البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية: داعم للمستقبل أم عالق في الماضي؟
بعد ثلاث سنوات من وصول أول استثمارات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إلى مصر وتونس والمغرب، أعلن المُقرض اللندني عن برنامج قيمته رُبع مليار دولار لدعم مشروعات جديدة لتجديد الطاقة في مختلف أنحاء المنطقة.
ورغم إعلان البنك عن "رغبته في دفع الطاقة المتجددة إلى مستوى تال" إلا أن الأبحاث الجديدة تكشف أنه في أغلب الأحوال لا تتوفر الأموال اللازمة لتحقيق ذلك.
كان البنك قد نجح في أن يصبح أحد أهم جهات الإقراض متعددة الجنسيات في قطاع الطاقة في المنطقة التي يشير إليها بمنطقة جنوب وشرق المتوسط (سيميد). وهو البنك الذي تأسس في عام 1991 لغرض مزدوج؛ يستهدف تمويل التحول الاقتصادي والتنمية المستدامة في شرق أوروبا والاتحاد السوفيتي سابقا، وأضافت إليه الدول المساهمة به مهمة شبيهة بعد الانتفاضات الشعبية التي اجتاحت المنطقة العربية في عام 2011.
وصلت قيمة استثمارات البنك في قطاع الطاقة في الفترة ما بين 2012 و2014 إلى 604 مليون يورو، أي حوالي 40% من إجمالي استثماراته في منطقة جنوب وشرق المتوسط التي بلغت 1.5 بليون يورو في نفس الفترة. وقد كانت الاستثمارات في مجال الطاقة ذات أهمية خاصة لكل من مصر والأردن حيث بلغت 37% و72% من إجمالي استثمارات البنك على التوالي.
إلا أن نظرة أكثر تدقيقَا على المشروعات التي مولها البنك في قطاع الطاقة، ورغم تأكيدات البنك تشجيعه لمصادر الطاقة المستدامة، تكشف أن نشاطه في أعوام 2012-2014 تضمن الكثير من الإنفاق على مصادر الطاقة الأحفورية.
مسألة تخص المنظور
من منظور بحوث بنكووتش (وهي منظمة غير حكومية دولية ترصد وتراقب أداء المؤسسات المالية في بلدان وسط وشرق أوروبا) يختلف حجم الأموال التي استثمرها البنك في الطاقة المستدامة، خاصة كفاءة الطاقة، عما أعلن عنه البنك كثيرًا. فإذا كان مشروع رفع كفاءة الطاقة يؤدي إلى مزيد من استخدام الوقود الأحفوري -سواء عن طريق زيادة سعة جهاز توليد الطاقة أو بأي طريق آخر- فإنه لا يجوز بالتأكيد اعتباره مشروعا لرفع كفاءة الطاقة.
أحد الأمثلة التي توضح ذلك تتمثل في إقراض البنك 156 مليون يورو للشركة القابضة لكهرباء مصر، والمملوكة للدولة، لتحويل محطتي كهرباء قائمتين في غرب دمياط والشباب إلى توربينات غازية ذات دورات مركبة لزيادة قدرتها التوليدية. ويرى "بنكووتش" أن هذا المشروع يستخدم بالأساس المزيد من الوقود الأحفوري، على العكس من البنك الذي يرى فيه مكسبًا من حيث الكفاءة.
كذلك لا يعتقد بنكووتش أن ما يطلق عليه اسم محطات الكهرباء "الخضراء" ومحطات توليد الطاقة الحرارية (محطات التوليد المشتركة) يمكن أن تعتبر مشروعات لزيادة كفاءة استخدام الطاقة. بحسب مصادر الطاقة المستخدمة تصنف مثل هذه المشروعات إما ضمن مشروعات الطاقة المتجددة أو الوقود الأحفوري. بالنظر، على سبيل المثال إلى محطة تدفئة وتبريد منطقة العبدلي بالأردن، نجد أن البنك يقدمه باعتباره مشروع لزيادة كفاءة الطاقة، رغم أنه من الصعب معرفة نوع الوقود الذي تستخدمه المحطة على وجه الدقة.
كذلك يرى البنك أن أي عنصر في بناء محطة طاقة جديدة تعتمد على الوقود الأحفوري يتحقق بناء عليه توفير في الطاقة، يعتبر مشروعًا لتحسين كفاءة الطاقة، ويرى بنكووتش انه لا يجوز اعتبار مثل هذه المشروعات مشروعات خضراء؛ إذ أنها سوف تؤدي إلى زيادة في معدل استخدام الوقود الأحفوري، كما هو الحال في مشروع توليد الطاقة في منطقة المناخر بالأردن.
وحصلت محطة توليد الطاقة بالمناخر -التي تحرق مزيجا من الغاز والزيت الثقيل وأنواع أخرى من الوقود الأحفوري- على تمويل بلغ 130 مليون يورو من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وذلك رغم تعبير السكان المحليين عن قلقهم بشأن تأثيرات المشروع. وفي حين زعم البنك أن المشروع سوف يضمن تزويدًا آمنًا بالكهرباء للأردن، إلا أنه في الواقع قد يكون له أثر معاكس لذلك، حيث تعتمد الأردن على استيراد الغاز من مصر.
كانت مصر والأردن قد وقعتا في عام 2004 اتفاقية لخمسة عشر عامًا بشأن توريد الغاز، إلا أن تفجير الأنابيب المارة عبر سيناء منذ عام 2011 ونقص إمدادات الغاز المصري دفعت الحكومة الأردنية إلى رفع أسعار الغاز. وفي العام الماضي وقعت شركة الطاقة الأردنية المملوكة للدولة صفقة لخمسة عشر عاما للحصول على الغاز الطبيعي من إسرائيل، ما يضاعف من القلق بشأن تأمين مصادر الطاقة في المستقبل.

عالقون في الماضي
أشارت الأبحاث إلى أنه في الفترة ما بين 2012 و2014 أنفق ما يقرب من 70% من استثمارات البنك في قطاعات الطاقة في بلدان جنوب وشرق المتوسط (419 مليون يورو) على مشروعات توليد الكهرباء باستخدام الزيت والغاز، إضافة إلى استخراج وتوزيع مستخرجات الفحم. على العكس من ذلك لم يتجاوز دعم البنك لمشروعات تجديد وزيادة كفاءة الطاقة 14% من قيمة استثماراته أو ما يوازي 85 مليون يورو.
يتضح الفرق بين حجم تمويل مصادر الوقود الأحفورية والطاقة المتجددة على وجه الخصوص في مصر التي تعتمد على توليد الطاقة من الفحم.
يأتي ترتيب مصر بين أعلى الدول من حيث الانبعاث الحراري، ومن المرجح أن يؤدي تمويل البنك الأوروبي، الذي تبلغ قيمته 239 مليون يورو لتمويل الوقود الأحفوري، إلى تكريس هذا الميل. كما أُنفق جزء من هذا المال العام على التنقيب عن الغاز خارج البلاد.

في الوقت نفسه لم يفعل البنك سوى القليل من أجل تخفيض كثافة الطاقة في الاقتصاد المصري، والتي تعد ضمن الأعلى بين دول العالم. فقد حصلت المشروعات الصغيرة الخاصة بتجديد وتحسين كفاءة الطاقة في البلاد على مبلغ ضئيل لم يتجاوز 24 مليون يورو. وفي الأردن، وهو البلد الغني بإمكانيات استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، اقتصر قرض البنك على 61 مليون يورو لإنشاء أربعة مشروعات لتوليد الطاقة الشمسية.
كذلك عجز البنك عن تنويع ملف تجديد الطاقة، وعن اقتحام كل أسواق بلدان جنوب وشرق المتوسط. ورغم أن المنطقة غنية بالرياح وإمكانيات استخدام الطاقة الشمسية والحرارية (وبدرجة أقل الطاقة الكهرومائية) إلا أن البنك اقتصر استثماراته على الطاقة الشمسية (المشروعات سابقة الذكر في الأردن). ولم يحصل المغرب أو تونس على أي استثمارات للبنك في مشروعات تجديد أو رفع كفاءة الطاقة.

بوادر تغيير؟
لا شك أن التطورات السياسية والعقبات القانونية في منطقة بلدان جنوب وشرق المتوسط تمثل عقبة في بيئة الاستثمار التي يعمل فيها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ما يعقد من استدامة مبادرات البنك في مجال مشروعات الطاقة المستدامة. ورغم ظهور بوادر مشجعة في عام 2015 تشير إلى اتجاه البنك نحو استخدام مصادر تجديد ورفع كفاءة الطاقة في المنطقة، إلا أن قروض البنك في قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية لم يساعد في تخفيف اعتماد هذه البلاد التاريخي على الوقود الأحفوري. ويظل من غير الواضح ما إذا كانت تصريحات البنك الأخيرة سوف تتحول إلى واقع أم تبقى مجرد كلمات.
آراء أخرى
الهيدروجين الأخضر في مصر: تقويض السيادة الطاقية وتكريس التبعية لأوروبا
«الانتقال الطاقي العادل لا يتحقق بمراكمة الاستثمارات الأجنبية، بل بتوزيع عادل للسلطة والثروة»
جزر النيل واستعادة الطبيعة البرية في مصر: جزيرة الدهب مثالًا
«تخلص استراتيجية مصر في مواجهة التغير المناخي إلى أننا بحاجة إلى تطوير وابتكار مقاربات محلية»
هل نعيش العصر الذهبي لاستثمارات الطاقة المتجددة؟
«بالرغم من هجرة العاصمة المصرية إلى الجنوب منذ قرون طويلة، إلا أن الطبيعة في صعيد مصر بدت في حقب عدة وكأنها تفرض وجودها على السياسة والاقتصاد.…»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد