عقبات أمام مقترح وقف إطلاق النار مؤقتًا في لبنان
أعدت الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الأطراف الإقليمية، على عجل خلال الأيام الأخيرة، اتفاقًا لوقف إطلاق النار لمدة 21 يومًا على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان، بهدف «فتح الطريق للحوار والتفاهم»، وفقًا لمصدر يشارك بشكل مباشر في المفاوضات، ونائب برلماني عن حركة أمل اللبنانية.
وتشن إسرائيل، منذ الاثنين الماضي، آلاف الغارات الجوية على جنوب وشرق لبنان، كما شنّت غارات جوية على العاصمة، بيروت، في محاولات لاغتيال قادة حزب الله، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 650 شخصًا وإصابة ثلاثة آلاف آخرين، ونزوح نحو 400 ألف شخص حتى الآن، مع استمرار القصف المُكثف على لبنان.
قال الرئيس الأمريكي، جو بايدن، خلال مؤتمر صحفي بالولايات المتحدة الأمريكية، مساء أمس، إنه «يمكن أن أقول إننا نستطيع أن نُصدر بيانًا لوقف إطلاق النار لمدة 21 يومًا على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية. تمكنا من الحصول على دعم كبير من أوروبا وكذلك من الدول العربية. من المهم ألا تتسع هذه الحرب. سيكون لديّ المزيد لأقوله عن هذا الأمر غدًا».
جاءت تعليقات بايدن بعد وقت قصير من خطاب وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي أعلن خلاله عن أن وقف إطلاق النار «ممكن». «في الأيام الأخيرة، عملنا مع شركائنا الأمريكيين على وقف إطلاق نار مؤقت لمدة 21 يومًا للسماح بالمفاوضات»، حسبما قال بارو للمجلس.
كانت فرنسا طلبت، الاثنين الماضي، عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمناقشة ما يحدث في لبنان، بعد أن شنت إسرائيل هجومًا كبيرًا عبر الحدود، بعد ما يقرب من عام من الاشتباكات المحدودة مع حزب الله المدعوم من إيران.
وبحسب المصدر المُشارك في المفاوضات، فإن الهدنة ستسمح للطرفين بمناقشة قضايا جوهرية، لكنها لن تتعجل في التوصل إلى أي اتفاقات بشأن الحدود، موضحًا أن هناك الكثير من الضغوط على حزب الله وإسرائيل لقبول وقف إطلاق النار، إلا أنه قد لا يصمد، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اطلع على كل تفاصيل الاتفاق المقترح، إلا أنه انتقد اقتراحًا بوقف الهجوم.
في المقابل، نفى مكتب نتنياهو، صباح اليوم، في بيان، الأخبار المتداولة عن وقف إطلاق النار مع حزب الله، مؤكدًا «الأخبار حول توجيه مُفترض بتخفيف حدة القتال في الشمال هي أيضًا أخبار غير صحيحة. رئيس الوزراء أصدر تعليماته لجيش الدفاع الإسرائيلي بمواصلة القتال بكل قوة، ووفقًا للخطط المُقدمة إليه سابقًا».
المسؤولون الإسرائيليون برروا ما حدث خلال الأسبوعين الماضيين من عدوان -تضمن تفجير أجهزة لاسلكية مُفخخة بالمتفجرات، والتي قتلت المئات وشوهت الآلاف- بأنه «تهدئة من خلال التصعيد»، وأضاف المسؤولون، الذين تحدثوا إلى «أكسيوس»، أن إسرائيل تعتقد أن ممارسة المزيد من الضغوط على حزب الله قد تدفعه إلى الموافقة على اتفاق دبلوماسي من شأنه إعادة المواطنين إلى شمال إسرائيل وجنوب لبنان بغض النظر عن المفاوضات المُتعثرة لوقف إطلاق النار في غزة.
في حالة دخول اتفاق وقف إطلاق النار لمدة 21 يومًا حيز التنفيذ، فإن جوهر المناقشات اللاحقة سيُركز على إبرام اتفاق من شأنه أن يمنع حزب الله من التقدم نحو الحدود الشمالية لإسرائيل، لتسهيل عودة السكان الإسرائيليين الذين أُجبروا على مغادرة مدنهم بعد 8 أكتوبر من العام الماضي، وفقًا لدبلوماسي مصري في إحدى العواصم الخليجية ومُطلع على المحادثات السعودية والفرنسية والأمريكية، ووفقًا كذلك للمصدر المُطلع على المحادثات.
رغم ذلك، وحتى مع وقف إطلاق النار لمدة 21 يومًا، فإن التوصل إلى اتفاق أكبر سيواجه عقبات كبيرة، وفقًا لمصادر مطلعة على المحادثات، تحدثت إلى «مدى مصر» من عواصم مختلفة في الأيام الأخيرة. ومع محاولة التحركات العسكرية الإسرائيلية فرض أمر واقع على الأرض، فإنها تترك مجالًا ضئيلًا لحزب الله، المعزول بشكل متزايد، للمناورة دبلوماسيًا.
يقول دبلوماسي عربي مُقيم في نيويورك لـ«مدى مصر» إن جوهر هذه المبادرة الدبلوماسية يمثل محاولة لتجنب «كارثة كبيرة في لبنان قد تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة ونزوح جماعي للمدنيين»، فيما يرى الدبلوماسي المصري أن إسرائيل «ستستمر في ضرب الأراضي اللبنانية بهدف إجبار مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان على مُغادرة مدنهم والعودة إلى ما وراء نهر الليطاني، وهي الحدود التي تطالب بها إسرائيل كحد أقصى لانتشار قوات حزب الله. وسوف يقترح المفاوضون الدوليون على مفاوضي الحزب قبول الأمر الواقع لأنه لا مفر منه».
ويُشكّل نهر الليطاني مرجعًا رئيسيًا للخط الأزرق الذي فرضته الأمم المتحدة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ليكون بمثابة «خط انسحاب» لقوات الاحتلال الإسرائيلي التي غزت لبنان عام 1982.
ولا يزال الخط موضع نزاع، مع استمرار إسرائيل في احتلال قرية الغجر ومزارع شبعا والتلال المحيطة بكفر شوبا، واستمرار الدعوة إلى التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701، والذي ينص على نزع سلاح جميع الجماعات المُسلحة في لبنان، وقصر نشر القوات جنوب نهر الليطاني على قوات اليونيفيل والقوات المسلحة اللبنانية فقط. في المقابل، تعهد حزب الله بعدم وقف عملياته طالما تحتل إسرائيل لبنان.
ولا يتوقع الدبلوماسي العربي، ويوافقه في الرأي دبلوماسي لبناني كان مُقيمًا في عاصمة غربية ومصدر سياسي قطري، أن ينجح الاقتراح الدبلوماسي بشأن إنفاذ قرار الأمم المتحدة.
«ليس من الواقعي أن نتوقع من الأمم المتحدة أو حتى من مجلس الأمن الدولي أن يدفعا نتنياهو إلى وقف الحرب أو منع الغزو. ولست مُتأكدًا من أن بايدن يستطيع أن يفعل هذا أيضًا»، يقول الدبلوماسي العربي، فيما أوضح المصدر السياسي القطري أن قطر حريصة على لعب دور الوسيط، لكنها «تريد ضمان حق لبنان في الحفاظ على حدوده أمام ووراء نهر الليطاني، لأنه أرض لبنانية وللبنان الحق في الاحتفاظ بها».
«الوساطة صعبة حاليًا لأن الحزب لن يقبل شروط إسرائيل بسهولة، ويبدو أن الحل [الإسرائيلي] هو إضعاف حزب الله، حتى يختفي شيئًا فشيئًا»، يقول المصدر. ولكن على المدى القصير، لا يبدو أن مفاوضات الاتفاق الأكبر ستشهد أي نجاح، بحسب رأيه.
وبدلًا من أي تحرك دبلوماسي، يقول الدبلوماسي اللبناني إن ما تفعله إسرائيل هو «رسم خريطة جديدة للبنان»، مضيفًا «معلوماتنا تقول إن قصف المواقع وحتى المنازل سيستمر حتى يرفع حزب الله الراية البيضاء، وبالتالي ستفرض إسرائيل شروطها، وهي الخريطة الجديدة. لا مجال للمفاوضات الدبلوماسية مع نتنياهو، ومن يعرف تاريخه جيدًا يفهم ما أقوله. نحن في لبنان نتوقع الأسوأ لأن الرد الدولي مجرد كلام للإعلام والرأي العام. وكما رفض فكرة التفاوض مع حماس، سيرفض التفاوض مع لبنان»، فيما قال الدبلوماسي العربي إن «الشعور العام هو أنه سيكون هناك غزو بري ما لم يتخذ حزب الله قرارًا بالتحرك إلى ما وراء نهر الليطاني».
من جانبه، قال دبلوماسي أممي في المنطقة تحدث لـ«مدى مصر»، الاثنين الماضي، إن المسؤولين اللبنانيين والفرق الدبلوماسية والأمنية التابعة للأمم المتحدة يتوقعون بشدة أن تقوم إسرائيل بغزو بري.
وفي مواجهة عدوانية إسرائيل، يبدو أن قدرة حزب الله على المناورات العسكرية والدبلوماسية صارت محدودة بشكل متزايد.
جزء من السبب قد يكون الموقف الإيراني العلني المُفاجئ، ففي مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، قبل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، أثار الرئيس الإيراني المنتخب حديثًا، مسعود بيزشكيان، ضجة بسبب رده على السؤال: «هل ستنصح حزب الله بضبط نفسه؟ نحن نعلم أن إيران لديها تأثيرًا كبيرًا على حزب الله».
رد بزشكيان كان أن «حزب الله لا يستطيع أن يقف وحده في وجه دولة مُسلحة حتى النخاع ولديها القدرة على الوصول إلى الأسلحة الأكثر تفوقًا في العالم. الآن، إذا كانت هناك حاجة لذلك، فلا بد أن تعقد الدول الإسلامية اجتماعًا من أجل صياغة رد فعل على ما يحدث. والآن، إذا كنا نتحدث عن حزب الله، فماذا يستطيع حزب الله أن يفعل بمفرده؟ إن الدول الإقليمية والإسلامية لا بد أن تجلس معًا وقبل أن يحدث أي شيء أكثر خطورة، أعتقد أن المنظمات الدولية يجب أن تجتمع -عقدنا اليوم بالفعل اجتماعًا في الأمم المتحدة مع السيد غوتيريش [السكرتير العام للأمم المتحدة]- وغدًا سوف نرى مثل هذه المناقشات والموضوعات تحدث، ويجب ألا نسمح بأن يتحوّل لبنان إلى غزة جديدة على أيدي إسرائيل. إن حزب الله لا يستطيع أن يفعل ذلك بمفرده. لا يستطيع أن يقف بمفرده ضد دولة تدافع عنها وتدعمها الدول الغربية والدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وتزودها بالسلاح».
وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أشار بزيشكيان إلى استعداده لاستئناف المُحادثات بشأن الاتفاق النووي الذي تعثر في السنوات الأخيرة بعد انسحاب الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، من جانب واحد من اتفاق عام 2015.
«نحن مستعدون للتعامل مع المشاركين في الاتفاق النووي لعام 2015. وإذا تم تنفيذ التزامات الاتفاق بالكامل وبحُسن نية، فيمكن أن يتبع ذلك حوار حول قضايا أخرى»، قال بزيشكيان.
دبلوماسي إيراني تحدث لـ«مدى مصر» عقب الخطاب قال إن تصريحات الرئيس الإيراني جاءت من إدراك وفهم أن إيران لا تريد خوض حرب في ظل غياب التخطيط والدراسة الكاملين، «لأن هذا سيكون بلا فائدة وسيؤدي إلى نتائج كارثية، وليس كما فسره البعض على أنه تخلٍ عن حزب الله أو الحرب».
لكن تردد إيران في دعم حزب الله علنًا أثار غضب بعض الأوساط، فوصف الدبلوماسي اللبناني خطاب بزيشكيان بـ«الجبان»، وأنه كان يعني عمليًا أن إيران تقول لحزب الله «أنتم تقاتلون وحدكم»، مؤكدًا «إسرائيل أقوى من الأمس، وغدًا ستكون أقوى من اليوم، خاصة بعد خطاب الرئيس الإيراني».
إيران تعتبر حزب الله جوهرة تاج شبكة المقاومة الخاصة بها، إلا أنها حريصة أيضًا على عدم الخروج من حرب غزة التي استمرت لمدة عام، والتي استدرجت إيران وحلفائها، دون ضمان بعض المكاسب في ترتيبات ما بعد الحرب.
قال مصدر أمني مصري عقد اجتماعات مع مسؤولي استخبارات إيرانيين طوال العام الماضي، والذي تحدث إلى «مدى مصر» أوائل العام الجاري، إن إيران تريد «الاستفادة من الظروف الحالية للوصول إلى تفاهم مع الأمريكيين حول الإطار العام للترتيبات الإقليمية الجديدة بعد الحرب على غزة، وذلك لضمان خفض مستوى التهديدات ضد مصالحها في الخليج والشام واليمن».
وفي النهاية، فإن الهدف الأساسي لإيران هو أن تصبح قوة نووية، وهو ما سيعطيها مقعدًا أفضل على طاولة المفاوضات، وفقًا لدبلوماسي إيراني سابق رفيع المستوى كان يعمل بالمنطقة، والذي لفت إلى أن إيران تحرص على تصدير صراعها مع إسرائيل إلى أطراف أخرى في المنطقة حتى تتحمل تلك الأطراف «الجزء الأكبر من التكاليف العسكرية واللوجستية والبشرية»، بدلًا من أن تتحملها إيران بنفسها. هذا التحوّل في صراع إيران المباشر مع إسرائيل يمنحها المزيد من الوقت لتطوير برامجها المُتعلقة بالطائرات دون طيار، والصواريخ الباليستية والنووية.
ويضيف المصدر أن إيران «تستثمر في الأُطر التكتيكية من خلال المناورات الدولية والاستفادة من المناخ العالمي للضغط على خصومها إلى أقصى حد في المفاوضات المتوقفة بهدف تحقيق تطلعاتها للقنبلة النووية كسلاح ردع حقيقي لمنع أي عدوان على أراضيها».
من جانبه، أطلق حزب الله، صباح أمس، صاروخًا باليستيًا واحدًا، وهو أول سلاح متطور يُطلقه الحزب منذ بدء الحرب في 8 أكتوبر الماضي، مستهدفًا مقر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي في تل أبيب، بحسب بيان للحزب اعتبر الموساد الجهاز المسؤول عن اغتيال قادة الحزب، وتفجير أجهزة الاستدعاء «بيجر» والاتصال اللاسلكي، فيما أكد الاحتلال الإسرائيلي أنه نجح في اعتراضه بسهولة.
مصدر مُقرب من حزب الله تحدث لـ«مدى مصر»، مساء أمس، أوضح أن الحزب سيواصل القتال بأي أسلحة لديه ولن يتوقف طالما استمرت إسرائيل في قصف لبنان، لأن التوقف سيُعتبر هزيمة كبيرة واستسلامًا للعدو، وهو ما لن يرضى به الحزب.
وأضاف المصدر أنه إذا سعت إسرائيل إلى المفاوضات والهدنة، فإن حزب الله مُستعد لإلقاء سلاحه، لأنه لا يريد إراقة المزيد من دماء شعبه. «على الأقل في الوقت الحالي، لن يُعلن حزب الله انسحابه من الحرب، حتى مع استعداده للتفاوض من خلال الحكومة اللبنانية. ومع ذلك، نشك في أن إسرائيل ستستمع، خاصة أن هناك افتقارًا شبه كامل لحُسن النوايا بين إسرائيل والولايات المتحدة. فالأخيرة لا تملك حاليًا سلطة على إسرائيل لكبح جماحها ووقف العدوان على لبنان».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن