تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

قبل الـ«كوب».. رواية أخرى للتغير المناخي بطلها الماء

نبيل الهادي
9 دقيقة قراءة
قبل الـ«كوب».. رواية أخرى للتغير المناخي بطلها الماء

في أكتوبر الماضي منحت لجنة نوبل للفيزياء جائزتها لثلاثة من العلماء: الألماني كلاوس هاسلمان، والياباني الأمريكي، سيوكورو مانابي، والإيطالي، جورجيو باريزي، لأن اكتشافاتهم «أظهرت أن معرفتنا عن المناخ تستند لأسس علمية متماسكة مبنية على تحليل منظم للملاحظات». و كان مانابي قد طور عام 1967 نموذجًا حاسوبيًا أكد العلاقة الحاسمة بين غاز ثاني اكسيد الكربون واحترار الغلاف الجوي، وأسس هذا النموذج لنماذج أخرى أكثر تطورًا.

وكما هو معلوم، فإن غاز ثاني أكسيد الكربون هو أهم غاز في مجموع الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والذي يتم إطلاقه بكثافة في الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية منتصف القرن التاسع عشر، نتيجة لاستخدام موارد الطاقة الكثيفة مثل الكربون والبترول والغاز الطبيعي.

وبالرغم مما يظهره تاريخ الحضارة البشرية من محورية وأهمية الطاقة، يجادل العديد من العلماء أنه يمكن للمجتمعات التي تركز على رفاهية الإنسان أكثر من الاستهلاك المحموم، الوصول لدرجات عالية من جودة الحياة باستخدام جزء ضئيل من الوقود والكهرباء التي تستخدمها الأمم المُهدِرة في استهلاكها، ببساطة لأن تحقيق الحاجات الإنسانية الأساسية يتطلب مستويات معقولة من الطاقة أقل كثيرًا مما نستهلكه بالفعل. 

كان لهذا التركيز على غاز ثاني أكسيد الكربون، وبصفته من مخلفات استخدام الطاقة الأحفورية، دورًا كبيرًا في تبني رواية تكاد تكون هي الشائعة، وربما يمكن وصفها بـ«الرواية الواحدة» عن التغير المناخي، والتي تركز بالأساس على أن التغير المناخي يحدث نتيجة انبعاث كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بسبب حرق الوقود الأحفوري في الغالب. النتيجة الواضحة لهذه الرواية كما نسمع كثيرًا الآن هي أننا يجب أن نركز جهودنا على التحول من هذا الوقود غير المستدام إلى أنواع أخرى متجددة. لكن، هل تبني هذه «الرواية الواحدة» يصب في صالح جهودنا الحثيثة لمواجهة التغير المناخي؟ 

تشرح الكاتبة النيجيرية شيماماندا نجوزي أديشي مفهوم «الرواية الواحدة»، وكيف أنها قد تحصر تصوراتنا عن العالم نتيجة تكرارها على أسماعنا، خاصة من الناس ذوي القوة والسلطة، فإنها تسيطر على فهمنا ونتبناها باعتبارها الحقيقة. مشاكل الرواية الواحدة وبطلها، ثاني أكسيد الكربون، متعددة، أولها أنها تسطح مفهومنا عن الحياة وما يحدث فيها وتختزل خبراتنا المركبة، وبالتالي تشكل خطرًا علينا لأننا سنتجاهل هذا التركيب فيما نحاول فهم الواقع. 

«الرواية الواحدة» تضمنت أن التغير المناخي سيؤثر على توفر الماء. بينما الرواية المركبة أو الأكثر شمولًا تتضمن أن الماء يمكن أن يؤثر أيضًا على المناخ. يتم هذا عن طريق النباتات لأنها «تدير الماء، وبإدارتها للماء تدير وتتحكم في الحرارة»، كما كتب المزارع والكاتب الأسترالي بيتر اندروز. هذه الرواية تهمنا، ليس فقط في مصر لأن التحدى المائي كبير للغاية، لكنها مهمة أيضًا في أغلب الدول الإفريقية، إن لم يكن للعالم بأسره.

المشكلة الرئيسية التي تراها شيماماندا نجوزي أديشي  في «الرواية الواحدة» ليس أنها غير صحيحة، ولكنها غير مكتملة. فرواية الماء تُظهر بوضوح أن المناخ ليس نتاجًا لقياس أو عنصر واحد، كما أنها لا تلغي رواية ثاني اكسيد الكربون، لكنها تجعلها جزءًا من رواية مركبة متعددة الأبعاد. وعلى عكس ثاني اكسيد الكربون والميثان والغازات الأخرى المسببة للاحتباس الحراري، والتي تتصدر بطولة رواية التغير المناخي الواحدة، فإن إضافة الماء كأحد الأبطال سيُحدث تحولًا كبيرًا في علاقة الناس بقضية التغير المناخي.

عندما تنتهي البطولة المطلقة للغازات، التي لا يحبها البشر بطبيعتهم، وينضم الماء كبطل، سيتغير موقف البشر في الأغلب. فالماء له علاقة خاصة بالبشر كما تناولها جون كالديكوت في كتابه الرائع «الماء»، عندما عرض أحد نظريات نشأة وتطور الإنسان المسماة بـ«نظرية القرد المائي»، والتي تفترض نشأة الإنسان بالقرب من المسطحات المائية الكبرى، كالمحيطات، وكيف أن أحد الأدلة على ذلك هو غياب الشعر الكثيف عن جسم الإنسان وغلبة الجلد الناعم المقارب للكائنات المائية. كتب كالديكوت عن الانجذاب الكيميائي الحادث لجزيء متأين للماء، وهو ما ينطق بالانجليزية «هيدروفيلك» أو ما يمكن ترجمته إلى «المحب للماء» أو الميّال له. 

وتشير دراسات علمية عديدة إلى الدور الرئيسي للنباتات بأنواعها المختلفة في إدارة تدفق الطاقة حولنا، حيث تصنف النباتات كمنتِج رئيسي مقابل كائنات كثيرة أخرى مثل الحيوانات والطيور والإنسان، والتي تعتبر مستهلكة للطاقة التي تنتجها النباتات في شكل طعام. ويتحكم في تدفق الطاقة تلك قوانين الديناميكا الحرارية بتنظيم تبادل الطاقة بين تلك المنظومات، من الشمس خلال الإشعاع الشمسي الذي يمكّن النباتات من التمثيل الضوئي، حيث تتفاعل المياه القادمة من التربة المحملة بالعناصر الغذائية عبر جذور النباتات مع ثاني أكسيد الكربون الموجود في الهواء لإنتاج سكر الجلوكوز اللازم لنمو النبات مع إطلاق الأكسجين وبخار الماء في الجو، أو ما يسمى بعملية «النتح»، ليحمل بخار الماء معه وهو منطلق في الجو كمية من الحرارة الكامنة، ومن ثم يتكثّف لاحقًا في طبقات الجو العليا ويتحول لمطر. 

تشير جوديث شفارتس في مقالها في الجارديان إلى ما أكده الباحث الميكروبيولوجي الأسترالي، والتر جين، والذي قدّر أن العمليات المعتمدة على الماء في الغلاف الجوي والمحيطات وفوق الأرض وعبر الثلوج تتحكم في ما يقرب من 95% من توزيع الحرارة الطبيعية للأرض. وحتى نتخيل تأثير بخار النتح على نقل الطاقة فلنا أن نعرف أن أشجار غابة الأمازون المطيرة تصنع نهرًا رأسيًا أكبر من نهر الأمازون نفسه، طبقًا للعالم البرازيلي، انطونيو دوناتو نوبر. في الحقيقة، فإن شجرة بحجم مناسب في غابات الأمازون قادرة في يوم مشمس على إخراج ما يقارب 100 لتر من الماء في عملية النتح في اليوم الواحد، وهي عملية تماثل ثلاث مرات القدرة التبريدية لنظام تكييف الهواء في غرفة فندق ذي خمس نجوم، طبقًا لعالم النباتات التشيكي، جان بوكورنى. 

العمليات التي تقوم بها الأنظمة الطبيعية مرتبطة جدًا ببعضها البعض. وكل خطوة نحو إعادة تجديدها تجلب معها منافع عدة. مثلًا نباتات أكثر يعني تمثيل ضوئي أكثر، يعني كربون أكثر يتم امتصاصه من الغلاف الجوي ويتم تخزينه في التربة على شكل كربون عضوي يزيد خصوبتها. وفي مقابل كل 1% زيادة في الكربون العضوي في التربة، يمكن إضافة 250 ألف لتر من الماء لكل هكتار يمكن إبقائها في التربة السطحية. وكلما زادت المياه في التربة، زادت المرونة لمقاومة الفيضانات والجفاف. أي أن استعادة الأنظمة البيئية الطبيعية التي نمت ودعمت وجودنا، يمكّننا من استعادة التوازن للحرارة وديناميات المياه.

في يناير 2021 دعا والتر جين إلى الكف عن الحديث عن انبعاثات الكربون. إذ أنه يرى دورًا هامًا للكربون العضوي في استعادة دورة الماء في التربة، فهو سيسمح بإعادة بناء التربة لدعم نمو النباتات وتفعيل عملية النتح، ما سيؤدي إلى تبريد الأرض. وفي هذه العملية سيكون تخزين الكربون في التربة أمرًا أساسيًا وحاسمًا، ليس فقط لضرورة امتصاصه، وإنما لاستعادة مسامية التربة وجودتها. علمًا أن التربة نفسها هي أساس الاستثمار في الزراعة المتجددة، والتي لن تضمن فقط طعامًا مستدامًا وأكثر صحة. ولكنها ستؤثر بدورها على تبريد المناخ. الاستثمار هذا يعتمد على تبني الوسائل الطبيعية والتقنيات البسيطة، لذلك فإن تكلفته الاقتصادية غالبًا ما ستكون أقل كثيرًا وأكثر فعالية من البدائل الأخرى. 

الأمر الهام كذلك في فهم واستيعاب وجود روايات متعددة ومتراكبة لقضايانا، كما تقول شيماماندا نجوزي إديشي، أنه يجعل تلك القضايا أكثر إنسانية، ويدفعنا نحو التواصل مع عقول وتجارب أخرى، وهذه مسألة أساسية عندما نريد التعامل مع تحدي وجودي يواجهنا جميعًا، ويتطلب حشد جميع الطاقات للتعامل معه.

لا نستطيع الإشارة إلى أهمية الرواية الأوسع والتوقف دون أن نشير لما يعنيه ذلك من تبعات وإجراءات مفترضة، خاصة بعد أن بات لدينا صورة واقعية عما نعيشه وعما نحتاجه عقب صدور تقرير المجموعة الثالثة للجنة الدولية للتغير المناخي في أبريل الماضي.

بعد صدور التقرير غرّدت مديرة عام منظمة الأمم المتحدة للبيئة: «يجب أن نبدأ في العمل هذه السنة. لا، هذا الشهر. لا، هذا اليوم». بحسب التقرير والدراسات العديدة التي أعتمد عليها، إن أردنا الحفاظ على فرصة  للبشر في الحياة بشكل فيه أقل قدر ممكن من مشكلات التغير المناخي، فيجب الالتفات إلى ثلاث محطات زمنية والالتزام بأهداف محددة تتحقق فيها. عام 2025، يجب أن نصل إلى أقصى قدر من انبعاثات الغازات المسببة للتغير المناخي. وعام 2030 يجب أن تهبط تلك الانبعاثات إلى النصف. وعام 2050 يجب أن نصل إلى مستوى صفر انبعاثات.

هذا سيناريو تفرضه الرواية السائدة، وترجمته إلى سياسات على الأرض في مصر مثلًا يتطلب سد الاحتياجات المرتبطة بزيادة استهلاك الطاقة (قدّرها وزير الكهرباء منذ سنوات بزيادة سنوية 10% وفي الريف أقل من ذلك) من خلال مصادر الطاقة المتجددة عديمة الانبعاثات. وقف الانبعاثات عند أقصى حد لها في 2025 لا يعني فقط زيادة قدرات الطاقة المتجددة، وإنما أيضًا الزيادة في كفاءة استخدام الطاقة، مع تحول نحو أسلوب حياة جيد لكنه منخفض في استهلاك الطاقة (مثل ركوب الدراجات الهوائية بدلًا عن المركبات قدر الإمكان). وعلى نفس المنوال، فإن خفض تلك الانبعاثات للنصف في 2030 وخفضها للصفر في 2050 سيتطلب المزيد من التدخلات والإجراءات.

بحسب الرواية الأوسع، يرتبط التعافي من آثار التغير المناخي باستعادة قدرة الأنظمة الطبيعية على التحكم في توزيع الطاقة وامتصاص ثاني أكسيد الكربون في التربة وتخفيف درجة الحرارة. يعني هذا وقف تلوث المياه السطحية والجوفية والتوقف عن إنشاء كل ما يعيق تدفق واتصال منظومة المياه، وزيادة النباتات المحلية المعرضة للانقراض، وكذا الحشرات والحيوانات المحلية.

الوصول إلى نقطة العام 2030، مع الوصول إلى المستوى صفر في انهيار المنظومات الطبيعية للماء والتربة والنبات والحيوان، وهي النقطة التي ستبدأ منها الأنظمة الطبيعية استلام زمام الأمور، يحتاج إلى جهود كبرى مدعمة بأبحاث موازية لتلك المجهودات لتصحيح اتجاهاتها. مع العلم بأن هذه المجهودات تتميز بالتكلفة المنخفضة مقارنةً بمتطلبات مسار ثاني أكسيد الكربون، والتي تشير لها الرواية الواحدة باعتبار أنه لا غنى عنها، وربما يكون هذا صحيحًا في الدول المتقدمة، لكن في مصر وإفريقيا والعديد من دول آسيا وأمريكا اللاتينية سيكون لاستعادة قدرة الأنظمة الطبيعية الدور الأكبر في التعافي. وأيضًا سيلعب دورًا أساسيًا في الاستمرار لتحقيق الهدف الخاص بالعام 2050، حين يشهد ازدهارًا كبيرًا في البيئات الطبيعية المختلفة والكائنات التي تعيش فيها.

يحتاج تدقيق هذه الأهداف وتحديد المشروعات المطلوبة للوصول إليها، العشرات وربما المئات من الابتكارات التي لن تُنتج إلا من الآلاف من التجارب الجادة بمساهمة كل المؤسسات العلمية في مصر وعلى رأسها الجامعات. ولأن تلك الابتكارات، كما تخبرنا بذلك خبرتنا في بعض المواقع في مصر، هي بطبيعتها غير مكلفة، ولا تحتاج لرأس مالٍ كبير، فيمكن للجامعات أن تبدأ فورًا في دعمها. ربما تحذو حذو جامعة القاهرة التي طرحت تمويلًا، وإن كان بسيطًا، للأبحاث والدراسات المتعلقة بالموضوع. وتستطيع الجامعات العديدة في مصر، سواء الخاصة أو الأهلية أو العامة، أن تسهم بجهد أولي في ذلك، ربما بتشجيع من رئاسة مصر لمؤتمر التغير المناخي. هذا من شأنه أن يدعم الدور الريادي لمصر في محيطها الإفريقي للتعامل مع التغير المناخي باستخدام الإمكانات المتوافرة محليًا، كما سيدعم ولا شك موقف مصر التفاوضي مع دول الشمال العالمي المتسببة بشكل رئيسي في الانبعاثات الكربونية والتي تهدد كوكبنا.

نحاول في إطار جامعة القاهرة، مع طلاب مرحلة الدراسات العليا القادمين من الهند وبنجلاديش ونيبال ولبنان وكوريا الجنوبية، التعامل مع تلك العلامات الزمنية بصورة جدية من خلال دراسة لمنطقة برج رشيد بدأناها منذ عدة سنوات. وحاليًا، نحاول كذلك أن نتناول بجدية ماذا تعني تلك العلامات ومتطلباتها، خاصة على منظومة الماء والطعام والتنقل والطاقة، ذلك لإدراكنا أن الوقت هو التحدي الرئيسي.

أخيرًا، تسمح لنا الرواية الواسعة المركبة برؤية واسعة ومركبة للعالم، وأيضًا برؤية أخرى لأنفسنا وقدرتنا على التعامل والمواجهة، حتى في ظل سياق لا يفرض سوى التحديات.

عن الكاتب

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).