إعادة النظر في ديناميكيات الإمبريالية بالشرق الأوسط
نشر هذا المقال في مجلة الاشتراكية الدولية باللغة الإنجليزية، في أبريل 2024.
بعد مرور أكثر من ستة أشهر على اندلاع أعظم أزمة تعصف بالشرق الأوسط منذ جيل، أصبح من الصعب أحيانًا العثور على الكلمات لوصف حجم الصراع وشدته بشكل مناسب[1]. وفي حين أكتب هذه الكلمات، تستعد القوات الإسرائيلية لغزو رفح في جنوب غزة، بينما يتضور الفلسطينيون جوعًا تحت الحصار والقصف المتواصلين. في نفس الوقت، تقصف بريطانيا والولايات المتحدة اليمن بالصواريخ، ذلك البلد الذي دُمر بسبب الحرب والمجاعة قرابة عقد من الزمان. وتمتلئ الصحف بإدانات حادة للاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين باعتبارها مؤامرات «إسلامية» و«إيرانية» يروج لها أتباع دونالد ترامب من حزب المحافظين مثل ليز تروس. أيضًا يكمن شعور مرعب بأن الشرق الأوسط يتجه نحو فترة من الحروب الأطول والأكثر مرارة (وأعتقد أن حصيلة قتلاها من المرجح أن تكون أكبر بكثير من حصيلة القتلى في غزة)، وأن هذه الصراعات من الممكن أن تتحول إلى جبهة أخرى نشطة في الصراع الإمبريالي العالمي الذي يبدو أن حكامنا راغبون في توجيهنا نحوه[2].
هناك إذًا مهمة عاجلة، وهي بناء حركة تقف مع الفلسطينيين وتؤسس المقاومة الجماهيرية ضد دعاة الحرب ومبشري عصر جديد من العسكرة. تجادل هذه المقالة بأن الاستراتيجيات الفعالة لتطوير تلك المقاومة يجب أن تكون متجذرة في فهم الإمبريالية، الذي يتجاوز تحليل المنافسة الجيوسياسية في قمة النظام العالمي، حيث يجب علينا أيضًا تحليل أعمق للنظام، لإظهار كيف يتجذر الدافع للحرب في ديناميكيات تراكم رأس المال.
وسوف أتناول هنا أيضًا كيف تعمل التحولات في مركز الإنتاج العالمي ودوائر رأس المال الأحفوري، ليس فقط على تغيير التوازن بين القوى الكبرى (وخاصة الانحدار التاريخي للولايات المتحدة وصعود الصين، بالإضافة إلى المنافسين الآسيويين المحتملين الآخرين)، بل كيف صعدت المنافسة الإمبريالية بين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط.
من الضروري تحديد الديناميكية الدافعة وراء هذه المنافسة الإمبريالية الإقليمية، المكوَنة حاليًا من دول تتصارع هي: إسرائيل والسعودية وإيران والإمارات وتركيا. ولتجنب الخطاب المبسط الذي يقول إن: «القوى الإقليمية دمى في يد القوى العالمية»، يجب النظر إلى كيف تسعى تلك الدول لتصبح مراكز مستقلة لتراكم رأس المال، بينما تحاول في نفس الوقت التنافس في عالم الطبقات الحاكمة الرأسمالية الشرس، ما أطلق عليه كارل ماركس وفريدريك إنجلز: «عصابة الأخوة المتحاربين».
إن نظرية ليون تروتسكي لقوانين التنمية غير المتكافئة والمركبة، من الممكن أن تفهمنا نتائج المنافسات غير المتكافئة في هذا النظام الحالي، المكون من دول ورؤوس أموال متعددة، والتي تتشابك في أنماط من التفاعل المتبادل والمتنافر[3] في نفس الوقت. إن استغلال الفرص الناجمة عن نقاط الضعف التاريخية في القوى الكبرى كان تكتيكًا حاسمًا لحركات التحرر الوطني والتمردات المسلحة. ومع ذلك، أزعم هنا أننا يمكننا التفكير في التنمية غير المتكافئة والمركبة بطريقة مختلفة باعتبارها الأساس لأشكال المقاومة المتجذرة في النضال ضد رأس المال نفسه، والذي سيوفر أساسًا أكثر ثباتًا للنضال ضد الإمبريالية وضد المصالح المتقلبة والأنانية لأي طبقة حاكمة موجودة بالفعل أو تطمح في ذلك. هذا يتطلب البناء على رؤية تروتسكي التي تقول إن التنمية غير المتكافئة والمركبة تخلق فرصًا للطبقة العاملة لتولي قيادة الحركات الثورية المناهضة للرأسمالية، حتى في السياقات التي لا يشكل فيها العمال الأغلبية في المجتمع[4]. هذا يتطلب أيضًا تطوير التيارات الجذرية داخل الحركات الجماهيرية المناهضة للحرب والإمبريالية، أينما كانت في العالم، ويجب أن تصر بشكل مبدئي على استقلالها السياسي والتنظيمي عن «دولتها» في المقام الأول، وثانيًا على استقلالها عن الدول الأخرى.
دور القوى الإقليمية في تكثيف المنافسة الإمبريالية
هناك ثلاثة جوانب رئيسية للتطورات الأخيرة في الاقتصاد السياسي بالشرق الأوسط والعالم أجمع قد تساعد في فهم نقاط الضعف والتناقض، التي من شأنها أن تخلق فرصًا للنضال من الأسفل ضد الحرب والإمبريالية.
أولًا، يتواصل التراجع الطويل الأمد للولايات المتحدة، القوة المركزية في التحالف الغربي، سواء على المستوى العالمي أو في الشرق الأوسط[5]. ومن الممكن رؤية العديد من المؤشرات الرئيسية التي تُظهر أن هذا الانحدار قد يتسارع بعيدًا عن منطقة الشرق الأوسط، وأهم مثال على هذه المؤشرات هي أوكرانيا، حيث تتحول موازين المعركة لصالح روسيا[6]. هناك علامة أخرى تتمثل في عدم الاستقرار المتزايد بقلب النظام السياسي الأمريكي، والذي ترمز إليه الشعبية المتجددة للمغامرات السياسية الرجعية لترامب.
بطبيعة الحال، يحدث هذا الانحدار للولايات المتحدة مع صعود الصين كمنافس اقتصادي وعسكري. كما أن التفاعل المتبادل بين انحدار الولايات المتحدة والنمو الصيني يعمل أيضًا على تسريع الاتجاهات نحو «التراجع عن العولمة» و«نقل واستثمار الصناعات إلى الداخل» و«نقل الصناعات إلى دول صديقة». بعبارة أخرى، يحدث فك ارتباط جزئي بين العمليات الإنتاجية العالمية المتداخلة للغاية، والتي نشأت داخل العديد من القطاعات الصناعية على مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية[7].
لقد أعادت قوة الصين التصنيعية تشكيل الاقتصاد العالمي، ومن بين آثار هذا إعادة توجيه البنية الأساسية لإنتاج وتصدير الوقود الأحفوري في الشرق الأوسط نحو آسيا. لقد مرت حوالي 40% من تجارة النفط الخام العالمية عبر مضيق هرمز، الذي يربط الخليج ببحر العرب ويتواجد بين عُمان وإيران، وفي الفترة من يناير إلى أكتوبر 2023، كان حوالي 70% من هذه التجارة متجهة إلى آسيا[8].
ويشير الباحث في شؤون الشرق الأوسط، آدم هنية، إلى أن هناك العديد من العمليات التاريخية المتشابكة التي تعمل هنا، مثل تراجع طويل الأمد لشركات النفط الغربية الكبرى أمام شركات النفط الوطنية، التي تقع بشكل رئيسي في الجنوب العالمي، أو صعود كتلتين «منفصلتين» جزئيًا من الطاقة على المستوى العالمي، واحدة في الولايات المتحدة والأخرى في الصين[9].
وعلى المستوى العسكري، فشلت الولايات المتحدة بالشرق الأوسط في التعافي من الكارثة المتمثلة في تدخلاتها في العراق وأفغانستان. وفي السياسة العالمية، كانت روسيا هي المستفيدة الأساسية من هذه الكوارث. وأدى تحالفها مع إيران إلى احتفاظها بقاعدة بحرية على البحر الأبيض المتوسط في مدينة طرطوس السورية*.
وعلاوة على ذلك، وبفضل العلاقات الودية بين إيران وحركة الحوثيين في اليمن، احتفظت روسيا أيضًا بطريق خال من المتاعب لنقل النفط الخام إلى الهند[10].
هناك سلسلة دائرية من ردود الفعل المباشرة والمشتركة بين الحرب في أوكرانيا وديناميكيات المنافسة الإمبريالية في الشرق الأوسط. على سبيل المثال، استطاعت روسيا الصمود في مواجهة الدعم الأمريكي لأوكرانيا عن طريق تحويل صادراتها النفطية نحو آسيا، بعيدًا عن وجهات التصدير التقليدية إلى حلفاء الولايات المتحدة المخلصين، أي الأوروبيين، الذين فرضوا عقوبات على الكرملين، ردًا على الغزو الروسي.
إن السمة الثانية الحاسمة لتطور المنافسة الإمبريالية على المستويين العالمي والإقليمي هي صعود القوى الأدنى في التسلسل الهرمي العالمي للدول. يمكننا أن نرى ذلك في صعود مراكز مستقلة لتراكم رأس المال خارج القلب التاريخي للنظام الرأسمالي. وهو جزء من عملية تاريخية طويلة ومعقدة، تجري على مستويات مختلفة. ومن الأمثلة على ذلك تمكن الاتحاد السوفييتي، في أعقاب الثورة المضادة التي قادها ستالين، من الظهور إلى جانب الولايات المتحدة كمحور رئيسي في إحدى الكتلتين الرأسماليتين المتنافستين اقتصاديًا وعسكريًا على المستوى العالمي. ومن الأمثلة الأخرى صعود الصين في الآونة الأخيرة[11].
ولقد تكررت عملية مماثلة بين القوى التي احتلت المراتب الثانية والثالثة والرابعة على المستوى الدولي. ذلك أن اندماج المنافسة الاقتصادية والعسكرية، الذي يميز الإمبريالية الرأسمالية، لا يقتصر على التنافس بين القوى الكبرى، بل أيضًا في كيفية تفاعل الدول ورؤوس الأموال الأصغر. والواقع أن التوازن المتغير بين القوى العالمية وتراجع الإمبراطوريات القديمة، بعيدًا عن خلق الفرص لنظام دولي أكثر سلمية، عمل بدلًا من ذلك كحافز لمنافسة أكثر جنونًا مع دخول القوى متوسطة الحجم وملأها للفجوة[12].
وتتمثل السمة الثالثة للاقتصاد السياسي للمنافسة الإمبريالية في الطريقة التي تعمل بها الطبيعة غير المتساوية والمركبة للتنمية الرأسمالية على شق طريقها، ليس فقط عبر النظام العالمي، ولكن أيضًا داخل كل دولة من الدول المكونة له. وهذه الرؤية هي المفتاح للنهج التحليلي الموضح هنا. بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم كيفية تركيز التفاوت والتركيب عبر الأشكال الاجتماعية والسياسية في مواقع معينة -وتنشيطها من خلال العمليات التاريخية، بما في ذلك الصراعات الاجتماعية والسياسية والعسكرية- يساعد في رسم خريطة لإمكانية استعادة العمل السياسي من الأسفل. وهذا أمر بالغ الأهمية لأنه يُظهر إمكانية أن تؤدي أفعال الناس العاديين -خاصة العمال في المواقع الحرجة في دوائر تراكم رأس المال (من استخراج المواد الخام إلى إنتاج السلع وتبادلها في السوق)- إلى تفجير ما رآه تروتسكي على أنه «مزيج» غير مستقر بطبيعته من الأشكال الاجتماعية والسياسية القديمة والمعاصرة[13].
وفي ظل الظروف التي تؤدي فيها مثل هذه الانفجارات إلى استنزاف وسائل دفاع الدولة، يمكن تأسيس إمكانيات لبناء حركات من الأسفل قادرة على البدء في تصور خلق بدائل حقيقية للرأسمالية.
وتبرز الحالة الفلسطينية في الشرق الأوسط (بل وإلى حد كبير على مستوى العالم) بسبب تعقيد تشكيلاتها السياسية والاجتماعية، التي تتألف من طبقات مترسبة من فترات تاريخية مختلفة من التطور الرأسمالي، والتي يتماسك بعضها مع بعض بفضل استخدام عنف إمبريالي غير عادي. على سبيل المثال، تشكل مؤسسات الدولة والممارسات التي تدعم الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري، بقايا من عصر عفا عليه الزمن، وهي تتعزز في الوقت نفسه بالتطورات في القطاعات الأكثر «حداثة» و«تقدمًا» في الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي، مثل النمو العسكري لقطاع التكنولوجيا المتقدمة[14].
من هذا المنظور، هل من المستغرب أن يؤدي فتح ثغرات مؤقتة في الدفاعات الإسرائيلية عند معبر إيريز إلى غزة في السابع من أكتوبر إلى إطلاق دوامة من الصراعات ذات القوة التدميرية الهائلة؟
مصانع أشباه الموصلات المدرعة في إسرائيل
على بعد أميال قليلة من غزة، يوفر مصنع إنتاج أشباه الموصلات التابع لشركة إنتل في مدينة كريات جات مثالًا مذهلًا لكيفية دمج هذه العمليات العالمية والإقليمية والمحلية للتنمية في أنماط معقدة وغير مستقرة[15]. لقد تم بناء المنشأة على موقع قريتين فلسطينيتين تم تدميرهما بالكامل في أثناء النكبة -الطرد العنيف لنحو 750 ألف شخص من دولة إسرائيل التي أُنشئت حديثًا عام 1948-، وتنتج المنشأة شرائح معالجة إنتل مقاس سبعة نانومتر لعدة سنوات. في يونيو 2023، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أن شركة إنتل تعهدت باستثمار 25 مليار دولار إضافية في مرافق تصنيع شرائح جديدة، ومن المقرر افتتاحها خلال عامي 2024 و2027[16]. وأكدت الشركة الصفقة في ديسمبر، حيث وقعت اتفاقًا رسميًا مع الحكومة الإسرائيلية مقابل منحة قدرها 3.2 مليار دولار[17].
لا شك أن الاستثمار الضخم الذي قامت به شركة إنتل في كريات جات كان من دواعي سرور حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ولعدد متزايد من الوكالات الحكومية الإسرائيلية ومراكز البحوث، التي تزعم أن دورة الابتكار المربح في تطوير البرمجيات، والتي ولّدت معظم النمو الأخير في قطاع التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل، تم تجاوزها الآن بفضل المنافسة القائمة على الأجهزة (Hardware)، وخاصة في إنتاج رقائق أشباه الموصلات[18].
يعكس هذا إلى حد كبير الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي في صناعة التكنولوجيا. تمثل أنظمة الذكاء الاصطناعي تركيزات هائلة من رأس المال، وتعتمد على هياكل معقدة تدمج مراكز البيانات وأنظمة الكابلات البحرية وشبكات الطاقة التي تتطلبها البنى التحتية السحابية اللازمة للحوسبة على نطاق واسع.
لذلك، ليس من الغريب أن تهيمن أكبر الدول والشركات على هذه السوق على المستوى العالمي، حيث تسعى الولايات المتحدة والصين إلى السيطرة على إنتاج شرائح أشباه الموصلات المتخصصة إما على أراضيهما أو عبر سلاسل التوريد عن طريق حلفائهما السياسيين والعسكريين. ولعب مصممو الرقائق الإسرائيليون دورًا كبيرًا في المنتجات الرئيسية لشركات التكنولوجيا الغربية الكبرى مثل إنتل، التي أنشأت متجرًا في حيفا بسبب قربها من تكنيون، جامعة العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلية الكبرى، في عام 1974. كما تمتلك شركات آبل وأمازون ومايكروسوفت مرافق تصميم شرائح إسرائيلية[19].
ومع ذلك، لا تكفي المشاركة في مرحلة تصميم عملية إنتاج الرقائق لضمان استمرار قدرة إسرائيل التنافسية في السوق. ففي يناير 2024، حذر تقرير صادر عن معهد دراسات الأمن القومي، وهو مؤسسة بحثية أمنية إسرائيلية، من أن مواكبة متطلبات التطوير تعني نشر موارد هائلة: «إن الاستثمار في البحث والتطوير في تكنولوجيات الإنتاج الناشئة يعد عنصرًا حاسمًا ويمنح إسرائيل ميزة نسبية، ولكنه حل جزئي فقط... إن إسرائيل تحتاج إلى خطة وطنية تعالج جوانب التخطيط الصناعي عبر سلسلة القيمة الكاملة لتطوير وإنتاج وتجارة الرقائق[20]». إن العلاقة بين إنتل والدولة الإسرائيلية، والتي تجسدت في مصنع كريات جات، لا تزال بعيدة كل البعد عن الإنتاج الوطني الإسرائيلي «عبر مراحل سلسلة القيمة كافة»، لكنها تشير إلى نية ترسيخ قطاع التكنولوجيا الفائقة في إسرائيل كنقطة رئيسية في الشبكة العالمية لمصنعي الرقائق المتحالفين مع الولايات المتحدة، والتي تمتد من الولايات المتحدة نفسها إلى تايوان. إن قصة الاقتصاد الإسرائيلي عالي التقنية توضح العمليات التي استمرت عقودًا من الزمن والتي ساعدت من خلالها الولايات المتحدة في احتضان إسرائيل كمركز جديد لتراكم رأس المال[21].
لقد تكاملت تدفقات رأس المال الاستثماري الحكومي والخاص لتغذية هذا القطاع، وحظي الاقتصاد الإسرائيلي بدفعة هائلة على حساب الفلسطينيين خلال سنوات ما يسمى بعملية السلام واتفاقات أوسلو. ومع ذلك، إلى جانب المبالغة والثناء الذاتي في التحليل الإسرائيلي لأداء قطاع التكنولوجيا في الآونة الأخيرة، كانت هناك أيضًا علامات متزايدة على القلق بشأن نقاط ضعفه. وقد وجدت هذه العلامات تعبيرًا سياسيًا في المعارك الإيديولوجية المريرة حول مؤسسات الدولة الإسرائيلية بين الصهاينة الدينيين اليمينيين المتطرفين والتيار الصهيوني الأكثر «ليبرالية»، وهي المعارك التي هزت إسرائيل خلال عامي 2022 و2023.
في عام 2022، كان نمو الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي أعلى بنسبة 13% مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كورونا، لكن قطاع التكنولوجيا الفائقة كان مسؤولًا إلى حد كبير عن ذلك النمو. يمثل القطاع 17% من الناتج المحلي الإجمالي، و10% من إجمالي العمالة، و56% من إجمالي الصادرات. كما نجحت بشكل غير عادي شركات التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية في جذب تدفقات رأس المال الأجنبي، حيث استحوذت على ما يعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي من رأس المال الأجنبي في عام 2021، وكان الرقم المقابل لصناعة التكنولوجيا الأمريكية 1% من الناتج المحلي الإجمالي[22].
إن اعتماد إسرائيل على الاستثمار الأجنبي لتمويل البحث والتطوير أعلى بشكل كبير من بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأخرى، حيث تم تمويل أكثر من 49% من البحث والتطوير الوطني من خلال رأس المال الأجنبي[23]. لكن، هذا يعني أن شركات التكنولوجيا الإسرائيلية لم تسلم من تأثير الانكماش في قطاع التكنولوجيا بالولايات المتحدة في أواخر 2022، مع انخفاض الأرباح بين الشركات الكبرى، وعمليات تسريح واسعة النطاق وخفض الاستثمارات. وعلاوة على ذلك، فشلت الشركات الإسرائيلية في التعافي مثل القطاع الأمريكي في العام التالي. في الواقع، من 50 إلى 80% من شركات التكنولوجيا الفائقة الجديدة سُجلت في الخارج عام 2023، مقارنة بنحو 20% في عام 2022، كما نقلت بعض شركات التكنولوجيا أموالها خارج إسرائيل[24]. ولعل هذا يساعد في تفسير سبب كون موظفو قطاع التكنولوجيا (ورؤساؤهم) جزءًا بارزًا من الاحتجاجات ضد الإصلاحات القضائية التي فرضها نتنياهو وحلفاؤه من الصهاينة الدينيين اليمينيين المتطرفين خلال عام 2023.
أكد تقييم لصندوق النقد الدولي، نُشر في يونيو 2023، على مدى اعتماد الاقتصاد الإسرائيلي على قطاع التكنولوجيا الفائقة، وأشار إلى الاختلالات الناجمة عن «الأداء الاقتصادي غير المتكافئ للغاية عبر القطاعات»[25]. بطبيعة الحال، الشكل الأكثر وضوحًا لهذا التفاوت يكمن بين التراكم الهائل للثروة في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي والتراكم الهائل للفقر في غزة، التي تقع على بعد أميال قليلة من مصنع إنتل الذي تبلغ تكلفته مليارات الدولارات في كريات جات، ومتنزه جاف يام نيغيف للتكنولوجيا المتقدمة في بئر سبع. هذه الحقيقة يتم طمسها بشكل منهجي في تحليل صندوق النقد الدولي من خلال رفضه النظر في اقتصاد فلسطين التاريخية في مجمله.
كما نجحت الطبقة الحاكمة الإسرائيلية في تجسيد عنصرين رئيسيين آخرين في البنية الرقمية للرأسمالية الغربية المعاصرة على الأراضي التي تسيطر عليها، مثل مراكز البيانات والكابلات البحرية والبرية التي تربطها. وتعمل شركة جوجل على توسيع خططها لمراكز البيانات بعد عقد مشروع نيمبوس لتوفير البنية الأساسية للسحابة العامة، إلى جانب خدمات الويب من أمازون، للحكومة الإسرائيلية في عام 2021[26]. واستكمالًا لمراكز البيانات، أعلنت شركة جوجل أنها ستبني وتشغل نظامين للكابلات الأرضية والبحرية يربطان الشرق الأوسط بجنوب أوروبا والهند، وهو ما سيكون أول خطوة للشركة في بناء الكابلات بالمنطقة. ويعتبر وعدها بإنشاء بنية تحتية تربط إسرائيل والخليج والهند من خلال مسار بري من السمات الرئيسية لاستراتيجية الاستثمار، وقد تجاوزت شبكات الكابلات البحرية المزدحمة بالفعل التي تمر عبر مصر وقناة السويس والبحر الأحمر[27].
إن لغة البنى التحتية «السحابية» قريبة إلى أفكار تتعلق باللامادية الأثيرية، ولكن مثل مصانع الرقائق الإلكترونية، فإن مراكز البيانات عبارة عن مصانع ضخمة تستهلك الكثير من الطاقة، مليئة بآلات باهظة الثمن ومتجذرة بالأرض بواسطة كابلات عملاقة معرضة للتلف العرضي والمتعمد.
تعطيل دوائر السلع في الخليج والبحر الأحمر
إن مشروع كابل رامان الذي أطلقته شركة جوجل، هو واحد من العديد من المحاولات للالتفاف على «نقطة الاختناق» في دوائر تراكم رأس المال الإقليمي والعالمي المتمثلة في طرق التجارة المزدحمة والبنية الأساسية للاتصالات التي تمر عبر قناة السويس إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي. ومن غير الواضح متى وكيف سيتم دمج الطريق البري في الشبكة[28]. ومع ذلك، فإن نوايا إسرائيل تتوافق تمامًا مع الهوس القديم لدى نتنياهو وحلفائه من اليمين المتطرف بإقامة شراكات مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي يُنظر إليها على أنها الحلقة الوسطى المفقودة في سلسلة القيمة التي تربط إسرائيل بالهند.
لقد قامت إسرائيل بالفعل باتصالات عسكرية سرية مع حكومات المؤتمر الوطني الهندي منذ سبعينيات القرن العشرين فصاعدًا، لكن ازدهرت علاقتها مع الهند في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وارتبط هذا بشكل وثيق بصعود رئيس الوزراء الحالي، ناريندرا مودي، وحزبه بهاراتيا جاناتا (حزب الشعب الهندي)، كما يرتبط بالتوسع العدواني للهند في قدراتها العسكرية، الذي تجسد في تجاربها النووية الناجحة عام 1998، وما يسمى بحرب كارجيل مع باكستان في 1999.
ووفرت العزلة الدولية لنظام حزب بهاراتيا جاناتا، بعد التجارب النووية، الفرصة لإسرائيل للتدخل بإمدادات من الذخيرة التي تشتد الحاجة إليها، كما شارك المسؤولون الحكوميون الهنود في التعاون الأعمق بالتصنيع، وارتفعت التجارة الثنائية على مدى العقود التالية[29].
كان قطاع التكنولوجيا الفائقة مجالًا مركزيًا للاهتمام المشترك بين البلدين، حيث وقع مودي ونتنياهو مذكرات تفاهم للتعاون في مجال البحث والتطوير في التكنولوجيا والمياه والزراعة والطاقة والفضاء والعلوم خلال مجموعة من الزيارات المتبادلة في عامي 2017 و2018.
إن العلاقات مع الهند تشكل أيضًا مفتاحًا للتطورات الاقتصادية في دول الخليج. ففي منتصف فبراير من هذا العام، قوبلت زيارة مودي إلى الخليج بحفاوة بالغة، وقدمت عددًا من الدلائل المهمة حول الشكل المستقبلي لهذه العلاقة. فقد وقع مودي معاهدة استثمار، وألقى كلمة أمام تجمع ضم 40 ألف هندي مغترب، وافتتح معبدًا هندوسيًا ضخمًا جديدًا في الإمارات العربية المتحدة. وفي قطر، أنقذ مودي ثمانية ضباط سابقين في البحرية الهندية، اتهموا بالتجسس لصالح إسرائيل، من الإعدام. وربما كان لهذا علاقة بالصفقة البالغة قيمتها 78 مليار دولار لتمديد صادرات الغاز الطبيعي القطري إلى الهند حتى عام 2048. وفي الوقت نفسه، كانت سفن البحرية الهندية تجوب الساحل «للمساعدة في حماية الشحن العالمي المعرض للتهديد من القراصنة والصواريخ الحوثية[30]».
إن الإمارات العربية المتحدة هي ثاني أكبر سوق للصادرات الهندية، وتضاعفت استثماراتها في الهند ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية، حيث تعهد صندوق الثروة السيادية الإماراتي باستثمار 75 مليار دولار في البنية التحتية الهندية. في الوقت نفسه، تعهد الصندوق السعودي باستثمار مئة مليار دولار[31].
إن هذا ليس طريقًا ذا اتجاه واحد على الإطلاق، بل هو بالأحرى مشروع مشترك بين طبقتين حاكمتين رأسماليتين. فالشركات الهندية العاملة في مجال البنية التحتية لها عقود في الخليج، ورغم أن أغلب المهاجرين الهنود في الخليج من العمال، فإن هناك مجتمعات متزايدة من الطبقة المتوسطة والأثرياء الهنود ينضمون إليهم، وهم المكونات الرئيسية للمشروع القومي الهندوسي لحزب بهاراتيا جاناتا.
تتشكل العلاقة القوية المتنامية بين بعض القوى الإقليمية الكبرى (إسرائيل والسعودية والإمارات) ولاعب ناشئ على الساحة العالمية (الهند) من خلال الأنماط العالمية في تداول السلع الأساسية. إن أهم الصادرات التي تغادر مواني وخطوط الأنابيب في دول الخليج هي النفط والغاز. ومع ذلك، يشكل الخليج والطريق عبر البحر الأحمر وقناة السويس أيضًا قنوات حيوية لتداول السلع المصنعة التي يتم شحنها من «ورشة العالم» في جنوب وشرق آسيا إلى الأسواق في الشرق الأوسط وأوروبا.
لقد أثرت الهجمات التي شنتها قوات الحوثي على السفن القادمة من الدول المتحالفة مع إسرائيل بشكل كبير على طرق التجارة العالمية. بدأت الحملة في 19 أكتوبر 2023، وتصاعدت في نوفمبر مع الاستيلاء على ناقلة السيارات Galaxy Leader من قبل قوات الكوماندوز الحوثية، الذين هبطوا على متنها من طائرة هليكوبتر. بسبب تلك الهجمات، انخفض مرور سفن الحاويات في خليج عدن بنسبة 92% مقارنة بمتوسط النصف الأول من ديسمبر 2023. وانخفضت أعداد سفن نقل السيارات بنسبة 91%، أما حركة المرور الإجمالية فقد انخفضت بنسبة 73%[32].
تحولت معظم خطوط الشحن الرئيسية إلى الطريق الأطول بكثير حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، ما أدى إلى ارتفاع التكاليف بشكل كبير. تضاعفت أسعار الشحن من شنغهاي إلى أوروبا بأكثر من ثلاثة أضعاف استجابة لذلك، وفقًا لتحذير صدر في يناير من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والذي أشار أيضًا إلى أن التأثير تفاقم بسبب القيود المفروضة على الشحن في قناة بنما بسبب انخفاض مستويات المياه الناجمة عن تغير المناخ[33].
إن القوة التدميرية التي تتمتع بها الحرب غير المتكافئة التي يشنها الحوثيون ضد إسرائيل وحلفائها الغربيين تشكل في أحد المعاني نوعًا من الحوادث الجغرافية، حيث تمكن الحوثيون من شن هجمات بفضل قربهم من الممرات الملاحية الضيقة في باب المندب. لكنها أيضًا مثال على الكيفية التي تشق بها عمليات التنمية غير المتكافئة والمركبة طريقها داخل تشكيلات اجتماعية وسياسية غير مستقرة، ما يولد احتمالات للعنف الشديد.
شهد تاريخ اليمن العديد من الأمثلة «المتداخلة» للتنمية غير المتكافئة والمركبة، والتي تكثفت على وجه التحديد بسبب الأهمية الجيوسياسية لطرق الشحن في البحر الأحمر. وتعود أصول الحوثيين كحركة اجتماعية وسياسية إلى منطقة شمال اليمن التي كانت ذات يوم موقع الإمامة الشيعية الزيدية، والتي كانت مملكة مستقلة حتى القرن العشرين. وفي عام 1962، أطيح بالإمامة في ثورة قادها ضباط جيش بإلهام من القومية العربية للزعيم المصري جمال عبد الناصر. كانت المؤسسات السياسية «المتخلفة» نسبيًا في شمال اليمن في ذلك الوقت تتناقض بشدة مع مدينة عدن الساحلية الجنوبية، التي تم الاستيلاء عليها كمحطة فحم للبحرية البريطانية في عام 1839. وأدى اندماج عدن المبكر في الاقتصاد العالمي من قبل الإمبريالية البريطانية إلى خلق طبقة عاملة حديثة ومقاتلة، لعبت في نهاية المطاف دورًا رئيسيًا في الانتفاضة التي أجبرت البريطانيين على الانسحاب عام 1967[34]. لقد كون زعماء الحوثيين شكلًا من أشكال إحياء الزيدية، ودمجوا ذلك في نموذج سياسي وعسكري مستوحى من حزب الله في لبنان، واستولت الحركة على السلطة نتيجة للكارثة الناجمة عن تدخل دول الخليج (بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا) في اليمن بعد الثورة التي أطاحت بالرئيس علي عبد الله صالح في عام 2011[35].
القول إن نجاح الحوثيين يمثل نوعًا من الحنين إلى السلالة التي حكمت الإمامة تبسيط سطحي (بادئ ذي بدء، كانت القوات الملكية مدعومة من السعودية وساعدتها إسرائيل خلال الحرب الأهلية المريرة والمطولة بعد انقلاب 1962). بل إنه يوضح مرة أخرى كيف أن مجموعات العلاقات الاجتماعية والمؤسسات السياسية والممارسات الثقافية والأيديولوجيات في فترات مختلفة من التطور التاريخي (سواء بين العصور الرأسمالية وما قبل الرأسمالية، وكذلك عبر فترات مختلفة داخل الرأسمالية) تنتج قوى جديدة قادرة على اغتنام لحظات الأزمة وإرباك حسابات الأقوياء[36].
إن هيمنة الحوثيين الحالية على اليمن، وانتصاراتهم العسكرية على التحالف العسكري الذي تقوده السعودية والإمارات، والذي دمر اليمن من خلال الحرب والمجاعة منذ 2014، هي أيضًا نتاج للقرارات الكارثية التي اتخذتها قيادة الحركات القومية المتمركزة في جنوب اليمن، عن طريق التحالف مع تلك القوى الإقليمية.
لقد أدى هذا إلى إغلاق (بل سحق) الثغرة السياسية التي انفتحت لفترة وجيزة في 2011، والتي أعطت فرصة للحركات الجماهيرية للظهور وتحدي التناوب الدوري للحكومة بين النخب «الشمالية» و«الجنوبية» وكذلك تمحورها حول القوى الإقليمية والعالمية. لقد أظهرت انتفاضة 2011 أيضًا أن تناقضات التنمية غير المتكافئة والمركبة في اليمن لديها القدرة على توجيه المجتمع في اتجاه مختلف، وكان من الممكن خلق رؤى جديدة للتحرر الاجتماعي والسياسي، حيث قادت الناشطات الهتافات في ساحة التغيير بالعاصمة اليمنية صنعاء، في جو احتفالي. أدت الاحتجاجات الضخمة أيضًا إلى خروج مئات الآلاف إلى الشوارع، واقتحم عمال المواني مكاتب شركة مواني خليج عدن، وطرد عمال النفط رؤساءهم، ونظم المعلمون والموظفون الإضرابات[37]. لكن هذه العملية كانت «غير متكافئة» إلى حد كبير، حيث تركزت التعبئة الثورية في قطاعات من المجتمع اليمني لا تمثل غالبية السكان، حيث أغلبهم من المناطق الريفية. ومع ذلك، نجحت ثورة 2011 لفترة وجيزة في توحيد العديد من الناس العاديين في مختلف أنحاء اليمن من خلال رؤية العدالة الاجتماعية والديمقراطية المستوحاة من موجة الانتفاضات التي حدثت في المنطقة.
رؤساء أركان الحرب
يُظهر تاريخ العمال المتمردين في عدن كيف أن التطور «في ظروف معينة» للطبقة العاملة الحديثة من خلال إنشاء القواعد العسكرية والمواني الحديثة، ما يسمح بدمج المناطق الساحلية في الأسواق الرأسمالية العالمية، كان بمثابة عقبة أمام الآلة الإمبريالية منذ فترة طويلة. والواقع أن القوة التدميرية المحتملة في أيدي العمال، والتي لم تختف مع توجه التصينع إلى الشرق، أصبحت أكثر تركيزًا في عصر سلاسل التوريد العالمية والخدمات اللوجستية وفق «نظام الوقت المناسب». هذا صحيح في قناة السويس، في بورتسودان ودوفر. علاوة على ذلك، فإن البحارة وعمال المواني، الذين يساهم عملهم في استمرار تدفق التجارة والركاب والأرباح، من المرجح بشكل متزايد أن يواجهوا نفس رجال الأعمال بسبب تركيز ملكية البنية التحتية البحرية والأساطيل ورأس المال في أيدي عدد متقلص من الشركات العالمية[38].
وقد تزايدت أهمية هذه الشركات للاقتصاد العالمي، واعتمادها على أعداد صغيرة نسبيًا من العمال، بعد جنوح السفينة العملاقة، إيفر جيفن، البالغ وزنها 220 ألف طن، والتي علقت في قناة السويس عام 2021، ما أدى إلى توقف ما قيمته نحو 60 مليار دولار من حركة التاجرة[39]. وبشكل عام، ربما كان عدد الأشخاص المسؤولين مباشرةً عن السفينة المنكوبة وعملية الإنقاذ بضع عشرات، بما في ذلك طاقم السفينة نفسه المكون من 24 شخصًا، بالإضافة إلى مرشدي قناة السويس ومشغلي القاطرات وطواقم سفن التجريف والعمال من شركة الإنقاذ الهولندية SMIT، التي أشرفت على جهود إعادة تعويم السفينة.
النقل بالحاويات في التجارة البحرية عملية طويلة، جعل من الممكن تحقيق أرباح هائلة، تولدها «ناطحات السحاب العائمة» مثل إيفر جيفين. لكن الكثير من عمال العالم رفضوا هذه العملية باعتبارها تهديدًا لتقاليد تنظيم عمال المواني. ومثال على ذلك، النضال الطويل، الذي شمل إضرابات جماعية، حراك عمال المواني في بورتسودان ضد محاولات خصخصة الأرصفة، والتي أدت إلى اندلاع الانتفاضة ضد الدكتاتور عمر البشير في أوائل عام 2019. كما أظهر إضراب يناير 2019 استخدامات مبتكرة لحاويات الشحن، فبدلًا من الاعتصام أمام الميناء، سد مشغلو الرافعات المدخل بحاوية واحدة[40].
إن دور الإمارات كقوة بحرية عالمية طموحة هو الرابط بين العمال في بورتسودان وميناء دوفر. إن شركة مواني دبي العالمية، الشركة الإماراتية المملوكة للدولة، والتي أمرت بفصل أعداد كبيرة من البحارة في شركة «بي آند أو» في المواني البريطانية عام 2022، تصارع بشدة من أجل السيطرة على مواني البحر الأحمر، مع عمليات استثمارية في مصر والمملكة العربية السعودية والسودان وجيبوتي وأرض الصومال وعلى طول ساحل شرق إفريقيا بالكامل[41]. وعلى الرغم من انتهاكها لقانون العمل في بريطانيا، فقد حصلت شركة مواني دبي العالمية على دور في «الميناء الحر» الجديد على نهر التايمز من قبل حكومة المحافظين العام الماضي[42].
وكما تشير الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، لاله خليلي، فإن المواني هي مواقع تندمج فيها المنافسة الاقتصادية والعسكرية بشكل ملموس: «يمكن للقواعد العسكرية بسهولة أن تصبح مراكز تجارية وتتحول مرة أخرى إلى مواقع عسكرية»[43]. عام 2020، أشارت لاله في كتاباتها إلى المنافسة الشرسة بين قطر وتركيا والإمارات والسعودية على مرافق المواني في منطقة القرن الإفريقي. وبحلول ذلك الوقت، كانت الإمارات قد شيدت بالفعل قواعد عسكرية في مدينة عصب بإريتريا، ومقديشو في الصومال، وبربرة في أرض الصومال. في الوقت نفسه، كانت جيبوتي تستضيف قواعد للصين وفرنسا واليابان، بالإضافة إلى أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في إفريقيا[44]. إن الصراع على السيطرة على المواني الإفريقية يسير جنبًا إلى جنب مع الجهود المبذولة لتجنيد الشباب الأفارقة، الذين تذهب أرواحهم سدى في حروب دول الخليج. فقد تم تجنيد الآلاف من الجنود السودانيين كمرتزقة من قبل الإمارات والسعودية في الحرب على اليمن، ما أدى إلى إثراء قادة القوات المسلحة السودانية وميليشيا قوات الدعم السريع، التي تخوض حاليًا حربًا أهلية قاتمة ضد بعضها البعض في السودان[45].
الهوس بالطائرات دون طيار.. من خطوط إنتاج الإلكترونيات إلى خطوط إمداد المعركة
إن الرأسمالية ليست، ولمن تكن أبدًا، مدفوعة ببساطة بعملية تبادل السلع في السوق. إن ديناميكية النظام متجذرة بقوة في عالم الإنتاج، وغالبًا ما تتحدد نتائج الحروب المطولة بين القوى الرأسمالية على نحو مماثل على أرض المصنع بقدر ما يحدث في ساحة المعركة[46]. ولكن القوة الاقتصادية لا تنتصر دائمًا، ويمكن للقوى المالكة لأعنف الأسلحة والأكثر تكلفة وتقدمًا أن تواجه أحيانًا انتكاسات وحتى هزائم. فقد استخدمت حركة حماس والحوثيون الطائرات دون طيار بفعالية لقلب الطاولة على أعداء متفوقين عسكريًا من خلال عنصر المفاجأة.
لسنوات، كانت الضربات بطائرات دون طيار سمة الإمبريالية الأمريكية، ورمز إفلاتها من العقاب. ولكن الآن، بدأت مراكز الأبحاث الغربية ومراسلو الدفاع تلاحظ أن أساطيل الطائرات دون طيار أصبحت «سلاح جو الفقراء». فبعد أن كانت طائرات مساعدة لطائرة إف-35 الحربية وحاملة الطائرات والقمر الصناعي العسكري، تحولت الطائرات دون طيار إلى بديل محتمل لهذه المعدات القوية والمكلفة للغاية. والواقع أن التوازن العسكري ليس من السهل قلبه، ولكن التكلفة غير المتكافئة لاستبدال طائرة دون طيار مقارنة بصاروخ كروز، مهمة، حتى بالنسبة لقوات فاحشة الثراء، مثل الجيش الأمريكي.
وهنا يصبح السؤال هو الوصول إلى خطوط إنتاج الطائرات دون طيار. إن نجاح إيران في تطوير طائرة شاهد- 136 (وهي طائرة دون طيار)، والتي يُزعم أن الحوثيين و(الأهم من ذلك) القوات الروسية قاموا بتكييفها في أثناء غزو أوكرانيا، هو شهادة على القدرة العسكرية للطبقة الحاكمة في الجمهورية الإسلامية. وعلاوة على ذلك، فإنه يوضح المرونة الاقتصادية النسبية لإيران، رغم العقوبات الأمريكية.
أشارت تقارير في 2023 إلى أن إيران وروسيا اتفقتا على بناء مصنع كبير للطائرات دون طيار بالقرب من ييلابوغا، وهي بلدة داخل الاتحاد الروسي، بهدف توريد ستة آلاف طائرة دون طيار لاستخدامها في الحرب ضد أوكرانيا[47]. لعقود من الزمان، كانت دول الشرق الأوسط من أكبر مستهلكي الأسلحة في العالم. لكن الآن، كما تشير الصحفية، ستاسا سالاكانين، يلعب إنتاج الطائرات دون طيار دورًا رئيسيًا في تسريع إنشاء الصناعات العسكرية المحلية، الصناعة العسكرية «للسكان المحليين/الأصليين»، خارج إطار الدول[48]. وليس من الغريب أن تتصدر إسرائيل هذا المجال، لكن إيران تسعى إلى نفس النجاح. وكذلك الحال بالنسبة لتركيا، التي طورت أيضًا صناعة مزدهرة من الطائرات دون طيار محلية الصنع، حيث يتم بيع طائرة بايكتار تي بي 2 لمجموعة من العملاء بما في ذلك القوات الأوكرانية.
لقد نشرت أوكرانيا تلك الطائرات في أثناء الغزو الروسي عام 2022 بنجاح مذهل، بما في ذلك المشاركة في إغراق سفينة القيادة الروسية في البحر الأسود، سفينة موسكفا[49]. تشير المواجهة بين الطائرات دون طيار التركية والإيرانية في ساحات القتال بأوكرانيا إلى أن هذه القوى المتوسطة الحجم -مثل إسرائيل والسعودية والإمارات- هم أيضًا لاعبون رئيسيون في المنافسة الإمبريالية على المستوى الإقليمي. كما اختبرت الطائرات دون طيار المصنوعة في تركيا وإيران، وذلك في معارك أقرب إلى الوطن. على سبيل المثال، استهدفت القوات التركية القادة العسكريين والسياسيين الأكراد في منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والحكومة الإقليمية الكردية في العراق باستخدام طائرات بيرقدار تي بي 2[50]. أيضًا، أفادت تقارير بأن طائرات إيرانية دون طيار ساعدت القوات السورية والجماعات المسلحة العراقية المتحالفة مع إيران[51].
مثال الطائرة «شاهِد 136» وغيرها من التقنيات العسكرية الإيرانية تؤكد على مدى تأثير القوة العسكرية في النجاح النسبي للطبقة الحاكمة الإيرانية في وضع نفسها كمنافس إقليمي مع حلفاء عالميين أقوياء. وعلى المدى البعيد، يمكننا استنتاج أن إيران تتعافى ببطء من الهزيمة التي لحقت بها على يد نظام صدام حسين العراقي، الذي كان مدعومًا من الولايات المتحدة، في أواخر الثمانينيات. ومنذ ذلك الحين، برزت إيران باعتبارها المستفيد الرئيسي من الهزائم التي عانت منها الولايات المتحدة خلال احتلالها الكارثي للعراق. كما عملت إيران كراعٍ إقليمي للنظام في سوريا، ما جعلها مشاركة في انتصار بشار الأسد في الثورة المضادة والحرب الأهلية التي مزقت البلاد بعد الثورة السورية في عام 2011.
في الوقت الحالي، يميل المعلقون الغربيون المؤيدون للحرب ووسائل الإعلام الحكومية الإيرانية إلى تفسير طائرة «شاهد-136» دون طيار على أنها مؤشر على قوة إيران الصناعية المحلية، وتعمل على سد فجوات سلسلة التوريد الناجمة عن العقوبات الأمريكية. وفي فبراير، زعم قائد الاستخبارات الإسرائيلية السابق، داني سيترينوفيتش، في مقال كتبه لموقع المجلس الأطلسي أن إيران في طريقها إلى أن «تصبح رائدة عالمية في مبيعات الأسلحة»، مستندًا في هذا الادعاء إلى نجاح تسويق طائراتها دون طيار.
وواصل القائد الصهيوني القول إن إيران «لا تخشى على ما يبدو أن تقع هذه المنتجات في أيدي أطراف أجنبية خطيرة»[52]. إن هذه الادعاءات منافقة ومثيرة للسخرية، لكن لها أيضًا هدفًا أكثر شرًا وهو تشجيع العمل العسكري الأمريكي ضد إيران. للرد على هذه الادعاءات المنافقة علينا أن نتذكر تضاعف قيمة صادرات الأسلحة الإسرائيلية في العقد الذي سبق عام 2022، لتصل إلى حوالي 12.5 مليار دولار، حيث شكلت مبيعات الطائرات دون طيار ربع هذا الإجمالي.
ومن الجدير بالذكر أن الإمارات والبحرين والمغرب، التي طبّعت جميعها العلاقات مع إسرائيل من خلال اتفاقيات إبراهيم، استحوذت على 24% من مشتريات الأسلحة في 2021 [53]. إن سجل الإمارات في تأجيج الحرب باليمن والسودان معروف جيدًا، وقد سببت الإمارات مجاعة ودمارًا أثر على عشرات الملايين من البشر[54]، كما تساهم الطائرات دون طيار وقذائف الهاون الإسرائيلية في تأجيج الصراع المتفاقم حول ناغورنو كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا، حيث تلقت القوات الأذربيجانية طردًا كبيرًا من إسرائيل في سبتمبر 2023 [55]. هناك أيضًا ارتباط أعمق وأساسي بين «دبلوماسية الطائرات المسيّرة» التي تنتهجها الدول المتنافسة على المستوى الإقليمي، وقوتها النسبية في التصنيع المحلي. على سبيل المثال، أصبح النظام الاستبدادي في تركيا أكثر رسوخًا تحت قيادة الرئيس، رجب أردوغان، عن طريق النمو الاقتصادي المدفوع إلى حد كبير بطفرة التصنيع في العقدين الماضيين[56]. وصعدت ثقة تركيا بسبب هذه الطفرة في الصناعة المحلية، ما أدى إلى توحش سياستها المتمثلة في قصف المناطق الكردية في شمال شرق سوريا والعراق (على الرغم من أن الأهداف تشمل قوات الدفاع السورية التي يقودها الأكراد، والتي تتحالف مع الولايات المتحدة، الشريك الأبرز لتركيا في حلف شمال الأطلسي). كما يتمثل هذا في التدخل العسكري التركي في ليبيا وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فضلًا عن صياغة مبدأ «مافي فاتان» (الوطن الأزرق)، الذي يُستخدم لتبرير الهيمنة التركية على شرق البحر الأبيض المتوسط.
أيضًا، يعتبر الرخاء المتزايد للشركات الصناعية التركية المتوسطة الحجم عنصرًا رئيسيًا في نجاح أردوغان الانتخابي، حيث أسس اجتماعيًا لمحاربة قبضة المؤسسة العسكرية «الجمهورية» القديمة على الدولة. وبطبيعة الحال، فعل ذلك من خلال تبني سياسة «الدولة العميقة» التركية القديمة المتمثلة في الحرب الدائمة ضد الشعب الكردي واستخدام أساليب الحكم الاستبدادية. كما ورث أردوغان عضوية حلف شمال الأطلسي وروابط قوية من التعاون العسكري مع إسرائيل، على الرغم من تاريخه السياسي كزعيم لحزب إسلامي بنى شعبيته جزئيًا على دعم خطابي القوي للفلسطينيين. وعلى الرغم من أن أردوغان يواصل إلقاء الخطب النارية التي تدين جرائم الحرب الإسرائيلية، فإن التدفق المستمر للسفن التركية المملوكة لشركائه التجاريين المقربين إلى المواني الإسرائيلية تثبت شيئًا آخر[57].
إن نمو التصنيع في إيران أكثر تواضعًا من نمو تركيا، لكنه لا يزال يوفر وسادة مهمة لتخفيف ضربة العقوبات الأمريكية المتجددة على صناعة النفط في عام 2018. والواقع أن القطاع أضاف ما يقرب من ربع مليون وظيفة بين عامي 2018 و2019، وهو أمر بالغ الأهمية في سياق ارتفاع معدل البطالة بشكل مزمن. كما قدمت صادرات التصنيع غير النفطية فرصة نجاة للنظام رغم الانخفاض الهائل في أرباح الدولة بعد انهيار مبيعات النفط الأجنبية الإيرانية من 119 مليار دولار في 2009-2010 إلى 8.9 مليار دولار في 2019-2020 [58]. لكن التحولات الجيوسياسية في مجال النفط وصعود أسواق جديدة في الشرق غيرت الوضع مرة أخرى، مع تعافي صادرات النفط الإيرانية بشكل كبير، حيث زعم خبراء صناعة النفط أن «إيران في طريقها إلى استعادة إنتاجها النفطي قبل العقوبات» في أغسطس 2023 [59].
كما يؤكد النمو الصناعي التركي والإيراني على الصعوبة التي تواجهها مصر في تحقيق هيمنة نسبية على المستوى الإقليمي. فمثل تركيا، لم يكن تاريخيًا لدى مصر سوى قدر ضئيل من الوصول إلى احتياطياتها من النفط والغاز (على الرغم من أن هذا تغير إلى حد ما منذ اكتشاف حقل الغاز الضخم «ظهر» قبالة الساحل المصري في عام 2015) لكنها تمتلك قاعدة تصنيع كبيرة. وهذا يشمل الصناعات التاريخية، مثل المنسوجات، فضلًا عن الإضافات الأحدث (بما في ذلك رأس المال المرتبط بمحاولات فاشلة إلى حد كبير لتطوير تصنيع الإلكترونيات وإنتاج السيارات من أجل المنافسة على المستوى الإقليم) [60].
لكن على الرغم من الحصول على إعانات اقتصادية وعسكرية ضخمة من الولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن العشرين -وذلك بفضل الدعم القوي من جانب القيادة المصرية لإسرائيل من خلال اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978- يظل رأس المال الصناعي في مصر أضعف كثيرًا من نظرائه. ولم تفعل السياسات الاقتصادية للنظام المصري شيئًا لتصحيح هذه المشكلة، بل ركزت بدلًا من ذلك على استراتيجية مشروعات البناء الضخمة المدعومة بالديون، والتي خدمت في المقام الأول جيوب الجنرالات من الجيش والأجهزة الأمنية.
الانقسامات داخل الدولة واستراتيجيات المقاومة
السمة المشتركة المهمة بين تركيا وإيران ومصر هي الثقل الاجتماعي للطبقة العاملة. رغم ذلك، انخرطت الحكومات في عملية صعبة بتوازن هش. فمن ناحية، سعت هذه الحكومات إلى تحميل العمال والفقراء العبء الاقتصادي الناجم عن فقدان أسواق التصدير، وانهيار العملة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية العالمية، من خلال رفع أسعار الغذاء والوقود والخدمات. ومن ناحية أخرى، تدرك هذه الحكومات المخاطر المترتبة على تلك السياسات التي قد تتحول إلى تحدٍ سياسي مستدام لحكمها. لقد أثارت مثلًا سياسات تركيا في التسامح مع مستويات التضخم المرتفعة للغاية انتقادات حتى من جانب وفد صندوق النقد الدولي، وزاد الإحباط إزاء الارتفاعات الهائلة في تكاليف الغذاء والإسكان، ما أدى إلى تآكل قاعدة الناخبين لحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان[61].
يواجه النظام الإيراني موجات متعددة من التمرد الشعبي في السنوات الأخيرة، وكان أهمها انتفاضة «المرأة والحياة والحرية!» عام 2022. وكما يوضح الباحث الإيراني، بيمان جعفري، تكمن الصعوبات التي يواجهها هذا «التمرد ذو الآفاق الثورية» في فشلها في التواصل بشكل منهجي مع المشكلات الاقتصادية للعمال والفقراء، وذلك في كل محاولة شن مقاومة فعالة لقمع الدولة وتحقيق اختراق سياسي. ومع ذلك، فإن كل ارتفاع في التضخم بإيران يسبب القلق بين المسؤولين من أن الثورة التالية سوف تخترق الحواجز التي تفصل بين النضالات الاقتصادية والسياسية، وتطلق ديناميكية ثورية حقيقية مماثلة للثورة الشعبية العظيمة في عامي 1978 و1979 [62].
من الواضح أن مصر هي الحلقة الأضعف بين تلك الدول الثلاث. لقد شهدت السنوات القليلة الماضية إفقارًا جماعيًا لطبقات ضخمة من السكان، في حين أدت مستويات الديون الحكومية المتزايدة إلى تقليص مساحة المناورة المتاحة للنظام وتقييد قدرته على التدخل في الأمد القريب لقمع السخط الشعبي من خلال تعزيزات سريعة لدعم المواد الغذائية وأجور القطاع العام. ففي وقت كتابة هذه السطور، نرى تصاعد مقاومة العمال، التي قد تزعزع استقرار التوازن الهش الذي يفرضه النظام، وذلك في نفس اللحظة التي تتجه فيها الأحداث في غزة نحو ذروة دموية في رفح. على سبيل المثال، بدأت عاملات النسيج في مجمع شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وهو أكبر مصنع للنسيج في مصر، إضرابًا في 24 فبراير 2024. وتضمنت مطالبهم دفع مكافآت لتعويض ارتفاع تكاليف المعيشة، وتنفيذ زيادة متأخرة منذ فترة طويلة في الحد الأدنى للأجور على المستوى الوطني، وتجديد الاستثمار في الشركة، (وهي شركة عامة [63]). وكان رد فعل الشركة الأولي على الإضراب هو رفض تسليم رواتب العمال الشهرية، ما دفع العمال الغاضبين إلى اتهام رؤسائهم باستخدام سلاح الجوع ضدهم، «كما لو كنا في غزة»[64]. وبدلًا من المخاطرة باندلاع إضرابات أوسع نطاقًا في الشركات المملوكة للدولة، وافق النظام على زيادة الأجور في قطاع الأعمال العام، ما دفع المضربين إلى العودة للعمل بعد بضعة أيام[65].
تشكل الضغوط السياسية على النظام المصري بسبب تحالفه المخزي مع إسرائيل جزءًا أساسيًا لتشجيع العمال في العمل السياسي. يجب أيضًا أن نتذكر أن تاريخ الثورات والانتفاضات في جميع أنحاء الشرق الأوسط متشابك مع حشد العمال والفقراء تضامنًا مع المقاومة الفلسطينية، والذي يمكن أن يتحول بعد ذلك إلى مواجهات مع أنظمتهم[66]. وهذا يوضح أهمية النضال الفلسطيني والأشكال العديدة للمقاومة التي يولدها.
هذه التجارب تعطي لنا دروسًا أيضًا، فهي تؤكد على إلحاح تجذير معاداة الإمبريالية في منظمات الطبقة العاملة، ورفض جميع محاولات حكومتنا وحلفائها لتوسيع حروبهم، ورفض إثارة العنصرية، وجعل الناس العاديين يدفعون ثمن إخفاقات أنظمتهم. إن التضامن الأممي له أسس موضوعية في معارضة أنظمة الاستغلال التي تضع أطفالنا ضد بعضهم البعض في حروب لا نهاية لها من أجل الربح.
[1] تستند الحجج هنا إلى مقالتي السابقة المنشورة في هذه المجلة في عام 2018 حول ديناميكيات الإمبريالية في الشرق الأوسط، وكتابي «الثورة هي اختيار الشعب»، وتحليلاتي السابقة للنضال ضد نظام الفصل العنصري والاحتلال الإسرائيلي في فلسطين - انظر ألكسندر، 2018، 2022أ، 2022ب و2024. أشكر سيمون عساف، وجوزيف تشونارا، وروبرت فيرجسون، وساشا رادل على تعليقاتهم على المسودة.
[2] Shapps، 2024.
[3] لقد وصف ماركس المنافسة بأنها: «الطريقة التي تفرض بها رؤوس الأموال العديدة المحددات الكامنة (لرأس المال) ضد بعضها البعض وضد نفسها» - ماركس، 1973، ص651. لمناقشة أكثر تفصيلًا حول هذه النقطة، انظر كالينيكوس، 2014، ص117.
[4] انظر تروتسكي، 1997.
[5] إن التراجع النسبي للولايات المتحدة كقوة عسكرية واقتصادية لا ينبغي أن يخدعنا، لأنها تحتفظ بتواجد عسكري هائل في الشرق الأوسط، يتجسد في أنظمة قواعدها وتحالفاتها، فضلًا عن نفوذها الاقتصادي الهائل. فهي تمارس قوتها الاقتصادية من خلال التجارة والمساعدات، ولكن أيضًا من خلال الدور الذي تلعبه المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
[6] لتحليل مُفصل للحرب في أوكرانيا، انظر Tengely-Evans، 2023.
[7] مجلة الإيكونوميست، 2023.
[8] انظر هنا.
[9] هنية، 2022 و2023.
[10] رويترز، 2017، موهانتي ودوتا، 2024.
[11] انظر كليف، 1996؛ كالينيكوس، 2009.
[12] شكرًا لجوزيف تشونارا على تسليط الضوء على هذه النقطة.
[13] تروتسكي، 1997، الفصل الأول.
[14] ألكسندر، 2022ب.
[15] دوبرشتاين، 2023.
[16] شير، 2023.
[17] سلطة الابتكار الإسرائيلية، 2023.
[18] كنج، 2023.
[19] سوبلمان وزد، 2024، ص6.
[20] ألكسندر، 2018 و2022ب.
[21] صندوق النقد الدولي، 2023، ص26.
[22] سلطة الابتكار الإسرائيلية، 2023، ص35.
[23] رويترز، 2023.
[24] صندوق النقد الدولي، 2023، ص4.
[25] جلعاد 2021.
[26] برودسكي، 2021.
[27] في عام 2021، أعلنت شركة جوجل أن كابل رامان سيربط بين «الأردن والمملكة العربية السعودية وجيبوتي وعمان والهند». ومع ذلك، تُظهر خريطة الكابل البحري لشركة تيلي جيوجرافي أنه يمتد من إيلات في إسرائيل، إلى خليج العقبة، على طول ممرات الكابلات المزدحمة في البحر الأحمر، عبر مضيق باب المندب وحول اليمن قبل أن ينقسم إلى فرع واحد يربط الإمارات العربية المتحدة وآخر يصل إلى اليابسة في مومباي. انظر.
[28] عيسى، 2023، ص41 و49.
[29] The Economist، 2024.
[30] The Economist، 2024.
[31] رايت، 2024.
[32] مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، 2024.
[33] نيوزينجر، 2024.
[34] ريدل، 2017؛ ألكسندر، 2022 أ.
[35] تشونارا، 2011.
[36] ألكسندر، 2022 أ، ص58-59.
[37] تسيطر خمس شركات على 50% من تجارة الحاويات العالمية. ثلاث منها مملوكة للدولة في نهاية المطاف: بي إس إيه إنترناشيونال (مملوكة لشركة تيماسيك القابضة، وهي شركة استثمارية تسيطر عليها حكومة سنغافورة)، وكوسكو شيبينغ بورتس (مملوكة للدولة الصينية)، ومواني دبي العالمية (مملوكة للعائلة المالكة في دبي). انظر إلى زيادة، 2023، ص 51.
[38] كريستيان، 2021؛ سانشيز، 2023.
[39] ألكسندر، 2022 أ.
[40] زياده 2023، اوتشينج 2023.
[41] نانجي، 2023.
[42] خليلي، 2020، ص265.
[43] خليلي، 2020، ص255.
[44] ألكسندر، 2023.
[45] بطبيعة الحال، فإن العوامل الاقتصادية الأخرى غير الحجم المطلق لاقتصادات المنافسين العسكريين قد تكون أيضًا أساسية. فالعلاقات الدبلوماسية والتجارية التي تقيمها الدولة مع حلفائها قد تحل محل السيطرة على الإنتاج داخل أراضيها الوطنية.
[46] ايدون 2023.
[47] سالاكانين، 2022.
[48] هامبلينج، 2022.
[49] عزيز، 2023.
[50] المعلومات من المعهد الملكي للخدمات المتحدة – انظر https://drones.rusi.org/countries/iran
[51] سيترينوفيتش، 2024.
[52] فابيان، 2023.
[53] ألكسندر، 2023.
[54] داونلينج، 2023.
[55] ألكسندر، 2018 و2022 أ.
[56] الدقيقة التركية، 2023.
[57] باتمانغيليدج، 2020.
[58] لولر وجاردنر، 2023.
[59] ألكسندر وبسيوني، 2014.
[60] كوتشوك جوكمن، 2023.
[61] جعفري، 2023.
[62] الشيخ 2024 أ.
[63] الشيخ، 2024 ب.
[64] الاشتراكيون الثوريون، 2024.
[65] ألكسندر، 2022 أ، ألكسندر، 2024.
* قد يؤدي سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى فقدان تلك القاعدة العسكرية. (المترجم)
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد