إسرائيل تخسر هذه الحرب
(نُشر في مجلة The Nation بتاريخ 8 ديسمبر 2023)
قد يبدو سخيفًا أن نشير إلى مجموعة من المسلحين غير النظاميين لا يتجاوز عددهم عشرات الآلاف، والمُحاصَرين دون قدرة على الوصول إلّا إلى قليل من الأسلحة المتطورة، باعتبارهم أندادًا لواحد من الجيوش الأقوى في العالم، تدعمه وتسلحه الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن عددًا متزايدًا من محللي المؤسسات الاستراتيجيين يحذرون من أن إسرائيل قد تخسر هذه الحرب ضد الفلسطينيين، رغم العنف الكارثي الذي شنته منذ الهجوم عليها بقيادة حركة حماس في السابع من أكتوبر الماضي، وأن «حماس» قد تحقق العديد من أهدافها السياسية من خلال استثارتها للهجوم الإسرائيلي.
يبدو أن إسرائيل و«حماس» يعيدان ضبط شروط تنافسهما السياسي لا وفق الوضع القائم قبل السابع من أكتوبر، بل وفق وضع 1948. ما سيأتي بعد ذلك غير واضح، لكن لن تكون هناك عودة إلى الترتيبات السابقة.
عطّل الهجومُ المفاجئ التجهيزاتِ العسكرية الإسرائيلية، فحطّم بوابات أكبر سجن مفتوح في العالم، وأدى إلى اضطراب مروع قُتل فيه حوالي 1200 إسرائيلي، بينهم 845 شخص مدني على الأقل. السهولة الصادمة التي اخترقت بها «حماس» الحدود الإسرائيلية حول قطاع غزة ذكّرت الكثيرين بهجوم تيت عام 1968. ليس بشكل متطابق، فهناك اختلافات كبيرة بين الحملة الأمريكية الحربية في أرض بعيدة، وبين الحرب الإسرائيلية للدفاع عن احتلالٍ في الداخل، والتي يشنها جيش من المواطنين المدفوعين بإحساسهم بخطر وجودي. لكن فائدة هذا القياس تكمن في المنطق السياسي وراء هجوم متمردين.
في عام 1968، خسر الثوار الفيتناميون المعركة وضحّوا بكثير من البنية التحتية السياسية والعسكرية السرية التي شيّدوها بدأب على مدار سنوات. ومع ذلك، كان هجوم تيت لحظة أساسية في هزيمتهم للولايات المتحدة، رغم دفعهم الثمن باهظًا من أرواح الفيتناميين. فمن خلال هجمات بارزة مفاجئة شنوها في نفس الوقت على أكثر من 100 هدف في جميع أنحاء البلاد في يوم واحد، حطّمت العصابات الفيتنامية المُسلحة بأسلحة خفيفة وهمَ النجاح الذي روّجته إدارة جونسون للشعب الأمريكي، وكشفت للأميركيين أن الحرب التي طُلب منهم التضحية فيها بعشرات الآلاف من أبنائهم لا يمكن الفوز بها.
قدّرت القيادة الفيتنامية تأثير أعمالها العسكرية من خلال الآثار السياسية لها، وليس من خلال المقاييس العسكرية التقليدية مثل خسارة الرجال والعتاد أو اكتساب الأراضي. هكذا تحسّر هنري كيسنجر عام 1969 قائلًا: «لقد خضنا حربًا عسكرية، بينما خاض خصومنا حربًا سياسية. وسعينا للاستنزاف المادي، بينما استهدف خصومنا إنهاكنا نفسيًا. وفي الأثناء غفلنا عن أحد المبادئ الأساسية لحرب العصابات: جيش العصابات يفوز إن لم يخسر، والجيشُ التقليدي يخسر إن لم يفوز».
هذا المنطق جعل جون ألترمان، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن العاصمة، وهو مركز لا يُعرف بأنه من الحمائم، يرى أن إسرائيل مُعرضة بقدر كبير لخطر الخسارة أمام «حماس»: «إن مفهوم حماس عن النصر العسكري.. يرتكز على تحقيق نتائج سياسية طويلة الأمد. لا ترى حماس النصر في عام واحد أو خمسة، بل تراه في الانخراط على مدار عقود في نضال يزيد التضامن الفلسطيني ويزيد عزلة إسرائيل. في هذا السيناريو، تحشد حماس حولها السكان المحاصرين الغاضبين في غزة وتساعد في انهيار حكومة السلطة الفلسطينية حريصةً على أن يراها الفلسطينيون كأحد الأذيال الضعيفة للسلطة العسكرية الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تبتعد الدول العربية بقوة عن التطبيع، وينحاز الجنوب العالمي بقوة إلى القضية الفلسطينية، وتتراجع أوروبا أمام تجاوزات الجيش الإسرائيلي، ويندلع نقاش أمريكي حول إسرائيل، فينهار الدعم الذي تتمتع به إسرائيل هنا لدى الحزبَين منذ أوائل السبعينيات».
«حماس»، كما كتب ألترمان، تسعى إلى «استخدام قوة إسرائيل الأكبر بكثير لهزيمة إسرائيل. إن قوة إسرائيل تتيح لها قتل المدنيين الفلسطينيين، وتدمير البنية التحتية الفلسطينية، وتحدي الدعوات العالمية لضبط النفس. كل هذه الأمور تعزز أهداف حماس الحربية».
مثلَ هذه التحذيرات تجاهلتها إدارةُ بايدن والقادة الغربيين، الذين تعود جذور تأييدهم غير المشروط للحرب الإسرائيلية إلى الوهم بأن إسرائيل كانت مجرد دولة غربية أخرى تمارس أعمالها بسلام قبل أن تتعرض لهجوم غير مُبرر يوم السابع من أكتوبر. إنه خيال مريح لأولئك الذين يفضّلون تجنّب الاعتراف بواقع شاركوا في خلقه.
انسوا «الإخفاقات الاستخباراتية»، فقد كان فشل إسرائيل في توقع السابع من أكتوبر فشلًا سياسيًا في فهم عواقب نظام القمع العنيف، الذي وصفته منظمات حقوق الإنسان الدولية والإسرائيلية الرائدة، بالفصل العنصري.
قبل عشرين عامًا، حذّر رئيس الكنيست السابق أفروم بورج من حتمية ردود الفعل العنيفة. «اتضح أن النضال الذي دام 2000 عام من أجل بقاء اليهود قد تمخّض عن دولة مستوطنات، تديرها زمرة غير أخلاقية من منتهكي القانون الفاسدين الذين يصمّون آذانَهم عن أصوات مواطنيهم وأعدائهم على حد سواء. إن دولة تفتقر إلى العدالة لا يمكن أن تبقى»، كما كتب في صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون.
«وحتى لو طأطأ العرب رؤوسهم وابتلعوا عارهم وغضبهم إلى الأبد، فلن ينجح الأمر. إن البنية المؤسسة على القسوة البشرية ستنهار على نفسها حتمًا.. وينبغي ألا تتفاجأ إسرائيل، التي توقّفت عن الاهتمام بأطفال الفلسطينيين، عندما يأتي هؤلاء وقد أضنتهم الكراهية لتفجير أنفسهم في مراكز الهروب الإسرائيلية».
وحذّر بورغ من أن إسرائيل قد تقتل 1000 رجل من «حماس» يوميًا دون أن تحل شيئًا، لأن أعمال العنف التي تقوم بها ستكون مصدرًا لتجديد صفوفهم. تم تجاهل تحذيراته، حتى بعدما برّرتها الوقائع مرارًا وتكرارًا. هذا المنطق نفسه يتضح الآن بشكل متطرف في الدمار الذي يلحق بغزة. إن العنف الهيكلي الطاحن الذي توقعت إسرائيل أن يعاني منه الفلسطينيون في صمت يعني أن الأمن الإسرائيلي لم يكن إلّا وهمًا.
أكدت الأسابيع التي تلت السابع من أكتوبر استحالة العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا من قبل. هذا على الأرجح ما كانت تهدف إليه «حماس» من شن هجماتها القاتلة. حتى قبل ذلك التاريخ، كان الكثيرون في القيادة الإسرائيلية يدعون علنًا إلى استكمال النكبة، أي التطهير العرقي لفلسطين، وهي أصوات ارتفعت الآن.
شهدت الهدنة الإنسانية المتفق عليها بين الطرفَين، أواخر نوفمبر الماضي، إطلاق «حماس» سراح بعض الرهائن مقابل الفلسطينيين المُحتجزين في السجون الإسرائيلية وزيادة الإمدادات الإنسانية التي تدخل غزة. وعندما استأنفت إسرائيل هجومها العسكري وعادت «حماس» إلى إطلاق الصواريخ، كان من الواضح أن «حماس» لم تُهزم عسكريًا. إن المذبحة والدمار الشاملَين اللذَين أحدثتهما إسرائيل في غزة، يشيران إلى نية لجعل المنطقة غير صالحة لسكن 2.2 مليون فلسطيني يعيشون هناك، والضغط لترحيلهم عبر كارثة إنسانية مُخططة عسكريًا. تقديرات الجيش الإسرائيلي نفسه تشير في الواقع إلى قضائه على أقل من 15% من القوة القتالية لحركة حماس حتى الآن، وذلك في حملة أسفرت عن مقتل أكثر من 21 ألف شخص فلسطيني، معظمهم من المدنيين، وبينهم 8600 طفل.
7 أكتوبر والسياسة الفلسطينية
يكاد يكون أكيدًا أن الجيش الإسرائيلي سيمنع «حماس» من حكم غزة. لكن محللين مثل طارق بقعوني، الذي درس الحركة وتفكيرها خلال العقدين الماضيين، يقولون إنها سعت منذ وقت طويل إلى التحرر من قيود حكم منطقة معزولة عن بقية فلسطين، بشروط تحددها سلطة الاحتلال.
أظهرت «حماس» منذ فترة طويلة رغبة في الخروج من دورها في حكم غزة، بدءًا من احتجاجات مسيرة العودة الحاشدة غير المسلحة عام ،2018 والتي قمعتها نيران القناصة الإسرائيلية بعنف، وحتى ما أحبطته الولايات المتحدة وإسرائيل من الجهود التي كانت تهدف لنقل حكم غزة إلى سلطة فلسطينية مُعاد تشكيلها، أو تكنوقراط مُتفق عليهم، أو حكومة مُنتخبة، بينما ركّزت على إعادة تركيز السياسة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية في مقاومة الوضع الراهن للاحتلال، بدلًا من الخضوع لوصايته. فإذا كانت نتيجة هجومها هي فقدان مسؤولية حكم غزة، فقد ترى «حماس» أن ذلك مفيد.
حاولت «حماس» أن تدفع «فتح» إلى مسار مماثل، وحثّت المجموعة الحاكمة في الضفة الغربية على إنهاء التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ومواجهة الاحتلال بشكل أكثر مباشرة. وبالتالي فإن فقدان السيطرة البلدية على غزة لا يشكّل هزيمة حاسمة لجهود «حماس» الحربية: فبالنسبة لحركة تكرّس نفسها لتحرير الأراضي الفلسطينية، صار حكم غزة يبدو كطريق مسدود، مثل حكم «فتح» الذاتي المحدود المستمر في جُزر الضفة الغربية المُشتتة.
يقول بقعوني إن «حماس» شعرت على الأرجح بأنها مضطرة إلى خوض مقامرة عالية المخاطر لإنهاء الوضع الراهن الذي اعتبرته موتًا بطيئًا لفلسطين. «كل هذا لا يعني أن التحول الاستراتيجي لحماس سيُعتبر ناجحًا على المدى البعيد»، كما كتب في مجلة فورين بوليسي.
«ربما كانت زعزعة الوضع الراهن من جانب حماس قد أتاحت لإسرائيل فرصة تنفيذ نكبة أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى اندلاع حريق إقليمي أو توجيه ضربة للفلسطينيين قد يستغرق التعافي منها جيلًا كاملًا. لكن المؤكد أنه لا عودة إلى ما كان عليه الوضع من قبل».
ربما كانت مناورة «حماس» إذن هي التضحية بالسلطة البلدية في غزة المُحاصرة لتعزيز مكانتها كمنظمة مقاومة وطنية. «حماس» لا تحاول دفن «فتح»: اتفاقيات الوحدة المختلفة بين «حماس» و«فتح»، وخاصة تلك التي يقودها أسرى من الفصيلَين، تظهر أن «حماس» تسعى إلى تشكيل جبهة مُوحدة. السلطة الفلسطينية غير قادرة على حماية الفلسطينيين في الضفة الغربية من العنف المتزايد الذي تمارسه المستوطنات الإسرائيلية وسيطرتها الراسخة، ناهيك من الرد بشكل هادف على سفك الدماء في غزة. تحت غطاء الدعم الغربي فيما يتعلق بغزة، قتلت إسرائيل مئات الفلسطينيين، واعتقلت الآلاف، وهجّرت قرى بأكملها في الضفة الغربية، بينما قامت في الوقت نفسه بتصعيد هجمات المستوطنين التي ترعاها الدولة. بذلك زادت إسرائيل في إضعاف حركة «فتح» بين السكان ودفعتها في اتجاه «حماس».
على مدار سنوات، استمر المستوطنون الذين يحميهم الجيش الإسرائيلي في مهاجمة القرى الفلسطينية بهدف إجبار سكانها على المغادرة وتشديد قبضة إسرائيل غير القانونية على الأراضي المحتلة. لكن التوسع في هذا منذ السابع أكتوبر يثير مخاوف شركاء إسرائيل أنفسهم في الولايات المتحدة. إن تهديد بايدن بحظر تأشيرات المستوطنين المتورطين في العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية مُراوَغة: فما أبعد هؤلاء المستوطنون عن أن يكونوا فاعلين فُرادى خارجين عن القانون، بل هم مسلحون من قِبل الدولة ويتمتعون بحماية شديدة من قِبل جيش الدفاع الإسرائيلي والنظام القانوني الإسرائيلي، لأنهم ينفّذون سياسة الدولة. لكن حتى تهديد بايدن الذي يخطئ وجهته المُلائمة يبيّن بوضوح أن إسرائيل على خلاف مع إدارته.
إن منظور «حماس» يشمل فلسطين ولا يقتصر على غزة، ولذلك قصدت أن يكون لهجوم السابع من أكتوبر تأثيرات تغييرية على جميع أنحاء فلسطين. خلال «انتفاضة الوحدة» عام 2021 التي سعت إلى ربط نضالات الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة بالنضالات داخل إسرائيل، اتخذت «حماس» إجراءات لدعم هذا الهدف. والآن تعمل الدولة الإسرائيلية على تسريع هذا الارتباط من خلال حملة قمع مذعورة ضد أي تعبير عن المعارضة بين مواطنيها الفلسطينيين. اعتُقل مئات الفلسطينيين في الضفة الغربية، بما في ذلك النشطاء والشباب الذين ينشرون على فيسبوك. بينما تدرك إسرائيل تمام الإدراك احتمال التصعيد في الضفة الغربية. بذلك المعنى، فإن الرد الإسرائيلي لم يعمل إلا على التقريب بين أهل الضفة الغربية وغزة.
من الواضح أن إسرائيل لم تكن تنوي على الإطلاق قبول قيام دولة فلسطينية ذات سيادة في أي مكان غرب نهر الأردن. تعمل إسرائيل بدلًا من ذلك على تكثيف خططها طويلة الأمد لتأمين سيطرتها على المنطقة. إن ذلك، بالإضافة إلى التعدي الإسرائيلي المتزايد على المسجد الأقصى، تذكير بأن إسرائيل تعمل بنشاط على تأجيج أي انتفاضة قادمة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وحتى داخل حدود 67.
من المفارقات إذن أن إصرار الولايات المتحدة على وضع غزة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية بعد حرب التدمير الإسرائيلية -وتحذيراتها الضعيفة المتأخرة بشأن عنف المستوطنين- يعزز فكرة أن الضفة الغربية وغزة كيان واحد. السياسة التي تنتهجها إسرائيل منذ 17 عامًا لفصل الضفة الغربية الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية المُنتقاة عن «غزة التي يديرها الإرهابيون» باءت بالفشل.
إسرائيل بعد 7 أكتوبر
الغارة التي قادتها «حماس» حطّمت الأساطير عن إسرائيل التي لا تُقهر، وأحبطت كذلك آمال مواطنيها في الطمأنينة حتى عندما تخنق أرواحَ الفلسطينيين. قبل ذلك بأسابيع قليلة، كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتباهى بأن إسرائيل نجحت في «إدارة» الصراع حتى أن فلسطين لم تعد تظهر على خريطته لـ«الشرق الأوسط الجديد». ومع «اتفاقيات إبراهام» والتحالفات الأخرى، كان بعض القادة العرب يرحّبون بإسرائيل. كانت الولايات المتحدة تروّج للخطة، فانصب تركيز الرئيسَين دونالد ترامب وجو بايدن على «التطبيع» مع الأنظمة العربية التي كانت مستعدة لترك الفلسطينيين عُرضة للفصل العنصري الإسرائيلي المشتدّ. فجاء السابع من أكتوبر بمثابة تذكير وحشي بأن هذه الترتيبات واهية، وأن المقاومة الفلسطينية تمثّل شكلًا من أشكال سلطة «الفيتو» ضد الجهود التي يبذلها الآخرون لتحديد مصيرهم.
يظل من السابق لأوانه قياس تأثير السابع من أكتوبر، على السياسة الداخلية الإسرائيلية. لقد جعلت الإسرائيليين أكثر تشددًا، ولكنهم أصبحوا في الوقت نفسه أكثر ارتيابًا في قيادتهم الوطنية بعد الفشل الذريع في الاستخبارات والرد. تطلب الأمر تعبئة جماهيرية كبيرة ضد الحكومة من قِبل عائلات الإسرائيليين المُحتجزين في غزة حتى يقف العمل العسكري مؤقتًا ويتم تأمين صفقة إطلاق رهائن. المعارضة الداخلية الدرامية والبارزة بشأن الرهائن وما يلزم إسرائيل لتأمين عودتهم قد يزيد الضغط من أجل مزيد من صفقات إطلاق السراح، بل ووقف كامل لإطلاق النار، على الرغم من التصميم على مواصلة الحرب بين كثير من القيادات السياسية والعسكرية. الرأي العام الإسرائيلي يظل مُشوشًا وغاضبًا ولا يمكن التنبؤ بتصرفاته.
ثم هناك تأثير الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي، الذي يعتمد نموذج نموه على جذب مستويات عالية من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاع التكنولوجيا والصناعات التصديرية الأخرى. كان الاحتجاج الاجتماعي والارتياب بشأن الخلافات الدستورية خلال العام الماضي يُشار إليه في التقارير بالفعل كأحد أسباب انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 68% على أساس سنوي خلال الصيف. تضيف الحرب التي تخوضها إسرائيل، والتي حشدت لها 360 ألف جندي احتياطي، مستوى جديدًا من الصدمة. كتب الخبير الاقتصادي آدم توز على Substack:
«بحسب تقدير التكتُّل التكنولوجي في إسرائيل، فقد تم تعبئة عُشر قوّته العاملة. وأُصيب قطاع البناء بالشلل بسبب عزل القوى العاملة الفلسطينية في الضفة الغربية. وانهار استهلاك الخدمات مع ابتعاد الناس عن المطاعم وتقييد التجمعات العامة. وتشير سجلات بطاقات الائتمان إلى أن الاستهلاك الخاص في إسرائيل قد انخفض بنحو الثُلث في الأيام التالية على اندلاع الحرب. وانخفض الإنفاق على الترفيه والتسلية بنسبة 70%. أما السياحة، وهي دعامة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي، فقد توقفت بشكل مفاجئ. أُلغيت الرحلات الجوية وتحويل شحن البضائع. وفي المنطقة البحرية، أمرت الحكومة الإسرائيلية شركة شيفرون بوقف الإنتاج في حقل تمار للغاز الطبيعي، ما يكبّد إسرائيل خسارة 200 مليون دولار شهريًا من الإيرادات».
إن إسرائيل دولة غنية تتمتع بالموارد اللازمة للتغلب على بعض هذه الصعاب العاصفة، ولكن مع ثروتها تأتي الهشاشة، ولديها بالفعل الكثير لتخسره.
غزة بعد 7 أكتوبر
تدّفقت القوات الإسرائيلية إلى غزة بخطة قتالية، ولكن دون خطة حرب واضحة لها بعد الغزو. يهدف بعض القادة العسكريين الإسرائيليين إلى الحفاظ على «سيطرة أمنية» من النوع الذي يتمتعون به في أراضي الضفة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية. لكن في غزة سيضعها هذا في مواجهة تمرُّد تدريبه أفضل ويدعمه معظم السكان. كثيرون في الدوائر الحكومية الإسرائيلية يدعون إلى التهجير القسري لعدد كبير من سكان غزة المدنيين إلى مصر، من خلال هندسة أزمة إنسانية تجعل غزة غير صالحة للعيش. الولايات المتحدة قالت إنها تستبعد ذلك، لكن لا يمكن لأي مقامر ذكي أن يستبعد إمكانية سعي الإسرائيليين للحصول على عفو بدلًا من إذن بمزيد من التطهير العرقي واسع النطاق الذي يتماشى مع أهداف إسرائيل الديموجرافية طويلة المدى المتمثلة في تقليل عدد السكان الفلسطينيين من النهر إلى البحر.
لجأ المسؤولون الأميركيون إلى كتب الصلوات القديمة، فتحدثوا عن أملهم في إعادة محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، البالغ من العمر 88 عامًا، إلى تولي مسؤولية غزة، مع الوعد بتجديد السعي لتحقيق «حل الدولتين» الوهمي. لكن السلطة الفلسطينية لا تتمتع بمصداقية حتى في الضفة الغربية بسبب إذعانها للاحتلال الإسرائيلي المتوسّع. ثم هناك واقع أن منع السيادة الفلسطينية الحقيقية على أي جزء من فلسطين التاريخية قد ظل لفترة طويلة محل إجماع في القيادة الإسرائيلية عبر معظم الطيف السياسي الصهيوني. وليس لقادة إسرائيل حاجة إلى الإذعان لتوقعات إدارة أميركية قد يتم التصويت عليها في العام المقبل. فلديهم قدرة مُثبتة على تسخير الإدارة الأمريكية حتى لو أُعيد انتخاب بايدن. لقد اختارت الولايات المتحدة المشاركة في آلة الحرب الإسرائيلية، التي قد لا تكون وجهتها واضحة، لكنها بالتأكيد ليست دولة فلسطينية من أي نوع.
تأثير 7 أكتوبر عالميًا
ربما أقنعت إسرائيل والولايات المتحدة نفسَيهما بأن العالم قد «تجاوز» المحنة الفلسطينية، ولكن الطاقات التي أطلقتها الأحداث منذ السابع من أكتوبر تشير إلى أن العكس هو الصحيح. ترددت أصداء دعوات التضامن مع فلسطين في شوارع العالم العربي، وعملت في بعض البلدان كلغة معارضة مُشفّرة ضد الاستبداد البالي. وفي جميع أنحاء الجنوب العالمي وفي مدن الغرب، تحتل فلسطين الآن مكانًا رمزيًا باعتبارها تجسيدًا للتمرد ضد النفاق الغربي ونظام ما بعد الاستعمار الظالم. لم تخرج إلى الشوارع حول العالم مثل هذه الملايين الغفيرة للاحتجاج منذ غزو العراق غير القانوني الذي قادته الولايات المتحدة. استعرضت العمالة المُنظمة عضلاتها الأممية لإيقاف توصيل شحنات الأسلحة إلى إسرائيل، وذكّرت نفسها بقدرتها على تغيير التاريخ، كما يتم استخدام الآليات القانونية، مثل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية وحتى المحاكم الأمريكية والأوروبية، لإيقاف السياسات الحكومية التي تمكّن إسرائيل من ارتكاب جرائم الحرب.
بسبب ذعرها من العالم المصدوم من ممارساتها في غزة، عادت إسرائيل ومناصروها إلى توجيه اتهامات معاداة السامية إلى أولئك الذين يتحدّون وحشية إسرائيل. لكن كل شيء، من المسيرات الحاشدة إلى المعارضة اليهودية الصاخبة واستطلاعات الرأي حول تعامل بايدن مع الأزمة، يشير إلى أن المساواة بين التضامن ومعاداة السامية ليست خاطئة واقعيًا فحسب، بل وغير مقنعة.
قطعت العديد من الدول في أميركا اللاتينية وأفريقيا علاقاتها بشكل رمزي. كما أن القصف المتعمد للسكان المدنيين ومنع الوصول إلى المأوى والغذاء والماء والرعاية الطبية أصاب العديد من حلفاء إسرائيل نفسها بالصدمة. إن مدى العنف الذي يعتزم الغرب المضي في تأييده ضد الشعب الأسير في غزة يقدّم للجنوب العالمي تذكيرًا صارخًا بالحسابات التي لم تتم تسويتها مع الغرب الإمبريالي. وعندما يناشد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو إسرائيل علنًا بالتوقف عن «قصف الأطفال»، فإن إسرائيل مُعرضة لخطر خسارة أجزاء من الغرب نفسه. لقد أصبح من الصعب على الدول العربية والإسلامية الحفاظ على العلاقات العامة في المدى القريب، ناهيك من توسيعها.
ربط الولايات المتحدة نفسها برد فعل إسرائيل على هجوم السابع من أكتوبر قد فجّر أيضًا فقاعة أوهامها حول استعادة الهيمنة في الجنوب العالمي تحت عنوان «نحن الأخيار». إن التناقض بين استجابتها للأزمتين الروسية-الأوكرانية، والإسرائيلية-الفلسطينية، على التوالي أنتج إجماعًا على أن النفاق جوهري في السياسة الخارجية الأمريكية، وأنتج مشاهد غير عادية مثل توجيه رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم الانتقاد الشديد لبايدن وجهًا لوجه في قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، لفشله في الوقوف ضد الفظائع الإسرائيلية.
حذّر إبراهيم على وجه التحديد من أن استجابة بايدن لأحداث غزة قد عززت أزمة ثقة خطيرة لدى أولئك الذين تأمل الولايات المتحدة في التودد إليهم كحلفاء خلال منافستها مع روسيا والصين. وبعد أن أثبتوا للحلفاء العرب أن راعيتهم في واشنطن ستقف إلى جانب إسرائيل، حتى عندما تقصف المدنيين العرب، فمن الراجح أن يعزّز هذا اتجاه دول الجنوب العالمي إلى تنويع محافظها الجيوسياسية.
المسألة السياسية
عبر إنهاء وضع راهن يجده الفلسطينيون غير محتمل، أعادت «حماس» السياسة إلى الأجندة. إن إسرائيل تتمتع بقوة عسكرية كبيرة، لكنها ضعيفة سياسيًا. قسم كبير من المؤسسة الأميركية التي تدعم الحرب الإسرائيلية يفترض أن بالإمكان القضاء على العنف النابع من مجتمع مُضطهد باستخدام القوة العسكرية الساحقة ضد ذلك المجتمع. ولكن حتى وزير الدفاع لويد أوستن أبدى شكوكه بشأن تلك الفرضية، محذرًا من أن الهجمات الإسرائيلية التي تقتل آلاف المدنيين تخاطر «بدفعهم إلى أحضان العدو [واستبدال] النصر التكتيكي بهزيمة استراتيجية».
يحب السياسيون الغربيون ووسائل الإعلام الغربية تخيل «حماس» جماعة عدمية على غرار «داعش» تحتجز المجتمع الفلسطيني كرهينة، لكن «حماس»، في الواقع، حركة سياسية متعددة الأوجه تمتد جذورها في نسيج المجتمع الفلسطيني وتطلعاته الوطنية. إنها تجسّد اعتقادًا، أكّدته بحزم عقود من الخبرة الفلسطينية، بأن المقاومة المسلحة أمر جوهري في مشروع التحرير الفلسطيني بسبب فشل عملية أوسلو وعداء خصمها المستعصي. نما نفوذها وشعبيتها مع استمرار إسرائيل وحلفائها في إحباط عملية السلام وغيرها من استراتيجيات اللاعنف التي تسعى لتحرير الفلسطينيين.
ستؤدي الحملة الإسرائيلية إلى تقليص القدرة العسكرية لحركة حماس. ولكن حتى لو كان الأمر يتعلق بقتل كبار قادة المنظمة (كما فعلت من قبل)، فإن رد إسرائيل على السابع من أكتوبر يؤكد رسالة «حماس» ومكانتها بين الفلسطينيين في أرجاء المنطقة وخارجها. إن الاحتجاجات الضخمة ذات الهتافات المؤيدة لحركة حماس في الأردن، على سبيل المثال، غير مسبوقة. ولا يتطلب الأمر موافقة أو دعمًا لتصرفات «حماس» في السابع أكتوبر للاعتراف بالجاذبية الراسخة لحركة تبدو قادرة على جعل إسرائيل تدفع نوعًا من الثمن مقابل العنف الذي تمارسه على الفلسطينيين كل يوم، وكل عام، وجيلًا بعد جيل.
يشير التاريخ أيضًا إلى نموذج يظهر فيه ممثلو الحركات التي اعتبرها خصومها «إرهابية» رغم كل شيء على طاولة المفاوضات -في جنوب أفريقيا، مثلًا، أو أيرلندا- عندما يحين الوقت للبحث عن حلول سياسية. لن يكون من التاريخيّ المراهنة ضد قيام «حماس»، أو على الأقل نسخة ما من التيار السياسي الأيديولوجي الذي تمثله، بالشيء نفسه شريطة إعادة النظر بجدية في حل سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين.
من غير الواضح على الإطلاق ما سيأتي بعد أعمال العنف المروعة، لكن هجوم حماس في السابع من أكتوبر، فرض إعادة ضبط لمنافسة سياسية يبدو أن إسرائيل لا ترغب في الرد عليها بما يتجاوز ممارسة القوة العسكرية المدمرة ضد المدنيين الفلسطينيين. وببقاء الأمور على حالها بعد ثمانية أسابيع من الانتقام، لا يمكن القول إن إسرائيل تنتصر.
توني كارون هو رئيس تحرير +AJ التابعة لشبكة الجزيرة، ومحرر سابق في مجلة تايم، وكان ناشطًا في حركة التحرير المناهضة للفصل العنصري في موطنه جنوب أفريقيا.
دانيل ليفي هو رئيس مشروع الولايات المتحدة/الشرق الأوسط (U.S./Middle East Project) ومفاوض إسرائيلي سابق مع الفلسطينيين في طابا خلال عهد رئيس الوزراء إيهود باراك وفي أوسلو الثانية خلال عهد رئيس الوزراء إسحاق رابين.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد