تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رأي

أكبر موازنة في التاريخ مكبلة بالديون 

محمد جاد
10 دقيقة قراءة
أكبر موازنة في التاريخ مكبلة بالديون 

خرجت الصحف هذا العام بالعنوان المتكرر عن أن موازنة 2020 -2021 هي أضخم موازنة في تاريخ مصر، وهو عنوان يتكرر في كل سنة مع زيادة قيمة الإنفاق العام مع ارتفاع التضخم، وكالعادة يسأل المواطن: لماذا لا نشعر بتغير ضخم في حياتنا اليومية يليق بأضخم موازنة في التاريخ؟

يشبه الأمر من يحاول أن يرتوي من قربة ممتلئة بالماء ولا يصل لفمه سوى قطرات لأن القربة مثقوبة، وفي حالة الموازنة تمثل المديونية العامة واحدة من هذه الثقوب، وقد اتسع هذا الثقب بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.

أحاول في هذا المقال أن أقدم صورة محدثة عن دور الديون في تآكل فرص الإنفاق الاجتماعي والتنموي، وفي فرض شروط التقشف، من واقع البيان المالي للموازنة الجديدة واتجاه مصر للاتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرضين جديدين.

فيل في الغرفة

في بداية كل عام مالي، أول يوليو من كل سنة، تضع الحكومة خطة للإنفاق المتوقع خلال السنة على مجالات مثل التعليم والصحة، هذا ما يسميه الاقتصاديون الإنفاق العام، وهناك باب في هذا الإنفاق يحمل اسم «الفوائد» والمقصود به الفوائد المستحقة على ديون الأجهزة التابعة للدولة والمتوقع سدادها خلال سنة الموازنة.

كما يتضح من الرسم التالي، والذي يتتبع نصيب الفائدة في مجمل المصروفات العامة فإن نسبة نفقات الفائدة التي تتوقعها الحكومة في السنة المالية الجديدة 33%.

caption
تصوير: الحساب الختامي والموازنة العامة

تنخفض حصة الفائدة من المصروفات قليلًا في الموازنة الجديدة عن السنة السابقة (أو هكذا تأمل الحكومة فهذا الرقم يعبر عن توقعات وليس أمر واقع).

ولكن بنظرة أشمل فإن الفائدة المتوقعة لعام 2020 -2021 تمثل امتدادًا لمستوى مرتفع من هذه النفقات، فقبل 15 عامًا كان الغالب على الأمر هو أن يكون نصيب الفائدة أقل من 20% من المصروفات. 

ما الذي تعنيه زيادة هذه النسبة بخمسة أو عشرة في المئة؟ فلنفترض مثلًا أن نسبة الفوائد من المصروفات في السنة المالية الجديدة كانت عند نفس مستوى 2005-2006، أي عند نحو 18%، هذا يعني أن نفقات الفوائد ستكون أقل بنحو 258 مليار جنيه.

هذا المبلغ الضخم هو أكثر من ضعف إجمالي ما خصصته الدولة بشكل طارئ لمواجهة تداعيات فيروس كورونا، وأكثر من عشرة أضعاف إجمالي استثمارات قطاع الصحة (الأموال التي توجه لأعمال مثل إنشاء مستشفيات جديدة) في 2020 -2021.

وهناك العديد من المقارنات الأخرى التي يمكن أن نجريها عن الفرص المهدرة بسبب الديون، فإجمالي الإنفاق على المعاشات الموجه للفئات متدنية الدخل، الضمان الاجتماعي وتكافل وكرامة، في 2020-2021 تمثل أقل من 10% من الزيادة التي جرت في تكاليف الفوائد خلال السنوات الأخيرة.

وإجمالي أجور المعلمين في السنة الجديدة، وهو القطاع الذي يتسم بكثافة عدد المشتغلين فيه وتمثل رواتبه مسألة حيوية جدًا في جودة التعليم وانعكاسها على التنمية، تصل قيمتها إلى 105.1 مليار جنيه، أي أقل من نصف الزيادة في الفائدة.

وقبل أن ننساق مع العديد من المقارنات على نفس المنوال، والتي تحمل وراء كل منها قصصًا مؤلمة عن معاناة أسر بسبب عدم توفر علاج يناسب دخلها أو حرمان شاب من فرصة عمل لائقة بسبب ضعف مستواه التعليمي، علينا أن نتذكر أن الفوائد لا تمثل كل نفقات الديون في الموازنة. 

تعبير المصروفات لا يشمل كل أوجه الإنفاق العام، ولكن التعبير الأشمل هو «الاستخدامات»، وهذه الاستخدامات تحتوي أيضًا على النفقات الموجهة لأصل الدين، ففي كل عام يحل موعد سداد قسط من أصول الديون التي كانت الحكومة قد اقترضتها في وقت سابق.

وبينما تصل فوائد الديون في العام الجديد إلى 566 مليار جنيه، فإن مخصصات سداد القروض تبلغ 555 مليار، أي أن مجموع ما سيتم سداده في السنة المالية التي تبدأ من يوليو المقبل يصل 1.1 تريليون جنيه.

من أين تمول الحكومة نفقاتها الضخمة؟ بطبيعة الحال، أول ما تفكر فيه الدولة هو الإيرادات التي تتوقع تحصيلها في السنة الجديدة، مثل الضرائب والرسوم الجمركية والرسوم المفروضة على الخدمات والتراخيص إلخ، وتصل قيمة هذه الإيرادات في السنة الجديدة لـ 1.2 تريليون جنيه.

وعندما تحسب الدولة الفرق بين مصروفاتها في السنة الجديدة وإيراداتها المتوقعة تضع تقديرات للعجز الكلي في الموازنة، والذي سيصل إلى 423 مليار جنيه في 2020-2021، هذا العجز يضاف إليه المطلوب سداده من أقساط القروض لنخرج بفجوة تمويلية تقدر بـ 987.6 مليار جنيه، ليس أمامنا بد سوى الاقتراض من جديد لسدها. 

ولكي نستوعب ما الذي يذهب من هذه القروض الجديدة لحياتنا الشخصية وما الذي يتسرب لجيوب الدائنين، ربما يكون من المفيد أن نقارن بين قيمة عجز الموازنة وأقساط القروض.

caption
تصوير: بيانات الحساب الختامي والموازنة العامة

صحيح أن الدولة تقترض لسد عجز الموازنة، الناتج عن المصروفات التي تذهب أكثر من ثلثها للفوائد، لكن الثلثين الآخرين يذهبان لمجالات مثل الصحة والتعليم، أما الاقتراض لسداد قروض قديمة فهي دائرة من حركة الأموال تمر من أمام أعيننا ولا يصل لنا منها جنيه واحد. 

والملفت في هذه المقارنة، هو أن مخصصات سداد القروض كان يمثل نسبة محدودة من العجز، وبدأ يتضخم تدريجيًا حتى فاقت نسبته عجز الموازنة في السنة الجديدة، وهي فاتورة ديون قديمة تدفعها أجيال جديدة.

ما الذي زاد من أعباء الديون؟

هناك العديد من العوامل ساهمت في جعل أعباء الديون خلال الفترة الأخيرة تبدو بهذه الضخامة، من أبرزها تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، فقد تسبب فقدان العملة المحلية لأكثر من نصف قيمتها في ارتفاع كبير في معدلات التضخم، ولأن أحد مسؤوليات البنك المركزي هو الإبقاء على التضخم في مستويات معقولة فقد قام بزيادة أسعار الفائدة بـ 7% خلال بضعة شهور.

من المفترض أن الفائدة المرتفعة على الودائع في البنوك تشجع المواطنين على وضع مدخراتهم في البنوك بدلًا من إنفاقها على الاستهلاك، ومع تراجع الإقبال على الإنفاق يقل الطلب، ومن ثم تنحسر معدلات التضخم.

لكن هذا الحل له تكلفة على وزارة المالية، تتمثل في ارتفاع الفائدة على الديون التي تقترضها، وبالرغم من أن البنك المركزي بدأ في تخفيض الفائدة بالتدريج منذ 2018، لكن تكلفة الفوائد كنسبة من المصاريف لا تزال مرتفعة كما أشرنا. 

وهناك عدد من التفسيرات لذلك، منها أن نسبة مهمة من الدين الحكومي هو ديون طويلة الأجل (سندات) وقد تحددت فائدة هذه السندات على أساس المستويات المرتفعة للفائدة في الفترة التالية للتعويم.

وكانت آخر التخفيضات التي قام بها البنك المركزي جرت مع تصاعد أزمة وباء كورونا في مارس الماضي، وقد خفض المركزي أسعار الفائدة دفعة واحدة بـ 3%، لكن مراقبين لسوق أذون الخزانة الحكومية يقولون إن أسعار الفائدة على هذه الأوراق لم تتراجع بنفس المعدل.

بصفة عامة فإن ضخامة حجم الفوائد بالنسبة لمصروفاتنا العامة، والحاجة للاقتراض سنويًا لتغطية أقساط قروض ضخمة عن سنوات سابقة، كلها عوامل تساهم في تآكل فرص الإنفاق على التنمية والسياسات الاجتماعية، لكن هذا التآكل قد يحدث أيضًا من خلال تبني برامج إصلاحية تميل إلى التقشف.

هذا الميل يعززه انفتاح مصر بصورة أكبر على  السوق العالمي للديون خلال الفترة الأخيرة، وهي صورة أخرى من صور تأثير الديون على حياتنا.

الانفتاح على السوق الدولية

خلال الفترة بين 2014-2015 إلى 2018-2019 ارتفعت نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي الإجمالي من 14.4% إلى 36%، وتدفع وزارة المالية بأنها تلجأ لهذا المصدر من التمويل لتنويع حافظة الاستدانة الخاصة بها واستغلال التكلفة الأقل لهذا الدين.

وذلك لأن الديون الآتية من صندوق النقد ومؤسسات التمويل الدولية يتم منحها بأقل من الفائدة التجارية. وكذلك الديون التي يتم جمعها من خلال طرح سندات حكومية مقومة بالعملات الأجنبية في بورصات خارجية تكون الفائدة عليها أقل من الأوراق المقومة بالعملة المحلية.

والواقع أن هذا الاعتماد المتصاعد على الدين الخارجي لم يكن مدفوعًا فقط بفائدته المحدودة، ولكن أيضا لتوفير مصادر من النقد الأجنبي لمساندة احتياطي العملات الأجنبية، وهو الوضع الذي أنتجته عوامل عدة تتعلق بقصور أدائنا الاقتصادي. 

إذا نظرنا للميزان التجاري (الذي يمثل الفرق بين ما نحصل عليه من عوائد بالنقد الأجنبي من الصادرات وما يخرج من العملة الصعبة للإنفاق على الواردات) في الفترة 2015 -2016 و2018 -2019 سنجد أن العجز في هذا الميزان كان شبه ثابت.

وذلك بالرغم من أن هذه الفترة تخللها التعويم القوي للجنيه، والذي كان يفترض نظريًا أن يساهم في تعزيز الصادرات، كذلك شهدت هذه الفترة تطبيق برنامج للإصلاح الاقتصادي تحت إشراف صندوق النقد.

وفي نفس فترة «الإصلاح الاقتصادي» انخفض صافي الاستثمار الأجنبي المباشر أيضًا، ومع انسحاب الاستثمارات الساخنة خلال النصف الثاني من العام الميلادي 2018 تحول ميزان المدفوعات في مجمله إلى العجز، مثلما كان الحال عند بداية برنامج الصندوق.

هذا الوضع جعلنا أكثر هشاشة أمام الأزمات العالمية، وأكثر احتياجًا للتعامل مع الدائنين الدوليين وما يفرضه ذلك علينا من سياسات تتسق مع رؤيتهم لـ «الإصلاح الاقتصادي».

تخفيض الدين بالتقشف

في الوقت الذي تؤكد فيه مؤشرات مثل نسبة الفائدة من إجمالي المصروفات، أو قيمة مخصصات سداد القروض على ضخامة حجم نشاط الاستدانة الحكومية، لكن الرقم العام لمديونية الدولة كان في انخفاض خلال السنوات السابقة. فقد انخفضت نسبة دين أجهزة الموازنة  للناتج الإجمالي من 108% في 2016-2017 إلى 90% في 2018 -2019.

والسؤال هنا، من الذي لعب دورًا رئيسيًا في خفض النسبة الإجمالية للاستدانة ؟ تنبع أهمية هذا السؤال، ونحن مقبلون على قرض جديد من صندوق النقد مرتبط ببرنامج اقتصادي ستشترط المؤسسة الدولية تنفيذه خلال مدة القرض وهي 12 شهرًا.

فإذا ما كان البرنامج السابق لصندوق النقد، والذي بدأ في 2016 وانتهى في 2019، قد ساهم في الحد من النسبة الإجمالية للاستدانة من خلال زيادة قيمة الإيرادات العامة، يكون بذلك قد نفذ إصلاحات عميقة ساعدت الاقتصاد المصري على الاعتماد على نفسه بشكل أكبر وعدم اللجوء للديون. 

لكن واقع بيانات الموازنات الأخيرة تخبرنا بعكس ذلك، حيث لم تتغير نسبة الإيرادات للناتج خلال فترة تطبيق البرنامج تقريبًا في الفترة بين 2015-2016 و2018 -2019، في الوقت الذي تراجعت فيه نسبة المصروفات للناتج بنحو 4%.

caption
تصوير: البيان المالي لموازنة 2020 -2021

وقد زادت مساهمة الضرائب في مجمل الإيرادات خلال فترة «الإصلاح»، وهو مؤشر قد يبدو إيجابي للوهلة الأولى، لكن جزء من هذه الزيادة يعزى إلى التوسع في تطبيق ضريبة القيمة المضافة والتي تمثل عبئًا على قطاعات واسعة من الطبقات الوسطى والفقيرة.

وكما يتضح من الرسم التالي الذي أعدته وكالة موديز، فقد كانت نسب الأجور والدعم للناتج خلال فترة «الإصلاح» تتراجع في الوقت الذي كانت فيه نسبة الفائدة للناتج في ارتفاع، وهي مقارنة تعبر بشكل واضح عن طريقة التعامل مع الوضع المالي الحرج تحت برنامج الصندوق.

ويدفع البعض بأن الوضع المالي والاقتصادي لمصر هو الذي يفرض عليها التقشف وليس إملاءات الدائنين الدوليين، وهذا قد يبدو صحيحًا إذا ما نظرنا لمصر من منظور ضيق ينحصر في الفترة بين 2016 و2020.

فقد جاء برنامج الصندوق الأول في نوفمبر 2016 بصيغة تقشفية كحل عاجل للحد من تدهور الوضع المالي للبلاد، وترك الصندوق مصر في وضع هش أمام ظروف طارئة مثل وباء كورونا جعلها في حاجة للاستدانة منه مجددًا للحيلولة دون الوقوع في أزمة نقص للنقد الأجنبي.

لكن إذا وسعنا من منظورنا التاريخي، سنجد أن «إصلاحات» الصندوق بدأت في مصر بشكل جدي منذ بداية التسعينيات، أي أننا نتحدث عن حضور للمؤسسة الدولية في مصر بأكثر من أربعين سنة، ومع ذلك انتهى الوضع بنا إلى الحالة المأزومة التي تتطلب دائمًا حلولًا عاجلة تتمثل في الحد من الإنفاق الاجتماعي وزيادة ضرائب الاستهلاك.

كما أن اللجوء للصندوق كان دائمًا مدفوعًا بالرغبة في الحصول على «شهادة ثقة» تمكننا من اللجوء بشكل أكبر للمستثمرين الدوليين في الديون، وقد توسعنا في الاعتماد على هذه الفئة بعد اتفاق الصندوق (2016) كمصدر للنقد الأجنبي، وهو التوجه الذي ينطوي على مخاطر إمكانية تخارج الأجانب بسرعة في أوقات الأزمات، لذا يطلق على هذه الاستثمارات «الاستثمارات الساخنة».

وبالفعل فقد انخفضت حصة المستثمرين الأجانب في أذون الخزانة المصرية بالنصف تقريبًا بين فبراير ومارس الماضيين، نتيجة لأزمة كورونا، وساهم ذلك في الضغط على مصادر النقد الأجنبي في البلاد، مع تأثيرات أزمة كورونا الأخرى مثل تراجع السياحة وتحويلات العاملين في الخارج. وقادنا ذلك في نهاية الأمر لوضع حرج تطلب اللجوء للسوق الدولية للديون بشكل مكثف.

لا نستطيع أن نلقي باللوم على طرف واحد، سواء سياسات الحكومة المالية، سطحية برامج الإصلاح الاقتصادي، ضيق أفق صندوق النقد، لكن المؤكد أن كل هذه العوامل ساهمت في صناعة الوضع الراهن وأن المواطن هو من يدفع الثمن.

عن الكاتب

محمد جاد

محمد جاد صحفي متخصص في الاقتصاد، يعمل بصحيفة الشروق وشارك بكتابة مقالات في مجلتي بدايات وعدالة حرية (التي تصدر عن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية).  

آراء أخرى

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).