الجنون الإسرائيلي يفقد بريقه
لو كنت سياسيًا إسرائيليًا لقررتُ قبل أي شيء إجراء صفقة تبادل أسرى، أُحرر بها رهائِني كلهم، ثم استدرت لغزة لأدُكها وأقلبُ عاليها واطيها.
كان هذا ممكنًا ولكن لم يحدث، فمع عَصَب جرى مسُّه بأعنف الطرق، تعطّلت ماكينة التفكير ومعها القدرة على الخداع والتجميل. فضّلت إسرائيل إظهار فحولتها -وبأقصى سرعة- على تحرير مواطنيها، وصولًا للحظة التي يُلمّح فيها وزير التراث الإسرائيلي لتدمير غزة بالقنبلة النووية، ولمّا يُسأل عن الأسرى الإسرائيليين هناك يجيب بلا مبالاة: لكل حرب ضحايا.
نقول إن هذا البيت، أو هذه المرأة، أقدم من إسرائيل، وتترجمها إسرائيل باعتبارها دولة شابة، وقد قام الاستيطان الصهيوني فعلًا من أوله على أكتاف المهاجرين الشباب العقائديين، كما طلبت الصهيونية من الإسرائيلي الجديد، تمييزًا له عن اليهودي الخانع في أوروبا، أن يكون شابًا مقاتلًا مليئًا بالحيوية، حتى صار سهلًا تصوير صراعها مع الدول العربية كصراع داود وجالوت، الولد الذكي المُنتصر على العملاق الضخم.
صُوّر الإسرائيلي الجديد، الجندي ابن الكيبوتس، كشاب طاقق أو لاسع كما نقول، يقول ما يفكّر فيه ولا يهمه أحد، وقح أو «حوتسبان» بالعبرية، مفهوم صار مميزًا -بالإيجاب- للشخصية الإسرائيلية، حتى أن المؤرخ نورمان فنكلشتاين، استعاره عنوانًا لكتابه «ما بعد الحوتسباه» (ما بعد الوقاحة).
لم أر أحدًا ينقد إسرائيل من هذه الزاوية أفضل من المسرحي الإسرائيلي حانوخ لفين، أغرب من أنجبت إسرائيل من الأدباء، وأكثرهم عبقرية في رأيي، وقد بدا كمن يميل للبرودة اليهودية في أوروبا مقابل شمس الحيوية الإسرائيلية، وسيكتب، بعد حرب 1967 ، مشهدًا هزليًا عن جندي شاب يدخل على جده وجدته في البيت، يلقي عليهما التحية، ثم يذهبُ إلى الكرسي في الصالة ليقلبه على ظهره، ولما، يسأله جده؟ لماذا فعل هذا؟ يجيب ببراءة: لأني مُشاغب.
الجد: هه؟
تسيفي: (يرفع صوته) قلتُ لأن كل سحري الإسرائيلي ينبع من قيامي بمقالب كتلك بشكل عفوي تمامًا.
- كيف أشرح لك، يتابع، أن مقالبي هذه تجري بحرية وطبيعية كطفل بريء. هي التوابل التي تعطيني سحري الإسرائيلي الشخصي، هكذا علموني ولا يمكنني فعل شيء حيال هذا (بينما في الأثناء يدور حول الجد بخفة ويركله في مؤخرته بخفة وهو يضحك فيبدأ الجد بالبكاء).
تخصص جاكلين روز كتابها «القضية الصهيونية» لتأمل الجنون الصهيوني. تستعين بالتحليل النفسي لتعيده لفكرة الخلاص التي يمتزج فيها الرعب بنشوة الانتصار، الرعب من المحرقة ونشوة الانتصار العسكري الإسرائيلي.
ما أوقن منه أن إسرائيل أحبت جنونها، لأنه، على عكس الحكمة اللائقة بالعجائز، مكّنها من فعل أي شيء، من ألا تكون متوقَّعة. في 1914 يكتب حاييم فايتسمان، أول رؤساء إسرائيل، أنه من حسن حظ الصهيوني أنه يُعتبر مجنونًا، «فلو كنّا طبيعيين لما فكرنا بالذهاب إلى فلسطين»، وأذكرُ أن صحفيًا إسرائيليًا كتب إبّان حرب 2006 أنه من المفيد لإسرائيل بين الحين والآخر أن تبيّن أنها جُنت.
للأمانة فهو لم يقل إسرائيل، قال «فتوة الحارة»، ونحن نعرف شعورنا تجاه فتوة الحارة عندما يُجن فيضرب من حوله، البعض ينظر له بغضب، ولكن الغالبية تنظر بخوف، وربما بإعجاب.
في محاولة لتجميل الجنون، يوصف الجيش الإسرائيلي بأنه «أكثر الجيوش إنسانية في العالم» ويقال عن جنوده إنهم «يطلقون النار ويبكون»، وفي رواية «آدم ابن كلب»، ليورام كانيوك، وهي رواية عن الجنون وتدور في مصحة نفسية لعلاج الناجين من الهولوكست، يُقال إن أذكياء اليهود ماتوا أو ذهبوا لأوروبا، ولم يأت هنا سوى الأقوياء والحمقى، يلعبون بالجيش والعضلات نهارًا، ويبكون ليلًا.
وبغض النظر عن موضوع البكاء ليلًا، فقد يكون في متلازمة القوة والحماقة الوصف الحقيقي للجنون الذي تحب إسرائيل تصوّره عن نفسها.
دولة قوية وحمقاء، قد يكون هذا الأصل في الإعجاب بها.
أحبَ إسرائيل عشاقُ القوة في بلادنا، بالأخص من العلمانيين، تيارات اليمين والنُظُم السلطوية، وفئات من الشعب أيضًا. أتذكر بكل استغراب طفلًا من أقربائنا، شديد الصمت والوداعة حتى أظن أنه كان متوحدًا. رقد مرة على الكنبة ووضع ساقًا على ساق وقال إنه يحب إسرائيل. لماذا يا حبيبي؟ لأنها دولة قوية.
ليس سرًا أنه لولا الجيش ما كانت الدولة. أحد أقوى جيوش العالم. يصل سن الاحتياط هناك لسن الأربعين وأحيانا 45 وأحيانًا 49. ورغم كآبة الخدمة العسكرية عمومًا، غلظتها ومشقتها، فإننا نجدها هناك عنصرًا جذابًا، تُتيح التقدم في الكارير العملي، تحظى بأسماء تدليل، وتُصوّر بشكل رومانسي في الأدب والسينما، ولا عجب، فالجيش أيضًا هو بوتقة الصهر الأولى هناك، هو من يدخله اليهودي العربي البدائي ليصبح إسرائيليًا صهيونيًا متقدمًا.
لم يكن داود يمتاز بالقوة المفرطة، وإنما بالذكاء، فقط بنبلة بسيطة، اختراع جديد ومدهش، استطاع هزيمة عدوه الذي يمتاز بالقوة المفرطة. على أي أساس إذن تصوّرت إسرائيل نفسها داود؟
مثل شاب يُتيح له ثراء أبيه الظهور بمظهر معاصر، هكذا يعيش الشاب التقدمي التل أبيبي، كوول، متمرّس بأمريكا وأوروبا، يرطُن بلغات كثيرة، ولكن في قرارة نفسه يعرف أن كل هذا، بل حتى جوهر وجوده هنا، هو بفضل جيشه.
لا يقتصر هذا على الشاب التل أبيبي، بل يمتد حتى مستوطنات الضفة، إلى اليهودي المتدين الذي أتت الصهيونية لتديّنه، نجده مثل سابقه في أوروبا، بضفائر وطاقية، ولكن يضاف إليهما الآن كلاشنكوف على كتفه، امتلك اليهودي المتدين سلاحًا فداخلته الوقاحة الصهيونية.
في صفحته بالفيسبوك يتساءل المسرحي ليور ووترمان كيف أن السوالف [اليهودية] التي عبّرت سابقًا عن ضعف اليهود في أوروبا، تحوّلت، منذ بداية الألفية، لرمز للوحشية. يقولها متأملًا في ملامح تسيفي سوكوت، عضو كنيست شاب من مواليد 1990، من القطاع الأشد تطرفًا بين المستوطنين، اتُهم بتزعم خلية لحرق أحد المساجد في 2009.
عنصران ثابتان يلفتان انتباهي في الصهيونية، أولهما العمى، وأزعُم أنه كان ظاهرة لصيقة بها من الأول، منذ صيغت معادلة «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، ثم ذهبَ الصهاينة لفلسطين ورأوا فيها أناسًا، فاختاروا، من أجل انسجام المشروع، ألّا يروهم. تفاوضوا مع البريطانيين والأتراك، بل وحتى مع المصريين، ولكنهم لم يروا أصحاب الأرض أنفسهم، وحين رأوهم، طردوهم.
ماكينة تجهيل ممنهجة ستظل تعمل بشكل عُصابي، تُتيح للشاب الإسرائيلي إياه أن يعرف عن الأوروبيين أضعاف ما يعرفه عن العرب، بل وحتى عن العرب أضعاف ما يعرفه عن الفلسطينيين.
أما العنصر الثاني فهو التصلُب، ليس فقط أنها دولة يهودية في محيط عربي، ولكنها أيضًا، وفقط خوفًا من الاندماج فيه، تمسكُ الرشاش وتضرب النار عليه بلا حساب.
صحيح أن الدولة، ولأغراض الوجاهة، تحب أن توصف بالديمقراطية، وأن حبرًا كثيرًا سال من أجل تعريف كيف أنها «يهودية وديمقراطية» في الوقت نفسه، ولكنها تعرف جيدًا أن هذا ليس أكثر من حيلة لفظية. تعرف أنها ليست نفسها دون يهوديتها، ولكنها قد تكون كذلك دون ديمقراطيتها.
في رواية «جدار حي» للكاتبة الإسرائيلية دوريت رابينيان، والتي تحكي عن قصة حب تجمع بين إسرائيلية وفلسطيني في نيويورك، تسير الأمور بشكل رومانسي حتى تندلع النقاشات السياسية بينهما. هو، كفنان حالم، يؤمن بدولة واحدة لليهود والفلسطينيين، وهي يعصّبها حلمه، تسخر من مثالياته وتشبّهه بجون لينون. وفي موضع آخر تعترف للقراء أنها، هي التي دأبت في بيتها بتل أبيب على السخرية من التطرف اليهودي، كانت تعود في النقاشات معه لحقيقتها، صهيونية برجوازية محافظة.
«صهيونية محافظة»، قرأتها وشهقت وأعدت قراءتها. كانت أول مرة أقرأ الكلمتين مرتبطتين ببعض. امتننت للكاتبة كثيرًا.
فهمتُ بعدها أكثر عن دولة إسرائيل، ليست صلبة وإنما متصلبة، دولة متشنجة، دولة عصبية جدًا.
«العدو الأساسي للسجّان هو التعوُّد، أيام كثيرة تمضي لا يحدث فيها شيء فتتبلّد حواسه»، يقول عسكري إسرائيلي كبير في معرض تفسير هرب ستة سجناء فلسطينيين من سجن جلبوع عام 2021.
منذ عقود طويلة، تُغيّر إسرائيل شكلها المعهود، يأتيها اليهود من بلدان العرب فيظهر المواطن الأسمر اليهودي جنبًا إلى جنب مع أخيه الأشقر، تتخلى عن الطابع العمالي الذي طالما ادعته لنفسها وتنمو فيها اتجاهات مسيحانية متطرفة، اتجاهات غير كوول ولكن لو أردنا الحق -وهذا ادعاء المستوطنين أنفسهم- فهي تسير على خطى الصهيونية الأولية الكوول، تخرج المظاهرات ضد بنيامين نتنياهو الذي يبدو بالتدريج ديكتاتورًا عربيًا تقليديًا، شيء ما يتحلّل تحت ستار «أقوى جيش في الشرق الأوسط»، تركن الدولة إلى العادة، فتتبلّد حواسها وتتصلّب مفاصلها.
كل هذا بينما الفلسطينيون يعيشون زمنًا جديدًا، ربما استلهموا انتفاضات الربيع العربي التي كانت قد استلهمت، بدورها، النضال لأجل فلسطين، لا أعرف، ولكن ما أعرفه أن في 2021 قدّم الفلسطينيون ثورتهم الخاصة. بدأ الأمر بالاحتجاج على طرد بعضهم من بيوتهم بحي الشيخ جراح. تحول الاحتجاج إلى اعتصام، ظل يكبر ككرة الثلج ويزداد المتعاطفون كل يوم من أنحاء العالم، شيء يذكّر بانتفاضة 1936، لحظة ميلاد كبرى، الداخل والضفة تنتفضان في مسيرات سلمية هائلة، يخاطب الفلسطينيون العالم بإنجليزية طليقة، يرفع الأطفال بلالين ملونة بألوان علم فلسطين، فيقبض عليهم جنود مدجّجون بالسلاح.
ما إن تسكن أصداء الانتفاضة حتى يهرب ستة سجناء فلسطينيون من السجن الإسرائيلي، يحفرون نفقًا في أرضه باستخدام الملاعق والشماعات، صحيح سيقُبض عليهم فيما بعد، ولكن بعد أن يستقر في الأذهان أنهم قدروا على صنع الخيال، حرفيًا، «وداعًا شاوشنج».
والآن، في السابع من أكتوبر، يخترق المظليون الفلسطينيون حدود غزة وينزلون في غلافها من الخارج، ويشاء القدر أن أكون ساعتها في لبنان مع الصحفي الغزي عمر موسى، ويقول لي إن إسرائيل ظلت مشغولة بالأنفاق تحت الأرض، فإذ بالفلسطينيين ينزلون عليهم من السماء.
كانت لحظة كالسحر لم يتوقعها أحد. اختطفت حركة حماس إسرائيليين واشترطت تحرير الأسرى الفلسطينيين لإطلاق سراحهم، فأُظهرت إسرائيل وجها الجنوني، القوي الأحمق الأعمى المتصلّب، ولكن أيضًا المتوقع سلفًا. عرفنا من اليوم الأول أنها ستقصف بلا حدود، عرفنا أنها سترد «بغباء»، بشكل مبالغ فيه، ولكن بلا خيال، عرفنا أن الخيال راح من عندهم واصطف الآن لجانبنا، أننا الآن داود. من اليوم الأول انتشر ميم بهذا المعنى.
كانت هذه ضربة الـ«كيف»، نقلة نوعية، قواعد جديدة، أما ما سيليها، من الجانب الإسرائيلي، فسيكون ضربة الـ«كم»، مجرد مستوى جديد لم نعرفه من البطش.
قُتل من الفلسطينيين، حتى كتابة هذه السطور، عشرة أضعاف القتلى الإسرائيليين، ولا تفسير مع هذا لشعورنا بالانتصار وشعورهم بالهزيمة، لا تفسير سوى أننا -لأول مرة- رأينا إسرائيل دولة عجوزًا لهذا الحد، ورأينا أنفسنا شبابًا لهذا الحد، ينهض مقاتلونا من ركام غزة ليدمروا المدرعات بولاعاتهم الصغيرة، ثم يودّعون أسراهم الإسرائيليين بروح شبابية مرحة والكثير من الـ«هاي فايف» والـ«جود باي».
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد