5 محطات نودع بها قطار كُهنة
#204|دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
يودع بلال حسني «قطار أبو قير» الذي لن يروح محطاته، بل سيُكَهن، اليوم، بعد تمرغه في الميري لسنوات، حسب الخطة المُعلنة، ليكون السكندريون على موعد جديد مع «التطوير» حتى يحل مترو محله. الرحلة الأخيرة مسافتها خمس محطات، وكاتبها قاد هذا القطار سابقًا أو كاد أن يفعل، لأنه مثل أغلب الكُتّاب لا نعرف بدقة ما حصل لهم فعلا أو ما هو فيكشن.
# دليل #قراءة
القطار ربما يكون هو أقدم صورة عندي ارتباطًا بفاتح الشهية، هذا بالأخص موجه لمَن يتذكرون جملة أمهاتنا لنا في الصغر «القطر رايح فين؟ المحطة!»، وهي تمد ذراعها بملعقة الأكل، بكل رائحة البهجة التي تملأ الذاكرة وتأتي من الطبق الأبيض المصنوع من الخزف والمُطعم بالألوان الزاهية لشعار روميو وجوليت، طبق مُعبأ بالأرز والخضار ونسائل اللحم التي بُرّدت بنَفَس ماما. تلك الوجبة الخفيفة والتجريبية قبل وجبة الغذاء، والتي تسبق وصول بابا من شغله، كانت بمثابة القطار، والمحطة هي أفواهنا التي لم تسوّد بعد من التدخين الشره كصبغة وقود الديزل. كان، ولا يزال، القطار فاتح شهية السكان والوافدين للحركة في المدينة.
مع بداية عامنا هذا، أعلنت وزارة النقل المصرية البدء تدريجيًا في رفع خدمة القطار الداخلي لمدينة الإسكندرية، «قطار أبو قير»، تمهيدًا لإنهاء العمل به، وإعلان الجدول الزمني لمشروع إنشاء المترو، الأول من نوعه في المدينة، «أمل السكندريين» كما تقول مانشيتات الجرائد.
يعود تاريخ إنشاء محطة قطار الإسكندرية (محطة مصر) إلى عام 1856، بقرار من الخديوي عباس حلمي الثاني، والتي تُعد أقدم محطة قطار في إفريقيا.
ومع الوقت، بدأ زحف جديد للطبقة الوسطى في المدينة، كأن أبناء الطبقة لن يدركوا امتداد العمران إلا بوجود القطار، ولن يفهموا معنى أن تكون مسافرًا حقيقيًا إلا باستخدامه، حتى ولو لمسافة 20 كيلومترًا تقريبًا، التي تربط وسط المدينة بأقصى شرقها على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
كان لا بد من وداع أخير للقطار، ونهيئ جراچه بداخلنا.
محطة مصر
هي كل ما ينبغي أن تكون عليه المحطة، قاعة كبيرة غير مُعادية للمناخ، تشعر بإغراء شديد بالبقاء فيها، وبالحظ الجميل الذي يجعل الركاب ذوي المزاج السيء يحاوطون من كل اتجاه، لا تواصل، لا تخاطر، صامتين كالقبر، الابتسام في وجه الركاب غير مقبول. الجميع يتخذ مكانه استعدادًا لدخول القطار إلى المحطة، ثم يتجولون، لدقائق، على الرصيف لاختيار العربة المفضلة لهم.
يبدأ مسار القطار الداخلي من محطة مصر، حتى وقت قريب كان عبورك من الميدان يمثل أعجوبة.
الجمع الذي يحيط الحديقة المقابلة يتآلف من كل المنبوذين، عادةً لا تجد بينهم الشحاذين، كما أن الباعة المتجولين يفترشون الأرصفة بعيدًا عنهم، وهذا الجمع يبحث عن الصحبة أو الجنس، لا غرابة أن يفاجئك واحدٌ منهم بتعبير يطالبك أن تندمج معه، وتجد حلولًا لحكاية لم تُقص عليك، يعرف أن تلك الأمور البدائية أو الطفولية تناسب اللحظات التي تسبق ذهابك إلى المحطة أو خروجك منها، نبكي، نهرب، نودع أحباءنا وأصدقاءنا، ثم نمشي على رصيف المحطة، بنفس الايقاع الهادئ والقاتل لحظة خروج القطار ثم نجري ونهرول خلفه.
إن الفرق بين راكب القطار وراكب الميكروباص شاسع للغاية، وهما الوسيلتان الأهم في الحياة اليومية للموظفين والطلبة -ركاب الأتوبيس يمتنعون- راكب الميكروباص مواطن منظم، يذهب إلى العمل في موعده، مواطن عملي، يواظب على تنظيف الجير من أسنانه كل ستة أشهر، لو اشترى سيارة، سوف يركنها ويوقّف ميكروباص من أجل اللحاق بميعاده، يهتم بتناول وجبة إفطار تساعده على حرق الدهون. راكب القطار مسألة أخرى، يهتم باللحظات الأولى للنهار، وتناول وجبة الإفطار المُفضلة: يسخن الزيت في الطاسة، يحمّر شرائح البصل، وقبل أن يكتسب لونه الأحمر، يسقط فصوص الثوم. راكب عدمي النزعة، يعرف أن كل الطرق تؤدي إلى وجهته، لماذا التغيير، هناك دائمًا مطب غير منطقي على الطريق سوف تجتمع عنده كل الميكروباصات المسرعة والمتأخرة عن الوصول، لذلك يجب عليه أن يعطي للقطار وقته المفترض الوصول فيه، إن ما يميز القطار أنك سوف تكون في النقطة التي تريد الوصول إليها في الموعد المحدد، ليس هناك ما يمكنك فعله، لو كنت مسافرًا حقيقيًا سوف تتقبل الأمر.
بديهي أن مجتمعًا جديدًا سيتشكل بعد الانتهاء من مشروع المترو، العمارات التي تدير ظهورها إلى وجهة مسار القطار، لأنه ليس الجزء الجميل من الإسكندرية، سوف تُستمال للنظر إلى مسار المترو، أو على الأرجح هدمها وبناء عمارات تطل بملء بلكوناتها عليه، كما هو الحال حينما كان الوضع بعد إنشاء خط السكك الحديدية أول مرة، هناك مقاربات لا نهائية بين القطار والمترو، لكن ما سوف ينتهي مع القطار كمنظومة، هو شكل الموت من خلاله، هناك ميل عجيب لدى العجائز والمراهقين للوقوف على حافة أبواب عربات القطار المفتوحة، هي الرياضة المفضلة لممارسة الموت اليومي المحتمل، تبدأ بالاستناد على باب القطار أو اللعب به، ثم تتطور إلى التأرجح، ثم يلي ذلك السماح لجسمك أن يتدلى خارجه ثم هووب.. لا تحاول، الأبواب ثقيلة جدًا في دفعها، كما أنها أُعيد ترقيعها عدة مرات داخل ورش الهيئة، بحيث يصعب فهمها، وسقطت أوراق الشجر ومخلفات الركاب في مجراها، وتكاد تكون نمت بداخلها حشائش من قشر اللب واليوستفندي. ترك الأبواب مفتوحة يرتبط بمعتقد الركاب هنا حول أن أشباح القطار تمر بنفس سرعته، ويجب علينا ترك منافذ لها. هناك ألعاب جنونية لا يمكن حدوثها إلا داخل القطار، ومع ذلك هي ألعاب وجودية هادئة، كالقفز من قطار لآخر لقطارين يتوقفان في المحطة، قفزة بدون دافع، إثارة للعمود الفقري، ثم العودة مرة أخرى إلى القطار. على الرغم من أن لا شيء يضاهى رؤية المناظر الحضرية من القطار، إلا أن قطارنا لا يطل على أي منها، جانب موحش، ربما لهذا السبب وُجدت تلك الألعاب.
تمكّن الركاب الساخرين من مهندسي محطات القطار من ابتكار اختصارات خرسانية توفر لهم اللحاق بالقطار، بعيدًا عن الجهد والوقت المبذول للدخول والخروج الآمن للمحطة، لا زلت أعجب بهندسته تحديدًا تصاميم درجات السلالم التي تسمح بقدم واحدة بالعبور فوقها من رصيف المحطة مرورًا بقضبان القطار حتى الخروج من المحطة، أشعر بجمالياته الخطرة حين أفكر أن النزعة الهندسية لإنسان المدينة تتخطى أحيانًا مساحة التشجير ومكان ركنة السيارة حول منزله، وتمتد لترسم طريق العودة والذهاب داخل مدينته، نحن مدينون لهم باعتبارهم خط الدفاع الأول لرسم الطرق، بالطريقة التي تناسبنا، وأنه لا يزال لدينا أصابع تمتد في أي لحظة من أجل التدمير الذاتي.
محطة الحضرة البحرية
بعد انطلاقه، يرسم القطار مسارًا يقسم فيه المدينة لشطرين، قبلي وبحري السكة، قسمة غير عادلة، بحري السكة هي الرأس، وقبلي هو قولون الإسكندرية، من المهم أن تبقي بعض المناطق في المدينة غير مأهولة بالسكان، خاصة حين تقع تلك المناطق في قلب المدينة، وليست في مكانها الطبيعي على الأطراف، مثل مجموعة متراصة من المصانع المهجورة أو المتعثرة، أو متاهات على شكل أزقة حول المقابر القديمة، أو أحياء السفارات والمباني الحكومية غير الخدمية، وكذلك المنطقة بين محطتي مصر والحضرة، هي الجزء الأكثر وعورة في المسار كله، يتوقف فيها القطار أحيانًا ليسمح بخروج قطار آخر يستخدم نفس المسار. منطقة تتعدد فيها مسارات القطار الداخلي ومسار القطار بين المدن، بين الحشائش والقطارات المهجورة، النزول هناك هو اختبار قوي لمشاعر الخوف من المجهول، بامكانك أن تبقى هناك للأبد، وبما أنه لا يمكن المكوث هناك لوقت أطول، ولا يمكن الوصول إلى هناك إلا عبر القطار وعبر توقفه اضطراريًا عند هذه النقطة، لا يبدو أن هناك ما يمكن فعله غير العودة لعربة القطار. في غضون سنوات قليلة، حين يتم الانتهاء من مشروع مترو الإسكندرية بديلًا عن القطار، سوف يتم تسويقها للسكن كما لو أنها منطقة ريفية هادئة.
محطة السوق (باكوس)
الملجأ الكبير الذي يمتد من المحطة الرئيسية إلى المحطة الأخيرة، يشكل مدينة طولية تحدها من الجانبين الأسوار التي تمتد لمسار شريط القضبان حتى نهايته، الذين يسكنون العشش الصفيح هم الأطول تاريخًا واستقرارًا، لا يضطرون للنزوح مثلما يضطر سكان العشش وسط البيوت والخرائب، بسبب العمران الجديد ومشروع حياة كريمة، هم في معزل عن ذلك كله، وهم أيضًا غير مُجبرين على الميثاق الاجتماعي أو الاندماج، بامكانهم تقضية أعمارهم في مدينة داخل المدينة، يحصلون على جنات خضراء تنمو باستمرار حول القضبان، تتجدد ولا تذبل، يربون الكلاب والماعز، الأسوار على الجانبين ليست هي التي تعزلهم فقط، بل الزبالة أيضًا التي يلقيها الركاب وسكان العمارات المجاورة، لقد تراكمت عبر سنوات طويلة جدًا، جُرفت بحثًا عن الثمين، وحُرقت بشكل دوري، حتى شكلت قطعًا صغيرة مهولة العدد، تتلألأ ويشتد لمعانها أكثر مع ركوبك القطار الأخير، تشبه المرايا التي تلمسها لينسحب جسدك من خلالها لعالم فضي آخر، سكان العشش الصفيح هناك يواجهون أوغادًا معروفين، ومن عائلات معروفة تسكن العشش وعربات القطارات المهجورة والمشاتل الرديئة، لهم كبير ومجالس عرب وأحكام تُنفذ، لقد طافوا البحر الأبيض المتوسط قبل أن يتواجدوا هنا نيابة عنا، أعتقد أنه لا يمكن اعتبار عدم السفر أمر سيء للغاية حين تنظر إليهم، اكتشفت أن الانبهار بالسكك الحديدية هو إمكانية البوح بسر غامض لشخص غريب، وحتى ولو لم تبُح له بسرك. إذا سلمنا بأن تلك الفكرة تمر بكل عقل راكب للقطار، وأن لهذه الفكرة طاقة، فهي التي تشكل الغلاف الجوي لمسار تلك المدينة الطولية.
محطة الرمل الميري
كانت مدرستي في المرحلة الإبتدائية تقع أمام محطة قطار الرمل الميري، والتي تحمل نفس الاسم، الرمل الميري، لو أن لمصر يافطة -كالتي تُعلق على أبواب المحلات ذات الوجهين، اسبقنا إلى الصلاة، سلي نفسك بمراقبة الطريق- سيُكتب على وجه من وجهي اليافطة عبارة: بلد الميري.
لازلت أجد الأمر غريبًا حين أفكر أن هناك أطفال من المدرسة لم تستهوهِم القطارات تمامًا، عادةً لا يتخلى الطفل حتى سن التاسعة أو العاشرة عن اللعب بالقطارات، اللعبة القديمة قدم القطارات نفسها، لعبة الطفولة المبكرة، مثلًا في لعبة المسدسات أنت تقيم استراتيجية حرب، وفي لعبة أدوات الطبيب أو الطباخ أنت تستخدم السماعة الطبية على القلب وتطبخ سمكة وثمرة باذنجان بلاستيكية. أما في لعبة القطارات، وبعد الانتهاء من تركيب القضبان في مسار دائري لا ينتهي، والضغط على زر التشغيل أسفل كابينة القيادة، أنت تبتهج فقط لرؤية القطار وقد تحرك في مساره للأبد، دون تواصل -ولو تخيلي- مع السائق، دون نزول في المحطة، بمنطق اللعب كما هو في الواقع، كل ما تستطيع فعله غير ذلك هو الرهبة المبهمة من القطار ثم تخريبه أو رفعه من الخدمة! إذا علمتني المدرسة شيئًا فهو أن التزويغ منها وجهته دائمًا محطة القطار، كنت انضم عند الأرض المهجورة خلف المحطة إلى قعدة العجائز حول كوخ وهم يلعبون السيجا، برسمها على الرمل.
تخيل! أول معلم تعرفت عليه في هذه السهرات اسمه «كتلة»، رجل لم يخرج من المحطة أبدًا، ينكمش على نفسه فيشبه قفص العصافير. وفي الليل، كان يؤلف الأغاني، ويغنيها للقطط هناك.
بس يا قطة بس
أنا بآكل عيش ومش
لو كنت بآكل سمك
كنت اديتك القشر
ذات يوم من أيام التزويغ، انزلقت وسقطت أسفل القطار، وحين سُحبت بأعجوبة في اللحظة الأخيرة قبل انطلاقه، شعرت غريزيًا أنني أصبحت مخلدًا، لقد مت الميتة الأولى ولن تعود للظهور مرة أخرى. ظللت أعود إلى هذه المحطة، الرمل الميري، بعدما تركت منزل أسرتي وانتقلت لمنزلي الذي تصادف أنه كان يطل أيضًا على محطة قطار آخر، وأحيانًا حين اضطر للخروج ليلًا لشراء علبة سجائر أو تونة، كان مجرد الشعور أنني متصل بمنزل الطفولة عبر القضبان التي تصل محطتي الحالية بمحطتي الماضية يُطمئن ويُهدئ روحي، كنت أشعر بسعادة غامرة، رياح طيبة وأخبار من الأهل تصلني من هناك عبر القضبان. ما يصيبك من لعنة القطارات هو مراقبتها، شعرت بالبؤس والغباء للقيام بشيء مثل ذلك.
في سنوات المراهقة كنت أعلم أنني أريد أن أجرب قيادة القطار، تسطحت فوق عربة القطار للهجوم عليه. المهاجمون لا يعتدون من أجل المال، بل لأن هذا الشعور بالطيران مبهج وغريب بشكل لا يُوصف، جرى إنزالنا من فوق القطار، وترحيلنا داخل القطار، لكي يسلمنا المفتش إلي قسم الشرطة، هذه المرة الوحيدة التي قُبض عليّ فيها. لقد أُجبرت أنا وأصدقائي على الجلوس في وضع القرفصاء بجوار كابينة القيادة، لكن سائق القطار كان له رأي آخر؛ لقد قدم لي هذا الرجل العجوز فرصة لقيادة القطار وإعطاء التعليمات. بالطبع فكرت في البداية في رغبته بالتحرش بي، لكن تبدد ذلك حين قرر عن عمد ترك كابينة القيادة الرومانية وابتسم لي من بعيد، كنا نتظاهر أنه ترك لي حرية التحكم تمامًا، لقد سمح لي باستخدام السرينة، لقد عبرت بصدق عن صراخي عبرها. كان السائق مضحكًا، ينطق حرف القاف في كلامه، تظاهر بأنه سوف يفصل عربة القيادة عن القطار، وقد صدقته وشعرت بانتشاء وعدم اتزان مثل سيجارة الحشيش الأولى، وأن الشرارة التي بيننا أضاءت يومه.
المحطة الأخيرة
إذا كان هناك مكان متبقي لمشاعرنا القديمة عن القطار، فهي تتحرك مع المسار الأخير، المحطة المثالية هي المحطة النهائية، الوحيدة التي تفضي إلى البحر، في هذا الثلث الأخير للمسار، يختفي الملجأ المفتوح، وتنتهي صلاحية قانون تقسيم المدينة إلى قبلي وبحري السكة، وتتكشف إسكندرية؛ حدائق قصر المنتزة، جراج القطار الملكي، مقابر المعمورة البلد، ميناء أبو قير. تبدو كمدينة صغيرة مهجورة، عربة عاطفية ومتهالكة، وتشعر بالخجل من تعملقك أمامها.
لا أحد يقود سيارته في هذا الجزء الأخير إلا ويشعر بالرغبة في سباق مع القطار، الطريق مفتوح، كأنه يلاحق شخصًا بداخله، يطارده أو لم يودعه لا يستعمل سائق القطار السرعة القصوى، بل على العكس يفرغ الزمن الذي وفره طوال المسار، محطة تلو الأخرى لكي يصل في موعده المحدد في نهايته. بعد غلق المحطة الأخيرة، الكثيرون لم ينتبهوا إلى إغلاقها، هناك وافدون إليها كل يوم، هادئة مثل عادتها، تملأها أعقاب سجائر الانتظار، وعلى الناحية الأخرى كاريتة يدفعها حصان لتصل بك إلى نهاية الإسكندرية.
بعيدًا عن التأليه الحي للقطار، تراكمت كارثة السكك الحديدية عامًا بعد آخر، بسبب الإهمال وسوء التخطيط. يستغرق استيعاب الكارثة كالعادة وقتًا أطول من العمر، على هاتفي أرقام هواتف لمعارف أُزهقت أرواحهم بسبب القطار، لقد سمعنا جميعًا قصصًا كثيرة، لقد هز ذلك عالمي.
لا أظن أن ركاب القطار ذهبوا لتوديعه، أننا في حالة تخلى دائم، حالة تمنعنا من الاستعمال الأخير، أُغلق الثلث الأول من مسار القطار/ الرأس، ثم تبع ذلك إغلاق الثلث الأخير من المسار/الذيل، حتى أصبح مسار القطار، الذي ترسخ في أذهاننا بالوصول إلى أبعد مكان، في آخر مشاويره مسارًا يضيق بك بين نقطتين، مثلما جاء في مسلمة اقليدس، الذي عاش في الإسكندرية قبل 300 عام من الميلاد، لا فرصة لوداع القطار الآن.
لقد وقعت في النعاس، نوع من النعاس مرتبط بالقطار، وفي المنام يزورني بائع القطار. مشط جيب مشط شعر القطط السحري فرشة الهانم فرش هدوم، مثل رسم غير مكتمل، بطارية ساعة قلم بساعة خمس غيارات منبه بومة بزمبلك معايا كمان السبحة الإلكترونية. لا يعطيني فرصة للتجاوب مع بضاعته، معايا سواك مصلية جيب. لا ينظر في عيني أصلًا، معايا مسواك سعودي الأصلي، لا يضع حدًا بين ذاته والبضاعة، لبان دكر معايا، موس حلاقة معايا جوانتيات، معايا طقم فونيا مفتاح بيبة مفك براغي براس مغناطيس. ثم أشرد في انتقالاته بين الجمل، إنه يرغب بحق أن- روبرتسون فيلبس بوزيد ريف معايا فريسون مفك أربعة راس- أن أنفعه بأي شيء. زعافة عادية، زعافة سقف، زعافة لوتس مقبض تلسكوبي. ثم يتوقف عن الكلام، ويبدو الآن أنني أمام شكوى مسجلة، ويدرك أنه يتجول داخل حلم أحد الركاب، ثم يتجاهل الأمر وينتقل للزبون التالي.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن