الجدل المتجدد حول ديمقراطية الغرب وازدواجيته
عندما كنا ندرس نظرية القيم السياسية، والنظم السياسية المقارنة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1971، احتج زملاؤنا الماركسيون بصخب يقترب من الشغب على المرحوم حامد ربيع، أستاذ أساتذة علم السياسة، وذلك لتفضيله قيمة الحرية، وتركيزه على مدى نجاح كل نظام من النظامين الشيوعي السوفيتي والليبرالي الغربي في التطبيق العملي للقيمة السياسية الحاكمة في فلسفة النظام وسياساته. واستنتج من ذلك أن السوفييت ضحوا بالحرية وفشلوا عمليًا في تطبيق قيمة المساواة، التي هي القيمة الحاكمة لديهم، بينما يعد الغرب ناجحًا -إلى حد كبير- في التطبيق العملي لقيمة الحرية، التي هي الأعلى في سلم قيمهم السياسية، وفي إعمال مبدأ تكافؤ الفرص كأساس تطبيقي لقيمة المساواة.
ولكي يُثبت الدكتور ربيع رأيه، ويُسكت صخب الزملاء الماركسيين، سألهم: لو كان الاختيار لكم… أكنتم تفضلون أن تكونوا مواطنين سوفييت لا تقدرون على الاختلاف مع النظام، ولا تدرسون في جامعاتكم إلا ما يقرر الحزب الواحد دراسته؟ أم تفضلون أن تكونوا أوروبيين أو أمريكيين تعبرون حتي عن ماركسيتكم وتدرسونها بل وترفضون النظام القائم كلية؟!
كان الصمت هو إجابة أولئك الزملاء، فعقَّب ربيع مداعبًا إياهم: «طبعًا شعر رأسكم وقف»٠
لم يقل حامد ربيع، ولم يقل أحد غيره في أي وقت من الأوقات إن النظم الليبرالية الغربية خالية من العيوب الجسيمة، بما في ذلك ازدواجية المعايير، خاصة في العلاقات الدولية. ولم ينكر هو، ولا ننكر نحن جرائم الاستعمار والنهب والقمع الرأسماليين لشعوب المستعمرات، ولا مظالم الرأسمالية للطبقة العاملة، خاصة في بواكير التطور الرأسمالي الصناعي، ولا مسؤولية الغرب بأكمله عن حربين عالميتين، بسبب التنافس على المصالح والأطماع الاقتصادية، والنزعات القومية المسلحة. ولكن، من قال أو يقول إن البديل لا مفر من أن يكون الشمولية السلطوية المطلقة من أي قيد سياسي أو أخلاقي في مواجهة المواطن الفرد، وفي مواجهة مجتمع محروم من حريات التعبير، ومن آليات وإمكانيات التنظيم الفئوي أو المهني أو التعاوني أو الحزبي؟
تذكرت هذه القصة بمناسبة ما أثاره الغزو الروسي لأوكرانيا من جدل متجدد بين المثقفين المصريين والعرب، وفي أوساط الرأي العام في منطقتنا حول فرضية النفاق الغربي في ادعائه الدفاع عن النظم الديمقراطية، وحقوق الإنسان وحرية الشعوب في اختيار حكامها وتحالفاتها، وفي رفض هذا الغرب المنافق لمبدأ غزو الدول ذات السيادة لمنع شعوبها من ممارسة تلك الحقوق. لكن، رأيي لا يزال هو أن أخطاء الغرب وخطاياه يجب ألا تكون مبررًا سياسيًا أو أخلاقيًا لتأييد النظم الشمولية، وانتحال المعاذير والذرائع لجرائمها في داخل بلدانها، وفي خارج هذه البلدان. وأن تلك الازدواجية الغربية في تطبيق المعايير الديمقراطية، وفي الالتزام بالقانون الدولي، لا يصح أن تكون سببًا في التنكر لهذه القيم والمعايير، أو التشكك في صحتها وجدواها. ذلك ليس فقط لأن معنى الازدواجية هو أنها تطبق أحيانًا وتُنتهك في أحيان أخرى -وهذا طبعًا أفضل من مصادرتها دائمًا وكلية- ولكن أيضًا لأن السعي إلى بلوغ تلك الحريات والحقوق والمعايير، هو صيرورة التاريخ الإنساني كله، أو القوة المحركة له، حتى وإن تلكأت أو تعثرت أو تجمدت بعض الوقت.
لكن أكثر ما أعيبه على الفريق الذي يركز على ازدواجية الأوروبيين والأمريكيين هو أنهم يرون الغرب كتلة واحدة صماء، وأنه يمثّل حالة استاتيكية (أي جامدة) على هذه الازدواجية، وأن هذا نفاق، فضلًا عن كونه عنصرية وازدراء الثقافات غير الغربية. في حين أن الغرب كان ولا يزال يموج بتيارات شتى متباينة، ويتسع لكتل وجماعات ثقافية وسياسية مناهضة للفكر السائد، والممارسات المهيمنة.
فإذا فهمنا أن إحدى المزايا الكبرى للنظام الليبرالي هي عدم مصادرة التطور السياسي أو تجميده، فإن الفرصة تكون سانحة دومًا للمراجعة والتصحيح، على عكس النظم الشمولية. من هنا مثلًا ظهرت الاشتراكية في الغرب نفسه بمذاهبها المختلفة لمراجعة وتصحيح مساوئ الرأسمالية المستغِلة، ولمقاومة المذاهب القومية المتطرفة النازعة إلى عسكرة السياسات الدولية. وسيكتشف من يقارن تاريخ أوروبا وأمريكا بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين ما أحرزته الاشتراكية وأفكار السلام والتنظيم والتعاون على مستوى هائل التقدم. كما سيكتشف اطرادًا مستمرًا للمفاهيم التقدمية هناك، وكذلك اتساعًا هائلًا للاختيارات الفردية في شتى مجالات الحياة، وصولًا إلى حقوق المرأة والأقليات، وحتى وحقوق الحيوان.
وإذا كان بعضنا قد أدمن استعمال جريمة الغزو الأمريكي البريطاني للعراق عام 2003 كذريعة لتثبيت الكفر بالديمقراطية، و تسويغ جرائم النظم السلطوية الشمولية في حق شعوبها والشعوب الأخرى، فإن هذا المثال بالذات يدل أكثر من غيره على بؤس الذريعة والمتذرعين بها، وعلى بؤس اعتبار الغرب كتلة واحدة صماء، فقد انبثقت أقوى مظاهرات وحركات المعارضة ضد هذا الغزو قبل وبعد وقوعه في هذا الغرب ذاته، بل وفي الولايات المتحدة نفسها. ولا يزال يوم 13 مارس عام 2003 حيًا في ذاكرة المهتمين بالسلام العالمي، حين اندلعت المظاهرات بتنسيق مسبق في جميع دول أوروبا وأمريكا الشمالية رفضًا وإدانة للعدوان على الشعب العراقي. كما لا يزال حيًا في الأذهان أن ألمانيا وفرنسا وقفتا بعزم لا يلين ضد هذا العدوان، فمن ينسى مثلًا خطابات الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، والمستشار الألماني، جيرهارد شرودر، الحادة وقتها ضد المخططات الأنجلو أمريكية؟ ومن ينسى إفحام دومينيك دوفيلبان، وزير خارجية فرنسا، لكولين باول، وزير الخارجية الأمريكية، في مجلس الأمن؟ وكذلك من ينسى مشاجرة يوشكا فيشر، وزير خارجية ألمانيا، مع دونالد رامسفيلد، في مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن الدولي؟
الملفت أن كل ذلك كان يحدث أمام كاميرات كل تليفزيونات العالم، ولم يؤدِ على طريقة النظم السلطوية إلى اعتقال متظاهرين، ولا إلى قطع العلاقات وطرد السفراء، ولا إلى اندلاع الحروب الكلامية والحملات الإعلامية بين الدول الغربية المؤيدة لغزو العراق وبين الدول الرافضة له، وهذه إحدى الخصائص المهمة والإيجابية للنظم الليبرالية.
إضافة إلى ذلك، كانت منظمات حقوق الإنسان في الغرب هي التي كشفت جرائم شركة بلاك ووتر بعد الغزو، وكانت هي التي مهدت لحملة اليونسكو لوقف نهب آثار العراق واستعادة المنهوب منها، وكانت حرية التعبير هي التي مكنت الصحافة الأمريكية من كشف فضيحة تعذيب الأمريكيين لمعتقلي سجن أبو غريب العراقي. وكل ذلك ليس في قاموس ولا في تطبيقات النظم السلطوية.
لكن، ذلك ليس كل شيء، فقد واصلت الصحف ومراكز البحث تنقيبها وراء الجريمة الأصلية للغزو، لتكشف تزييف الرئيس الأمريكي، بوش الابن، ورجاله لأدلة اتهام نظام صدام حسين بامتلاك أسلحة دمار شامل، وكذلك إثبات ضلوع رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير، في هذا التزييف، وذلك جاء في كتب وملفات استقصائية، وأفلام سينمائية، وهو ما أسقط اعتبارهم الأخلاقي (وإن لم يحاكموا كما كان واجبًا للأسف)، فضلًا عن أنه وضع سابقة تردع الساسة في المستقبل عن اقتراف مثل هذه الخطيئة. ومرة أخرى لا شيء من كل ذلك تعرفه أو تسمح به النظم السلطوية، الأمر الذي يُبقي الباب مفتوحًا أمامها دائمًا وعلى اتساعه لمواصلة جرائمها ضد مواطنيها وضد الشعوب الأخرى، حتى تقع هي نفسها في شر أعمالها، ولو بعد حين.
علي أية حال لا أحسب أن المثقف العربي يتحتم عليه الاختيار بين بؤس الشمولية وجرائمها، وبين قبول نفاق الغرب وازدواج معاييره أحيانًا كثيرة، فهناك بديل أكثر إنسانية وهو رفض تلك الازدواجية ورفض السلطوية معًا وفي اللحظة نفسها، والانضمام ولو بالكلمة إلى القوى التقدمية المحبة للسلام والديمقراطية وحقوق الإنسان أينما وجدت، إلا أنها لسوء أو لحسن الحظ لا توجد إلا في الغرب.
آراء أخرى
العودة إلى منطق السياسة.. دليلك نحو «الاستبداد العقلاني»
«في معظم دول العالم، من يضع الحدود للجهاز الأمني ويمنع طغيانه هو القرار السياسي»
الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»
عن وهم السلطوية والتنمية في الصين
«ما من علاقة عضوية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد