السوابق المصرية في تغيير مشاهد المسرحية السياسية
السطور التالية من وحي المشهد في استاد القاهرة يوم 15 يوليو الحالي، لما سُمي «المشروع القومي حياة كريمة»
***
من الخصائص التي لم تُبحث جيدًا في تاريخ نظام ضباط يوليو 1952 اتباع نمط مطرد من تكتيكات تغيير قواعد اللعبة السياسية أو المشهد الداخلي، كلما واجه النظام أزمة كبيرة في الداخل أو في الخارج.
في أحيان قليلة كان الهدف هو معالجة الأزمة بجدية، وأحيانًا أكثر كان الهدف هو القفز فوق الأزمة، وفي كل الأحيان لم يؤدِ هذا التكتيك إلى تغيير جوهري في طبيعة الحكم الفردي نحو تعددية ومشاركة سياسية حقيقية في صنع السياسات واتخاذ القرارات. لكن مع ذلك فقد كان تغيير المشهد يتيح قدرًا -تجريبيًا وموجهًا- من الانفراج في الطبيعة السلطوية للنظام. وكان ذلك التكتيك يسير جنبًا إلى جنب -ودون تعارض- مع تكتيكات الإلهاء الإعلامي المتعارف عليها في علوم الاجتماع السياسي والإعلام، والتي هي من أخص خصائص النظم السلطوية، ومن أغلى وأشهر ما تملكه تلك النظم في مواجهة الرأي العام المحلي.
كانت أولى أكبر الأزمات التي واجهها نظام يوليو في حقبته الناصرية هي انفصال سوريا عن دولة الوحدة مع مصر في سبتمبر عام 1961 بانقلاب عسكري. وفُهم وقتها -بحق- أن القوى السياسية التي حرضت ومولت ودبرت الانقلاب الانفصالي هي ما كان يسمى بالرجعية العربية، أي السعودية والأردن، وما كان يسمى بالرجعية المحلية في سوريا، أي الإقطاعيين الزراعيين والرأسماليين الصناعيين والتجاريين. وكما يذكر المخضرمون، فقد كان التنظيم السياسي القائد والوحيد لدولة الوحدة هو الاتحاد القومي. وهو ذاته كان قد تأسس في مصر أولًا، على إثر أزمة خلافية بين جناح محمد نجيب وخالد محيي الدين من جهة، وعبد الناصر وباقي أعضاء مجلس قيادة الثورة من الجهة الأخرى، للانتقال من مشهد الحكم العسكري المباشر ممثلًا في مجلس قيادة الثورة والإعلانات الدستورية المؤقتة، إلى مشهد الرئيس المستفتى عليه شعبيًا والدستور الدائم والانتخابات البرلمانية. ومع أن تلك النقلة في المشهد تدخل في صميم موضوعنا فلن نستطرد فيها، استبقاءً لمساحة هذا المقال لما تلا ذلك من أزمات واستجابات، بعد أن كان النظام قد اجتاز تلك الأزمة المبكرة بين ناصر ونجيب.
قلنا إن أزمة انفصال سوريا كانت الأولى في سلسلة الأزمات الكبرى التي واجهت نظام يوليو في حقبته الناصرية، فكيف طبق عبد الناصر تكتيك تغيير المشهد السياسي الداخلي في مصر لاحتواء تلك الأزمة والقفز فوقها؟ وما هي نوعية وأشكال الانفراج السياسي التي أتاحها ذلك التغيير وكيف انتكست؟
كان أول درس استخلصه النظام وقتها هو أن خصومه المذهبيين والطبقيين لا يزالون أقوياء، وقد يكونون قادرين بالتحالف مع «الرجعية العربية والإمبريالية العالمية» بمصطلحات تلك الأيام، على الإطاحة به. ولذلك فإن أهم خطوات الوقاية وأكثرها إلحاحًا هي تصفية هذه القوى بالتوسع في التأميم، الذي امتد ليشمل الرأسمالية الصناعية (علمًا بأنني أرى أن مصر خسرت كثيرًا بسبب تأميم القطاع الصناعي الخاص) وليشمل التأميم أيضًا المؤسسات المالية كالبنوك وشركات التأمين. لكن، هذه الخطوات جاءت في سياق مشروع سياسي جديد وشامل، بغض النظر عن حكمنا عليه سلبًا أو إيجابًا. وكان هذا المشروع يحمل اسم تحالف قوى الشعب العاملة في إطار تنظيم جديد، هو الاتحاد الاشتراكي العربي، لعزل تلك القوى التي يتوجس منها النظام، ويصنفها كقوى رجعية معادية للثورة وللشعب العامل. وكما نتذكر فقد انبثق هذا التنظيم عن مؤتمر شامل منتخب حمل اسم المؤتمر الوطني للقوي الشعبية، أقر مشروع ميثاق العمل الوطني، الذي يُعد، عند المتفقين معه والرافضين له، أهم وثيقة سياسية للحقبة الناصرية. وللحق فقد اتفق مؤيدو عبد الناصر وأغلب خصومه على أن جلسات ذلك المؤتمر شهدت انفتاحًا غير مسبوق ولا ملحوق في تلك الحقبة في الحوار والمناقشات والانتقادات والاقتراحات.
كانت أهم النتائج السياسية لذلك المؤتمر هي إجراء ما يمكن أن يسمى، بمصطلحات اليوم، مصالحة وطنية شاملة بين مكونات ما يسمى، بمصطلحات اليوم أيضًا، بالتيار الرئيسي في المجتمع، وكان مؤدى ذلك هو اتساع الاتحاد الاشتراكي لمشاركة اليسار الشيوعي واليمين الديني، إضافة بالطبع للتيار القومي بشقيه المصري الوطني والقومي العربي، وفي هذا السياق أفرج عن جميع المعتقلين السياسيين من كل الاتجاهات، ويذكر كاتب هذه السطور جيدًا كم تباهى جمال عبد الناصر في خطابه في عيد الثورة عام 1965 بأن مصر لم يبقَ فيها معتقل سياسي واحد.
كانت تلك هي الانفراجة الكبرى في تغيير المشهد السياسي استيعابًا لأزمة الانفصال السوري، أو قفزًا فوقها. وبغرض استكمال هذا الفصل من القصة يقتضي الإنصاف أن نعترف أن السلطوية سرعان ما عادت أعنف وأشرس، فانفتحت المعتقلات على مصرعيها، وعُلقت المشانق، وتغولت دولة المخابرات بتعبير ناصر نفسه في ما بعد، وتواصلت بتوسع عمليات فرض الحراسة على الممتلكات. وقد كان لهذه الانتكاسة المروعة سبب مباشر هو اكتشاف مخطط التنظيم القطبي في جماعة الإخوان المسلمين عام 1966 لقلب النظام بالاغتيالات والتخريب واسع النطاق. وبما أن كشف هذا المخطط جرى بمعرفة المؤسسة العسكرية، وليس بواسطة أجهزة وزارة الداخلية، فقد كان ذلك إيذانًا بمزيد من عسكرة الدولة، وصولًا إلى لجنة تصفية الإقطاع برئاسة عبد الحكيم عامر شخصيًا في أعقاب حادثة كمشيش الشهيرة، التي فُسرت على أنها مؤشر على قوة كامنة لطبقة الإقطاعيين القدامى.
ذلك هو المناخ السياسي الملتهب الذي وقعت فيه هزيمة 1967 العسكرية الفاجعة، وقد تكفلت هذه الهزيمة بتغيير المشهد السياسي على مستوى القيادة بابتعاد عامر كشريك مساوٍ لناصر في السلطة. لكن ذلك لم يكن كل شيء، إذ سرعان ما عبَّرت الهزيمة عن نفسها في سلسلة من الاحتجاجات الشعبية -عمالية وطلابية- واسعة النطاق لأول مرة ضد ناصر ونظامه، وبلغت تلك الاحتجاجات ذروتها مع افتتاح الجامعات في خريف 1968، حيث اضطر النظام لإغلاق الجامعات مدة تزيد على 50 يومًا، فكيف حاول عبد الناصر تغيير المشهد، استجابة لتلك الأزمة الكبيرة، أو استيعابًا لها، أو قفزًا فوقها؟
كانت البداية دعوة المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي إلى دورة طارئة، وكما حدث بعد أزمة انفصال سوريا أطلق العنان للحوار والمناقشات والانتقادات والاقتراحات، وكان التركيز واضحًا على قضايا الحريات، وما عُرف وقتها بـ«القوانين سيئة السمعة» مما أسفر في نهاية المطاف عما يُسمى ببيان 30 مارس (1969) الذي أُقر في استفتاء شعبي، والذي تضمن إعادة بناء التنظيم السياسي بالانتخاب المباشر «من القاعدة إلى القمة» ومراجعة القوانين المقيدة للحريات، والحد من الإجراءات الاستثنائية، وإنشاء المحكمة الدستورية (التي تشكلت بعد وفاة جمال عبد الناصر) وعدة تعهدات أخرى لتطبيع الحياة السياسية، أو الإيحاء بتطبيعها إذا تحرينا الموضوعية.
يمكنني أن أصف بأثر رجعي المحاولة الأولى لتغيير المشهد السياسي بعد انفصال سوريا بأنها كانت تستهدف معالجة الأزمة بتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالحة الوطنية، وليس المصالحة الشاملة بالطبع. ويمكنني وصف المحاولة التي جرت بسبب المظاهرات الطلابية والعمالية الواسعة والمتكررة بعد هزيمة 1967 بأنها كانت احتواءً أو تبريدًا للأزمة والقفز فوقها.
على أية حال، تعامل أنور السادات مع الوضع الداخلي بالتكتيك نفسه عندما تولى الرئاسة، فقد هيأت له أزمة مايو 1971، التي كانت صراعًا على السلطة بينه وبين مع مجموعة علي صبري وشعراوي جمعة، الفرصة لتغيير المشهد بصورة بدت واعدة في حينها. إذ أنه بمشورة حلفائه من اليمين واليسار تبنى سيناريو لإخراج المشهد على أنه صراع بين الشرعية وحكم القانون وإلغاء الإجراءات الاستثنائية من جهة، ومراكز القوى الرافضة لكل ذلك، والتي سعت إلى تفريغ بيان 30 مارس من مضمونه، على حد تعبيره، من ناحية أخرى.
وتبعًا لهذا السيناريو فقد وُضع دستور دائم يحدد فترات الرئاسة بفترتين ( وقد انقلب هو نفسه على هذا النص وعدله ليبقى مدى الحياة) وأعيد لمصر اسمها بعد أن ظلت تحمل اسم الجمهورية العربية المتحدة رغم انفصال سوريا، وتشكلت المحكمة الدستورية، وصُفيت المعتقلات والحراسات، وأُلغى الكثير من التدابير الاستثنائية المقيدة للحريات. كان ذلك ما وفر للسادات غطاءً من التأييد الشعبي والمؤسسي مكنه من احتواء الحركة الطلابية المتذمرة بقوة من حالة اللاسلم واللاحرب. وكذلك تحركات بعض كبار المثقفين في عام 1972، وصولًا إلى حرب أكتوبر في العام التالي، التي بدا لوهلة أنها حلّت كل مشكلاته.
لكن، تعثر مفاوضات السلام، ثم الخلاف حول الإدارة السياسية لنتائج حرب أكتوبر، والأهم اشتعال التضخم والتهاب الأسعار بسبب سياسته للانفتاح الاقتصادي، الذي تحول إلى انفتاح استيرادي استهلاكي سفيه.. كل ذلك أعاد الوضع الداخلي إلى حالة التأزم الحاد، خاصة مع تجدد المظاهرات العمالية. فكيف استعان السادات بتكتيك تغيير قواعد اللعبة، أو إحداث نقلة في المشهد السياسي، في الحدود التي أوضحناها في الفقرة الأولى؟
كانت الفكرة هنا هي التخلص على مراحل من التنظيم السياسي الواحد الأوحد، وبدء التعددية من داخله تحت مسمي المنابر، ثم السماح بتشكيل الأحزاب السياسية وبإصدار الصحف الحزبية، وإلغاء ذلك التنظيم الواحد كليةً. وكان ذلك أيضًا في بدايته تغييرًا واعدًا بغض النظر -لأسباب تتعلق بنقطة تركيزنا في هذا المقال- عما آلت إليه التطورات بعد ذلك من انقلاب الرجل على كل هذه التعهدات، بتفريغ التعددية من مضمونها وبالعودة للقوانين الاستثنائية الباطشة، ثم الاعتقالات متدثرة باستفتاءات وزير داخليته النبوي إسماعيل المزورة. لكن الشاهد على جدوى تغيير المشهد السياسي بشيء من الانفراج أو شيء من تطبيع الحياة السياسية في تخفيف احتقان الأزمات الداخلية، يبقى قائمًا وصالحًا.
أما حسني مبارك، فقد انتبه متأخرًا للغاية لضرورة تغيير المشهد. وتمثلت المحاولة في قراره بتعديل الدستور لتغيير طريقة انتخاب الرئيس من الاستفتاء على مرشح واحد إلى الانتخاب المباشر بين أكثر من مرشح، ولكن لأن التغيير جاء متأخرًا ،ولأنه فُهم كتمهيد لتنفيذ خطة توريث الحكم لجمال مبارك، فقد كانت النتائج عكسية تمامًا، علمًا بأن هذا التغيير أتاح أيضًا قدرًا غير مسبوق في نظام يوليو كله من حرية التعبير.
آراء أخرى
العودة إلى منطق السياسة.. دليلك نحو «الاستبداد العقلاني»
«في معظم دول العالم، من يضع الحدود للجهاز الأمني ويمنع طغيانه هو القرار السياسي»
الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»
عن وهم السلطوية والتنمية في الصين
«ما من علاقة عضوية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد