تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

مصر والخروج إلى أزمات الإقليم

محمد سعد عبد الحفيظ
6 دقيقة قراءة
مصر والخروج إلى أزمات الإقليم

لم يكن العامان الأخيران كالأعوام السابقة عليهما بالنسبة للسياسة الخارجية والدور الإقليمي لمصر، فبعد سنوات مما يمكن وصفه بالانكفاء على الشأن الداخلي في أعقاب أحداث 30 يونيو 2013 لمواجهة خطر الإرهاب في سيناء، والفوضى في الداخل، بدا أن صناع القرار في القاهرة أدركوا أن لمصر دورًا إقليميًا لا يمكن أن تتجنبه، وأن ثمن عدم ممارسة هذا الدور يفوق بكثير ما يمكن أن يحققه الانكفاء على الداخل. 

على مدار العامين الماضيين عملت مصر على استعادة ما فاتها بعد عقد من التراجع، وتصدت مجددًا لدورها التقليدي كلاعب إقليمي رئيسي، حتى أضحت رقمًا مهمًا وعنصرًا مؤثرًا في تفاعلات الأزمات الإقليمية.

تزامن سعي مصر إلى تفعيل دورها الإقليمي، مع تطورات عديدة في الإقليم أظهرت، ليس فقط حاجة الإقليم إلى الدور المصري، وإنما أيضًا فشل الرهان على الدول الصغيرة التي سعت إلى استغلال سنوات الانسحاب المصري لكي تقدم نفسها باعتبارها  قوى إقليمية قادرة على التأثير.

كل هذا دفع مصر إلى تبني سياسة خارجية أكثر نشاطًا، وفقًا لما ورد في ورقة بحثية نشرها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية قبل أيام تحت عنوان «طموح مُتقد.. عودة مصر للقيادة الإقليمية وكيف يجب أن تستجيب أوروبا».

وتقول الدراسة إن «التهديدات الرئيسية على طول الحدود مع مصر، بما ذلك مخاوف الأمن المائي في الجنوب والجماعات المسلحة في ليبيا بالغرب، دفعت القاهرة إلى إعادة التواصل مع شركائها الأوروبيين للمساعدة في هذه القضايا».

وتشير الورقة التي أعدتها الباحثة البريطانية من أصل مصري، حفصة حلاوة، إلى أن مصر التي غابت نسبيًا عن الدبلوماسية الإقليمية في القضايا الرئيسية التي تتراوح من الحرب في اليمن وسوريا إلى الملف النووي الإيراني، بسبب الاضطرابات السياسية الداخلية، عادت للتحرك بعيدًا عن فلك الدول الخليجية النفطية الأصغر والأكثر ثراءً مثل الإمارات العربية المتحدة، وفرضت عليها التطورات الإقليمية والدولية خلال العام الماضي إجراء تحول في الفكر والنشاط المصري.

وتشمل تلك التطورات، بحسب الدراسة، تغيير القيادة في الولايات المتحدة الأمريكية بوصول الرئيس الديمقراطي جو بايدن الذي لا يحمل كثيرًا من الود لنظام الحكم في القاهرة، وإنهاء أزمة الرباعي العربي مع قطر بعد سنوات من العداء ووضع خارطة طريق سياسية لإنهاء الصراع في ليبيا، وأخيرًا، محاولة استئناف محادثات السلام في اليمن.

وجاءت الجولة الأخيرة من الصراع المسلح بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في غزة لكي تتيح لمصر فرصة لإعادة تذكير العالم بدورها التقليدي كمحاور دولي رئيسي بشأن القضايا الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، وحازت مصر استحسانًا دوليًا لمساعداتها في الوصول إلى تهدئة سريعة نسبيًا للقتال الذي استمر 11 يومًا، ومنذ ذلك الحين انتهزت مصر الفرصة لتذكير جيرانها وبقية العالم بأنها كجار مباشر لغزة تظل الشريك الأقوى في الجهود المبذولة لفرض تهدئة طويلة الأمد، بحسب ما أشارت الدراسة.

وعلى صعيد الأزمة في ليبيا، قالت الدراسة إن المسؤولين في مصر توصلوا إلى قناعة بعدم جدوى الحل العسكري، وسعت القاهرة إلى صياغة ترتيب سياسي مع الأطراف الدولية للأوضاع في ليبيا، ودعمت خارطة الطريق الدبلوماسية وعرضت مساعداتها في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المنتظرة، ودفعت في اتجاه إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من جارتها الغربية قبل إتمام الاستحقاق الانتخابي.

وإذا كان من الممكن القول إن السعي إلى إحياء الدور المصري في الملفين الفلسطيني والليبي، يمثل اهتمامًا محليًا أكثر منه إقليميًا بالنسبة لمصر، لما يمثله الملفان من تداعيات على الأمن الداخلي المصري، فإن تنشيط الدور المصري في الملف اليمني يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك جدية سعي مصر إلى فرض نفسها على الجهات الفاعلة في الإقليم، والبحث عن مواقع نفوذ جديدة في أجزاء مختلفة من جوارها البعيد.

ففي مطلع الشهر الجاري زار القاهرة رئيس الوزراء اليمني، معين عبد الملك، برفقة عدد من الوزراء والتقى بنظيره المصري مصطفى مدبولي، الذي أكد وقوف مصر إلى جانب الحكومة اليمنية الشرعية، ورفضها التدخل الخارجي في اليمن.

المباحثات بين الجانبين تناولت تطورات الأوضاع اليمنية وسبل الدعم المصري لليمن وشعبها وحكومتها الشرعية ورفضها التدخل الإيراني في شؤونها، إضافة إلى القضايا التي تهم اليمن ومصر وخصوصًا المتصلة بجهود البلدين للحفاظ على سلامة الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، وتنسيق المواقف إزاء التهديد الخطير الذي يمثله خزان صافر النفطي، مع استمرار رفض مليشيا الحوثي السماح للفرق الأممية بصيانته وتفريغه.

عبد الملك أشار خلال اجتماعاته في مصر إلى أن التدخلات الإيرانية في الشأن اليمني تعيق أي توافقات سياسية، رغم حرص حكومته على إحلال السلام، مؤكدًا عدم وجود أي خلاف حول الحل السياسي في اليمن، لكن وفق المرجعيات الثلاث المتوافق عليها محليًا والمُؤَيدة إقليميًا ودوليًا.

رئيس الوزراء المصري أكد عقب لقائه نظيره اليمني على أن بلاده ترفض المساس بحرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتشدد على ضرورة عدم المساس بهذا الشريان الملاحي الحيوي الذي يؤثر على الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين، مشيرًا إلى حرص مصر على تنسيق الجهود بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن في عملية تأمين الملاحة عبر مضيق باب المندب.

زيارة رئيس الوزراء اليمني، جاءت في أعقاب اتصالات بين مسؤولين مصريين وجماعة الحوثي المدعومة من إيران، واتصالات مماثلة غير معلنة أجريت قبل أسابيع بين القاهرة وطهران التي تعد مفتاح حل الصراع الدائر في اليمن منذ سبع سنوات.

ويبدو أن إيران لا تريد حلًا سريعًا للصراع في اليمن، حيث ربط حكامها حل هذا الصراع بتسوية أوسع تشمل عودة المفاوضات النووية مع الأمريكان، وتقدم المحادثات الإيرانية السعودية بما يضمن طي صفحة الخلافات، ليس مع المملكة وحسب، بل مع باقي العواصم العربية.

الحرس الثوري الإيراني، ومن خلال تصريحات قادته، يرى أن اليمن أصبحت خط دفاع متقدم عن دولتهم التي تدين لها ميلشيا الحوثي بالولاء المطلق، في حين تمكنت الأخيرة من إنهاك واستنزاف السعودية وحلفائها في الخليج ماديًا وعسكريًا، واستمرار هذا الاستنزاف سيدفع الرياض إلى تقديم تنازلات في محادثاتها مع طهران، لذا تعمل إيران على ترجيح كفة الحوثيين في هذا الصراع وتزويدهم بأسلحة وصواريخ متطورة.

من المستبعد أن تضحي طهران بمكاسبها الاستراتيجية من التواجد في تلك المنطقة، حتى لو تمت التسوية بين طرفي الصراع في اليمن، وهو ما يفسر اندفاع القاهرة لفرض نفسها في تلك الأزمة حتى يكون لها موضع قدم في باب المندب الذي يعد البوابة الجنوبية لقناة السويس.

خلال الأسابيع الماضية، حرصت القاهرة على الاستماع لأطراف الصراع في اليمن، في محاولة لنقل وجهات النظر والوصول إلى تسوية مقبولة من الجميع، بعدما فشلت معظم المبادرات التي طُرحت منذ العام الماضي.

وبالرغم من أن آفاق التسوية بين الفرقاء في اليمن لا تزال ضبابية، إلا أن حكومة «الشرعية» حرصت على أن تلعب القاهرة الدور الأهم في عمليات إعادة الأعمار وتشغيل وإدارة المرافق الحيوية، وبالفعل تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات بين الطرفين المصري واليمني خلال الزيارة الأخيرة لرئيس وزراء اليمن إلى القاهرة.

نتيجة للجهود المصرية في تسوية النزاعات الإقليمية، دعت الباحثة حفصة حلاوة، في الورقة البحثية المشار إليها، الاتحاد الأوروبي إلى دعم مصر في قضايا مهمة مثل نضالها من أجل أمنها المائي، وهي «مشكلة يجب أن تكون ذات أهمية أكبر وأكثر إلحاحًا بالنسبة للأوربيين ولكل المهتمين باستقرار المنطقة».

وأشارت الورقة إلى أن في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى إعادة ضبط موقعها في جوارها، يجب على أوروبا لعب دور مهم في مساعدتها، «لم تعد مصر تعتمد على المساعدات الخليجية، بل تسعى إلى بناء سياستها الخاصة في مجال الطاقة والاستثمار، مما يخلق فرصًا جديدة لأوروبا.. ويجب على الاتحاد الأوروبي المشاركة بنشاط مع مجموعة التحالف العربي في مصر والأردن والعراق لدعم السياسات الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة التي تعزز اقتصادات هذه البلدان».

وتعتقد الباحثة حفصة حلاوة أنه لن يكون هناك تغيير مادي في أجندة حقوق الإنسان المتدهورة في مصر، «لا ينبغي على الأوروبيين أن يتوهموا أن القاهرة ستأخذ بتوصياتهم في هذا الملف، على الأقل ليس على الفور»، داعية دول الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف حوارها مع مصر لتشجيعها على تحسين ملف حقوق الإنسان، لكن في ذات الوقت يجب عليهم أن يفعلوا ذلك مع الاستمرار في التعاون معها كدولة محورية لها دورها في تهدئة النزاعات، كما يجب أن يعملوا على تعزيز اقتصادها ومساعدتها في حماية أمنها المائي.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
إبراهيم عوض

أسباب تركيا ومصالح مصر 

«أيًا كانت الأسباب فأهلًا بالمصالحة، ولتحقق مصر مصالحها من ورائها.»

اقرأ →
رأي
رباب المهدي

خطاب تعيس لمرحلة أتعس

«لم يكن مثل هذا الخطاب ممكنًا إلا على خلفية عملية سحق الرأي العام وأي أشكال للمعارضة التي جرت في مصر»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).