فلسطينيون يواجهون إسرائيل: حوارات لفهم ما يحدث
يبدو الوضع في فلسطين مثل حراك متصل، رغم آلية الحرب الإسرائيلية العنيفة، والاحتلال والاستيطان والتقسيم والتهجير، إلا أننا نشهد شبكة مقاومة متناغمة، تتقاطع وتتصل بسبب الجغرافيا المُعقدة التي صنعتها إسرائيل في البلاد، لكنها تعكس تكاتف الفلسطينيين الذي يتشكل كروح واحد سواء كان ذلك في القدس المحتلة، حيث بدأت الأحداث، أو المُدن الفلسطينية المُحتلة منذ 1948 / الداخل الفلسطيني التي اشتبكت مع الحراك الواسع، أو قطاع غزة المُحاصر الذي تفاعل بالصواريخ فمُني بقصف عنيف مضاد لا يزال مستمرًا.
هكذا تعددت الجبهات التي تواجه إسرائيل في مشهد معقد تحركه هارمونية نضالية واحدة اتسعت لتشمل كل مكان فلسطيني، تخبرنا أن أهلها يهبون معًا ضد عدو واحد هو الاحتلال، رغم كل ما فعله الأخير من حروب وإضعاف وإفقار.
لذا فضلنا أن نخصص نشرتنا اليوم لمحاولة فهم ما يحدث هناك، في فلسطين، بدلًا من متابعة تحديثات الأخبار، ورصد آلام الفلسطينيين رقميًا، حاورنا أربعة فلسطينيين للوقوف على حقيقة ما يحدث، ومحاولة فهمه. هنا نقدم ثلاثة حوارات وشهادة.
أماني خليفة: المواجهة كسرت الخط الوهمي بين داخل إسرائيل وخارجها
نبدأ من القدس، مع أماني خليفة، مُنسقة الحراك المحلي في مؤسسة «جراسروتس القدس»، التي تهدف إلى دعم الحراك المجتمعي في القدس ليكون خططًا طويلة الأمد للمدينة ككل، فضلًا عن الحشد العالمي من أجلها.
«مدى مصر»: هل يمكننا تحديد نقاط تصاعد المشهد الحالي من الاحتجاج على إخلاء حي الشيخ جراح، وصولًا إلى المواجهة الشاملة؟
أماني خليفة: بداية، لستُ بموقع يمكنني من وضع تأطير جامد وتسلسل تراتبي للأحداث التي أدت بنا إلى المشهد الحالي في فلسطين المحتلة. وذلك لأسباب عدة أهمها، أننا أمام مشهد ديناميكي لا يمكن تحديده بنقطة بداية واحدة. الوضع السياسي في فلسطين المحتلة متغيّر، ولطالما كانت المقاومة بأشكالها المختلفة جزءًا من الممارسات اليومية، لذلك بالضرورة تُبنى الأحداث على ما سبقها، ولا يمكن اختزالها بتسلسل زمني واحد؛ جامد وواضح الملامح.
مع ذلك، يمكن الإشارة لثلاثة أحداث أساسية في مدينة القدس:
- معركة باب العامود: مع بداية شهر رمضان، قامت قوات الاحتلال بوضع سواتر حديدية على مدرج باب العامود. هذه الخطوة جاءت ضمن سياسات التضييق على الوجود الفلسطيني في القدس، باب العامود يتمتع بمكانة سياسية [العديد من العمليات الفدائية تُنفذ أمام باب العامود، حتى أن الفلسطينيين يسمونه اليوم بـ«باب الشهداء»]، وأيضًا مكانة اجتماعية لا تقل أهمية، هو مكان التقاء للأصدقاء والعائلات، يجتمعوا على درجاته [سلالمه] مع فنجان القهوة أو الشاي. طبعًا في شهر رمضان التواجد على الدرجات يتضاعف ويبقى الشباب هناك حتى ساعات متأخّرة من الليل. مع قرار المنع كانت المعركة الأولى في القدس، ولمدة 13 يومًا تظاهر الشباب مطالبين سلطات الاحتلال بإعادة الحضور الفلسطيني والمقدسيّ. وتيرة المواجهة لم تكن ثابتة، ولكن يمكن القول إنها بلغت ذروتها في ليلة الخميس 22 أبريل الماضي، حين قامت مجموعات من المستوطنين بإطلاق دعوة للتجمع في باب العامود. شهدنا في القدس ليلة مختلفة، شباب يتصدى بقوة لكل آليات القمع [الرصاص المطاطي، والمياه العادمة (مخلفات المصانع والصرف الصحي)، وقنابل الصوت والاعتقالات]. وبعدها بدأت تتوسع جغرافية المواجهة حيث شملت مناطق عدة في الضفة وغزة، إلى أن انتصرت إرادة الشباب ليلة 24 أبريل الماضي، وأجبرت قوات الاحتلال على إزالة السواتر الحديدية.
- مساندة العائلات المُهددة بالتهجير في حي الشيخ جراح: بعد الانتصار وتثبيت حق التواجد في درجات [سلالم] باب العامود، بدأ الشباب وبشكل عفوي بتنظيم فطور جماعي في كرم الجاعوني [اسم المنطقة المُهددة بالإخلاء وهي جزء من حي الشيخ جراح]. وكانت أول دعوة يوم الأحد الثاني من مايو الجاري. الأعداد كانت قليلة، وبدأت بالتصاعد مع كل ليلة، كلما زادت وتيرة القمع للتواجد، جرى تفريق المتظاهرين بفرق الخيالة، وإلقاء «المياه العادمة» وقنابل الصوت، زادت بالمقابل الدعوات والأعداد التي ذهبت إلى الحي لمؤازرة العائلات، حيث لا يزال «الشيخ جراح» حتى اليوم يشهد هجمة شرسة.
- اقتحام قوات الاحتلال للمسجد الأقصى ومسيرة المستوطنين «يوم القدس»، وتأجيل إصدار الحكم في قضية عائلات الشيخ جراح: الهجمة والاقتحام الأول على الحرم كان صباح يوم الجمعة 7 مايو الجاري، كان الهجوم على المصلين عنيفًا جدًا، طبعًا استمرت المواجهات، وامتدت خارج الحرم إلى الشوارع المحيطة في البلدة القديمة. وفي محاولة لتنفيس الحراك المحلي والعالمي أعلنت محكمة الاحتلال مساء الأحد 9 مايو الجاري تأجيل جلسة المحكمة في قضية «الشيخ جراح». ونهايةً كان انتصار آخر الإثنين الماضي عندما أعلنت قوات الاحتلال عن منع المسيرة السنوية للمستوطنين المعروفة «بمسيرة الأعلام» [يخرج المستوطنون كل سنة بمسيرة من الجزء الغربي باتجاه البلدة القديمة وحائط البراق، محتفلين باحتلالهم للشق الشرقي من القدس عام 1967].
مع أول إنجاز للمقاومة - تغيير مسار مسيرة المستوطنين في القدس ومنعها من المرور من باب العامود- شهدنا معادلة جديدة في علاقة القوة والتي تضغط على المشهد الحالي، على الصعيد العسكري فإن المقاومة في غزة هي «الفاعل» ودولة الاحتلال «المفعول به»، فتحدد المقاومة زمان ومكان الهجوم. العدو الصهيوني أمام هذا المشهد مرتبك جدًا، يعلن أهداف واهية مثل «إعادة الهدوء» و«زيادة قوة الردع»، في حين تبادر المقاومة في غزة بالهجوم وتحديد ملامح المعركة زمانيًا ومكانيًا.
الدور المركزي في المواجهة للأراضي المحتلة بالـ1948، صدقًا نحن أمام مشهد تاريخي لم نعهده من قبل. بعد نحو 73 سنة من الاستعمار، والتهميش، والإفقار، وسياسات الأسرلة داخل الأراضي المحتلة، نرى أهالي تلك الأراضي ينتفضون، ويلتحمون مع القدس والضفة وغزة. قرى ومدن وبلدات، من شمال فلسطين حتى جنوبها، تتصدى ببسالة لقوات الاحتلال. الواقع السياسي والتقسيمات الاستعمارية لفلسطين خلقا سياقات مختلفة بين الأراضي المحتلة بالـ 48 وبين الضفة وغزة، لكننا اليوم أمام مشهد جامع، يرفض هذه التقسيمات، بل يساند الواحد الآخر.
حالة الإرباك وفقدان السيطرة -وحتى «السيادة» بتعبيرات الإعلام الصهيوني- في الأراضي المحتلة بالـ 48، بالضرورة هي تساند وتدعم المقاومة في غزة. وحتى في الضفة، ومع القمع المضاعف من السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال، إلا أننا رأينا عدة عمليات فدائية على الحواجز العسكرية.
وحدة الوطن، تتخطى التقسيمات الجغرافية، هي لحظة إدراك للمصير والمستقبل المُشترك لكافة أبناء هذا الوطن، وهذا ما يتجسد حرفيًا على الأرض في اللحظة النضالية.. وهذا أهم نقطة بتميّز المشهد الحالي.
«مدى»: بدأنا من تحركات على الأرض بالمنطق الثوري مثل التظاهر والاشتباك البسيط، ثم رأينا صواريخ تُطلق من غزة على كامل الأراضي المُحتلة تقريبًا، كيف رأى الشارع ذلك؟ هل هو تكامل بين بُعدين من الحراك؟ أم أن المقاومة المسلحة ضّيقت المساحة على الحراك الميداني؟
خليفة: لم أقم بإجراء استفتاء عام حول رأي الشارع، ولكن أظن المشاهد التي نراها؛ المفرقعات والزغاريد والاحتفالات مع كل صافرة إنذار تُطلق في الأراضي المحتلة أكبر دليل على المساندة والدعم الذي تتمتع به المقاومة.
أنا لا أرى أننا نتحدث عن إمكانيات مختلفة، التظاهر والاشتباك من جهة، والصواريخ من الجهة الأخرى، بل هي إمكانيات وآليات تكمل الواحدة الأخرى، وهذه نقطة مهمة جدًا. المواجهة في الأراضي المحتلة بالـ 48 هي اليوم العامل المركزي، والذي يشكل ضغطًا هائلًا على حكومة الاحتلال، التي لم تتوقع أن تحارب جبهة داخلية بذات الوقت الذي قررت أن تشنّ عدوانها على قطاع غزة.
وأيضًا من الناحية الأخرى، إطلاق الصواريخ هو استعادة للكرامة المسلوبة حرفيًا، «في حد في ضهرنا». لا نجلس اليوم نعدّ «شهدائنا» مكتوفي الأيدي. ثمن المواجهة مؤلم لا شك، وكل قطرة دماء من طفل أو امرأة أو شيخ أو مقاوم هي ثمن باهظ. ولكن مهم التذكير أن ذلك يحدث تحت الاستعمار، وعندما لا يُسلَّط الضوء والإعلام على فلسطين، لا تتوقف الماكينة الاستعمارية عن قتلنا.
المختلف اليوم أننا اكتشفنا قدرتنا، ممكن كانت دائمًا موجودة على المستوى الرمزي، وبالأخص في الأراضي المحتلة في الـ48، بس اليوم عمّ منعيشها، ومنلامسها، ومنشوف تداعياتها على حكومة الاحتلال. يعني ممكن القول إنه تمكنّا من تشكيل قوة ردع للمُستعمِر، لم تكن موجودة سابقًا.
«مدى»: رأينا جميعًا هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، مسلحين بلباس مدني، كيف رأيتِ الناس تتعامل مع ذلك؟ وهل هناك أفكار لتنظيم لجان شعبية للحماية مثلًا؟
خليفة: المشاهد المروعة صِدقّا اللي شفناها بالأمس في حيفا ويافا واللِد والرملة وعكا وطبريا وأماكن أخرى، واضح أنها عمّ بتعيد ترتيب العلاقة مع الصهيوني، وهون فيه مستوى مهم بكل ما يتعلق بقدرة الحدث على تشكيل وعي وخطاب وطني. وإدراك عدم وجود فرق بين المدني والعسكري في إسرائيل، وأن المجتمع «الإسرائيلي» يرتكز بنيويًا على العقيدة العسكرية. وأيضًا -النقطة الإضافية التي لا تقل أهمية- هي هدم الخط الأخضر الوهمي اللي مفاده وجود اختلاف داخل حدود الكيان (الـ48) وخارجه (الضفة وغزة).
من متابعة الأخبار شفت عدة مبادرات، اللي كانت رد فعل للهجوم وتهدف إلى التصدي له، في أم الفحم وحيفا، هي لا شك نقطة مهمة لازم نأخذها بعين الاعتبار. وهنا لا أتحدث فقط عن لجان شعبية للحماية، بل أيضًا لجان من المحامين والمحاميات والأطباء.. هي لحظة لنخلق بُنى مجتمعية وتنظيمات مفصولة، وما عندها أي ارتباط بالمؤسسة الاستعمارية.
مجد كيّال: الادعاء بأن «حماس» تريد تسجيل النقاط سخيف
ومن حيفا حاورنا الكاتب الفلسطيني مجد كيًال، وإلى نص الحوار:
«مدى مصر»: كيف تطورت كل تلك الأحداث من الاحتجاج على الإخلاء القسري لحي الشيخ جراح إلى مواجهة شاملة تتنوع بين تحركات ميدانية ومقاومة مسلحة؟
مجد كيّال: المشهد الحالي هو وليد عدة عوامل مختلفة، لكنها منسجمة في الوقت نفسه. بدأ الموضوع يتدحرج من الاحتجاج على إخلاء الشيخ جراح، وتوسّع قليلًا مع إغلاق مدرج باب العامود. هذا المكان هو الأهم بالنسبة للمقدسيين، هو كميدان التحرير بالنسبة للمصريين. ومع اقتحام باحات المسجد الأقصى لم يعد الأمر متوقفًا على أهالي الشيخ جراح، ولكنه تحوّل إلى قضية كل المهتمين بالمسجد الأقصى. هنا علينا توضيح أن تلك الأهمية لا تأتي بسبب البُعد الديني فقط، المسجد الأقصى يشغل سدس مساحة البلدة القديمة وهو المحرك المركزي لها، إذا تمّ الاستيلاء عليه يعني أن البلدة القديمة سقطت.. أي أن كل القدس تم السيطرة عليها.
بعد تطور الأمور في القدس، بدأت الدعوات في بلدات الداخل في التصاعد للتضامن مع المقدسيين، وانتشرت التظاهرات والمواجهات في كل مكان، وبدأت الأمور تتطور في قطاع غزة كذلك.
«مدى»: اشرح لنا كيف كانت الأوضاع في مُدن الداخل؟
كيّال: المدن المختلطة، إن جاز التعبير، مثل اللِد وعكا وحيفا والرملة، دأب الاحتلال فيها منذ 1948 على فرض أكثرية سكانية من المستوطنين. ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل كان يسعى لتصفية الوجود الفلسطيني منها تمامًا. في عكا وحيفا مثلًا لم تقتصر حركة الاستيطان على الشكل التقليدي الآتي من اليمين المتطرف، بل حتى أن الطبقات العليا الإسرائيلية دأبت على إجلاء الفلسطينيين وتحويل بيوتهم إلى مشاريع سياحية ومطاعم. الناس تعيش هناك في ظروف صعبة جدًا على المستويات الاقتصادية والاجتماعية ناهيك عن القمع الأمني.
«مدى»: كيف كانت تحركات المستوطنين في مناطق الهجمات الإسرائيلية؟ وكيف استطاع السكان الفلسطينيين التعامل مع تلك التحركات؟
كيّال: القمع الاستيطاني بدأ بتنظيم موجات عنف ممنهج، تخرج مسيرات ولا تردد أي مطالب سياسية وإنما ترفع شعارًا واحدًا: «الموت للعرب». وتشهد تلك المسيرات اقتحام لبيوت الفلسطينيين والاعتداء عليهم، بالأمس اعتدوا على سيدة حامل في اللِد بصورة وحشية، وهي الآن في حال خطرة. وبالطبع تخرج مسيرات المستوطنين في حماية تامة من قوات الاحتلال، الكتيبة العسكرية لا تريد أن تظهر وهي تهاجم بيوت الناس وتعتدي على النساء وما إلى ذلك، فتصدّر المستوطنون لفعل ذلك.
على الجهة الفلسطينية، يخرج الناس لحماية بيوتهم وأهلهم، بدأ التنسيق بشكل عفوي داخل الأحياء نفسها، فالناس هناك يعرفون بعضهم جيدًا، وهذا الفرق بين المجتمع الأصلي [الفلسطينيين] وبين المستوطنين الذين يجمعون بعضهم عبر تيليجرام بدعوى «مَن يريد قتل المزيد من العرب؟ْ». بالطبع التنسيق داخل الأحياء الذي يحدث بين ناس يعرفون بعضهم له آثار سلبية من جهة مشاركة المزيد من الناس، لكن من إيجابياته أنه يقي من هجمات المستعربين والشرطة السرية.
«مدى»: رأينا ردود أفعال حماسية لدى الشباب في مدن وبلدات فلسطين عندما دخلت المقاومة المسلحة في غزة على الخط، كيف رأيت ذلك؟ وما رأيك فيما يُقال حول أن التصعيد المسلح ربما يُفقد القضية تعاطف الرأي العام العالمي؟ وفي مقابله رأي آخر يعتبر أن «حماس» تريد الاستحواذ على المشهد؟
كيّال: لديّ نقد هائل لحركة «حماس»، وشخصيًا أقدّر وأميل أكثر إلى التنظيم الشعبي، وقدرة الناس على التنظيم بنفسها. لكن هناك مشكلة كبيرة في التفكير في رد فعل الرأي العام العالمي في حين أن الناس يُقتلون في الشوارع وفي البيوت، ويُضربون بالرصاص وهم يصلون.
من جهة ثانية، منذ 2006 فَعل الاحتلال الإسرائيلي كل ما في يده من أجل فصل قطاع غزة عن قضايا الشعب الفلسطيني، بل جعل قضية القطاع تخصه وحده، فتتحرك الأمور هناك بسبب الحصار أو قطع الكهرباء أو مساحة الصيد المسموحة. هذا هو السعي الأساسي وجوهر الاحتلال الإسرائيلي الساعي لتفكيك المجتمع الفلسطيني. ومن هنا تأتي الأهمية البالغة لانضمام غزة للمشهد الحالي، أهمية القول أن مساعي الاحتلال هذه فشلت، وأن أصغر قضية في الشيخ جراح هي قضية غزة، وأن اللِد هي قضية غزة أيضًا. هذا أمر غير مسبوق حتى في الانتفاضة الثانية. لذلك، فمع كل ميلي للتنظيم الشعبي، إلا أن هناك أهمية قصوى لإعادة بناء الوحدة الوطنية والهمّ المشترك وإعادة تعريف القضية وكسر العزلة عن غزة.
وبالنسبة لي، الادعاء بأن «حماس» تريد تسجيل النقاط هو ادعاء سخيف. فهي بما أقدمت عليه خلال الأيام الماضية تقترب للانتحار. الحركة عرّضت نفسها ومقراتها وقياداتها لاستهداف الاحتلال. قرار المشاركة والقصف خرج من غزة، من الناس التي تُستهدف وتُقتل.
محمد جميل: المواجهة شرعنت سلاح المقاومة
ومن غزة حاورنا الكاتب والباحث الفلسطيني محمد جميل، وإلى نص الحوار:
«مدى مصر»: كيف دخل قطاع غزة على خط الأحداث الأخيرة؟ وكيف ترصد ردود الأفعال داخل القطاع؟
محمد جميل: طوال الأسبوع الذي وقعت فيه الأحداث المختلفة في حي الشيخ جراح، والقدس، ثم التفاعل معها في مدن الداخل، بقدر ما حفز ذلك حماس الناس في غزة، إلا أنه زاد من مشاعر الإحباط بسبب عدم قدرتنا على تقديم مساندة في هذا الفعل. فقدرة قطاع غزة على الاشتباك مع الإسرائيليين في النهاية محدودة جدًا، وتقتصر على الاشتباك المُسلح.
ولذلك عندما صدرت تحذيرات «كتائب عز الدين القسام»، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، لإسرائيل، وهي التحذيرات التي دائمًا ما يتمّ التعامل معها بشكل دعائي، حظيت بقبول كبير من كل القطاعات في غزة هذه المرة. وكانت هناك إشارات أن الناس مستعدون لتحمل التبعات والعواقب.
وعندما دخلت المقاومة على الخط وبدأت القصف، كان القبول والترحيب من قِبل الفلسطينيين في القدس، والذي شعر به الناس في غزة، حافزًا على الدخول في الاشتباك بصورة أكبر وتحمل العواقب. بعد ذلك دخلنا فيما هو تقليدي: القصف والقصف المضاد.
«مدى»: كيف ترى تبعات دخول غزة على الخط؟
جميل: أولًا، أعتقد هذه المواجهة شرّعنت بشكل جوهري سلاح المقاومة الفلسطيني، وهذه الخسارة الحقيقية لإسرائيل. في المرات السابقة [التي استخدمت فيها «حماس» سلاح الصواريخ]، كان هناك جدل دائم حول جدوى وتأثير وتبعات استخدام الصواريخ. ولا مرة كان هناك إجماع على استخدام ذلك السلاح، ولا حتى بنسبة 50%. غير أن هذه المرة، يمكنني القول بقلب قوي إن هناك قبول تتجاوز نسبته 85% تقريبًا. وهذا حدث تاريخي ومفصلي في شرعنة سلاح المقاومة.
الأمر الثاني، إن ما حدث هو تتويج غير رسمي لحركة «حماس» لقيادة مشروع التحرر الوطني الفلسطيني. ويمكن اعتبار أن حركة «فتح» هي أكبر الخاسرين، ليس فقط باعتبارها خارج المشهد الحالي، ولكن بالتواطؤ عليه أيضًا. لم يلتفت أحد طوال الأسبوع الماضي لما يصدر عنها من مواقف، إن كانت هناك مواقف، يتجاهل الناس وجود رام الله بالمرة، بما لها من ثقل سياسي وتاريخي.
الأمر الثالث، أن إسرائيل وجدت نفسها مُحرجة. هناك دائمًا خط أحمر تحاول تل أبيب تفاديه، وهو إشعال أكثر من جبهة فلسطينية في نفس الوقت. لأنه، حتى لو انتصرت عسكريًا، فالأمر ينطوي على انتصار سياسي للفلسطينيين. فوجود تحركات متزامنة ومترابطة في القدس، ومدن الداخل المحتل، وغزة تشكّل توحيدًا سياسيًا ومعنويًا وعاطفيًا للفلسطينيين، وهو الأمر الذي استثمرت إسرائيل طويلًا في الحيلولة دون حدوثه. وهذا الانتصار الاستراتيجي الأساسي الذي تحقق.
«مدى»: ما الذي تتوقعه فيما يخص الهجوم العسكري على غزة؟
جميل: إسرائيل كمَن ابتلع المنجل، فهم لم يريدوا دخول غزة على الخط، والقدس والعة، وهناك تحركات في مدن الداخل. وما تريده إسرائيل في الوقت الحالي معاقبة الفلسطينيين في غزة على التجرؤ على اتخاذ هذا القرار، وذلك عن طريق هجوم عسكري رادع، الهدف منه سيكولوجي بالأساس حتى يندم الفلسطينيون. لكن بالتأكيد هناك حيرة لدى الإسرائيليين، هناك سؤال عما تريده إسرائيل من هذه العملية العسكرية. الأهداف الميدانية يتم تعويضها بعدها بثلاثة أيام، القطاع كله أصبح بنية تحتية للمقاومة، والقوام العددي للمقاومة يتجاوز فكرة إلحاق ضرر به عبر استهداف شخص بارز أو مؤثر بهذه الهيكلية. تبقى مُعاقبة الناس بإحداث مجزرة في أوساط المدنيين، وهذا معناه أن يأخذ التصعيد مدىً زمنيًا طويلًا بمعنى أنه لن يتوقف في وقت منظور، وهو أمر خطير في الوقت الراهن خاصة مع وجود تحقيق من قِبل المحكمة الجنائية الدولية في جرائم الحرب التي حدثت في غزة 2014، كما أن هناك انتقادات متصاعدة ضد إسرائيل من منظمات حقوقية دولية، لا يمكننا أن نقول إنها داعمة للفلسطينين. وفي النهاية، لو قبلوا بوقف اطلاق نار الآن، سيصبح الأمر انتصارًا ساحقًا للفلسطينيين.
«مدى»: هل وصول الصواريخ لأغلب المدن الإسرائيلية يمكن اعتباره التطور الميداني الأهم؟
جميل: لم يحدث تغيّر نوعي عما حدث في حرب 2014. منذ ذلك الوقت، ونحن نعرف أن صواريخ المقاومة يمكنها الوصول إلى هذا المدى. وفي النهاية هذا التطور في المسار التراكمي وصل مراحله الأخيرة مبكرًا في 2012، وأعُلن عنه في 2014. ما شهدناه هذه المرة هو زيادة الكفاءة في استهداف الأهداف الإسرائيلية، وفي وتيرة الإطلاق أيضًا. الإنجاز النوعي الثاني الذي تحقق ميدانيًا في الحروب السابقة، هو إنهاء الإمكانية العملياتية لإسرائيل والتي كانت تسمح لها بالتوغل بريًا في قطاع غزة. أعتقد أن المقاومة أصبح عندها الإمكانيات للحيلولة دون تحقيق إسرائيل لهذا الهدف، خصوصًا مع منظومة الأنفاق التي تطورت خلال 15 عامًا، وتطور ترسانتها من السلاح، والتدريب الذي أصبحت عليه قوات النخبة التابعة لحركة حماس.
لكن هذا لا يُلغي أن الفلسطينيين مطالبين بإعادة صياغة استراتيجيتهم الكفاحية والنضالية التي تحدد وجهة ووسائل وأساليب وتوقيت فعلهم المقاوم للاحتلال بكل أشكاله، إن كان شعبي أو سياسي أو مسلح. وينبغي التوافق على تصور أو استراتيجية شاملة بغرض عقلنة استخدام هذا السلاح، والتأكد من أنه لن يتحوّل إلى عبء على كاهل الفلسطينيين والخطاب السياسي الفلسطيني، وأن يُوظف بالقوالب والأشكال التي تجعله يشكل إضافة نوعية لنضالات الفلسطينيين.
سالم الريس: الطائرات الإسرائيلية تقصف البنية التحتية في غزة
لا نزال في قطاع غزة، حيث يقدم لنا سالم الريس، رئيس تحرير شبكة «مصدر» الإخبارية، شهادة ميدانية ومهنية في آن.
في غزّة، لا يوجد موقع آمن يمكن لصحفي مثل سالم الريّس أن يلوذ به مؤقتًا ليقوم بكتابة وتحرير الأخبار، أو لالتقاط الأنفاس والحصول على بعض الراحة. يعمل الريس رئيسًا لتحرير شبكة «مصدر» الإخبارية. وخلال الأيام الماضية، منذ بدأ الهجوم الإسرائيلي على القطاع المحاصر، تقلص الوقت الذي يتواصل فيه مع عائلته إلى نصف ساعة يومية. عندما تحدثنا مع الريس، كان غرضنا أن نستمع إلى تحليله للأحداث، لكنه نقل لنا صورة بصرية ثقيلة للمشاهد التي يعيشها هناك، وفضّلنا نقلها.
يقول الريس إن العدوان في بدايته كان شبيهًا بما حدث من قبل في حروب غزة 2008 و2012 و2014: استهداف للمنازل، وأشخاص على درجات نارية وسيارات في الشارع. وفي كل مرة يتعرّض شخص للاغتيال، يسقط حوله آخرون من النساء والأطفال والشيوخ.
يحكي الريس أن الأيام الماضية شهدت اغتيال أشخاص عبر قصف منازلهم، ليسقط معهم آخرون تواجدوا في نفس المكان. وحتى لو لم ينجح الاغتيال، هناك دائمًا الموت العشوائي الذي يتعرّض له المحيطون بالموقع المُستهدف، مثلما حدث مع أحد القياديين بحركة «حماس»، الذي حاولت إسرائيل اغتياله بنحو 30 صاروخًا، غير أنه نجى بسبب عدم وجوده في الموقع، إلا أن ثمانية منازل مُحيطة بهذا الموقع انهارت بمَن فيها من سُكان.
في أحد الأيام الماضية، كان الريس متواجدًا في مكتبه، ببرج الرؤيا، بصحبة خمسة صحفيين، قرروا التمدد على الأرض لنيل قسط سريع من الراحة. فجأة، انفجر صاروخ بالقرب من البرج. يقول الريس إنه وزملاءه لم يكونوا قادرين على تحديد إن كان الصاروخ يستهدف البرج أم أحد المباني المجاورة، كما أنهم لم يُمهلوا الكثير من الوقت قبل أن يتصاعد كريشندو الصواريخ التي انفجرت كلها بجوار البرج محدثة انفجارات يصفها الريس بغير المسبوقة.
تصاعدت سحابة من الدخان والغبار غطت كل شيء، ولفترة نصف ساعة تقريبًا كان الجميع في حالة من التخبط والذعر دون قدرة على الرؤية أو الفهم. اتصل الصحفيون ببعض زملائهم، وطالبوهم بتدخل الصليب الأحمر لإجلائهم من المكان. يقول الريس: «كان غرضنا أن يعرف أي شخص بمكاننا، حتى إذا انهار البرج فوق رؤوسنا أن يبحث عنّا شخص ما، لعله يجد جثثنا».
توقف القصف، فغادر الصحفيون الستة مكانهم سريعًا، وفوجئوا بمجرد وصولهم إلى الشارع أن القصف كان يستهدف الأسفلت. دمرت الصواريخ الشارع بشكل لم يره الريس من قبل، كأن زلزالًا عنيفًا ضرب المنطقة. أجلتهم سيارة من الصليب الأحمر من المكان، وحملتهم إلى مجمع الشفاء الطبي، المنشأة الطبية الأكبر في قطاع غزة. وبمجرد وصولهم، يقول الريس، دخل زملاؤه في نوبة تشنجات حادة لم تنتهِ إلا بحقنهم بأدوية مهدئة. عاد زملاء الريس إلى منازلهم لاحقًا، بينما ذهب هو ليكمل التغطية.
لم يعد ممكنًا العمل من المكتب بعدما خرّب القصف الإسرائيلي شبكات الإنترنت والتليفونات في المنطقة المتواجد بها. فلجأ الريس وباقي زملائه إلى مكتب مؤسسة صحفية صديقة، قبل أن يهرع بصحبة الزملاء في تلك المؤسسة لتغطية قصف برج الشروق الذي تتواجد به الكثير من المكاتب الصحفية والإعلامية، بعضها يتبع حركة «حماس». اتبعت الطائرات النسق المعتاد، وهو قصف المبنى بصواريخ تحذيرية لها قدرة تدميرية محدودة، والغرض منها هو التحذير من أن المبنى سيتعرّض للقصف خلال دقائق محدودة، قبل أن تنسفه الطائرات بالكامل لاحقًا، ليسقط فوق محال تجارية ومنازل أخرى ملحقًا خسائر مادية، وهو ما جرى دون خسائر في الأرواح، هذه المرة.
بعدها شهد الريس قصفًا آخر لمفترق طرق «السرايا»، الأكثر اكتظاظًا في غزة، يقول: «صُعقت لما شوفت المكان.. نفس الشيء اللي صار معنا في شارع المكتب، استهداف للبنية التحتية: شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والإنترنت».
يرى الريس أن الاحتلال في جولته التصعيدية الأخيرة اتخذ قرارًا بتدمير البنية التحيتة ومعالم مدينة غزة لإلحاق الضرر النفسي والمادي بسكانها ومعاقبتهم على إطلاق الصواريخ على مدن الداخل المحتل.
خلال الأيام الماضية، استهدفت إسرائيل الكثير من الأبراج العالية التي بُنيت خلال الـ25 عامًا الماضية بعد توقيع اتفاقية «غزة/ أريحا» في 1994 والتي عادت بموجبها منظمة التحرير الفلسطينية إلى غزة. تدريجيًا أصبحت تلك الأبراج معالم أساسية بالمدينة. بالإضافة إلى ذلك، استهدف القصف المركز التجاري للمدينة فدكه حتى صار هو والأرض سواء، كما دمر الجامعة الإسلامية المُلاصقة لمبنى الاونروا [منظمة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين]، بالإضافة إلى عدد كبير من الشوارع الرئيسية بما تحتها من شبكات مرافق.
يقول الريس إن أسوأ ما يمرّ به هو وزملاؤه الذين يقضون ساعات طويلة في تغطية القصف في المناطق المختلفة، ومتابعته أنهم في بعض الأوقات يشاهدون الصواريخ تسقط بالقرب من منازلهم، دون قدرة على معرفة إن كانت أصابت أسرهم أم لا. وفي كل مرة يحدث ذلك لأي منهم، يصبح الشخص في حالة أقرب للجنون، حتى يطمئن أن أسرته مازالت على قيد الحياة.. هذه المرة.
أخبار ذات صلة
«وفر مُجدي» و«شلل واسع النطاق»
ما بين عصا الحبس الاحتياطي وجزرة إخلاءات السبيل تستمر إدارة الدولة لملف السجناء السياسيين
«جمع شتات» قواعد تنظيم شؤون الأسرة المسيحية
«المبادرة المصرية» تدين استمرار التمييز المؤسسي تجاه البهائيين
«سلامتك تهمنا»
أعلن وزير الزراعة تحقيق الاكتفاء الذاتي في خمس مجموعات سلعية أساسية
لا تدع الحرب تلهيك عن «صوماليلاند»
أكد صندوق النقد الدولي أنه لا يجري حاليًا أي مناقشات بشأن رفع قيمة برنامج التمويل المخصص لمصر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن