الجريمة لا تمحو الهزيمة.. كيف تتغير المنطقة بعد الطوفان؟
بعد أسبوع من اندلاع المواجهة بين المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وإسرائيل، ما زالت تل أبيب تتخبط في نوبة هياجها بحثًا عن رد مناسب يخفف الأضرار.
كان الحديث عن «معركة» في الجولات السابقة مجرد مجاز، فما كان يحدث لم يكن يتعدى محاولة المقاومة الفلسطينية مناوشة عدو يمتلك نوعًا من الهيمنة العسكرية الكاملة على الميدان. هذا ما يجعل أغلب المحللين اليوم عاجزين عن فهم مشهد مختلف كليًا: مشهد تتعرض فيه إسرائيل إلى ضربة عسكرية تؤثر على إمكاناتها القتالية. ولن يعني الفشل في استعادة تلك الإمكانات في النطاق الزمني الذي ستحصل عليه إسرائيل دوليًا لاستباحة قطاع غزة سوى «الهزيمة» بالمعنى الكامل للكلمة: الهزيمة العملياتية بالطبع، والاستراتيجية كذلك، على نحو لن يمكن معه حفظ ماء الوجه، مهما ارتكبت إسرائيل من مجازر.
تحاول إسرائيل اليوم بكل طاقتها الإعلامية أن تصرف النظر عن حجم الهزيمة العسكرية الخالصة بالتركيز على الانتهاكات المزعومة أثناء العملية، وتعمل على تضخيمها للحصول على رخصة مفتوحة بالقتل في قطاع غزة. لكن ذلك لن ينفي عددًا من الوقائع سيكون على إسرائيل أن تتعامل معها، وعلى رأسها الفقر الاستخباراتي الذي لم تتعود إسرائيل يومًا، وهي تمتلك عددًا من أكفأ الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في العالم، أن تتحرك في ظله.
يظهر هذا الفقر الاستخباراتي في عجز إسرائيل إلى اليوم عن توجيه أي ضربات مباشرة إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وطاقمها القيادي، على النقيض من الجولات السابقة التي كانت إسرائيل تبدأها بمجموعة من الاغتيالات السهلة والمعدة سلفًا بناءً على معلومات استخبارية متقدمة ودقيقة. كان بنك إسرائيل من الأهداف لا ينفد بسهولة على مدى أيام وأحيانًا أسابيع ممتدة من الغارات.
أيا كان ما ستحققه إسرائيل خلال ردها العسكري الذي يبدو حتى الساعة متخبطًا، فإن ذلك لن ينفي تبعات الضربة العسكرية الهائلة التي تعرضت لها، بل ربما يضيف إلى آلامها بعد أن يستيقظ العالم على تبعات المذابح والجرائم التي أحدثتها إسرائيل في قطاع غزة برخصة دولية وتواطؤ كوكبي، وعلى واقع ما تخبر به الضربة عن حقيقة موازين القوى في المنطقة وتحولاتها. ولن يكون بالإمكان ساعتها سوى الاستعداد إلى مستقبل غامض، ودموي على الأرجح، لأن كل هذا القدر من العنف والجرائم من طرف لم يعد يتمتع بالهيبة لا يمكن إلا أن يخلف أحقادًا يصعب تجاوزها.
في البدء تأتي الهزيمة العسكرية
كان حجم الضربة التي تعرض لها الشاباك (الشين بيت) أو جهاز الأمن العام الإسرائيلي، المسؤول الأول عن العمل الأمني والاستخباري في قطاع غزة، كبيرًا جدًا على الأرجح. فقبل أيام، أعلن الجهاز عن مقتل ثمانية من عناصره، ليعود ويعلن مقتل ثلاثة آخرين. الإعلان عن 11 قتيلًا يعني على الأرجح أن عددًا أكبر من القتلى والأسرى والجرحى قد سقطوا بين عناصر الجهاز في المناطق الأقرب إلى القطاع، ما يعني أن الجهاز يكاد يكون اليوم مشلولًا عن استعادة نفاذه الاستخباراتي داخل القطاع، ويحتاج إلى وقت طويل لترميم قدراته. في هذه الأثناء، يكون الحديث عن ضربة إسرائيلية فعالة للمقاومة، دعك من عملية برية موسعة تقضي على المقاومة في غزة كما يردد نتنياهو وجوقة اليمين الإسرائيلي يوميًا، تحديًا عسكريًا كبيرًا نظرًا لغياب الاستخبارات الضرورية.
لم تقتصر الضربة الاستخباراتية على الشاباك، فقد كان من بين المواقع العسكرية التي وجهت إليها الضربة صبيحة السابع من أكتوبر قاعدة أوريم العسكرية التي تقع في منتصف المسافة بين قطاع غزة وبئر سبع. هذه القاعدة هي مقر عمل الوحدة 8200 من الجيش الإسرائيلي، وهي إحدى أبرز وحدات المخابرات العسكرية الإسرائيلية. كما عانت سرايا الاستطلاع الإسرائيلية في الجنوب خسائر كبيرة أثناء العملية، ويظهر ذلك في إعلان إسرائيل عن مقتل 11 عنصرًا من تلك السرايا بينهم ضابطان.
عسكريًا، أعلن الجيش الإسرائيلي عن 265 قتيلًا حتى الآن، وهو عدد من القتلى لم يتحقق مثله في تاريخ الجيش الإسرائيلي في هذا النطاق الزمني. أما الأسرى العسكريون الذين اعترفت بهم إسرائيل إلى الآن فقد وصل عددهم إلى 97 عنصرًا، وهو رقم يعني وقوعه في الأسر خلال يومين من القتال أن انهيارًا عسكريًا أصاب الجيش الإسرائيلي في الجنوب. كما يعني هذا الرقم أيضًا أن هناك مئات القتلى والجرحى والأسرى الآخرين الذين لم يجر حصرهم بعد من عناصر الجيش الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية. هذا والجانب الإسرائيلي هنا لا يقوم بعملية هجومية لتسقط منه هذه الأعداد. توضح هذه الخسائر حجم الضربة العسكرية التي تلقتها القوة الجنوبية لجيش الاحتلال الإسرائيلي التي تتعامل عسكريًا مع كل ما يخص قطاع غزة والمقاومة المسلحة فيه. وبمراجعة قائمة الأسماء والرتب والمسؤوليات لقتلى الجيش الإسرائيلي، يتضح الحجم النوعي للضربة التي تعرضت لها القيادة الجنوبية للجيش، ومدى تأثيرها على الإمكانات القتالية في تلك المنطقة.
كان الهدف من العملية وفقًا للناطق باسم كتائب القسام، هو تدمير فرقة غزة (اللواء 143 فاير فوكس أو الثعلب الناري من القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي)، وهي الفرقة الأساسية المسؤولة عن العمل العسكري حول قطاع غزة. هاجمت مجموعات الكتائب المواقع الخمسة عشر الرئيسية للفرقة، وعلى رأسها قاعدة رعيم مقر القيادة الأساسي لها، ووصل الأمر إلى سيطرة مقاتلي المقاومة على القاعدة، وتمكنهم من أسر 17 عسكريًا إسرائيليًا، علاوة على مصرع العقيد روي يوسف ليفي قائد الوحدة «متعددة الأبعاد»، إحدى الوحدات الأساسية التي تعتمد عليها استراتيجية الجيش الإسرائيلي وفقًا لخطة «الزخم» التي أعلنها الجيش في 2019، وتعمل باستخدام إمكانات قتالية متنوعة متشابكة لتوجيه ضربات فعالة وخاطفة ومرنة في الوقت نفسه.
توجهت الضربة إلى المقرات الكتائبية للفرقة كافة، وهي قاعدة «ناحل عوز» وقاعدة «يفتاح» وقاعدة «كيسوفيم» التي رفعوا عليها علم حركة حماس، وقاعدة «أميتي». ونشرت المقاومة فيديوهات مصورة للسيطرة على قاعدتي «ناحل عوز» و«أميتي». كما نشرت فيديوهات والتقطت صورًا لسيطرتها منذ وقت مبكر على بعض أبرز مواقع السرايا التابعة لتلك الكتائب كموقع كرم أبو سالم وموقع إيريز، وهما من بين أهم المواقع العسكرية بالقرب من قطاع غزة. في معركة كرم أبو سالم، قتل العقيد جوناثان شتاينبرج، قائد كتيبة ناحال، إحدى أبرز كتائب اللواء 162 مدرع.
هاجمت المقاومة بالتوازي مع ذلك معظم نقاط التدخل التي تحوي مرابض المدرعات وناقلات الجنود، والقواعد التي تضم فصائل الإسناد ومقرات قيادة الحرب في «سديروت» و«أوفاكيم» و«ياد مردخاي» و«أوريم» (كلها من مستوطنات غلاف غزة)، كما سقطت قاعدة «زكيم»، أو معسكر «بحاد 4» العسكري البحري، بشكل كامل في السابعة من صباح يوم العملية من خلال عمليات إنزال بحري.
ما ترتب على ذلك إلى الآن هو عجز الجيش الإسرائيلي عن إعادة نشر قواته حول قطاع غزة والسيطرة بشكل فعال على النطاق الممتد من عسقلان (أشكلون) شمالًا وبئر سبع شرقًا إلى قطاع غزة في الجنوب الغربي، وهو النطاق الذي ما زالت مجموعات المقاومة المسلحة تملك التحرك فيه بحرية نسبية. بل وصل الأمر مساء الأربعاء، خامس أيام العملية، إلى حديث القناة العبرية 13 عن وصول مقاتلي المقاومة إلى مدينة ديمونا على بعد نحو 100 كيلومتر من القطاع، وهي أبعد نقطة تصل إليها عمليات المقاومة منذ بداية المعركة.
تشير تلك المعطيات إلى أن ما تعرضت له إسرائيل هو هزيمة عسكرية على المستويين العملياتي والاستراتيجي. وللهزيمة هنا معنى محدد: الضربة التي تؤثر على الإمكانيات القتالية للجيش، وتمنعه من الرد بما يعيد الأوضاع إلى نقطة الصفر التي بدأت منها المعركة. لكن الهدف من وراء هذا السرد ليس مجرد استعراض الإنجازات التي حققتها المقاومة الفلسطينية أو التشفي بالاحتلال الإسرائيلي، بقدر ما أن الهدف هو إدراك أن 7 أكتوبر حدث وانقضى، ولم يعد بإمكان الاحتلال أو بإمكاننا إبطال مفاعيله. علينا اليوم فحسب أن نركز على القادم.
الرد الإسرائيلي والموقف الأمريكي
تحتاج إسرائيل إلى رد عسكري، لا مجال للهروب من ذلك. ولكن السؤال الصعب هو كيف يمكن إنجاز ذلك في ظل فقر استخباراتي تتعرض له إسرائيل لأول مرة، وغياب لفرقة النخبة المسؤولة عن القطاع وذات الخبرة به، وتاريخ من الفشل في اقتحام القطاع أمام قدرات جيدة للمقاومة الفلسطينية على القتال البري؟ لا أحد يعلم إلى الآن كيف ستحل إسرائيل تلك المعضلة، لكن الغزو البري سيتم على الأرجح، ولو لتحقيق إنجازات شكلية تحفظ ماء وجه الجيش الإسرائيلي الذي تمثل سمعته عنصرًا أساسيًا من عناصر قوته.
ينصح عدد كبير من المحللين والخبراء بعدم قيام إسرائيل بتلك العملية البرية، أبرزهم توماس فريدمان الذي كتب في مقاله بصحيفة «نيويورك تايمز» أنه «لم يسبق لإسرائيل أن احتاجت أن تكون أذكى أكثر من اللحظة الحالية»، وأن عليها ألا تعطي حماس ما تريده، ويعني بذلك غزوًا بريًا ستكون نتائجه على الأرجح مخيبة بالنسبة لإسرائيل. الرأي نفسه تبناه جيورا إيلاند، الجنرال الإسرائيلي ورئيس مجلس الأمن القومي السابق، الذي قال إن الغزو البري اليوم سيكون «خطأ كبيرًا».
المطالبة الإسرائيلية للأهالي بإخلاء شمال غزة خطأ ثانٍ سقطت فيه إسرائيل، فقد دفعت الدول العربية الصامتة وعلى رأسها السعودية ومصر، إلى إصدار بيانات واضحة ترفض تهجير أهالي غزة. البيانات العربية تبعتها كذلك بيانات دولية أحدها عن الأمم المتحدة على نحو انتقص من رصيد التأييد الدولي الجنوني لإسرائيل. إثارة فزع البلدين العربيين الأكبر جراء محاولة تحميلهما مسؤولية إعادة توطين أهالي غزة وضع ضغوطًا كانت إسرائيل في غنى عنها.
بدأت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين كذلك تأخذ منحى يؤكد طول أمد الحرب، كمحاولة للهروب من الضغوط الداخلية والخارجية لتحقيق إنجاز عسكري سريع يمكن أن يتم على أساسه إنهاء الحرب. من ثمّ، فإن عملية برية ممتدة هي الخيار الذي يرجح أن تذهب له إسرائيل. لكن هذا الخيار نفسه يحمل تعقيدات ومخاطر كثيرة من بينها هزيمة إسرائيلية جديدة، بينما تكون أضعف احتمالاتها على الأغلب هي تحقيق إسرائيل صورة النصر الحاسم الذي ينقذ سمعتها بعد ضربة 7 أكتوبر.
تتعقد الحسابات الإسرائيلية أكثر فأكثر بسبب الحدود الشمالية. منذ اليوم الأول، كانت إسرائيل قلقة من تلك الحدود، وحاولت أحيانًا أن تبادر بتوجيه ضربات عنيفة إلى حزب الله أدت إلى مقتل ثلاثة من عناصره فضلًا عن استخدام قذائف الفسفور الأبيض المحرمة دوليًا. كما أرسلت تعزيزات إلى الحدود اللبنانية. بالمقابل يرد حزب الله حتى الآن بحزم على الهجمات الإسرائيلية، كما حدث في إطلاقه صاروخًا على موقع إسرائيلي في تل الجرداح أدى إلى مصرع جندي إسرائيلي وإصابة آخر بجراح خطيرة، ما يجعل إسرائيل متأهبة طوال الوقت لمواجهة محتملة مع الحزب.
ما يطرح تساؤلًا فعليًا ويشكل الرقم الصعب في المعادلة، هو موقف الولايات المتحدة الأمريكية. الجوهر الوحيد لهذا الموقف إلى الآن هو التأييد غير المشروط لإسرائيل. كان المفترض بهذا التأييد أن يكون مصحوبًا بترشيد للتصورات اليمينية الإسرائيلية، لكن اندفاع الولايات المتحدة وراء تصورات «الترانسفير» الصهيونية الهزلية تجاه سكان غزة، وطرح إعادة توطينهم في مصر والسعودية كحل عملي، يعني أن الإدارة الأمريكية الحالية نفسها مأزومة وتتحرك بلا تصورات واضحة حول الشرق الأوسط وإدارته، ولا تختلف في ذلك عن أي إدارة يمينية متطرفة على غرار إدارة ترامب. يرتبط هذا على الأرجح باتجاه الإدارة الحالية كذلك إلى خيار شعبوي كخيار الاصطفاف غير المشروط مع إسرائيل لتأمين تفوق في الانتخابات القادمة التي من المنتظر أن يكون المنافس فيها واحدًا من الأجنحة الأكثر يمينية في الحزب الجمهوري.
تندفع الإدارة الحالية في ذلك الاتجاه بدون رؤية تبعاته على ترتيبات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وعلاقة واشنطن بالعالمين العربي والإسلامي، وعلاقة تلك الترتيبات بالمواجهة بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى. يعني هذا أن الإدارة الحالية ستفشل في استعادة رصانة البيت الأبيض التي اهتزت بشدة على مدى السنوات الأربع التي سكنه خلالها دونالد ترامب.
إسرائيل المهزومة والتسوية الصعبة
مثلت العملية العسكرية ضربة قاصمة لليمين الإسرائيلي الحاكم أو تحالف نتنياهو-بن غفير، الذي خلق صراعًا حادًا داخل المجتمع الإسرائيلي بسبب التعديلات القضائية التي كان هذا التحالف يدفع باتجاهها. رمزت التعديلات إلى تحول سياسي واجتماعي حاد في المجتمع الإسرائيلي يهدد الحريات الشخصية والعلمانية الشكلية للدولة الإسرائيلية ونظامها الديمقراطي على مستوى الإجراءات المؤسسية.
وعلى الرغم من أن نتنياهو حاول أن يظهر بمظهر السياسي القوي المتماسك بعد الضربة، بل وأن يوظفها في إعادة ترتيب تحالفاته عبر تهميش محدود لإيتمار بن غفير، رمز الصهيونية الدينية المتطرفة وتخريب المؤسسات، إلا أنه فشل في أن تضم حكومة الوحدة الوطنية التي شكّلها أي أحزاب جديدة سوى حزب الوسط «أزرق أبيض» بزعامة بيني جانتز، قائد الأركان الأسبق، وهو الحزب المعروف بحزب الجنرالات والمهووس بعسكرة إسرائيل. ما يعنيه هذا أن الصدع في إسرائيل مستمر، خاصة مع تصاعد الملاسنات بين يائير لابيد زعيم اليمين الليبرالي من جهة، ونتنياهو من جهة أخرى.
ستعمل الولايات المتحدة بالتأكيد على استخدام تلك الضربة التي تعرض لها اليمين الديني في إسرائيل بهدف تحييده، لكنها لن تتمكن من التخلص منه، نظرًا للتحولات في القواعد الشعبية الإسرائيلية التي سمحت أصلًا بصعود تلك الأحزاب. يعني هذا أن إسرائيل ستستمر غالبًا في معاناتها من الشقاق السياسي والشعبي، حتى في حال نجح اليمين الليبرالي في استعادة حضور أوسع داخل الحكومة بدعم أمريكي.
في المقابل، فإن الولايات المتحدة ومؤسسات دولة الاحتلال ستدرك أن انسداد الأفق الفلسطيني على النحو الذي فرضه اليمين الصهيوني خلال العقدين الماضيين منذ الانتفاضة الثانية قد تكون كلفته أكبر كثيرًا من أي مكاسب سياسية يحصل عليها الفلسطينيون تعتبرها دولة الاحتلال تنازلات. ومن ثم، فإننا بانتظار مشروع سياسي جديد تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل للشعب الفلسطيني يتضمن على الأقل شيئًا يضمن الهدوء في القدس والضفة الغربية.
إعادة تموضع خليجية
بقدر ما أصابت الضربة الفلسطينية نتنياهو وحلفاءه في الداخل، فإنها قد أصابت الترتيبات الأمريكية للمنطقة برمتها، وعلى رأسها استكمال مشروع التحالف الخليجي-الإسرائيلي برعاية أمريكية. كان بايدن حريصًا مع اقتراب موعد الانتخابات لدورته الثانية على رعاية اتفاق تطبيع بين السعودية وإسرائيل لمعادلة إنجاز سلفه الجمهوري دونالد ترامب، بل والتفوق عليه بفضل الثقل السعودي. لكن هذه الضربة جاءت لتوقف تلك المساعي، وأي اتفاقات جديدة قد تقوم على محاولة فرض مشاريع تسوية شكلية على الفلسطينيين. بل إن تلك الضربة أصابت مشروعًا أمريكيًا أبعد، وهو الممر الهندي الأوروبي الذي كان يفترض أن يمر بالشرق الأوسط ويربط الخليج وإسرائيل مشكلًا بديلًا للحزام والطريق الصيني. لكن كل ذلك تبخر في لحظة بعد دخول إسرائيل تلك الأزمة.
يجد الخليج نفسه اليوم مأزومًا، فهو غير قادر على المضي في مشروع التحالف مع إسرائيل الذي استثمر فيه على مدى السنوات السابقة لأن إسرائيل اليوم مهزومة ومتحفظة. ولا يستطيع الخليج في الوقت نفسه أن يتخلى عن استثماراته السابقة كلها وأن يعيد ترتيب وضعه بعدما خسر بالفعل بعض المقومات التي تسمح له بذلك، ومن بينها العلاقات التاريخية مع المقاومة الفلسطينية، وتكامل محور الاعتدال العربي المصري-السعودي، بعدما بدأت السعودية في التوقف عن النظر إلى مصر كحليف يشكلان معًا نظامًا عربيًا مستقرًا وقادرًا على مواجهة التحديات، وفضلت علاقة استعلائية معها، تقوم على الإخضاع المالي، بينما تتحرك السعودية باستقلال يرى أن مصر لم تعد نظيرًا يمكن الاعتماد عليه، وأن إسرائيل هي الحليف الفعلي الذي يجب أن تسعى إليه السعودية. أتت الضربة لتقول على الأرجح إنه لا يصح إلا الصحيح.
يعني هذا أن السعودية ربما تقوم بعملية إعادة تموضع استراتيجي عبر ترميم محور مصري سعودي فعال وقوي. هذا المحور نفسه سيكون مدفوعًا بدور استراتيجي تلعبه مصر كوسيط مع المقاومة في قطاع غزة على وجه التحديد التي ستتحول غالبًا إلى لاعب إقليمي أساسي تحرص كافة المحاور والأطراف على صلات متزنة معه على أقل تقدير. أما الإمارات، فإن مشروعها للمنطقة سيتأثر على الأرجح بالضربة التي تعرضت لها إسرائيل، الحليف الأقرب لها حاليًا، وستحتاج هي الأخرى على الأرجح إلى إعادة التموضع ضمن المحور المصري السعودي.
في المقابل، فإن الضربة التي وجهتها المقاومة لإسرائيل مثلت انتصارًا إيرانيًا بغض النظر عن حجم التنسيق والدعم الذي قدمته إيران للمقاومة. أثبتت إيران على كل حال أنها قادرة على تسديد ضربات عميقة ومكلفة تمامًا لإسرائيل، دون أن تتمكن إسرائيل من رد مماثل في العمق الإيراني. كما أثبتت إيران التفوق الهائل لاستراتيجية الأذرع الميليشياوية التي اعتمدت عليها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأن تلك الأذرع قادرة من الناحية العسكرية على إشعال المنطقة على نحو يؤلم جميع الأطراف بأقل تكلفة على إيران.
يعني هذا أن الديمقراطيين حال استمرارهم في الحكم بعد الانتخابات الأمريكية القادمة سيكون من بين خياراتهم استعادة الاتفاق النووي الإيراني بهدف احتواء النفوذ الإيراني في الإقليم قدر الإمكان ووقف تمدده، دون الاعتماد على الحلفاء الأمريكيين المخيبين للآمال في المنطقة سواء في الخليج أو إسرائيل.
تبقى أخيرًا حركة حماس على المحك. فالضربة الأخيرة قد ترفعها إلى السماء كي تتحول اللاعب الإقليمي الأكثر شعبية، والممثل الشرعي عمليًا للشعب الفلسطيني، والطرف الذي تتحدث معه الولايات المتحدة بعد أن يتم غسيل سمعته من الدعايا الإسرائيلية. لكن تلك الضربة كذلك قد تضعها في صراع استنزافي مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتجعل الاقتراب منها مكلفًا لأي طرف يفكر في ذلك.
الأكيد على كل حال أن عملية 7 أكتوبر العسكرية ستعيد تشكيل ملامح المنطقة، وذلك بغض النظر عن الطريقة التي ستقرر إسرائيل الرد بها، وعن مدى نجاحها فيه. فإسرائيل مهزومة يعني إعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط، بما في ذلك التحالفات والقواعد وأدوار اللاعبين الإقليميين، وستمتد تبعاتها على الأرجح إلى أشكال أبعد من التغيير السياسي داخل عدد من بلدان المنطقة يعيد زخمًا سياسيًا أخذ ينطفئ منذ هزيمة الثورات العربية.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد