تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

الثورة القانونية في دعوى نيكاراجوا ضد ألمانيا أمام «العدل الدولية»

عبد الغني سيد
8 دقيقة قراءة
الثورة القانونية في دعوى نيكاراجوا ضد ألمانيا أمام «العدل الدولية»

بعد دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تقدمت جمهورية نيكاراجوا، أول مارس، بطلب للمحكمة للنظر في ادِّعائها ضد ألمانيا بمشاركة إسرائيل في جرائم الحرب وجريمة الإبادة الجماعيَّة المُرتكبة في فلسطين. 

تقوم الدعوى على اتهام ألمانيا بالإخلال بالتزامها بمنع جريمة الإبادة وجرائم الحرب، ومشاركتها في وتسهيل ارتكاب تلك الجرائم. نطاق الدعوى ضد ألمانيا أوسع، فهي لا تخص فقط دور ألمانيا في أفعال تُرتكب في غزة وتقع في نطاق اتفاقية الإبادة الجماعية، بل تخص جرائم الحرب (طبقًا لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول) تُرتكب في سائر الأراضي المحتلة. 

أمام نيكاراجوا تحدٍّ هام بشأن انعقاد اختصاص المحكمة، إذا تخطته بطلبها صرنا أمام دعوى غير مسبوقة. فهل ستتخطاه؟ 

تدفع نيكاراجوا بارتكاب ألمانيا جُرم بموجب سلوك محدد وهو: «تقديم الدعم السياسي والمادي والعسكري لإسرائيل» مع علمها بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل، خصوصًا باستخدام المعدات العسكرية الألمانية (فقرة 13 من الطلب). 

لطلب نيكاراجوا أساسين قانونيين نجد فيهما النصوص المُجرِّمة لأفعال ألمانيا. أولهما، اتفاقية الإبادة الجماعية لسنة 1948، إذ تقول نيكاراجوا بإخلال ألمانيا بالتزاماتها بموجب هذه الاتفاقية بسبب ما تقدمه من دعم سياسي ومادي وعسكري لإسرائيل. كما تتهم نيكاراجوا ألمانيا بتسهيل الإبادة بشكل فعّال، وذلك من خلال تقديم السلاح لإسرائيل من ناحية، ووقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من ناحية أخرى. تعتبر نيكاراجوا وقف تمويل «أونروا»، التي تلعب دورًا رئيسيًا في أعمال الإغاثة من ناحية وتوثيق الوضع على الأرض من ناحية أخرى، بمثابة انخراط على مستوى أعلى في الجرائم المرتكبة. 

أما الأساس القانوني الثاني، وهو ما يميز طلب نيكاراجوا عن دعوى جنوب أفريقيا، فهو الاتفاقيات المُشكِّلة لقانون الحرب (أو ما يطلق عليه «القانون الإنساني الدولي») وأهمها في هذا السياق اتفاقيات جنيف الأربع (1949) والبروتوكول الإضافي الأول (1977). هذا يجعل طلب نيكاراجوا أوسع في نطاقه مقارنة بدعوى جنوب أفريقيا، إذ يتعلق بارتكاب جرائم حرب كثيرة في سائر الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، لا فقط جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.

تخص دعوى جنوب أفريقيا ارتكاب إسرائيل جريمة محددة تعريفها ضيق للغاية وهي جريمة الإبادة الجماعية، ولا تتناول أي جريمة أخرى في دعواها، وبرغم صعوبة إثبات جريمة الإبادة من ناحية، وسهولة إثبات ارتكاب إسرائيل جرائم تقع في نطاق قانون الحرب من ناحية أخرى، كان تحرك جنوب أفريقيا استراتيجيًا بهدف إجبار إسرائيل على الظهور أمام المحكمة. عادةً، لا يجوز إجبار دولة على الظهور أمام المحكمة، إذ تتطلَّب إحالة أي نزاع بين دولتين أو أكثر إلى المحكمة موافقتهم بموجب اتفاق خاص بشأن هذا النزاع بعينه (مادة 40، ميثاق محكمة العدل)، وهو ما لن تُقْدِم إسرائيل على فعله. أما عن دعوى جنوب أفريقيا، فقد أقيمت باستغلال نص قانوني خاص يعقد الاختصاص للمحكمة دون الحاجة لموافقة الطرفين، طالما تعلَّق النزاع باتفاقية الإبادة الجماعية (مادة 9، اتفاقية الإبادة). بسبب مشكلة الاختصاص تحديدًا، إذن، اضطُرَّت جنوب أفريقيا إلى حصر ادعائها ضد إسرائيل باتهامها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية برغم صعوبة إثباتها، وذلك دون ذكر أي اتهام بارتكاب جرائم حرب، برغم سهولة إثباتها، إذ يصطدم الاتهام الأخير بغياب موافقة إسرائيل اللازمة لانعقاد الاختصاص للمحكمة. 

أما طلب نيكاراجوا فهو ينبني على أساس أن كلا من نيكاراجوا وألمانيا قد قاما بالفعل قبل عقدين بتصرف قانوني، وهو ما يُطْلّق عليه «إعلان خاص بقبول اختصاص محكمة العدل بشكل إلزامي ودون الحاجة لاتفاق خاص بين أطراف النزاع» (مادة 36، فقرة 2، ميثاق محكمة العدل). لم تقم إسرائيل بإيداع مثل هذا الإعلان، ولا الولايات المتحدة، وذلك خشية الوقوع تحت طائلة محكمة العدل، و لهاتين الدولتين تاريخ طويل من استخدام القانون الدولي لخدمة مصالحهم في حين أنهما تحديدًا من أبرز غير المنضمين لأهم الاتفاقيات الدولية خشية الوقوع تحت طائلة القانون الدولي (منها البروتوكولات الإضافية لاتفاقيات جنيف، ومعاهدة تجارة الأسلحة، ونظام روما الأساسي.. إلخ). لهذا السبب تحديدًا، قامت نيكاراجوا بتقديم طلبها ضد ألمانيا، لا ضد الولايات المتحدة على سبيل المثال. فعلى عكس الولايات المتحدة، ألمانيا قامت بالفعل بإيداع هذه الإعلان في 2008، لذلك فإن اختصاص المحكمة منعقد بشكل إلزامي تجاهها دون الحاجة إلى موافقتها المسبقة.

بسبب غياب مشكلة الاختصاص تلك، يتناول طلب نيكاراجوا مسألة خطيرة، إذ تدَّعي أن الدعم السياسي والمادي والعسكري الألماني لإسرائيل هو بمثابة إخلال بالتزامها بضمانة احترام قانون الحرب (مادة أولى مشتركة لاتفاقيات جنيف) وبقواعد قانون الحرب العرفية بأن «لا تشجع الدول انتهاكات القانون الدولي الإنساني من قبل أطراف النزاع المسلح. ويجب أن تمارس نفوذها، إلى الحد الممكن، لوقف انتهاكات القانون الدولي الإنساني» (فقرة 17، 18 من الطلب، والقاعدة 144، قاعدة بيانات القانون الدولي الإنساني للجنة الدولية للصليب الأحمر). ويتطلب إخلال ألمانيا بالتزاماتها تلك، طبقًا لنيكاراجوا، تدخل المحكمة ضد ألمانيا، بل وإصدار أمر بفرض إجراءات مؤقتة ضد ألمانيا بهدف إجبارها على وقف دعمها لإسرائيل وعملياتها العسكرية. وهنا تكمن أهمية الطلب، إذ قد يشكل سابقة قضائية لتهديد وردع الدول التي تدعم عمليات عسكرية تنطوي على جرائم دولية جسيمة. يهدد هذا الأمر الدول التي تدعم إسرائيل لا فقط في غزة، منذ أكتوبر 2023، بل في عموم الأراضي المحتلة منذ 1967. طلب نيكاراجوا هذا قد يؤدي إلى تفعيل غير مسبوق لالتزامات الدول بالامتناع عن أفعال مثل الانخراط في تجارة وتصدير السلاح لدول ترتكب جرائم دولية جسيمة.

 

على سبيل المثال، تطلب نيكاراجوا من المحكمة أن تفرض على ألمانيا إعادة دعمها المادي لـ«أونروا»، وهو طلب إشكالي. فعلى الرغم من جواز اعتبار الحملة التي قامت بها ألمانيا ودول أخرى (منها الولايات المتحدة) ضد «أونروا» جزءًا من نشاط منظم لدعم الجرائم الإسرائيلية في غزة، إلا أن الالتزام القانوني بمنع ومعاقبة جريمة الإبادة وجرائم الحرب لا يتطلَّب بالضرورة تقديم دعم مادي لأي منظمة أو كيان. على سبيل المثال، دول كثيرة، منها نيكاراجوا نفسها مثلًا، لا تقدم دعمًا ماديًا لـ«أونروا»، لكن لا يجوز إلزامها بتقديم مثل هذا الدعم بحجة منع الإبادة في غزة، ولا يجوز اعتبار عدم تقديمها مثل هذا الدعم بمثابة مشاركة في الإبادة. برغم ذلك، فطلبات نيكاراجوا بإعلان إخلال ألمانيا بالتزاماتها وبإجبارها على وقف دعمها (لاسيّما العسكري) لإسرائيل هي طلبات معقولة ومدعومة قانونيًا. 

إلا أن التحدي الأكبر لا يزال في مسألة الاختصاص. 

فهناك العديد من الاحتمالات بشأن سير الأمور في طلب نيكاراجوا، لكننا في المرحلة الأولية أمام احتمالين بخصوص مسألة رئيسية ومبدئية وهي: هل ينعقد اختصاص المحكمة ضد ألمانيا بسبب دعمها عمليات إسرائيل العسكرية حتى في غياب حكم قضائي بات يقضي بتشكيلها بالفعل جريمة إبادة جماعية؟

فنحن أمام نزاع بين دولتين، نيكاراجوا وألمانيا، لكنه يخص سلوك ومصالح دولة ثالثة ليست طرفًا في النزاع (ولن تقبل اختصاص المحكمة تحت أي ظرف) وهي إسرائيل. وطبقًا لسوابق محكمة العدل، لا يجوز أن تنظر المحكمة نزاعًا بين طرفين يخص طرف ثالث دون موافقة الطرف الأخير هذا (وهو ما يعرف باسم «مبدأ العملة الذهبية»). كما أننا بصدد الحكم على دعم ألمانيا إسرائيل في قيامها بجريمة الإبادة، لكننا لا نعلم بعد، بموجب حكم قضائي، إذا كانت إسرائيل بالفعل قامت بجريمة الإبادة. 

في هذا الأمر تقف المحكمة أمام خيارين. أولهما هو رفض طلب نيكاراجوا بشكل مقتضب، بحجة أن إسرائيل لم تقبل اختصاص المحكمة بنظر هذا النزاع، كما أن سلوك إسرائيل المزعوم مشاركة ألمانيا فيه لم يصدر بشأنه بعد حكم قضائي باعتباره جريمة إبادة، وأنه من الضروري لإعلان جُرم ألمانيا أن يُعلن أولًا جُرم إسرائيل. في هذا الخيار، ستعتبر المحكمة النزاع مشابه تمامًا لسوابقها، ولاسيّما في قضية «العملة الذهبية»، عام 1945، وترفض الطلب. 

أما الخيار الثاني هو أن تعتبر المحكمة أن الوضع الحالي غير مسبوق، وأنه برغم عدم موافقة إسرائيل على نظر الدعوى، وبرغم عدم صدور حكم قضائي بأن سلوك إسرائيل يُشكل جريمة الإبادة، إلا أن ألمانيا بالفعل مُلْزَمَة قانونًا بالامتناع عن دعم أنشطة إسرائيل العسكرية في غزة، وذلك بمجرد صدور أمر الإجراءات المؤقتة، الصادر في 26 يناير 2024، والذي يعلن أن ما يحدث في غزة «من المعقول» بالفعل أن يشكل جريمة الإبادة. أي تستطيع المحكمة الاكتفاء بصدور قرار مبدئي بـ«معقولية» ادعاءات جنوب أفريقيا ضد إسرائيل كسبب لقيام التزام على عاتق ألمانيا بخصوص العمليات العسكرية في غزة. الأمر متروك لاختيار المحكمة وإرادتها السياسية. 

ثم عن مسألة دور ألمانيا في «جرائم الحرب» التي ترتكبها إسرائيل، فهنا المشكلة أكبر، إذ أن ادعاء نيكاراجوا ضد ألمانيا بدعم جرائم الحرب الإسرائيلية يتطلَّب هو الآخر أولًا صدور حكم قضائي يقضي بارتكاب إسرائيل جرائم حرب بالفعل. وهو أمر يستحيل على المحكمة تحديده، إذ أن اختصاصها في دعوى جنوب أفريقيا محدود بجريمة الإبادة، ولا يجوز أن يمتد إلى إصدار أي أحكام أو استنتاجات بشأن ما إذا كانت عمليات إسرائيل العسكرية تشكل جرائم حرب.  

إذن حتى لو قبلت المحكمة فكرة أنها مختصة، في ضوء دعوى جنوب أفريقيا، بالحكم على مدى التزام إسرائيل باتفاقية الإبادة، فإنها تستطيع ببساطة أن ترفض طلب نيكاراجوا بشكل مقتضب، بحجة أنها لا تستطيع أن تحكم على سلوك إسرائيل في ضوء اتفاقيات جنيف الخاصة بجرائم الحرب، وبالتالي لا تستطيع أن تحكم ما إذا كان الدعم الألماني يخل باتفاقيات جنيف. لكن بوسع المحكمة أيضًا أن تعتبر أن «معقولية» حدوث جريمة إبادة جماعية في غزة (والتي حددتها هي نفسها بموجب أمر الإجراءات المؤقتة الصادر في 26 يناير 2024) تعني بالضرورة «معقولية» حدوث جرائم حرب. مجددًا، الأمر متروك لاختيار المحكمة وإرادتها السياسية. 

إذن يواجه طلب نيكاراجوا تحديات قانونية كبيرة، لكنه طلب في غاية الأهمية، يؤدي نجاحه لحدوث ثورة في علاقة القانون الدولي بالحرب، وتجارة وتصدير السلاح، والتعاون الاقتصادي مع الدول صاحبة السجلات الإجرامية.. إلخ. قد لا تمتلك المحكمة الإرادة السياسية الكافية لتمكين طلب نيكاراجوا من المُضي قدمًا، تحديدًا بسبب ذلك الأثر العظيم الذي يترتب عليه، وما يمثله من تهديد لمصالح دول كبرى يساهم في اقتصادها أنشطة التعاون العسكري والاقتصادي مع دول مجرمة. وقد نفاجأ بقبول المحكمة لدعوى نيكاراجوا.

عن الكاتب

آراء أخرى

رأي
عمر موسى

جاري أنس الشريف

«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»

اقرأ →

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).