العدالة الآن: يوم حساب نسوي (1)
تمر الحركة النسوية المصرية بلحظة تحول عميق. وتثير مرة أخرى أسئلة صعبة ومعقدة عن قضايا العنف الجنسي، وتوازنات القوة غير المتكافئة، وقضايا استقلالية الجسد وحق الاختيار. وتأتي هذه الحركة تتويجًا لعقدين أو أكثر من التحريض والتنظيم والتعبئة، فهي تبني على تاريخ طويل من العمل والنضال النسوي.
وإيمانًا بالالتزام بضرورة خلق مساحة للنساء للتلاقي والمشاركة والمناقشة والتفكير في هذه اللحظة المحورية، ينظم «مدى مصر» سلسلة من الموائد المستديرة الافتراضية، من ضمن فعاليات برنامج العضوية* تسعى لخلق فرصة لهذا التلاقي بين ناشطات نسويات ونساء من مختلف المجالات للتفكير سويًا، بشكل جماعي، فيما قد تعنيه هذه التغييرات الهائلة للنساء عمومًا، الآن وهنا، في مصر.
تدعو كل مائدة مستديرة عددًا من الناشطات النسويات، ومفكرات وأكاديميات ومحاميات، للنقاش عن إحدى القضايا التي تفرضها علينا اللحظة الحالية، على أمل أن يستمر الحوار لتعزيز جهود البناء على ما تم إنجازه بالفعل.
وعُقدت المائدة المستديرة الافتراضية الأولى يوم الثلاثاء 18 أغسطس الماضي، وتم دعوة الباحثة غدير أحمد، ومسؤولة ملف النوع الاجتماعي وقضايا النساء بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لبنى درويش، والباحثة دينا وهبه، وأستاذة العلوم السياسية في جامعة كونيتيكت، هند أحمد زكي، وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في القاهرة، دينا مكرم عبيد، وأستاذة القانون في جامعة جورج تاون، لمى أبو عودة. وحاولت المائدة المستديرة طرح أسئلة حول ما الذي يعنيه، الآن، محاولة إعادة تعريف مفهوم العدالة، ودراسة حدودها وإمكانياتها، وما يمكن أن تعنيه العدالة التي تركز على الضحايا/الناجيات في سياقنا.
تركزت المناقشة التي أثارتها المشاركات في حلقة النقاش وبعض المداخلات حول ثلاثة اهتمامات رئيسية: أولًا، علاقة التعبئة النسوية الحالية بتاريخ الحركة منذ أوائل الألفينات. ثانيًا، قضية القيود والفرص التشغيلية والتنظيمية في ظل الظرف السياسي الحالي. وأخيرًا، إمكانية إعادة تعريف العدالة وفق منظور نسوي.
أولًا: المعالم والأحداث الكارثية المتعلقة بتاريخ العنف الجنسي، مثل: الاعتداء على الصحفيات على سلم نقابة الصحفيين في 2005، وأول حدث تحرش جماعي مسجل عام 2006، وقضية نهى الأستاذ، التي كانت أول قضية تحرش جنسي تحصل على حكم قضائي ينصف الضحية/الناجية في عام 2008. كل هذه الأحداث، التي حدثت بتواطؤ من الدولة والمجتمع بشكل عام، والتي كان ينبغي أن تُحدِث استجابة مختلفة تمامًا، من حيث السياسة والإصلاح القانوني، يمكن أن يُنظر لها باعتبارها عدة حلقات في سلسلة أدت في النهاية إلى اغتصاب واعتداءات عصابات التحرير في 2012-2013.
لا يمكن فصل مسألة العنف الجنسي، التي تُثار مرة أخرى الآن، عن هذا المسار التاريخي والتعبئة الناتجة عنه. هذه الاستمرارية أساسية في فهم كيفية تطور الحركة النسوية في مصر. وكيف، على الرغم من اختلاف الأجيال والشبكات والمبادرات والتحالفات التي تم تشكيلها قبل عقدين من الزمن، فإن هذا التاريخ والوعي لا يزالا حاضرين في الحراك الحالي بطرق مختلفة.
ثانيًا: مسألة التكتيك والاستراتيجية. مع بدء تسييس وتعبئة فاعلين جدد ومجموعات جديدة، ظهرت مجموعة متنوعة من التكتيكات، تلك التي ربما لم تكن متاحة بسهولة للنساء قبل خمسة عشر عامًا (وسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال)، والفئات العمرية التي لم تكن أيضًا قادرة على المشاركة دون توافر هذه الأدوات والتقنيات الخاصة.
ومن الموضوعات ذات الصلة التي أثارتها العديد من المشاركات في هذا السياق، كيفية انتقال التعبئة الحالية من خارج الدوائر المعتادة للناشطين والجماعات السياسية، إلى مناطق وشرائح اجتماعية لم تكن جزءًا من هذه التعبئة من قبل. أثار العديد من المتحدثات أسئلة حول حدود التنظيم في ضوء القمع الشديد الذي تواجهه مصر منذ عام 2014، والذي يحد كثيرًا مما يمكن أن تفعله النساء، في الفضاء الافتراضي. هذا بالطبع ليس للتقليل من الناشطية السيبرانية والدور الذي لعبته منذ عام 2011 في حث العديد من النسويات الشابات على تطوير مفهوم مسيّس واضح لما يعنيه أن تكوني امرأة في مصر. إنه اعتراف بأن التعبئة الحالية، التي ظلت إلى حد كبير افتراضية، تمكنت من إثارة الغضب الكافي لإجبار المجتمع على إجراء حوار صعب حول العنف الجنسي وإحراج الدولة بما يكفي لاتخاذ بعض الإجراءات كنوع من الاستجابة، حتى وإن لم يكن بالشكل الكافي.
وأخيرًا: تناول النقاش ماهية إمكانيات العدالة المتاحة للمرأة. فعلى مدار الشهور الماضية ثارت العديد من التساؤلات حول التكتيكات الممكنة التي قد تستخدمها النساء لتحقيق بعض الإحساس بالعدالة. اتفقت المشاركات جميعًا على حق الضحية/ الناجية في تحديد آلية الإنصاف التي تراها مناسبة، وأنه علينا بشكل جماعي دعم هذا الاختيار، حتى لو اختلفنا في التكتيك.
بالنسبة لكثيرات، فإن الكشف العلني عن المغتصبين والمعتدين على النساء وما يلحق ذلك من فضح، هو أحد أكثر أساليب العدالة الأكثر فاعلية وسرعة، كما أنها قادرة على إنقاذ النساء من الإجراءات الأبوية المعتادة، والتي تنطوي غالبًا على معاداة وتحيز ضد النساء، وهي التي تميز القنوات القانونية التقليدية. وفي نفس الوقت أشار رأي آخر إلى ضرورة الاستمرار في الضغط على الدولة لتعديل قوانينها ومراعاة اختلال توازن القوى عندما يتعلق الأمر بالنساء، مثلما حدث في إصدار القانون الأخير الذي يضمن سرية هويات النساء المبلغات عن جرائم الاعتداء الجنسي.
وفي سياق نقطة النقاش الأخيرة، ناقشت المشاركات كذلك المفهوم النسوي للعدالة، والذي يقر بعدم المساواة المتأصلة في الحياة الواقعية، وهو ما يجعل النساء عاجزات عن تحقيق نفس الشعور بالعدالة الذي قد ينصف الرجل أو يعفيه من ذنب. وذلك على الرغم من أن الجميع من الناحية التقنية في حالة «مساواة أمام القانون»، لكن في كثير من الأحيان، لا يتعلق الأمر بالقانون فقط، ولكن بمن يمتلك سلطة استحضار القانون وتنفيذه.
على مدار الأيام القادمة، ينشر «مدى مصر» بعض من أفكار وانعكاسات المشاركات في المائدة المستديرة.. تابعونا.
* لمعلومات أكثر عن البرنامج برجاء الضغط هنا.
آراء أخرى
إلى أحمد دومة: اختيارات حضارية
«ثورتنا يا صاحبي حتى بعد مرور خمسة عشر عامًا تظل في قلب هذا الصراع»
لبنان الذي رأيت على طريق حرب 2026
«قبل شن واشنطن وتل أبيب حرب 28 فبراير 2026 على طهران، وجر لبنان إليها بعدها بيومين، أطللت على المخيف المحير، الذي لم أكن رأيت بهذه القسوة…»
مصر والخليج: أين ينتهى الواجب؟ وأين تبدأ السيادة؟
«التضامن الحقيقي يبدأ من الشراكة في صنع القرار»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن