تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الطبيب الذي عالج الشعب بالوهم

راجي مهدي
14 دقيقة قراءة
الطبيب الذي عالج الشعب بالوهم
Nasser addressing a mesmerized crowd about his decision to go against the West and nationalize the canal

يعد فهم التاريخ مفتاحًا لقراءة الحاضر وتصور اتجاهات التطور المستقبلية؛ والتاريخ هو الجدل الموضوعي والذاتي؛ الذي شكّل ملامح المرحلة المعنية بالدراسة، والتي هي أساس موضوعي ساهم في تشكيل ما تلاها. فالتاريخ لا ينقطع، بمعنى أنه لا شيء معلق في فراغ الصدفة أو الاجتهاد الشخصي حتى ولو تبدى ذلك ظاهريًا، يبقى التاريخ مسيرة تطور تحكمها قوانين عامة تكتسب ملامح خاصة في كل بيئة وظرف محدد. 

والمرحلة الناصرية، أي تلك الفترة الممتدة من ليلة 23 يوليو 1952 إلى صباح 5 يونيو 1967، تعد تأسيسًا لمرحلة جديدة في التاريخ المصري الحديث، لهذا فإنها سوف تظل تشكل أساس كل القراءات لمجمل التطورات اللاحقة. ولهذا عِلة، فقد مثلت ثورة/الحركة المباركة/انقلاب يوليو 1952 انتقالًا نوعيًا، ثوريًا، في مسار التاريخ المصري، لأنها نقلت مركز النفوذ الاجتماعي والسياسي من كبار ملاك الأراضي الزراعية المتحالفين مع الاستعمار والقصر إلى موضع آخر، أي تم تقويض الأساس المادي لهذا التحالف الثلاثي، وبالتالي تعرضت السياسة في مصر لنقلة نوعية؛ السياسة التي هي آليات خوض الصراع الطبقي في حقل الأبنية الفوقية. بكلمة، اختلف شكل الممارسة السياسية في مصر بإسقاط الترويكا السابق ذكرها. لكن لأن الحاضر كان يتخلق في رحم السابق، أي لأن يوليو 1952 كان يتشكل في رحم المرحلة السابقة له، بما ساهم في تشكيل وخروج يوليو بهذا الإخراج التاريخي، فإن تفاعل يوليو مع هذه الترويكا لإسقاطها كان في حد ذاته عملية معقدة وطويلة وانطوت على قدر من المساومات التي لم يتم تسليط الضوء عليها بشكل كافٍ.

وقد تعددت القراءات التاريخية لهذه المرحلة، من منظورات مختلفة، وإن ظل التحليل المادي التاريخي الذي يتناول الظاهرة في شمولها على قاعدة علاقات الإنتاج وبالنظر في المحتوى الاجتماعي الطبقي للإجراءات الاقتصادية وللسلطة التي نفذتها، وآليات التنفيذ المرتبطة بطبيعة تلك السلطة، هو المنظور الأقدر على تفسير وفهم الناصرية، رغم ما واجهه هذا المنظور من عقبات ضخمة يمكن ردها إجمالًا للضعف المنهجي الذي اتسم به اليسار المصري، الذي يعد هذا المنظور -نظريًا- أساس اشتباكه مع الواقع، وهذا الضعف المنهجي يفسر اختلاف قراءات اليسار المصري في زمن الناصرية لطبيعة النظام، وبالتالي للموقف منه، وهو ما انعكس في التفتت التنظيمي، جزئيًا. بالإضافة إلى هذا، كانت الظاهرة جديدة؛ مجموعة ضيقة من صغار الضباط تصعد إلى السلطة بعملية نظيفة تقريبًا، وتنجح في إغلاق السراي وترحيل الملك وتتمكن من إسكات الشارع الذي كان ملء السمع والبصر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتمر عبر توازنات القوى الاستعمارية وحسابات الحرب الباردة، وفوق ذلك هي مجموعة من الضباط لا أيديولوجيا واضحة لها، لا برنامج، حتى الخلفية السياسية لأفرادها تبعث على الظن بأن تلك المجموعة لم يكن جمعها ممكنًا إلا على جثة تحللها الأيديولوجي، كونها ضمت من انتموا لمنظمات ماركسية وأخرى يمينية كالإخوان المسلمين ومصر الفتاة، وهناك من مر بالطرفين، وهناك من قيل بارتباطه بالسفارة الأمريكية. بالطبع، ومع مرور الزمن، وبتبلور النظام بعد ما مر به من تحولات عديدة -معظمها شكلي- استطاع التحليل المادي التاريخي تقديم أساس متماسك لفهم الناصرية كمرحلة في التاريخ المصري. 

لكن هذا لا يمنعنا من محاولة استجلاء حقيقة الناصرية من زاوية مختلفة، يمكن تسميتها بزاوية «البحث عن أيديولوجيا»، أي بحث تلك المجموعة من الضباط عن مرفأ أيديولوجي في بحر الأيديولوجيات المتلاطم الذي اتسمت به المرحلة، وهذا ما حاوله الدكتور شريف يونس في عمله الضخم «نداء الشعب – تاريخ نقدي للأيديولوجيا الناصرية». وإذ يقر يونس بأن الضباط لم يكن لديهم أي أيديولوجيا، فإنه يشير إلى أنهم حاولوا تقديم «اللاأيديولوجيا» -إن جاز التعبير- كأيديولوجيا، حيث يوضح أن حاجة الضباط للأيديولوجيا كانت مدفوعة باحتياجهم إلى «علم ملون» -كما وصف محمد حسنين هيكل الأيديولوجيا عمومًا- يميزهم وسط الأعلام الملونة الكثيرة في هذا العصر، ويمكنهم من مخاطبة الجمهور بلغة موحدة ومتمايزة عن الخطابات السائدة. يُبحر الكاتب في خضم بحر الخطابات السياسية والتصريحات الصحفية لقادة النظام ورموزه الإعلامية عبر جهد دؤوب لقراءة وسماع مئات الخطب وأعداد الصحف، وهو ما يتبدى جليًا في الكم الهائل من المقتطفات والإشارات وحجم الهوامش الضخم وشديد الثراء.

بالطبع، لا يُغني تحليل الخطاب السياسي-الأيديولوجي لـ«يوليو 52»، عن التحليل الدقيق والنظر المتأني في الممارسة الحقيقية، بل إن المزاوجة بين البُعدين سوف تعيد التأكيد على أحد التناقضات الرئيسية للناصرية، وهي انفصال الشعار عن الممارسة، لكن ما يكشفه تحليل هذا الخطاب هو تهافته، أي خواء بنيته، بحيث تفقد أي مضمون حقيقي يمكن أن يكون معيارًا للحكم على الممارسة. ولإعطاء مثال على هذا، يمكننا النظر في شعار «الاشتراكية» الذي كانت كل أجنحة النظام تتبناه منذ ما بعد العدوان الثلاثي وموجة التمصير الأولى، يمين اليسار ونظامه ووسطه، الجميع تبارى في تمجيد الاشتراكية، لكنهم تباروا أيضًا في تعريف الاشتراكية تعريفات مختلفة. هنا، يرى يونس أن تطور مفهوم الاشتراكية عبر تحولات «يوليو 52» المختلفة، كشفت عن التمايزات داخل النظام؛ تمايزات الأجنحة، وإن ظل الجميع حريصين على أن تكون «اشتراكيتنا» ابنة بيئتنا، وخصوصيتنا، هكذا كانت «اشتراكية التمليك» التي تحدث عنها كمال الدين حسين وحسين الشافعي، وحتى عبد الناصر، الذي دافع عن اشتراكية لا «تُحوّل الملاك إلى أجراء، بل تُحوّل الأجراء إلى ملاك». هذا الخطاب، الذي اتسمت به سنوات مرحلة ما بعد العدوان الثلاثي هو مثال من أمثلة عديدة على تهافت خطابات النظام حتى أكثرها تطورًا فيما بعد مرحلة الميثاق، لكن علينا أن نعود مع يونس إلى البدايات الأولى، حين سقطت تفاحة السلطة في أيدي الضباط الأحرار، سهلة، بعد أن استهلك الجميع صراع ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ سبع سنوات مزقت خلالها الحركة الوطنية حكم أحزاب الأقلية والسراي، ومزق حكم أحزاب الأقلية ثم حرب فلسطين، اليسار، واصطدم الإخوان بالسراي فتمزقوا، وتمزق الوفد وأنهكه الصراع مع السراي وحكم أحزاب الأقلية والإنجليز والخوف من الحركة الوطنية، كان صراع الجميع ضد الجميع، وأجهز حريق القاهرة على المشهد ليخرج الضباط من الرماد.

يؤكد شريف يونس أن الضباط الأحرار قدموا أنفسهم منذ البداية كأساتذة، منقذين، حيث كان تعاليهم على الشعب المصري سمة مؤسسة وسمت الإجراءات التي اتخذوها منذ البداية، فهذا الشعب في نظر الضباط -بحسب ما أورد المؤلف من اقتباسات عديدة- غير جدير، وهو «مسؤول» عن «الجرائم وعن الآثام» التي اقتُرفت في الماضي، وعليه فقد شرعوا في «تجهيز أفراد الوطن ليكونوا جيشًا واحدًا». هذه المقتطفات من تصريحات أعضاء «مجلس قيادة الثورة» على اختلاف أدوارهم، قد تكون كاشفة في نظرنا لتجاهل الضباط تاريخ نضالات الأربعينيات ضد نفس هذه الآثام والجرائم، وعدم القدرة على تحليل الصراعات التي خرج الضباط من خضمها معافين باعتبارهم خرجوا من إطار الجيش ولم يشتركوا في نضالات المدنيين، ترتب عليها أن الضباط اعتبروا أنفسهم الطليعة الثورية لشعب ممزق وفاسد، يملكون وعيًا متقدمًا، أو باستخدام تعبير هيكل «الطبيب .. الذي بدأ العملية الجراحية تحت البنج»، قبل أن يشير إلى أن المريض قد شكا وتذمر، في إشارة لأحداث مارس 1954.

هذا التعامل المتعالي مع جماهير أفرزت منظماتها الشعبية وخاضت بها نضالات الأربعينيات العاصفة، كان هو أساس ما أتى به «الطبيب»، وهو ما يؤكده يونس، فتلك الجماهير كان لا بد من وضعها تحت أقصى درجات الوصاية، وهذا يبدأ بإغلاق المجال السياسي وتدمير البيئة السياسية، لأنها أيضًا، وكأحد مظاهر فسادها، جعلت الجماهير «أشياعًا متفرقة». ولتلافي هذا العرض الخطير (التشرذم) كان قرار الضباط إلغاء الأحزاب، ولعلهم ظنوا أن الأحزاب وليدة الفراغ هي الأخرى، لا هيئات سياسية لطبقات اجتماعية أو شرائح من طبقات، لذا فقد كان التصور لبناء «الجيش الواحد» هو إلغاء الأحزاب باعتبار أنها التي خلقت التناحر. ما نلحظه أن هذا الفهم المقلوب والمشوه ظل ملازمًا لسلطة يوليو طويلًا. 

عبر التقدم في صفحات الكتاب نكتشف أن الضباط الأحرار ظلوا محتفظين بمفهومهم عن الشعب الواحد المتحد السامي فوق الطبقية والحزبية حتى مطلع الستينيات. إن الترويج لوحدة شعبية غير موجودة حقًا كان ضروريًا، هذا الخطاب الأيديولوجي الذي اعتبر أن الجميع في واحد باستثناء تلك القلة المحدودة التي مسها الإصلاح الزراعي، كان لا مفر منه لمجموعة من الضباط بلا امتداد في الشارع، وإنما يحكمون لأن الجميع ضعفاء، ولأن معهم قوة الجيش، والأهم أنهم يحكمون بالفراغ السياسي، تلك هي الحلقة الرئيسية التي يلتقطها الكتاب. لقد كان الغرض هو تفريغ الشارع، واختزال السياسة إلى «إنتاج وعمل» على حد تعبير عبد الناصر، فاحتكار السياسة كان هو سبيل الضباط الأحرار لاحتكار السلطة. ولأنهم روجوا من البداية لموضوع الشعب الواحد المتحد، فإنهم ظلوا يحاولون إنتاج خطاب سياسي يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف: العامل وصاحب العمل، الفلاح الفقير والفلاح الغني، لكن الممارسة كانت مختلفة كالعادة، وقد تجلت في ثلاثة أحداث: إعدام العامليّن مصطفى خميس ومحمد حسن البقري، الذي اعتبره شريف يونس «إرهاب عام للسكان من شأنه أن ينال تصفيق الكثيرين ودعمهم من الطبقات المالكة إلى الولايات المتحدة». بينما المالك الكبير، عدلى لملوم، الذي أطلق الرصاص على قوة الشرطة لرفضه تسليم الأرض التي ضمها الإصلاح الزراعي، حُكم عليه بالأشغال الشاقة. 

كان الغرض إذن هو تصفية العمل العام، ولعل هناك حالة جديرة بالتأمل، وهي العلاقة بين سلطة يوليو والإخوان المسلمين، ففي الخطاب الناصري الحديث، يعتبر الناصريون أن عبدالناصر كان معاديًا شرسًا للجماعة، ولعل هذا العداء الشرس تمثل لديهم في رد فعل السلطة بعد حادثي المنشية وتنظيم سيد قطب، ولعلنا نتساءل، ألا يدل هذا على أن صراع عبدالناصر مع الإخوان لم يكن صراعًا مبدئيًا، على خلفية أيديولوجية وطبقية، بل صراعًا على السلطة. ففي السنوات الأولى للثورة، حسب ما أورده يونس في كتابه، كان عبد الناصر يشارك في إحياء ذكرى حسن البنا، داعيًا الإخوان إلى العمل مثل البنا «في سبيل الرسالة السامية .. لا في سبيل أشخاص»، وقد أفرج الضباط عن قتلة النقراشي والخازندار من الإخوان، بما قد يشير إلى أن الحاسم في أمر الصدام كان محاولة الجماعة الوثوب على السلطة.

الفراغ السياسي وخطر التصدع

كانت مرحلة التطهير التي يصفها الكتاب، أي استعادة الشعب من القوى الفاسدة بيمينها ويسارها، خطوة أولى. لم يكن المستهدف هو الفساد في ذاته، بل كان الهدف هو الاستيلاء على الشعب وتأميم الشارع، لأن الاحتكام للجماهير كان إلى تلك اللحظة في غير صالح السلطة الجديدة، وبعد موجات من الاعتقال والتصفية السياسية، كان لا بد من ملء هذا الفراغ، حتى لا يتصدع وينهار من الداخل، وقد ظل هذا هو هاجس النظام منذ تأسيسه، فبقدر ما كان التطهير ومصادرة السياسة يتسعان، كان الفراغ يتمدد؛ الفراغ الذي لم يستطع صحفيو النظام ومنظروه ملئه لأنهم كانوا في الأصل منظروه وصحفيوه، وبالتالي منفصلين عن الناس وشركاء في صنع هذا الفراغ. من هنا نشأت فكرة تأسيس منظمات جماهيرية، لم تستطع أن تكون جماهيرية فعلًا. يفند يونس طبيعة كل التنظيمات التي أسسها النظام والغرض منها، ويخلص إلى أن هيئة التحرير ومن بعدها الاتحاد القومي ومن بعدهما الاتحاد الاشتراكي العربي، كانت منظمات مليونية العضوية، لكنها لم تستطع أن تمثل أحدًا، لأن الغرض منها كان تمثيل الكل، وهو ما دفع عبدالناصر إلى التعليق على شعار «كلنا اتحاد قومي» قائلًا: «إذا قولنا إن كلنا اتحاد قومي يبقى مافيش اتحاد قومي».

كما يوضح الكتاب، لم يكن الفراغ السياسي تنظيميًا فقط، فتدمير المنظمات أنتج فراغًا أيديولوجيًا. وقد كان هذا مقصودًا بالطبع، فلم يكن للضباط أيديولوجية كما قلنا، ولم يكن لهم مشروع واضح سوى في التصورات العمومية عن «ديكتاتورية الشعب» و«الديمقراطية السليمة» التي لم يكن بإمكانها الصمود في التفاعل الحر مع الماركسيين ولا حتى مصر الفتاة والإخوان، وبالتالي كان الخيار الرئيسي هو إخلاء الساحة، فعلًا لا مجازًا، والشروع في عملية هندسة اجتماعية وسياسية من بنات أفكار الضباط تحت راية الخصوصية، ومَن أقدر على ذلك سوى الطبيب: «لم أحضر هنا لتصفقوا لي، ولكني جئت لأرسم لكم دور الشعب في الثورة»، قال عبد الناصر، أو بتعبير موسى صبري عن مهمة الثورة أنها «خلق شخصية لهذا الشعب، هي إيجاد كيان للمواطن يشعر بأن تراب هذه الأرض من دمه». بهذا المنطق وعلى هديه، سار الضباط يسحقون المنظمات السياسية والنقابية والأطر الطلابية، لدرجة أنهم حلوا اتحاد طلاب الجامعة في 1952 بعد اكتساح يسار الوفد والشيوعيين، فلم تكن السلطة لترضى بأي تجمع ولو هامشي يمثل بؤرة تجميع لعرقلة «الزحف» الذي كان المرحلة التالية للتطهير في البناء التاريخي لشريف يونس، الزحف الذي هو بناء «شعب» بديل لهذا المتفسخ الفاسد، شعب جديد وفق تصورات الضباط الذين ظلوا يرددون الكثير من الكلام عن تربية هذا الشعب وفق أسس جديدة، لدرجة أنهم أرادوا جعل مشروع مديرية التحرير نموذج مصغر للمجتمع المرجو والشعب المنشود بتعبير حسين الشافعي «لا يمكن أن يُبنى مجتمع لم يتدرب أفراده ليكونوا مواطنين صالحين مدربين، فالهدف أن يكون المجتمع مدربًا تدريبًا كاملًا». 

لكن برنامج التدريب غامض، أيديولوجية المدرب غامضة، المشروع الذي سوف يشارك المتدربون في بنائه غامض، وفي نفس الوقت كان المطلوب إجماعًا على هذا الغموض، وهذا الإجماع لا يمكن بناؤه، كما يقول يونس، إلا بالصمت التام والاستماع لـ«أصحاب الرسالة»، أي تلقي ما يسقطه الضباط على المجتمع من مفاهيم، وعلى أرضية هذا الفراغ السياسي المتعاظم، الذي عكس أيضًا خوفًا مزمنًا من الجماهير، على أرضية هذا الفراغ انطلقت رحلة الضباط التجريبية، وانطلقت أيضاً التفاعلات وانقلابات القصر التي خضعت لتوازنات قوى السلطة الحاكمة وأجنحتها، في سيرها لحتفها في 1967.

يمكننا القول إن السياسة صارت، وبالطبع الاقتصاد كأساس، نوعًا من المونولوج، فالشعب، كل الشعب، في القاعة يتلقى طبعات من الوطنية، عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي، الاشتراكية الديمقراطية التعاونية أو الاشتراكية العربية أو التطبيق العربي للاشتراكية، أولويات الخطة الخمسية وتفضيلات الإنتاج للسلع المعمرة أم التصنيع الثقيل. كل هذه المسائل كانت تعد طلاسم، لكنها مغلفة بدعاية مكثفة؛ دعاية المطرب الذي جمع الجمهور في القاعة وأغلق أفواههم وبدأ يغني ما يحلو له، وقد ظن أن غناءه دون النوتة الموسيقية سوف يجعل كل ما يقوله مقبولًا، والأوركسترا من ورائه كلٌ يحاور آلته بما تنطق، فما كان من الجمهور إلا أن سد آذانه، فراح المطرب وفرقته يشتكون من سلبية الجماهير. 

لكن المطرب لم يدرك -أو تجاهل- أنه إنما صنع هذا الفراغ كي تملأه أنشودته، كان الخطاب في وادٍ والممارسة في وادٍ، والخطاب هو احتكار للسلطة، والممارسة لا يمكنها إلا أن تكون في منظمات السلطة، وحين أنشأت السلطة برلمانًا كان صوريًا منزوع الصلاحيات، والدساتير تصاغ وتتعطل، وهو ما يسميه يونس «مأسسة الفراغ» فكل الهياكل خاضعة -برأيه- للعقلية الانقلابية، وبالتالي صار كل شيء جائزًا وخاضعًا لمنطق أمن النظام، بينما كانت انتصارات عبد الناصر الخارجية؛ التي كانت ذروتها في العدوان الثلاثي، هي ما خلق زعامته التي كانت الجسد الرئيسي الذي سد فراغ السياسة في مصر، وقد اعترف هو شخصيًا بأن المنظمات التي بنتها السلطة ليست فعالة رغم الجمع في آلية تأسيسها بين الانتخاب والتعيين، وبالطبع كان كل ذلك يمر عبر أقنية الأمن، وفي هذا الإطار يمكننا أن نضيف أنه حين خرج الشيوعيون من المعتقلات بعد تسوية تقضي بحل تنظيماتهم، نشط البعض منهم في سرادقات دعايا الاتحاد الاشتراكي، ما سبب إزعاجًا اقتضى مناقشة الأمر في اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، حيث قال عبدالناصر صراحة أنهم أنشط وأكثر قدرة على التنظيم، بما يعني اعترافه بأن كل وثائق الثورة ومحاولاتها التنظيمية لم تكن بفاعلية عشرات الأفراد عادوا من اعتقال طويل ليناوشوا نظامًا في قمة جبروته.

الميثاق

يعد الميثاق هو درة محاولات نظام يوليو لإنتاج أيديولوجيا، لكنه خرج كمجموعة مبادئ نتجت عن مساومات بين أجنحة السلطة، ويعتبره يونس ترسيخًا لمرحلة جديدة، أدرك فيها النظام أن وهم الشعب الواحد المتحد وإلغاء الصراع الطبقي عبر تكرار الإعلان عن غيابه في مصر لخصوصيتها لم يؤتِ ثماره: الرأسمالية المصرية أحجمت عن المشاركة في التنمية، الوحدة المصرية السورية سقطت بشراكة من داخل جسد النظام نفسه، التنمية أمام مفترق طرق، ما أدى إلى السعي لصياغة هذا الميثاق كي تتمحور حوله الصراعات داخل الاتحاد الاشتراكي، أي أنه طالما الصراع حقيقة فإن علينا تحجيمه، أي أن دور الميثاق كان رسم الحدود أو سقف هذا الصراع، وهو بالطبع صراع لا يمكن بحال أن تشترك فيه الجماهير. كانت الفكرة هي أنه إذا لم يفتح النظام قنوات للصراع تكون تحت قبضته، فإن الصراع سوف يشق مجراه بما يهدد النظام نفسه أو كما أوجز عبدالناصر نفسه «وبعدين إذا ما بانتش الحقيقة رغبات الناس المكبوتة دي حيعملوا عمل سري». على هذا يكون الميثاق طريقة مختلفة لإدارة الفراغ السياسي بضغط المستجدات الموضوعية. بالطبع كانت كل الإجراءات الاستثنائية والتفريغ المستمر للسياسة تجري تحت شعارات تتراوح بين التبرير والخداع؛ فالديمقراطية صارت بالأساس ديمقراطية اجتماعية، وبالبحث في مضمونها نجد انحيازًا للبرجوازية المتوسطة، بينما حصل العمال والفلاحون على فتات في إطار مبادلة المكاسب بالتأييد، على حد تعبير يونس. والنظام يصادر الجميع لأنه مهدد، لكنه في الحقيقة لا يصادر الجميع، بل يصادر من يتحصلون على الفتات فقط. فنظرة على تركيب التنظيمات السياسية تؤكد لنا أنها كانت تخضع بالكامل لأغنياء الفلاحين وللبرجوازية البيروقراطية في المؤسسة الاقتصادية والجهاز البيروقراطي للدولة. هذا الخطاب المزدوج سمحت بتمريره الزعامة الكاريزمية لعبد الناصر، والارتباط الفعلي بينه وبين جماهير كافحت طويلًا ضد حكم الأجانب.

بقدر ما اتضحت التشققات في قلب النظام، وبقدر ما اتضحت الحاجة إلى حسمها، سعى عبد الناصر لممارسته المفضلة.. تجميده الوضع، وبالتالي ظلت أيديولوجيته تراوح مكانها وعاجزة، لأنها كانت تسعى لتجميد صراع قائم، لذا صدر الميثاق مبتورًا يغازل الكل، وصدر ملحق له سُمي بتقرير الميثاق، يصفه الكاتب بأنه تعبير عن الوجود الفعال لليمين الإسلامي والمحافظ للنظام، والذي كان من أبرز وجوهه كمال الدين حسين وحسين الشافعي، وأصوات من المؤسسة الدينية كالشيخ محمد الغزالي، الذي وقف ليعبر عن وجود التيار الديني برغم ما حاق بتنظيماته السياسية من ضربات أمنية، لكننا نعتقد أن هذا الفراغ الذي انتهى بأنه احتكار للسياسة كان موجهاً ضد الماركسيين تحديدًا، فراغ نما فيه كل ما حاول النظام تقديم نفسه باعتباره معاديًا له. إنه الفراغ الذي سمح بإعادة إنتاج شروط بقاء النظام كحالة طوارئ أو كنظام انتقالي بوصف المؤلف، حيث صار الاستثناء قاعدة بحاجة لمن يُلبسها خطابًا أيديولوجيًا يضفي عليها صفة الطبيعية.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
نواف القديمي

الدولة القوية والمجتمع المُنقاد

«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).