أنا الآتية من مستقبل جدتي
منذ أن بدأت الحرب على غزّة، اختبرت أمرين بشكل شخصي كنتيجة ورد فعل على الإبادة والتطهير العرقي الحاصل في غزة. تمثل الأول في صورة ذهنية لجدتي يتكرر ظهورها في يومي من دون أي إرادة منّي في استحضارها أو تذكّرها، والثاني من خلال أحلام متكررة تقوم على ثلاثة رموز أساسية تعيد نفسها بمظاهر مختلفة: طفلة تبلغ 8 أو 9 أعوام ترتدي دائمًا «بيجاما» زهرية اللون، وجيش الاحتلال الإسرائيلي (أحيانًا مستوطنون)، وأخيرًا نقاش مع إسرائيليين يقتحمون أحلامي، والتقي بهم بهدف دفعهم إما إلى الإقرار بالذنب وإما تقبل الحقيقة من خلال لحظة مواجهة أستيقظ قبل نهايتها.
في أيام الهدنة بين المقاومة وإسرائيل، والتي دامت أسبوعًا بعد ستة أسابيع من بداية الحرب، رأيت في الحلم كلمة الحقيقة مكتوبة في دفتر تدوين. كان الدفتر مفتوحًا على فخذي وكانت تجلس في المكان المقابل لي مراهقة إسرائيلية تضع قرطًا ذهبيًا في أنفها، وقد صبغت خصلات من شعرها باللون الأحمر. كنت سأخبرها بالحقيقة، والتي رأيتها مكتوبة في عين عقلي بالحلم، والحقيقة أنها جزء من الاحتلال ولو أعطاها ذلك أرضًا وبيتًا وزجاجة مياه، فقد سلبها في المقابل شيئًا من قدرتها على التمتع بكامل المشاعر الإنسانية.
كل شيء يجري بسرعة في الحلم، لأن جيش الاحتلال كان في طريقه إلى المكان، وكان عليّ أن أعطيها الحقيقة لتسمح لي بالعبور مع الطفلة التي كان عليّ حمايتها. وكان من الواضح من مجريات الحوار أنني سأفشل لأن المراهقة كانت تدّعي عدم الفهم، وكان الذعر كلّما أحاول أن أقول لها الحقيقة يشتد، لأصل إلى اللحظة التي أفقد فيها الطفلة وأستيقظ.
لست بحاجة لابن سيرين كيّ أفسر الحلم، ولست بحاجة إلى محلل نفسي لأفكك الرموز التي أعتقد أن جميعنا يتشاركها منذ اندلاع الحرب على غزة، حيث تختبر قدرتنا على استيعاب الإبادة في الزمن الحاضر، الزمن الذي نتشاركه الآن وهنا، وليس كحدث ماضٍ موجود في تاريخنا الجماعي نتعلّم منه، أو كفكرة نستمد منها تحذيرًا منطقيًا بأنها قد تحدث في الواقع.
نرى الإبادة في البث المباشر، ونشاهد تفاصيلها بقدر عالٍ من الدقة والوضوح، ونرصد أرقامها يوميًا. نشهد الآن على ما سيصبح تاريخًا مفصلًا بعكس الماضي، حين كنا نشهد على الندم والحزن والغضب على المجازر والإبادة التي تأتي لاحقًا، بعد أن تكتشف التقارير ولجان التقصي والتحقيق الأرقام الصادمة، وبعد أن يتم فهم العنف بشكل بيروقراطي علمي من خلال تبعاته، وبعد أن يكون قد مضى وزال. حاليًا وبشكل يومي، نختبر أن نكون شاهدات على إبادة، يوميًا يقتل المئات في غزة كواقع وليس كأمر محتمل، يوميًا يعيش الناس في غزة الفقدان والخسارة الفادحة التي لا يمكن تخيل أثرها عليهم.
منذ الحرب، أحاول أن أتأمل في معنى الصورة كلغة لوصف ما يجري أمام عيني وفي جسدي.
في خلو تام من الإبداع، تتكرر ثيمة أحلامي لتفسد عليّ في أحيان كثيرة مجريات النهار، لأنها تدفع بالعار إلى ذهني. أمضي أيامي وأنا أشاهد الأخبار أو أنضم إلى تحرك سياسي مطلبي، مثقلة بالذنب بأنني بعد كل ما أشاهد، ما زلت أبحث في أحلامي عن بعض من الطمأنينة في امتلاكي القدرة على حماية من أستطيع، وامتلاكي لغة تسمح لي بالحوار مع الإسرائيلي المُتخيّل وتقديم فرصة له بالنجاة من نفسه، ومن عنفه الخاص المُتمثل في الاحتلال/الاستعمار.
تقتحم هذه الثيمة المتكررة من الأحلام ذهني، وتفضح وهن مقدرتي اليومية على الاستمرار في تفادي التفكير بالمستقبل المنطقي الآتي من بعد هذه اللحظة، وعدم تقبلي أن هناك براءة ما افترضتها عن العالم لم تعد صالحة لاختبار ما يجري، لكنني متمسكة بها خوفًا ربما. كلمة الحقيقة المكتوبة في أحلامي قد تكون أن العالم المُتمثل في الفتاة ذات الشعر المصبوغ بالأحمر لن يفهم ما يجري لأنه لا يريد أن يفهم. أحلامي تقول إن ما أومن به في وعيي يناقض ما يرمي به عقلي الباطن، الذي أصلًا أرمي إليه بدوري ما لا طاقة لي عليه في وعيي. دائرة مفرغة من تحميل وتحمل المسؤولية.
منذ أول الحرب، لم أستطع أن أكتب شيئًا، ربما نص صغير أو نصين، يرسمان صورًا من غزة. فقدت أي قدرة على استعمال اللغة وخلق معنى، لا معنى أبلغ وأعمق وأصدق من أشلاء الأطفال، وإن كان العالم لم يدرك الفظائع مع الصور الخارجة من وعن غزة، لا أحسب أنه سيدرك فظاعة الإبادة عبر قراءة نص عنها. ربما العالم يدرك ومهتم، لكنني لا أعرف كيفية الكتابة عن الإبادة، رغم أنني أعلم كيف يكون الاضطهاد، وأخجل حقًا من كل ما يجري، وبكلمة أخجل أقصد أشعر بالعار.
حين يرحل العار، يبقى الحزن. أعرف ذلك، لأنني زرت سوق الميلاد في الهدنة لأبحث عن قفازات لليدين، فمررت بجانب «ستاند» لسكان مونتريال الأصليين، ضيوف سوق الكريسماس لهذه السنة، وحين رأيت السيدة الأصلية، بكيت عندما رأيت خلفها خريطة كبيرة لمونتريال فارغة إلا من علامة إكس تخص كل شعب أصلي بقيت له محميات في طرف الخريطة، كأن الخريطة حركت جرح غزة المفتوح بي، الذي ينتمي إلى جرح الخريطة المهجورة عمّا كان ومن كان.
قبل الهدنة بأكثر من يوم، سمعت أحدًا في حلمي يقول «خريات شمونة» بدلًا من «كريات شمونة». كل الآباء قالوا هذه النكتة غالبًا حين وقفوا على الحدود اللبنانية الفلسطينية، كلهم استبدلوا كلمة «كريات» العبرية، بكلمة «خريات» المشتقة من كلمة الخراء العربية، لوصف المستعمرة التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة. ضحكت حين استيقظت، نكتة أبي القديمة تكسر ثقل الأحلام التي تخرج من رأسي.
بدأت نكتة «خريات شمونة» في نفس النهار الذي حذف أبي كلمة العودة من قاموسه. توقف أبي عن استعمال كلمة «العودة» عام 1992. حصل ذلك حين كُنت وهو نتابع مجريات اعتصام مرج الزهور، حين اعتصم قيادات من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» أبعدتهم إسرائيل إلى جنوب لبنان عقب عملية ضد جيش الاحتلال كبيرة.
كنا ننظر إلى الشاشة كل مساء ونرى وجوه المعتصمين/المبعدين في خيم بسيطة على الحدود، كنا نشاهد عودة المبعدين على التلفاز بعد عام تقريبًا على اعتصامهم. عقلي الطفولي أرشف اللحظة كصورة مرج مليء بالأقحوان الكبير في تفصيل وتفضيل بصري. كان ذلك أول انتصار مرئي ومسموع لي. كانت تلك أيضًا أول صورة عن العودة التي كان أبي يعدني بها كل يوم. وبالتالي كان من البديهي أن أذهب إلى غرفة النوم وأرمي كل الكتب من الشنطة المدرسية على الأرض، وأضع فيها لعبتين وكيلوتات نظيفة، وألبس ثياب العيد الماضي، وأظهر لأبي وأعلن عن جهوزيتي للعودة إلى حيفا، وأنني سأنتظره في السيارة إذا أعطاني المفاتيح كالعادة.
كانت تلك المرة الأولى التي أرى أبي مصفر الوجه بسبب شيء لم أقترفه، بل قلته، كانت المرة الأولى التي قال لي فيها إننا لن نرجع الآن، وصاح بي لأن أمي قالت له إنني رميت كتبي على الأرض ونشرت الفوضى في الخزائن، ووقف واختفى من البيت لساعات طويلة. من بعدها، بقيت فقط مرارة نكتة «خريات شمونة» وثقل رهيب بيني وبينه كلّما ظهرت فلسطين في بيتنا.
ربما كان حبي لغزة يأتي من مخيلتي عن نجاح وضمان العودة إليها. ربما كان حبي لغزة يأتي من حب أهل القطاع لمدنهم وبحرهم وأرضهم ومواشيهم وفاكهتهم، والأكثر من ذلك، من دهشة أهل غزة، من دهشتنا من صمودهم بأشكال مختلفة 16 عامًا رغم الحصار والحروب المتواترة بخسائر ومكاسب مرئية وغير مرئية. ربما حبي لغزة يأتي من حرية أهل غزة في حب وسب غزة في نفس الوقت، لكنني بالإنابة فقط أعلم كيف نفهم ما كان في اليد وفرادة حُبه في قلبنا وسهولة انقلابنا عليه في نفس اللحظة التي نخسره فيها، بالإنابة فقط أعلم النجاة المجزأة، تلك التي يبقى الجسد فيها وتفنى الروح.
قبل أوسلو، كانت جملة «الأرض مقابل السلام» تقال في كل مكان، في نشرات الأخبار ومانشيتات الصحف، وفي صباحات أي عيد نلتقي فيه بالعائلات، وفي أحاديث تلتقطها أذناي في جلسات أبي وأصدقائه. في حلمي، أخفف عن نفسي، بمعادلة جديدة. الحقيقة التي أقولها للمراهقة أن حصولها على الأرض بالتأكيد يأتي بخسارة ما، وربما أقول لنفسي إن خسارة الأرض تأتي مع مكسب ما، مثلًا قيمة إنسانية مضافة. كنت وعدت نفسي منذ أن كنت مراهقة أن أبتعد عن أشياء كثيرة، أهمها أن أهرب من الابتذال اللغوي والأنسنة المبتذلة التي كان أبي يرددها، ويحشو بها مخي، قيادات في مخيمات وطنية ومؤسسات كنت أبحث فيها عن هويتي، وها أنا أجد في الابتذال بعضًا من الطمأنينة، لغة الحوار والترفّع عن مرارة الخسارة، لكنها طمأنينة سرعان ما يفسدها علقم في داخلي: ماذا عن الأرض؟ الحقيقة أنني أسأل، ماذا عن المكان؟
في أول الحرب وبعد ضرب مستشفى الشفاء، حلمت بأبي قبل أن يمرض. كان معافى، وكُنا في غرفة الجلوس في بيتنا تحت آية الكرسي التي تذكرت أنها اختفت من البيت قبل مرضه، وكان يفتح أكياسًا فيها ثياب عيد لي وبالتحديد «طقم مخمل زهر شاموا على أطرافه كشكشة»، على نسق ثياب رعاة البقر كان قد طرّزه لي في الحياة الحقيقية وأنا صغيرة وكان لونه في الواقع أخضر. وفي كيس وضعه على حدة، كانت هناك أشلاء إنسان. استيقظت لأنني لم أستطع جمع إحساسي برؤية أبي وخوفي من الأشلاء وتجاهل أبي المطلق لها. يفيض قلبي حزنًا أن هناك من قُتل من الشهداء لن يعاد إحياؤهم في أحلام من عرفوهم ومن أحبوهم. يفيض قلبي حزنًا أن هناك براءة لم تعد تستطيع حمايتنا من حقيقة أنه ليس فقط عالمًا ليس لنا، بل هو عالم يحاول التخلص منّا.
سمحت الهدنة للناس في غزة أن يدفنوا من يستطيعون ويقلبوا الركام بحثًا عن أشلاء أحباء، وبينما كان الناس في غزة منشغلين باستيعاب حجم الكارثة، أعاد عالمي في بضعة أيام تعريف ذاته. في الهدنة، فهمت أن غزة أعادتنا إلى ذاتنا الفلسطينية الصافية الخالية من شوائب الآخر، هذه الذات تسأل عن المصير والسيادة، وتترفع عن صورنا كخونة ومخربين ومختصي حروب أهلية.
هذه الذات الفلسطينية تعرف في هذه اللحظات أنها لم تعد نفسها منذ النكبة، وتعيد وضعنا في مواقعنا الصحيحة، وهي إن لم نكن في الشتات، نحن تحت الاحتلال وأولنا الباقون في أراضي 48 والذين توهمنا منذ الانتفاضة أنهم أكثر حرية.
لكن ثمن العودة هذه مكلف، وفي وجه تحالف عربي-إسرائيلي-غربي، هناك دائمًا ما يحاك ضدنا، وغزة أيضًا تجعل من الصعب أن لا نتواجه مع الابتذال داخلنا. مثلًا، منذ الحرب وأنا أتأفف من نفسي حين أستخدم الجمع وأنا أتكلم عن شعبنا وأرضنا. ينبت لي شاربان يجلس عليهما ملائكة تكتب خصيصًا الابتذال من عدمه كلما أفتح فاهي. أنا الآتية من مستقبل جدتي فهمت أن استمرار النكبة يغير المنكوبين أيضًا.
لم أشعر في مرّة رأيت صورة جدتي المتكررة في ذهني بأنها تقتحم أفكاري وتزعجني، بالعكس، تطفو الصورة لتقول لي شيئًا عني وعن جدتي وعن عائلتي في هذه اللحظات وفي هذا التوقيت.
عادت الحرب سريعًا. أجد نفسي أصلي على سيدنا محمد كثيرًا بعد الهدنة، بالأخص حين تخونني عواطفي وأجد نفسي أحلم بانتهاء الحرب وعودة الناس إلى بيوتهم وإعادة الإعمار ودخول المساعدات وثقل السنوات القادمة من الحداد والفقدان واحتمال أنه بعد خمس سنوات قد تنشر الأمم المتحدة اعتذارًا، وقد نجد أنفسنا نحتفل بانتهاء محاكمة نتنياهو وسجنه. أجد نفسي أفكر أن غزة ستعود إلى ما كانت عليه. أعول على الصمود، أنا التي لم أستطع الصمود في بيروت لنص ساعة بعد انفجار واحد، فأصلي على النبي كما تفعل أمي حين تخونها وتخونني الكلمات.
لأنني أعلم أن كل هذه الأحلام والأوهام لأنني أخاف النهاية التي عكس ذلك، النهاية التي أنا منها، تلك التي أخبرتني جدتي عنها حين كانت تجلس على الشرفة التي تطل على أرض جلول ومخيم شاتيلا، الشمس تغيب من على يمينها، حيث تمسك ورقة غلاف لقطعة سكاكر على نكهة حامض، تقلبها بين يديها، وفي اليد اليسرى، يلمع خاتمها الذهبي، وتمسك بكفها قماش أبيض مطرز رقيق مثني ثلاث مرات، تمسح به فمها كلما شربت رشفة من الشاي في كوب منقوش عليه زهور مع الصحن الخاص به، موضوع بالقرب منها على صينية فضية مستطيلة مطرزة على الأطراف وموضوعة على طاولة خشب صغيرة. ترتدي غطاءً أبيض على رأسها ويبدو شعرها من تحت المثلث جزءًا أبيض وجزءًا بنيًا جراء الحنّة، وتنسدل أحرفه على جيليه رمادي يحاكي لون تنورتها التي دائمًا تغطي الركبة ولا تصل إلى الكعب، ترتدي «كولونًا لحميًا». تشرب الشاي وتمسح شفتيها بالقماش وتلمس أكمام قميصها المثني بعناية فائقة وتمسده. تنظر إلى الأمام دائمًا. تتكلم معي همسًا لأنني منذ ولدت قيل لي إنها فقدت صوتها منذ النكبة.
آراء أخرى
قرار مجلس الأمن: مكافحة «التمرد» من أفغانستان إلى غزة
«القرار 2803 ليس أول قرار يصدر من مجلس الأمن للترخيص بإنشاء قوات دولية مستقلة لتنفيذ مهام عسكرية»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد