول اضغط هُنا. السلسة من نتاج نقاشات موائد مستديرة نظمها «مدى مصر» في إطار برنامج العضوية*

في ديسمبر 2019، تصدرت وسائل الإعلام المصرية فتاة من مدينة فرشوط، ترتدي النقاب وتتحدث علنًا عن حادثة اغتصابها بشكل جماعي على يد مجموعة رجال من ذوي النفوذ في المدينة الصغيرة الواقعة بمحافظة قنا في قلب الصعيد. كانت الفتاة تروي تفاصيل مُرعبة عن اختطافها واغتصابها بشكل جماعي في إحدى المناطق الزراعية النائية. 

«فتاة فرشوط» كما عُرِفت إعلاميًا، تحدثت من وراء النقاب عن هلعها وهي تستمع إلى مغتصبيها يتناقشون عما يفعلون بها، وعن رؤيتها لكفن شرعي اشتراه أحدهم لدفنها بعد قتلها. وصفت طريقتها في الهروب منهم، وكيف ذهبت، شبه عارية والدماء تنزف منها، إلى قسم الشرطة للتقدم ببلاغ ضد مغتصبيها رغم خوف الجميع من بطشهم، وكيف خاضت صراعًا مريرًا داخل مجتمعها الصعيديّ لكي تنال «بعض عدالة» عما حدث لها. تحدثت أيضًا عن رفض أبيها الصريح لما فعلته بمغتصبيها، وعن «تبرؤها» هي من أبيها بسبب موقفه السلبي، في مجتمع اعتاد أن يتبرأ فيه الوالدان من أبنائهما وليس العكس.

المشهد الذي ظهرت فيه الفتاة حطم التصورات النمطية حول نساء مصر عمومًا، والصعيديات والمنقبات خصوصًا، ولا يمكن فهمه إلا بوضعه في سياق نضال طويل للمصريات دام أكثر من عقد ونصف لمواجهة العنف الجنسي. فمنذ حصول نهى الأستاذ في 2008 على أول حكم بحبس متحرش في قضية عنف جنسي، والذي تزامن مع لحظة ظهرت فيها جيل جديد من المؤسسات والمبادرات النسوية، مثل مؤسسة «نظرة» (2007) و«خريطة التحرش» (2010)، وضعت قضية العنف الجنسي على رأس أولوياتها، ولم يعد الحديث عن العنف ضد النساء حكرًا على مجموعات ثقافية أو دوائر سياسية ومنظمات نسوية وحقوقية بعينها في المركز، بل انتقل إلى الهامش منذ وقت طويل. 

وشهدت الفترة منذ 2011 تصاعدًا واضحًا لحركة سائلة مُناهضة للعنف الجنسي في مصر أخذت أشكالًا اختلفت بتعدد الفاعلات فيها. فمن مجموعات قاومت تفشّي العنف الجنسي أثناء ثورة يناير مثل مجموعة «قوة ضد التحرش»، إلى مجموعات أخرى نشأت في السنوات التالية ركزت جهدها على نشر قصص وحكايات العنف ضد النساء في مصر مثل مبادرة «ثورة البنات»، إلى مجموعات نسوية قاعدية معنية بالعمل النسوي الميداني داخل مجتمعاتهم المحلية مثل مبادرتي «جنوبية حرة» في أسوان، و«بنت النيل» في دمنهور. 

وكانت المجموعتان الأخيرتان تحديدًا مثالًا على تحطيم كل التصورات السائدة عن مركزية الحراك النسوي في مصر، واقتصاره على منظمات المجتمع المدني أو مجموعات نسوية تنتمي لدوائر ثقافية أو سياسية أو حقوقية أوسع، أو اعتبار الأفعال المقاومة لتفشّي وباء العنف الجنسي في مصر-سواء بالتنظيم أو الكتابة أو اللجوء للقانون أو لآليات جديدة كنشر شهادات حول العنف الجنسي- حكرًا على نوع معين من النساء دون غيرهن. 

إن حادثة «فتاة فرشوط» ليست سوى واحدة من عشرات المشاهد الحالية التي تضع قضية العنف الجنسي في قلب الحراك النسوي بمصر، بفضل حراك مجموعات من الفتيات يطرحن القضية بشكل علني، ليس كضحايا يطلبن الدعم من الدولة والمجتمع، بل كفاعلات مُشتبكات بشكل أوسع مع السياق السياسي والقانوني والاجتماعي الذي أنتج تواطؤًا تاريخيًا على قضايا العنف ضد النساء في مصر. إن ما نشهده الآن، من تفجّر متواصل لا ينقطع لقضايا عنف جنسي سواء في مجتمع الطبقة العليا في مصر، كما حدث في ما يعرف إعلاميًا بـ «حادثة الفرمونت»، أو في الكنيسة المصرية التي واجه عدد من قساوستها اتهامات بانتهاكات جنسية كشفت عنها فتيات قبطيات، أو في أوساط المجتمع الثقافي والحقوقي، كل ذلك ليس سوى دلائل حيّة على تجذر قضية العنف الجنسي في كافة قطاعات المجتمع المصري. 

بناءً على ما سبق، لا يمكن الحديث عن آليات حركية أو قانونية لمواجهة العنف الجنسي في مصر بدون قراءة المشهد كاملًا غير منقوص. فالنضالات النسوية الآخذة في التشكّل الآن تطرح أسئلة مُربكة حول التواطؤ المجتمعي الكامل بشأن العنف الجنسي بشكل يستلزم حراكًا موسّعًا على ثلاثة مستويات: 

الأول هو مستوى الدولة وإطارها القانوني. فلا تزال الإجراءات الحاسمة تأتي مُتأخرًا وببطء وفي إطار الاستجابة لحراك النساء وضغطهن، كما شاهدنا مؤخرًا في إقرار قانون حماية خصوصية المبلغات عن جرائم العنف الجنسي، أو بتدخل النيابة العامة بشكل مباشر لضبط وإحضار عدد من المتهمين في قضايا عنف أُثيرت مؤخرًا. 

وعلى ذلك، فالحراك النسوي الحالي لا يزال بحاجة لتفعيل إجراءات وسَنَّ قوانين تجعل التقاضي في قضايا العنف الجنسي مسارًا أسهل على النساء. نحن لا نزال في حاجة لقانون شامل لمناهضة العنف الجنسي في المجالين الخاص والعام، على غرار إصلاحات قانونية مماثلة أُقرّت في دول أخرى في المنطقة مثل تونس.

المستوى الثاني يرتبط بتفعيل سياسات مؤسسية لمناهضة التحرش الجنسي في كل المجالات، وهو جهد تحاول الصحفيات والأكاديميات والسينمائيات تحقيقه الآن عبر الضغط على جهات العمل لتتبنّى سياسات وآليات واضحة لمناهضة العنف الجنسي في مواقع العمل. 

المستوى الأخير هو ما يحدث بالفعل في الفضاء الإلكتروني من نشر شهادات مُجهّلة تسعى عبر آلية البوح إلى كسر حاجز الصمت وإرباك الجميع ووضع الشهادات الكاشفة أمام الأعين. 

تبقى شهادات النساء، المُحملة بكل تناقضات المجتمع والدولة، شاهدة على الفشل المؤسسي في التعامل مع جرائم العنف الجنسي، لتضعنا جميعًا أمام لحظة مفصلية من الألم والارتباك الإيجابي، والتي يحتاجها المجتمع بشدة.

*للتعرّف على برنامج العضوية اضغط هُنا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
أحمد سمير سنطاوي

باسم الأم: أفعال الطبقة

«يمكن رؤية الإجهاض بوصفه شبكة تتقاطع فيها بوضوح الذكورية والتمييز الجنسي»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).