حرية الصحافة ووقف الحبس في قضايا الرأي على مائدة الحوار الوطني
عاود الحوار الوطني اجتماعاته، أمس، بعد شهر من التوقف، بالجلسة الخامسة للجنة حقوق الإنسان والحريات العامة ضمن المحور السياسي.
الجلسة ناقشت قضية حرية الرأي والتعبير، وهي إحدى القضايا التي تأجل النقاش فيها خلال الجلسات الأولى لما قد تسببه من خلافات، بحسب مصطفى كامل السيد، المقرر المساعد للمحور السياسي، لـ«مدى مصر».
الجلسة كانت ساخنة، بحسب وصف المنسق العام للحوار الوطني، ضياء رشوان، وكذلك رئيس لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب، طارق رضوان، خلال مداخلتهما.
جاءت الجلسة بعد يوم واحد من قرار محكمة جنح أجا بمحافظة الدقهلية بحبس المدون محمد عادل، أحد مؤسسي حركة 6 أبريل، أربع سنوات، بعد إدانته بتهمة «نشر أخبار كاذبة»، بسبب تغريدة اعترض فيها على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بحسب ما قالته الناشطة* إسراء عبد الفتاح، في مداخلتها، وهي القضية التي حُبس احتياطيًا على ذمتها سنتين وسبعة أشهر قبل إصدار المحكمة حكمها.
كذلك، جاءت الجلسة بعد يوم واحد من قرار المحكمة الاقتصادية تأجيل محاكمة رئيس مجلس أمناء التيار الحر، الناشر هشام قاسم، إلى 9 سبتمبر الجاري، مع استمرار حبسه، والذي قال عنه عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، خلال مداخلته إنه يعاقَب بالحبس الاحتياطي في تهمة لا يُعاقب عليها بالسجن أصلًا في قانون العقوبات، وهي تهمة السب والقذف، ولكنه محبوس بسبب المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات، والتي تعاقب بالحبس والغرامة على ما تسميه «تعمد الإزعاج بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات».
طرحت عبد الفتاح سؤالًا عن عدم نشر مشاركات المستقلين على صفحة الحوار الوطني في فيسبوك، مع منع الصحفيين الحاضرين من تسجيل فيديوهات خلال الجلسات. بالفعل لم تُبَث كلمة عبد الفتاح وعبد الرحمن ومحمد عبد السلام الفقي، المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الرأي والتعبير، ولينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، ونورا يونس، رئيسة تحرير موقع المنصة، على صفحة الحوار الوطني.
وطالبت عبد الفتاح وقف سياسة القبض على المواطنين والمواطنات بسبب التعبير عن آرائهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسرعة النظر في ملفات مئات المحكومين بسبب تعبيرهم عن آرائهم، مع مطالبة النائب العام بالإفراج الفوري عن كل من تجاوز المدة القانونية للحبس الاحتياطي والمحددة بـ24 شهرًا، وتعديل المادة القانونية الخاصة بالحبس الاحتياطي، وقصرها على ثلاثة أشهر، مع استبدال الحبس في قضايا النشر بالبدائل القانونية الأخرى مثل الغرامات والخدمة العامة.
«أصبح المشهد الحالي مُقيدًا لحرية الصحافة»، بحسب نقيب الصحفيين، خالد البلشي، الذي سلّم في نهاية كلمته مطالب الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين إلى أعضاء الحوار الوطني، وتضمنت إطلاق سراح جميع الصحفيين المحبوسين، والإفراج عن سجناء الرأي الذين لم يتورطوا في أعمال عنف. كما تقدمت النقابة بقائمة بالصحفيين المحبوسين «نقابيون وغير نقابيين»، مع حزمة إجراءات تمنع ضم آخرين لقوائم المحبوسين. كما طالب البلشي بإصدار قانون بإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية التزامًا بالمادة 71 من الدستور، وتعديل مواد الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات الجنائية، والتي حوّلت الإجراء الاحترازي إلى عقوبة تم تنفيذها على عدد من الصحفيين وأصحاب الرأي خلال السنوات الماضية، بحسب البلشي.
رئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان، مشيرة خطاب، قدمت أيضًا طلبًا إلى منصة الحوار الوطني، بالإفراج عن الشباب المحرومين من حريتهم بسبب التعبير عن الرأي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة على مطالبة المجلس بالإفراج عن النساء في القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير.
في منتصف الجلسة قال علي الدين هلال، المقرر العام للمحور السياسي: «أحيانًا أستمع في بعض المجالس أن الصحفيين المعتقلين لم يُعتقلوا بسبب وجهة نظرهم ولكن لتهم أخرى»، وحث المطالبين بإطلاق سراح الصحفيين في الجلسة على توضيح الأمر. ردًا على سؤال هلال، قال ضياء رشوان إنه بين 2019 و2023، تم الإفراج عن 50 صحفيًا، منهم 32 نقابيًا و18 غير نقابي، مشيرًا إلى أن الإفراج عنهم لم يؤثر سلبًا على أمن البلاد. أيضًا ضرب أحمد راغب، المقرر المساعد للجنة حقوق الإنسان والحريات العامة، مثالًا بحالة المحامي محمد الباقر، المُفرج عنه مؤخرًا بموجب عفو من رئيس الجمهورية، وكان يقضي فترة العقوبة بعد إدانته وفقًا لقانون الإرهاب بـ«مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها».
كذلك ألمح المحامي نجاد البرعي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، إلى أن نسبة كبيرة من المحبوسين احتياطيًا في قضايا الرأي، يمتد حبسهم احتياطيًا سنتين وأكثر، لأن النيابة العامة توجه لهم تهمة مساعدة جماعة إرهابية على تحقيق أغراضها، وبالتالي من ينتقد سياسات الدولة يُعتبر في عرف النيابة العامة وكأنه يساعد الجماعة الإرهابية على انتقاد النظام، ومن ثَم إسقاط الدولة، استنادًا إلى قانون الكيانات الإرهابية.
من جانبه، اقترح رئيس لجنة حقوق الإنسان في «النواب»، طارق رضوان، أن تتبنى المؤسسات التشريعية صياغة قوانين تدعم حرية الرأي والتعبير، وأن تحظى القوانين بتفسير وتطبيق موحد من قبل القضاء، مع وجود آليات لمراقبة تنفيذ القضاء لتلك القوانين ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الأفراد في التعبير. كما طالب البرلماني باتخاذ المؤسسات التشريعية والتنفيذية إجراءات لحماية الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يواجهون خطرًا نتيجة التعبير عن آرائهم.
أميرة العادلي، عضو مجلس النواب عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، كانت أكثر عملية في كلمتها وقدمت اقتراحات بتفعيل مواد الدستور التي تنص على عدم حبس الصحفيين في قضايا النشر، وسرعة إصدار قانون تداول المعلومات، وضمان ممارسة الحق في التعبير عن الرأي من مؤسسات الدولة، وإعادة النظر في المواد 25 و27 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، فيما يتعلق بالحبس في قضايا النشر على الحسابات الخاصة.
في كلمته أيضًا، طالب البلشي برفع الحَجب عن المواقع الإلكترونية ومراجعة القوانين التي تفتح الباب للحظر. وشرحت رئيسة تحرير «المنصة»، ممارسات الحجب التي تواجه الموقع، خلال كلمتها، قائلة: «المنصة حُجبت في أحد المرات بعد نشرها مقالًا لهشام قاسم، عن السياسة الخارجية المصرية، وكان مقال رأي، وحُجب الموقع بعد نشر المقال بربع ساعة، ورغم أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صاحب السلطة في حجب المواقع، إلا أن جميع المرات التي حُجبت فيها المنصة حجبت بشكل غير رسمي ولم يصدر قرار بحجبها من المجلس الأعلى للإعلام».
في مداخلته، قال محمود فوزي، رئيس الأمانة الفنية للحوار الوطني وأمين عام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: «يوجد في مصر أكثر من 400 إصدار صحفي و70 قناة ووسيلة إعلامية تعمل بشكل مشروع وأكتر من 110 مواقع إلكترونية حاصلين على تراخيص». وبخصوص حجب المواقع، نفى فوزي علمه بوجود أي حجب غير رسمي، وقال إن الحجب سلطة قانونية منصوص عليها في قانون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهي سلطة تدبير إداري تحت رقابة قضائية كاملة، مضيفًا أن موقع «المنصة» تقدم للحصول على ترخيص، وموقفه تحت الدراسة، وموقع «مدى مصر» أيضًا تقدم للحصول على ترخيص، وصدر قرار المجلس الأعلى برفض ترخيصه، وقدم طلبًا جديدًا للترخيص وهو قيد الفحص.
في السياق الإعلامي أيضًا، انتقد المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، محمد عبد السلام الفقي «عدم اتخاذ المجلس الأعلى للإعلام أي إجراء تجاه الكيان المسمى بشركة المتحدة، لعدم وضوح مصادرها التمويلية والممارسات الاحتكارية التي قامت بها في سوق الإعلام»، مقترحًا إجراء مراجعة تشريعية لكل قوانين الرأي والتعبير وعلى رأسها قانون الصحافة، ووقف ما سماه بالممارسات الأمنية التي تدعو للاحتكار والرقابة الأمنية، وإخلاء سبيل جميع سجناء الرأي بقرارات فورية من النيابة العامة.
لم تخلُ الجلسة من بعض المزايدات السياسية.
النائب عن حزب المؤتمر، أحمد مقلد، عضو اللجنة التنسيقية لشباب الأحزاب والسياسيين، بدأ كلمته بالتفرقة بين رؤساء النقابات الذين يمثلون مصالح فئاتهم وبين نائب برلماني، مِثله، عندما يقف لأول مرة تحت قبة البرلمان يقسم على حماية مصالح الشعب كافة. وانتقد اقتصار النقاش حول حرية الرأي والتعبير على الصحافة فقط. ما دفع المقرر المساعد للجنة حقوق الإنسان والحريات العامة إلى توضيح أن موضوع الجلسة يتعلق بحرية الرأي والتعبير ويناقش أحكام حرية الصحافة والعقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر. وفي الوقت المتبقي لكلمته هاجم مقلد المدير التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبير، بسبب كلامه عن شركة المتحدة، قائلًا: «لا يجوز أن تكون حرية الرأي والتعبير بابًا خلفيًا لعدم احترام حرية الآخرين والتشهير بهم، شُفت تشكيك في الذمة المالية لأحد الشركات المصرية». وتحداه «أن يكون ملمًا بكل القوائم المالية لكل الشركات المصرية»، وطالب بـ«نقطة نظام في الجلسة».
في تعقيبه، قال فوزي إن الشركة ليست لديها مخالفات في ممارستها الإعلامية فيما يتعلق بالاحتكار ومنع المنافسة، وذلك بعد فحص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الموضوع.
عاد البلشي للصحافة، مطالبًا بإعادة الاعتبار للصحافة القومية عبر عدد من الخطوات على رأسها: طريقة اختيار القيادات الصحفية، وفتح باب التعيينات أمام مئات المؤقتين الذين أصبحوا العماد الرئيسي للعمل داخلها، خاصة وأن أعدادًا كبيرة منهم وصلت فترات عملهم بالمؤسسات لأكثر من عشر سنوات دون الحصول على حقهم في التعيين. وطالب البلشي أيضًا باعتماد كارنيه نقابة الصحفيين بوصفه تصريح العمل الوحيد المُعتمد دستوريًا لأعضاء النقابة دون الحاجة لأي تصاريح أخرى للتغطية.
«أصبحت الصحافة المصرية تمثل صوت السلطة بدلًا من أن تكون أعين الناس على السلطة»، قال عضو مجلس نقابة الصحفيين، محمد سعد عبد الحفيظ، في كلمته، ورأى أن قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 الذي خالفت مواده بعض مواد الدستور كان نتيجة لممارسات بدأت في 2016 سمحت بفرض قيود على المحتوى الصحفي، فنتج عن ذلك محتوى إعلامي لا يحظى بثقة الجمهور الذي ذهب إلى الإعلام الخارجي، ومن حاول الخروج عن «الكتالوج» من المواقع المستقلة واجه الحجب قبل تقنينه، وكل هذا بحجة أن البلد تحت ظرف استثنائي تحارب فيه الإرهاب، بحسب عبد الحفيظ.
في كلمتها، دعت لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، الحكومة وجميع الأطراف القائمة على الحوار الوطني إلى محاولة فهم دور الصحافة باعتبارها ليست أداة لخدمة السلطة أو المعارضة، وإنما أداة لخدمة الشعب بالمعلومة والنقد والمساءلة. وأضافت: «لم نكن نتوقع أن تتم استضافتنا اليوم لأننا لا نعتبر أنفسنا طرفًا في الحوار، ولكننا صحفيين، دورنا هو تغطية الحوار ونقل فعالياته بشكل جدي وأمين. هذا هو دورنا بشكل عام»، وأشارت: «إذا لم يوجد استيعاب لهذا الدور، سنظل في دوائر مغلقة من نوعية المطالبة المستمرة برفع الحجب، والذي تنفي الحكومة مسؤوليتها عنه. وإذا لم يستوعب جميع الأطراف أن دور الإعلام ليس في خدمتهم، سنظل في دوائر مغلقة، مثل محاولة تقنين أوضاعنا منذ إصدار قانون تنظيم الإعلام في 2018، ومع ذلك لم تستخدم السلطة القانون الذي وضعته لتنظيم علاقتها بنا. ولن تكون هناك جدوى من المطالبة بعدم معاقبة الصحفيين بالحبس طالما لا يوجد فهم لدور الصحافة في خدمة المجتمع».
وفي نهاية كلمتها، قالت عطا الله: «بقدر ما ستكون مهمتنا أسهل لو رُفع الحجب عن موقعنا، أو تم تقنين الموقع وفقًا للقانون وبدون أي حسابات أخرى، ولو لم يتعرض أي منّا للتوقيف، لكن مطلبي اليوم أكثر جذرية.. تذكروا أن دور الصحافة أن تكون ندًا، تعاملوا معنا كند واكتفوا بالرد علينا في مساحات الرد التي تكفلها لكم الصحافة».
* تصحيح: ذكرنا في نسخة سابقة من الخبر أن الناشطة إسراء عبد الفتاح كانت عضوة في حركة 6 أبريل، وهو ما اتضح عدم صحته. [تم في 5 سبتمبر، الساعة 2 ظهرًا]
أخبار ذات صلة
«إسرائيل هيوم»: نتنياهو يضغط على مصر بـ«اتفاق الغاز» ردًا على تعزيزات عسكرية في سيناء
تسريب جديد لعبد العاطي حول تعزيز فرص فوز العناني في اليونسكو
الحملة الأمنية على الـ«تيك توكرز» مستمرة
إخطار لـ«شرطة المعادي» لتنظيم وقفة احتجاجية أمام السفارة الإسرائيلية
القبض على 3 صانعات محتوى على تيك توك.. ومحام: اتهامات خدش الحياء تتعارض مع ما يعرض برعاية الدولة
«المبادرة» تطالب مصلحة السجون بتقديم الرعاية الصحية لمحبوس احتياطي بسبب معتقده الديني
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن