التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية.. والمعادلة الصعبة
من حيث لا يدري، أقر رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، أن النظام الذي ينتمي إليه، يحكم مصر على أسس استبدادية شمولية، لا تسمح بالتنوع أو التعددية أو تداول السلطة، فإعلانه أنه تلقى توجيه رئاسي بـ«التحول نحو دولة مدنية ديمقراطية حديثة» قبل أيام لا يعني سوى أن الممارسات القائمة ليس لها أي علاقة بالمدنية والديمقراطية والحداثة.
حديث مدبولي خلال مشاركته في احتفالية عن اليوم العالمي لمكافحة الفساد بحضور مسؤولين مصريين ودوليين، الأسبوع الماضي، وصَف وبشكل دقيق الأوضاع القاتمة التي تمر بها الدولة المصرية، والطريقة التي تحكم بها البلاد منذ ست سنوات، فرغم خروج ملايين المصريين إلى الشوارع في انتفاضتين متتاليتين ضد الاستبداد والتسلط للمطالبة بتأسيس دولة الحرية والعدالة والكرامة، ورغم إقرارهم لدستور نص صراحة على بناء «دولة ديمقراطية حديثة يقوم نظامها على التعددية السياسية وتداول السلطة والفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان»، إلا أن السلطة التي تأسست على أنقاض الأنظمة الساقطة لم تشرع حتى الآن في اتخاذ أي خطوة لتحقيق مطالب الشعب وإنفاذ نصوص الدستور.
في النصف الثاني من عام 2011، نظم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع الحكومة المصرية، منتدى ضم مهتمين من المنطقة العربية لتبادل الآراء والتجارب مع قادة من مختلف أرجاء العالم لبحث مسارات وتحديات التحول أو الإصلاح الديمقراطي في الدول العربية التي مرت بمخاض سياسي في تلك الآونة.
استعرض المنتدى خلاصات التجارب السابقة في بلدان مثل الأرجنتين والبرازيل وشيلي وإندونيسيا والمكسيك وجنوب إفريقيا. وشارك خبراء من تلك الدول في الإجابة على أسئلة دارت حول دور الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية في التحول وآليات الحفاظ على حقوق الإنسان وتعميق العدالة الانتقالية.
خلص المنتدى بعد مناقشات استمرت يومين إلى عدد من الخطوات التي تضمن تحقيق التقدم على المسار الديمقراطي وتبتعد به عن الدخول في عمليات أو مواقف صراعية، وذلك من خلال التوصل إلى ما يشبه الإجماع القومي الراسخ للانتقال من مرحلة الحكم الديكتاتوري الشمولي إلى مرحلة جديدة توضع فيها قواعد نظام ديمقراطي مستقر، تبدأ تلك المرحلة بتحديد خارطة طريق تتمتع بقبول واسع، وتحويل حالة عدم اليقين بين أطراف المعادلة السياسية إلى مرحلة يقين، وتفكيك المنظومة الديكتاتورية القائمة، ثم التوافق على تأسيس مؤسسات جديدة تستند على قواعد دستورية وقانونية وتأييد شعبي حقيقي.
واتفق المشاركون في المنتدى على أن أولى إجراءات مرحلة التحول إلى نظام ديمقراطي «التوافق على عقد اجتماعي جديد، وإعداد وثيقة حاكمة لهذا العقد وهي الدستور»، واستعرضوا تجارب انتهجتها بلدان مضت في طريق التحول الديمقراطي منها «من أسقط الدستور بالكامل وأعد وثيقة جديدة، ومنها من أجرى تعديلات على الوثيقة الدستورية القائمة».
ثاني الإجراءات التي دونها المشاركون في التقرير الذي صدر بعد ختام المنتدى، هي الشروع في ترتيب العملية الانتخابية، لكن قبل إجراء الانتخابات العامة يجب أولا التوافق على قوانين انتخاب جديدة تسمح بتمثيل الأطياف كافة، بما يحقق التنوع والتعددية، وعلى السلطة القائمة أن تدعم الأحزاب التي تم تهميشها وحصارها خلال مرحلة الحكم الديكتاتوري، ويشمل هذا الدعم التمويل المباشر وتوفير مقرات، وعدم السماح لأجهزة الأمن التدخل في إدارة الانتخابات، وأن يقتصر دورها على التأمين وتوثيق المخالفات الانتخابية وفقًا لما نصت عليه قوانين الانتخاب.
بالتوازي، تبدأ السلطة فورًا في إطلاق سراح كل من تم اعتقاله على خلفية قضايا رأي أو بسبب معارضته لنظام الحكم، وتعمل على إقرار قوانين للعدالة الانتقالية تكفل كشف الحقائق ومحاسبة كل من ارتكب جرائم ضد حقوق الإنسان، وتعويض الضحايا، واقتراح أُطر المصالحة المجتمعية. وطرح التقرير تجارب دول أغلقت صفحة الماضي بعد اعتراف مرتكبي جرائم حقوق الإنسان بجرائمهم، وأخرى عقدت محاكمات ولاحقت مسؤولين سابقين.
المشاركون في المنتدى اقترحوا على السلطة التي تقود عملية التحول انتهاج سياسات انتقالية لمحاربة الفساد، على أن يُترك للبرلمانات المنتخبة وضع قوانين تنظم إجراءات التعامل مع الأصول المملوكة للمسؤولين الرسميين الذين تورطوا سابقًا في الفساد ومحاكمتهم.
لا يمكن بالطبع الشروع في عملية تحول ديمقراطي ووسائل الإعلام خاضعة لأجهزة الدولة توجهها وتفرض عليها أجندتها التحريرية، وعليه فإن من القواعد الأساسية لعملية التحول الديمقراطي إعادة النظر في نمط ملكية المؤسسات الإعلامية ورفع يد الأجهزة الأمنية عنها، فبدون صحافة حرة تُعبر عن المحكومين وليس عن الحكام ينحرف مسار التحول ويُفتح الباب أمام دورة استبداد جديدة.
ولضمان وجود قاعدة ديمقراطية ذات جذور عميقة، دعا المنتدى في تقريره إلى استيعاب جميع الجماعات السياسية والاجتماعية، ومحاولة الوصول إلى إجماع بشأن القضايا الجوهرية وإسقاط المختلف عليه، ووضع قواعد وإجراءات واضحة للعملية الانتخابية، وإنشاء محكمة نقض للنظر في القضايا المتعلقة بالانتخابات، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية مع تأهيل كوادرها ومحاولة تغيير أيديولوجيتها المهنية بما يتوائم مع المجتمع الديمقراطي.
ليس هناك كتالوج واحد لتأسيس نظم ديمقراطية، فلكل دولة ظروفها ولكل مجتمع محدداته، لكن هناك دعائم أساسية لا يمكن تجاهلها في أي عملية تحول، تبدأ من إقرار قاعدة تشريعية لتأسيس وإصلاح المؤسسات، ودعم الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، وإطلاق حرية الصحافة والإعلام، وإنهاء تدخل الأجهزة الأمنية في عمل مؤسسات الدولة المدنية، وتحييد المؤسسة العسكرية وإقناع قادتها بالاكتفاء بدورهم في حماية الدول والحفاظ على حدودها.
تجارب التحول الديمقراطي التي عرضت في المنتدى وغيرها، كشفت أن الأنظمة الاستبدادية التي أحكمت قبضتها على مفاصل الحكم لا يمكن أن تتخلى طواعية عن سلطاتها المطلقة بدون وجود معارضة نشطة وفاعلة ومؤثرة في محيطها، تلك الأنظمة لن تشرع في التفاوض أو الحوار على وضع قواعد ديمقراطية لإدارة الدول، إلا بعد تأكدها من أنها فقدت رصيدها من الرضا العام، وشرعيتها الشعبية أصبحت على المحك، يضاف إلى ذلك قوة البدائل السياسية القادرة على إقناع الجماهير بأن هناك من يمكنه تحمل المسؤولية في حال حدوث فراغ في السلطة، عند بلوغ تلك المرحلة لا يمكن للسلطة المسيطرة أن تحطم المعارضة وستكون مجبرة على التفاوض معها على وضع قواعد لإدارة مرحلة الانتقال إلى الدولة الديمقراطية.
حديث رئيس الوزراء المصري عن توجيه رئاسي بالتحول إلى «دولة مدنية ديمقراطية حديثة»، لا يدخل ضمن السياقات سالفة الذكر، فالنظام الحالي غير مستعد لتنفيذ أجندة التحول، ويمكن وضع الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان سوء من مدبولي أو غيره في سياق محاولة تهدئة الضغوط الغربية التي لاحقت النظام خلال الأسابيع الماضية، والتي اتهمته بالتوسع في حبس المعارضين، فمنذ أن أرسل عدد من النواب الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي، في أكتوبر الماضي، خطابًا إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي يطالبون فيه بـ«إطلاق سراح ناشطين يقبعون في السجون بسبب ممارستهم لحقوق الإنسان الأساسية»، توالت بيانات الإدانة والاستنكار لممارسات السلطة المصرية تجاه معارضيها.
الضغوط الدولية في ملف حقوق الإنسان والديمقراطية، تصاعدت بعد حبس المسؤولين عن المبادرة المصرية للحقوق والحريات واتهامهم بدعم وتمويل جماعات إرهابية، ورغم إخلاء سبيلهم قبل زيارة السيسي لفرنسا الأسبوع الماضي، إلا أن المنظمات والاتحادات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان لم تتوقف على ملاحقة السلطة المصرية واتهامها بانتهاك حقوق مخالفيها المدنية والسياسية.
مثلت تلك الإدانات ضغطًا على السلطة للدرجة التي دفعت الرئيس إلى التحدث بلهجة غاضبة عندما سُئل عن ملف حقوق الإنسان في مصر خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل أيام، مستنكرًا ملاحقته بأسئلة في هذا الملف دون غيره من الملفات الأهم من وجهة نظره مثل مواجهة الإرهاب والتطرف ودعم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.
إجابة السيسي بدت وكأن الرجل لا يريد أن ينكأ له أحد جرحًا، «اهتمامكم بهذا الأمر على أننا لا نحترم الناس، أو مبنحبش مجتمعاتنا، أو أننا قادة عنيفين شرسين مستبدين، الحقيقة هذا أمر لا يليق.. ولا يليق تصوير مصر على أنها دولة ذات نظام مستبد، فى ظل ما تفعله من أجل شعبها ومن أجل استقرار المنطقة».
وأكد السيسي أن هذا الأمر -الاستبداد- قد ولى من سنوات، «الشعب المصرى الذى يشكل الشباب فيه أكثر من 65 مليون شاب لا يقدر أحد على تكبيله أو يفرض عليه أى نظام لا يقبله.. دا أمر انتهى ومش موجود».
الحالة التي بدا عليها السيسي خلال المؤتمر الصحفي مبررة، فالرئيس لم يعتد على تلقي أسئلة غير معدة سلفًا من الإعلاميين المصريين، ولا يجرؤ صحفي في مصر على توجيه سؤال قد يتسبب في إحراج الرئيس، «ليس لدينا ما نخافه أو نحرج منه، فنحن أمة تجاهد من أجل بناء مستقبل لشعبها في ظروف في منتهى القسوة في منطقة شديدة الاضطراب»، أكمل السيسي حديثه، مؤكدًا أنه مطالب بحماية 100 مليون مصري، وأن استعادة الاستقرار والأمن والسلام من ثوابت الدولة المصرية.
ما طرحه السيسي في باريس هو قناعته الراسخة في هذا الملف، فالسنوات الست التي قضاها في الحكم أثبتت أن الرجل لا يهتم كثيرًا بحقوق الإنسان ولا بالديمقراطية ولا التعددية ولا تداول السلطة، وأنه مؤمن كما عبر في أكثر من مناسبة بأن تثبيت أركان الدولة والحفاظ على استقرارها لن يتم بتلك الرفاهيات التي يلوكها بعض الساسة والحقوقيين من «بتوع الكلام»، فلكل مجتمع خصوصياته وفق ما أعلن مرارًا.
عاد الرئيس من باريس، وكلف رئيس وزرائه بالإعلان عن التوجيه الرئاسي بـ«التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة»، وظن أن تلك الرسالة ستُخمد الحديث المتصاعد عن انتهاكات حقوق الإنسان ومطالب الديمقراطية.
السلطة التي أحكمت السيطرة على كل مؤسسات الدولة، وعدَّلت مواد الدستور حتى تستمر في الحكم دون منازع، وأطلقت يد الأجهزة الأمنية في إدارة الانتخابات والأحزاب والإعلام، لن تُفرط أو تتنازل عن صلاحيتها المطلقة، إلا في وجود معارضة قوية مؤثرة تستند إلى قاعدة شعبية، ووجود تلك المعارضة لن يتحقق في ظل الحصار والملاحقة والمنع من التواصل مع الجمهور.
يبدو أن معادلة التحول السلمي إلي دولة مدنية ديمقراطية حديثة صعبة، وشروط تحقيقها لم تتوفر بعد، فالنظام لن يبادر طواعية بمنح الشعب حقوقه السياسية، حتى وإن حاول تصدير رسائل بذلك، والبدائل التي من المفترض أن تخوض معركة سياسية لتمكين الشعب من حقوقه غائبة بفعل فاعل.
آراء أخرى
العودة إلى منطق السياسة.. دليلك نحو «الاستبداد العقلاني»
«في معظم دول العالم، من يضع الحدود للجهاز الأمني ويمنع طغيانه هو القرار السياسي»
الدولة القوية والمجتمع المُنقاد
«يبدو مفاجئًا للبعض أن تجارب بعض الدول تُشير إلى أن باستطاعة الأنظمة الشمولية تحقيق مستويات نمو مرتفع»
عن وهم السلطوية والتنمية في الصين
«ما من علاقة عضوية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد