تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الضرورة والاختيار في تاريخ نظام يوليو

عبد العظيم حماد
9 دقيقة قراءة
الضرورة والاختيار في تاريخ نظام يوليو

لم يكن الأستاذ محمد حسنين هيكل هو مخترع نظرية الضرورة حين وصف، في 2013، وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي بأنه مرشح الضرورة. وفي حقيقة الأمر، لم يكن الرجل كاذبًا أو مجاملًا في هذا الوصف. فهذه كانت ولا تزال معطيات الحياة السياسية المصرية منذ استيلاء ضباط يوليو، بقيادة جمال عبد الناصر، على السلطة يوم 23 يوليو 1952، بغض النظر عمّن لا يحب ذلك ويتمنى عكسه، وبغض النظر عن معايير النجاح والفشل في الوفاء بالتعهدات المعلنة، ذلك أن المؤرخ والمحلل السياسي ليس من حقهما منهجيًا أن يصدرا أحكامًا بالتمني، ولا بافتراض سيناريوهات غير واقعية.

لا تعني هذه المقدمة قط التمهيد لتبرير كل سياسات نظام يوليو في عهوده أو أطواره المتتالية، ولكنها تعني ببساطة أنه في كل انتقال من طور إلى آخر -بدءًا من لحظة الاستيلاء على السلطة- كانت الضرورة تفرض بقاء الحكم في أيدي الضباط، وذلك لانعدام وجود البديل المجتمعي، الذي كان غيابه -ولا يزال- اختيارًا واعيًا ومقصودًا من النظام اليوليوي، يساعده في ذلك تفسخ الطبقة السياسية التي كونتها ثورة 1919، وعجزها عن إعادة إنتاج نفسها، في الوقت الذي نجح نظام الضباط في إعادة إنتاج نفسه في كل مرة.

نتناول النقاط السابقة نقطة نقطة:

1- أصل نظرية الضرورة السابق إعلانها على لسان هيكل في 2013. يظهر ذلك بوضوح لمن يعود إلى كتاب «فلسفة الثورة» لجمال عبد الناصر نفسه، الذي يقرر فيه أن كل أطراف الحياة السياسية في مصر وصلت إلى طريق مسدود بالكامل عقب حريق القاهرة، وأن المسيرة المتسارعة نحو هذا الطريق المسدود بدأت بالهزيمة في حرب فلسطين عام 1948، ولم يعد بوسع أية قوة في البلد فتح طريق جديد، فكان الواجب (أو الضرورة) يحتم على الجيش أن يتقدم لفتح ذلك الطريق الجديد.

وفي كتابه «سقوط نظام! لماذا كانت ثورة يوليو 1952 لازمة؟» يقول الأستاذ هيكل إنه بعد حريق القاهرة، وإقالة الملك للحكومة الوفدية، ورضوخ «الوفد» كعادته للإقالة كانت السلطة «مرمية» على أرض شوارع القاهرة، ولم يتقدم أحد لالتقاطها سوى الضباط.

وكان المستشار طارق البشري أعمق تأصيلًا لهذا العجز في كتابه المهم «الحركة السياسية في مصر 1945 إلى 1952» حين قال إن إضراب ضباط البوليس -غضبًا من تعرض زملائهم لمذبحة على أيدي قوات الاحتلال البريطاني في الإسماعيلية، والذي صادف يوم حريق القاهرة- كان يعني إعلان نهاية الدور التاريخي لحزب الوفد، مثلما كان يعني انهيار نظام ثورة 1919، أو نظام دستور 1923 بالكامل، ولمّا سألته: لماذا لم يقاوم «الوفد» قرار الإقالة الملكي هذه المرة؟، بما أنه كان في حالة كفاح مسلح ضد القاعدة البريطانية في قناة السويس، ترتبت على إلغائه معاهدة 1936، كانت إجابة البشري أن «الوفد» تأسس للسعي لاستقلال مصر بالطرق السلمية، ومن ثم فالكفاح المسلح لم يكن في قدرته منذ البداية، خاصة عندما يكون هو الذي يتولى السلطة، ولذا فقد سقط «الوفد» في تناقض الرغبة مع القدرة، وتناقض البداية مع النهاية، ولو كان ممكنًا تطوير حزب الوفد من داخله تحت قيادات جديدة من الطليعة الوفدية مثلًا، فربما كان الحزب قد تمكن من تبني برنامج جديد يستجيب للمطالب الاجتماعية ويربطها بقضية الاستقلال، ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث، ومعنى أنه لم يحدث أن «الوفد» بقيادته القديمة وطليعته كان يستحيل أن يتطور إلى حزب ثوري.

ويمكنني أن أضيف إلى رأي البشري أن الطليعة الوفدية كانت قد فقدت، بموت عزيز فهمي غرقًا (وهو ابن القطب الوفدي عبد السلام فهمي جمعة باشا) عقلها المفكر وروحها المحركة والقائد القادر على المبادرة. ومما له دلالة مهمة في هذا السياق أن أحدًا في مصر وقتها لم يقبل رواية غرق عزيز فهمي دون تدبير من القصر الملكي أو مخابرات الاحتلال أو كليهما معًا.

ومن المفارقات هنا أن الملك فاروق هو الذي كان يستعد لمرحلة ما بعد انتهاء طبقة ثورة 1919 السياسية، إذ تُجمع كل المصادر على أنه انتوى إبطال الدستور، والحكم بمراسيم وأوامر ملكية مباشرة، وأن تلاعبه بحكومات ما بعد حريق القاهرة، والتي بلغ عددها أربع حكومات في ستة أشهر، كان جزءًا من هذه الخطة، وأنه، أي الملك، جهز رجال هذا الانقلاب الذين يتولون رئاسة حكوماته غير الدستورية، وكانوا جميعًا شخصيات تحظى بالشهرة أو باحترام الرأي العام، وهم بالاسم: عبد الحميد بهجت بدوي، رئيس لجنة قضايا الحكومة وممثل مصر في مؤتمر سان فرانسيسكو المؤسس لهيئة الأمم المتحدة، ثم مرتضى المراغي، وزير الداخلية الأسبق وابن شيخ الأزهر الأشهر والمقدر كثيرًا لدى المصريين محمد مصطفي المراغي، أول من حمل لقب الإمام الأكبر، ثم بهي الدين بركات، المنتمي إلى أسرة سعد زغلول، ولكنه غير وفدي، بالإضافة إلى نجيب الهلالي، المنشق عن الوفد، والمقدر بدوره لدى الرأي العام لتركيزه على مكافحة الفساد، والذي استولى الضباط على السلطة ليلة تكليفه بتشكيل حكومته الثانية.

كل ذلك وزعيم الوفد مصطفى النحاس باشا يستشفي في سويسرا يرافقه الرجل الثاني في الحزب فؤاد سراج الدين. وكل ذلك أيضًا في ظل قطيعة بلا عودة بين القصر وبين أحزاب الأقليات التي كان الملك يوظفها بديلًا لحزب الأغلبية ومواليًا للقصر، وذلك بسبب ما يعرف في تاريخ مصر في تلك الحقبة بـ«عريضة المعارضة» المقدمة للملك من تلك الأحزاب، والتي كانت تحتج بألفاظ خشنة على ما وصفته بسكوت صاحب الجلالة على أخطاء الحكومة الوفدية، وهي العريضة التي وصفها الملك نفسه بأنها إجرام في إجرام، ومن الناحية الأخرى كانت تلك الأحزاب قد فقدت قياداتها التاريخية القوية بمقتل أحمد ماهر والنقراشي في حالة السعديين، ووفاة محمد محمود باشا في حالة الأحرار الدستوريين، فضلًا عن احتراق إسماعيل صدقي (المستقل) شعبيًا.

كانت المحصلة النهائية لكل ذلك هي عجز النظام حتى عن إدارة مهام الحكم اليومية، إضافة إلى الفشل في التقدم خطوة واحدة على طريق الإصلاح الاجتماعي للاختلال المروّع في توزيع الثروة والدخل، وتجمد المسألة الوطنية ببقاء الاحتلال.

تلك كانت أسباب وأعراض النشأة الأولى لنظرية الضرورة، ومن المؤكد أنها هي التي صنعت القبول لدى الكتلة الشعبية الأكبر بنظام الضباط في البداية، حتى أن كبار مثقفي مصر الليبراليين رحبوا بهم في البداية، وأخص طه حسين وعباس العقاد ولطفي السيد وتوفيق الحكيم.

2: كيف أصبحت هذه الضرورة أبدية في كل مراحل نظام يوليو؟

في الكتاب نفسه، أي «فلسفة الثورة»، يقول عبد الناصر: «أما الطريق فهو الحرية السياسية والاقتصادية. وأما دورنا فيه فدور الحراس فقط، لا يزيد ولا ينقص. الحراس لمدة معينة بالذات، موقوتة بأجل». ولم يكن ذلك ما حدث، وهنا جاء الاختيار، فلم تكن الضرورة هي التي فرضت على ناصر ورجاله توظيف المرحلة الانتقالية في تصفية أية إمكانية للمجتمع في تشكيل البديل أو حتى الشريك السياسي المدني، ولكن اختيار الضباط لمبدأ احتكار الحكم والسياسة هو الذي دفعهم إلى اختيار حل الأحزاب نهائيًا، وتجريم أية محاولة لإعادة بعثها، أو إنشاء أحزاب جديدة.

والاختيار هو الذي جعلهم يفتحون المعتقلات لأي تحرك سياسي منظم، ولكل احتجاج شعبي، وكان الاختيار لا الضرورة وراء تصفية أو تحجيم كل أشكال العمل المدني المنظم، من النقابات بأنواعها إلى الجمعيات الأهلية، بل والنوادي الاجتماعية والرياضية، وصولًا إلى جمعية الرفق بالحيوان، كما كتبت ساخرًا في مناسبات سابقة.

ثم كان الاختيار -وليست الضرورة إلا من أجل انفرادهم بالسلطة- هو الذي أوصل إلى تآكل استقلال المؤسسات ذات الطبيعة المستقلة، كالجامعات، والقضاء، والصحافة.. إلخ. وبعدها جاء القضاء على الاستقلال الاقتصادي بتأميمات 1962 و1964 التي قضت على الرأسمالية الوطنية الجنينية، ثم أنهم شغلوا كل المناصب الممسكة بمفاتيح العمل السياسي؛ فالرئيس ضابط، ورئيس الوزراء ضابط، ورئيس البرلمان أيضًا ضابط، وقيادات التنظيمات السياسية الشعبية من زملائهم الضباط، وكذلك أغلب المحافظين، ونسبة كبيرة من قيادات القطاع العام، بل وتولى ضباط مناصب النقباء في عدد من النقابات والاتحادات النوعية.. إلخ.

سوف يتبين لنا أن تلك كلها لم تكن ضروريات إذا عقدنا مقارنة بين ذلك الذي فعله نظام يوليو في مصر، وبين ما فعله ضباط آخرون استولوا على السلطة في بلاد أخرى مشابهة، وفي ظروف مشابهة أيضًا. فمثلًا لِمَ لم يصادر مصطفى كمال أتاتورك -برغم ديكتاتوريته- حرية تشكيل الأحزاب، ولم يضطهد النقابات، ولم يصادر الاستقلال الاقتصادي للقطاع الخاص، وبقيت الجامعات والقضاء والصحافة تتمتع بقدر معقول من الاستقلال عن السلطة، وكذلك لم يفعل إبراهيم عبود في السودان ما فعله ضباط يوليو، ولأن الأحزاب كانت قوية فلم يستطع خلفاء عبود الانقلابيون، مثل جعفر نميري وعمر البشير، اجتثاثها من التربة السياسية السودانية، وهو أيضًا ما لم يفعله أو ما لم يستطع فعله أيوب خان ولا ضياء الحق ولا برويز مشرف في باكستان، فكانت الثمرة هي وجود بديل مدني جاهز أو شبه جاهز لتولي السلطة، أو المشاركة فيها، أو المطالبة بها، عندما تتأزم الأوضاع، ويضطر العسكريون إلى مشاركة المدنيين أو مغادرة السلطة بالكامل.

لم يتوافر شيء من ذلك لمصر قط، إلا في لحظة يناير 2011، لكن الفشل كان حتميًا بسبب انعدام التنظيم من ناحية، وانعدام الخبرة من الناحية الأخرى لدى القوة الوحيدة التي كانت منظمة نسبيًا، مما هو معروف للكافة ولا داعي لتكراره.

كذلك سوف يتبين لنا أن ذلك الاختيار الواعي لتدمير إمكانيات التنظيم والحركة السياسية في المجتمع جعل استمرار النظام بعد هزيمة يونيو 1967 المروعة ضرورة، ففي تلك اللحظة لم يوجد بديل مدني يطالب، فضلًا عن أن يقود حركة جماهيرية تستولي على الحكم، والأدهى أن كبار قادة القوات المسلحة وقتها، سواء من فريق عبد الناصر أو من فريق عبد الحكيم عامر، لم يمتلك أي منهم الإرادة والشجاعة ليقول: كفى، ويزيح ضباط يوليو جميعهم، وكانت الأسماء كثيرة وثقيلة الوزن مثل الفرقاء: محمد فوزي وعبد المنعم رياض وعبد المحسن كامل مرتجي والليثي ناصف ومحمد صادق. إلخ، بل إنهم تصرفوا كمرؤوسين في انتظار ما يقرره الخمسة الكبار المتبقين من مجلس قيادة ثورة يوليو.

وقد أصبح إعمال مبدأ الضرورة نمطًا متكررًا بعد وفاة جمال عبد الناصر، حيث البلاد في حالة حرب، وبعد اغتيال أنور السادات، حيث قُتل الرجل وكل المعارضة الجنينية وقتها في معتقلاته، بعد أن كان هو نفسه قد تنكر لمبدأ التعددية الحزبية الذي تبناه، وحيث كان شبح الإرهاب «الديني» يخيم على كل شبر في مصر، فكان التوارث من داخل نظام يوليو هو الحل الإنقاذي العاجل، ولكن مع طول مدة بقاء حسني مبارك، وظهور أعراض الإجهاد والفساد على النظام، وانحياز السياسة الاقتصادية للأغنياء، وانحصار مصر في فئة الدول متوسطة الدخل القومي، وتزايد الصراعات داخل النظام، وبالذات حول مشروع توريث الحكم لجمال مبارك، تهيأت الفرصة للحركة السياسية المدنية، وجاءت ثورة يناير 2011 كذروة لعودة المدنيين للحياة السياسية المصرية، وفي الوقت نفسه كإعلان لانتهاء حقبة يوليو بكل حسناتها وسيئاتها، باعتبار أن نظام يوليو انتهت صلاحيته، أو انقضى عمره الافتراضي، لكن ولنقل إنه تأكد مرة أخرى أن بديل الشريك المدني الحديث لم يظهر، أو بالأحرى لم يكن موجودًا وجاهزًا بعد.

هل يعني ذلك أن رؤساء يوليو المتعاقبين كانوا مضطرين للانصياع لهذه الضرورات، ولا وسيلة لديهم لتفاديها؟ الإجابة: قطعًا لا. فإذا سلمنا بمبدأ الضرورة في لحظة تولي كل منهم السلطة، فإن الفرص كانت دائمًا متاحة لكل رئيس بعد استقرار الأوضاع، ليس للتنازل مثلًا عن الحكم، ولكن لرفع الوصاية السلطوية على المجتمع، وإتاحة حرية النمو الطبيعي المتوازن للتنظيمات الشعبية والنقابية، وبالتالي كسر معادلة السلطة القوية مقابل المجتمع الضعيف. ولنعد إلى الوصف الذي أوردناه آنفًا منسوبًا لجمال عبد الناصر نفسه، لدور الضباط في كتاب «فلسفة الثورة» حين قال: «إن دورنا هو دور الحارس لمدة معينة لا تزيد ولا تنقص»، أو لنتذكر المبدأ القانوني والدستوري، بل والفلسفي، القائل بأن الضرورة تقدّر بقدرها، وأن الضرورات لا تبيح جميع المحظورات، خاصة مع تطاول الزمن.

عن الكاتب

عبد العظيم حماد

عبد العظيم حماد هو كاتب صحفي، رئيس تحرير الأهرام والشروق سابقا. حاصل على بكالوريوس علوم سياسية من جامعة القاهرة عام ١٩٧٢. ويعمل بالصحافة منذ عام ١٩٧٤.عمل مديرًا لتحرير الطبعة العربية للأهرام، ومراسل الأهرام في ألمانيا ووسط أوروبا (٢٠٠٠ - ٢٠٠٥) ​له كتب و أبحاث…

آراء أخرى

رأي
نواف القديمي

الدولة القوية والمجتمع المُنقاد

«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).