تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».

«الدستورية العليا»:  الدستور ألغى حق المواطنين في حماية المال العام

«الدستورية العليا»:  الدستور ألغى حق المواطنين في حماية المال العام

نشرت الجريدة الرسمية، الأحد الماضي، نص الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار بولس فهمي، الصادر في 14 يناير الجاري، برفض الدعوى المقامة من المحامي خالد علي نيابة عن عمال في شركة النوبارية لإنتاج البذور «نوباسيد» ضد القرار بقانون رقم 32 لسنة 2014 الخاص بقصر الطعن على العقود التي يكون أحد أطرافها الدولة أو أحد أجهزتها أو الشركات التي تمتلكها أو تساهم فيها، على أطراف التعاقد دون غيرهم.

من جانبه، قال علي لـ«مدى مصر» إن الحكم بمثابة «حرمان للمواطنين من المشاركة في حماية المال العام، وعزلهم عن معرفة كيفية إدارته، وغل يد مجلس الدولة عن بسط رقابته والتصدي لأي تواطئ على حساب المال العام».

ولفت أحد نواب رئيس مجلس الدولة، طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن الحكم يمثل سابقة خطيرة لتأكيده على المسؤولية الشرعية لـ«ولي الأمر أمام الله في التصرف في المال العام»، جنبًا إلى جنب مع تأكيده على أن الدستور الحالي لم يعطِ للمواطنين الحق في حماية الملكية العامة، وترك للمشرع تحديد طريقة حمايته، مشددًا على أن حكم الدستورية يصادر الحق في التقاضي، ويحصن إجراءات بيع الممتلكات والأصول العامة من رقابة القضاء نهائيًا.

وردت المحكمة الدستورية العليا في حيثيات حكمها على اعتراضات مقيمي الدعوى على القانون في عدة نقاط: 

- دفع مقيمو الدعوى بعدم صلاحية قضاة المحكمة للفصل في القضية بسبب علاقة الزمالة التي تربطهم برئيس الجمهورية المؤقت، عدلي منصور، مصدر القرار بالقانون، والذي كان رئيسًا لـ«الدستورية» في مايو 2013 لمدة أقل من شهرين قبل أن يتولى رئاسة الجمهورية بداية من يوليو 2013 لمدة عام، عاد بعده إلى رئاسة «الدستورية» مرة أخرى لمدة عامين انتهت في يونيو 2016. 

ردًا على ذلك، قالت المحكمة إن قانون المرافعات لم يورد تلك الحالة بين حالات عدم صلاحية القضاة المحددة حصرًا في المادة 146 منه.

- احتج مقيمو الدعوى أيضًا بعدم وجود ضرورة لاستخدام منصور سلطاته الاستثنائية في التشريع وإصدار القرار بقانون في غياب البرلمان. 

هنا، قالت المحكمة إن الاقتصاد القومي وقت إصدار القرار (أبريل 2014) كان قد مر بمرحلة دقيقة، احتاج فيها إلى «العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع ضخ رأس المال الأجنبي لتعزيز قدرة اقتصاد البلاد على مواجهة التحديات في تلك المرحلة، وحجب كل ما يزعزع الثقة في سلامة البناء الاقتصادي للدولة»، لافتة إلى أن القرار بقانون عُرض على مجلس النواب بعد انعقاده وتمت مناقشته والموافقة عليه بموجب المادة 156 من الدستور.

وفيما اعتبر نائب رئيس مجلس الدولة رد الدستورية معبرًا عن تكييف سياسي للقرار وليس قانوني، قال علي إن القانون صدر في ظل وضع أمني وسياسي غير مستقر والتحجج بجذب المستثمرين وقتها هو أمر غير متصور، فضلًا عن أن جذب الاستثمارات يتطلب سيادة القانون على الجميع، وعدم فتح أبواب للفساد، متسائلًا : ماذا يضر المستثمر من بسط رقابة القضاء على العقد الذي يبرمه مع أيٍ من ممثلي السلطة فيما يتعلق بالمال العام، وبحث مدى تحقق أهدافه إذا كان صحيحًا؟

- الاعتراض الثالث والأبرز على القرار بقانون من مقيمي الدعوى تمحور حول ما قالوا إنه مصادرة لحق التقاضي للعاملين بالشركات أو المتضررين من بيع الشركات أو الأراضي أو العقارات التي تملكها الدولة ملكية عامة أو خاصة، وكذلك نزع اختصاص مجلس الدولة في بسط رقابته على العقود الإدارية التي توقعها الدولة مع المستثمرين. 

لكن المحكمة رأت عدم وجود تناقض بين الحق في التقاضي كحق دستوري أصيل وبين تنظيمه تشريعيًا، لافتة إلى أن تحقق الصفة والمصلحة في رفع دعاوى إبطال العقود وفقًا للقانون المطعون فيه يتحدد على ضوء ما نصت عليه المادة 34 من الدستور من أن «للملكية العامة حرمة، لا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب وفقًا للقانون»، وذلك على خلاف ما نص عليه دستور 1971 في المادة 33 منه: «للملكية العامة حرمة، وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن وفقًا للقانون…»، مفسرة بأن  الأعمال التحضيرية لدستور 2014، ومن بينها المناقشات التي دارت في اجتماع  للجنة الخبراء في 24 يوليو 2013، قد أفصحت عن توافق واضعي الدستور على أن صفة المواطنة وحدها لا تقيم لصاحبها الحق في المخاصمة القضائية للتصرفات التي ترد على أملاك الدولة الخاصة، وأن تحديد من له حق إقامة الدعاوى والطعون القضائية لمواجهة تلك التصرفات، منوط بالمشرع وحده.

اعتبر كل من علي والمصدر القضائي رأي المحكمة هذا تحصينًا لجميع التصرفات التي تجريها السلطة على المال العام، وعزلًا لها عن الرقابة الشعبية. 

وتساءل علي، إذا كان القانون يقصر الطعن على صحة إجراءات إبرام العقود أو مدى تحقيقها للهدف منها على طرفي العقد، الدولة والمستثمر، فما العمل إذا كان أحد طرفي التعاقد متواطئ على حساب المال العام، والآخر مستفيد، فمن الطرف الثالث الذي سيقوم بحماية المال العام، باعتباره «واجب وطني»، كما وصفه الدستور.

ولفت علي إلى أن القانون حدد حالة وحيدة لإمكانية الطعن على العقود من غير طرفي العقد، في حال صدور حكم جنائي بات من محكمة النقض بإدانة طرفي التعاقد أو أحدهما فى جريمة من جرائم المال العام، وهو ما اعتبره خلطًا بين الخطأ الجنائي والخطأ الإداري، موضحًا أنه من الممكن أن يكون هناك خطأ إداري في العقد ولكنه لا يمثل جريمة جنائية، بدليل أن كل عقود الخصخصة التي أصدرت محاكم مجلس الدولة أحكامًا ببطلانها لم يترتب عليها محاكمة أحد جنائيًا.

وأشار على إلى أن الحالة الوحيدة التي كانت تسمح بفتح تحقيق قضائي في مدى مشروعية العقود التي تبرمها الدولة مع المستثمرين وتحقيقها الهدف منها من عدمه، كانت إقامة دعوى أمام القضاء الإداري، لأن المحكمة كانت تلزم الحكومة بإحضار العقد وتحديد هدفها من إبرامه، وتبسط رقابتها على مدى تحقق الهدف منه في ضوء ما يعرض عليها من مستندات.

وأعطى علي مثالًا بعقد توشكى، الذي أبطله القضاء الإداري عام 2010. وكان يتضمن تعهد الحكومة المصرية بمنح المستثمر السعودي، الوليد بن طلال، 120 ألف فدان على الأقل بسعر 50 جنيهًا للفدان. وعندما تقدم أحد المواطنين للطعن على العقد بسطت المحكمة رقابتها على شروط العقد وهدف الحكومة من التعاقد، وتساءلت هل العقد تضمن إلزام بن طلال بجدول زمني لاستصلاح الأراضي مثلًا، أو بزراعة محاصيل معينة، أو تخصيص جزء من إنتاج الأرض للسوق المحلي، أو تشغيل عمالة مصرية. كانت الإجابة في ضوء رد الحكومة أن العقد لا يلزم بن طلال بأي من تلك الشروط، فضلًا عن أن الدولة ملتزمة بموجبه بتوصيل المرافق للأرض بالمجان، وهو ما قررت على أثره المحكمة بطلان العقد، بسبب تضمنه مخالفة إدارية وليست جنائية.

 مثال آخر أعطاه علي يخص عقد خصخصة شركة المراجل البخارية، والذي كان الهدف منه تطوير الصناعة، لكن ما حدث أن المشتري قام ببيع الشركة لرجل الأعمال، نجيب ساويرس، والذي تخلص من الآلات وحوّلها إلى شركة سياحية، لأن موقعها على النيل. هنا ساويرس لم يرتكب جريمة جنائية، لكنه ارتكب مخالفة إدارية لمخالفة شروط العقد، بحسب علي، الذي أشار إلى أن غالبية الأحكام التي أصدرها القضاء الإداري ببطلان عقود الخصخصة تضمنت مخاطبة من المحكمة للأجهزة الرقابية والنيابة العامة لفتح تحقيق جنائي في شبهات الفساد التي أحاطت بصفقات الخصخصة وقتها، إلا أن هذه الجهات لم تستجب، على حد قوله.

قضية خصخصة شركة عمر أفندي، مثال ثالث يطرحه علي، حيث بدأت القضية بتقديم المهندس يحيى حسين عبد الهادي بلاغًا للنيابة العامة ضد الصفقة، لكن البلاغ لم يُبت فيه، على عكس الدعوى التي أقامها العاملون بالشركة أمام القضاء الإداري، والتي ترتب عليها عودة الشركة لملكية الدولة مرة أخرى بعد أن بسط القضاء الإداري رقابته على شروط العقد، لكن لم يشمل حكم القضاء الإداري محاكمة المتسببين في إهدار المال العام في الصفقة، بحسب علي.

وشدد علي على أن تحصين المحكمة الدستورية العليا للقانون، من شأنه أن يحصن قرارات القائمين على التصرف في المال العام من الرقابة القضائية والشعبية معًا، مشيرًا إلى أنه بسبب تشكك عمال الشركات التي تم خصخصتها خلال عهد الرئيس الأسبق، حسني مبارك، في عقود خصخصتها بعد سنوات من إبرامها، اكتشف القضاء الإداري أن اللجنة الوزارية للخصخصة التي ترأسها رئيس الوزراء، وضمت 15 وزيرًا إلى جانب رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، في 2003 و،2004 أدرجت شركات رابحة ضمن مخطط الخصخصة بوصفها خاسرة، ضاربًا المثل بشركة غزل شبين، والشركة العربية للتجارة الخارجية، التي توصلت محكمة القضاء الإداري ثم المحكمة الإدارية العليا عام 2013 إلى أن عقد خصخصتها المبرم عام 1999، تضمن إهدارًا للمال العام ،حيث قيمت الحكومة أصول الشركة بـ13 مليون جنيه، دفع منها المستثمر ستة ملايين جنيه فقط، في حين أن خزينة الشركة كان بها وقت إبرام العقد ثلاثة ملايين جنيه، بخلاف ستة ملايين جنيه أخرى مستحقة للشركة كمديونيات في السوق، بما يعني أن المستثمر حصل على الشركة بالمجان ومعها أموال إضافية، مشددًا على أنه لولا رقابة محاكم مجلس الدولة لما عرف المواطنون تفاصيل تلك الصفقات.  

ومن جانبها، أكدت المحكمة الدستورية العليا على أن القرار بقانون يحقق اعتبارات الأمان القانوني للتصرفات التي تبرمها الدولة، بما يعصمها من زعزعة مراكز قانونية استقرت، ويحفظ لها استمرارها في أداء واجبها في التنمية الاقتصادية.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

أخبار ذات صلة

#تحرش جنسي

«المبادرة» تطالب النيابة بالاستئناف على براءة «متحرش الأتوبيس».. والمحامون في انتظار «الحيثيات»

طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، النيابة العامة، باستخدام سلطتها في الاستئناف على حكم محكمة جنح المقطم، أمس، ببراءة المتهم بالتحرش بمريم شوقي،…

3 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن