يحدث في «الحطابة».. محاولة لتطوير العمران بمشاركة السكان
كانت الشهور الماضية مقلقة للغاية لأهالي منطقة الحطابة، المُصنفة كمنطقة تاريخية، لكنها مُسجلة في نفس الوقت كـ«عشوائيات» من قِبل الحكومة؛ تنامت مخاوف الأهالي مع الإعلان عن الخطوات التنفيذية لمشروع «تطوير القاهرة التاريخية» في ديسمبر من العام الماضي، الذي يهدف لجعل منطقة (الفسطاط، والعسكر، والقطائع، والقاهرة الفاطمية والمملوكية) متحفًا مفتوحًا، وذلك مع إقامة منطقة ترفيهية سياحية لخدمتها، ثم إزالة مقابر صحراء المماليك التاريخية، المُلاصقة للحطابة في إطار مشروع «محور الفردوس» في أغسطس الماضي، وتنفيذ إزالات بالمناطق المجاورة ضمن مشروع آخر هو «تطوير كوبري السيدة عائشة» في فبراير الماضي.
يأتي ذلك وسط تصريحات حكومية متضاربة، أبرزها ما صرّحت به رئيسة حي الخليفة الذي تنتمي إليه الحطابة إداريًا، بأن الأخيرة ستُزال، مع منطقة عرب اليسار توفيرًا لحرم آمن حول قلعة صلاح الدين، كل ذلك عظّم قلق ومخاوف أهالي الحطابة، حتى حُسم الأمر في مارس الماضي بتكليف من رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لمحافظ القاهرة بوقف تصاريح البناء والهدم في نطاق القاهرة التاريخية.

كما صرح مدبولي بأن خطة الحكومة لتطوير القاهرة التاريخية لا تهدف لإخراج اﻷهالي منها، وقد جاءت التصريحات والتكليف خلال زيارة رئيس الحكومة، قبل شهرين، لبعض مناطق القاهرة التاريخية ومقابلته مع معماريين وآثاريين. وخلال تلك الزيارة أيضًا، استمع رئيس الوزراء لمقترحات مشاريع قام بها المعماريون لتطوير مناطق القاهرة التاريخية مثل «باب زويلة»، و«الجمالية»، و«درب اللبانة» و«سوق السلاح». كما عُرض على مدبولي مقترح تطوير «الحطابة» المُقدم من جمعية الفكر العمراني «مجاورة» ورئيستها مي الإبراشي. المشروع هو مقترح عمراني تشاركي مفصّل بدأته «مجاورة»، في 2018، عبر مبادرتها «الأثر لنا»، بالشراكة مع أهالي المنطقة ومع مسؤولي الحكومة، ولا يزال قيد التحديث والتطوير٬ ولكنه بالأساس يحاول إيجاد معادلة تجمع ما بين تاريخ المدينة واحتياج الأهالي والواقع العمراني ورؤية الحكومة.
«رئيس الوزراء أشار إلى الحطابة وعرب اليسار بالاسم وقال مش هيتهدوا، وأنه عايز يطور القاهرة التاريخية ككل، واتكلم عن مشاريع ليها أولوية، منها الحطابة. وإحنا قدمنا مشروعنا، ولقينا رد فعل كويس. بتوع المحافظة كمان أكدوا أن مفيش هدم. الناس هتفضل في المكان، مفيش حد هيمشي، واللي ساكن مخالف أو في بيوت مهدمة هيتنقل لبيوت في نفس المنطقة» تقول الإبراشي لـ«مدى مصر».
هذا التحوّل في رؤية الحكومة اعتبرته الابراشي إيجابيًا، تقول: «التأكيد على الحفاظ على المناطق التاريخية ككل، مش مباني نقول عليها أثرية ومباني لأ، والحفاظ ع النسيج العمراني وضرورة بقاء الناس في المدينة التاريخية، أول مرة يتقالوا بالوضوح ده» تقول الإبراشي.

يعود تاريخ الحطابة قبل مئات السنين، وتحديدًا في الفترة ما بين عامي 868 و905، حين أقام أحمد بن طولون مدينة القطائع، لتكون عاصمة لحكمه، واختار لها مرتفعًا عند سفح جبل المقطم، ثم بنى فيها قصرًا ضخمًا، على مقربة منه استراحة ملكية في المنطقة المعروفة حاليًا بـ«الحطابة». وبعد نحو مئة عام من إنشاء «القطائع»، ومع دخول الفاطميين مصر، بدأ جوهر الصقلي في بناء «القاهرة»، ليرتبط تطور الحطابة بتطور المدينة التي ستصبح لاحقًا عاصمة للدولة الفاطمية، ورابع عاصمة إسلامية لمصر، بعد الفسطاط (641 م)، والعسكر (750 م)، والقطائع.
لا يتجاوز عدد سكان الحطابة حاليًا الألفي نسمة، يعيشون وسط تراث من عصور مختلفة؛ الأيوبي والمملوكي والعثماني، على مساحة لا تزيد على 1325 فدانًا، فيها ستة مبانٍ مسجلة كأثر؛ من قباب ومساجد وأسبلة، بخلاف 45 مبنى متميزًا من الناحية العمرانية، و48 مبنى له قيمة تاريخية رغم امتدادات البناء عليه بأدوار أحدث، بحسب تصنيف أحمد زعزع٬ الباحث العمراني واستشاري مشروع التطوير. وبخلاف تاريخها، معظم تلك المباني لها حكايات شعبية موازية يتوارثها ساكنو الحطابة، مثلما يوضح أحد سكانها وهو محمد خليفة، 31 سنة.
بحسب المشروع٬ المباني في المنطقة بصفة عامة حالتها جيدة، وتحتفظ بطراز معماري متجانس وارتفاعات منخفضة، فيما عدا 20 مبنى بها ارتفاعات زائدة، و32 مبنى متهدمًا جزئيًا، و39 مبنى متهدمًا كليًا.

في محاضرة إلكترونية، نُظمت في 26 أبريل الماضي، شاركت «مجاورة» تفاصيل أكثر عن مشروعها لتطوير الحطابة، وأوضح زعزع الذي قدم المحاضرة أن العملية التشاركية جرت على مدار ثلاث سنوات منذ 2017. وفي مارس 2018 كانت الدراسة الأوْلية لفهم إمكانات وتحديات واحتياجات المنطقة، وذلك قبل تنظيم ورشة عمل مع المسؤولين في سبتمبر من نفس العام، والتي حضرها مسؤولون من الحكومة.
منحت اللجنة الدائمة بوزارة الآثار المشروع موافقتها المبدئية، بالإضافة إلى موافقة الجهاز القومي للتنسيق الحضاري عليه ما بين 2018 و2019، كما عُرض على لجان تطوير القاهرة التاريخية، بحسب الإبراشي. كان ذلك إيذانًا بالبدء في دراسة أكثر تفصيلًا.
وفي 2019 بحسب زعزع٬ «اشتغلنا بشكل مكثف مع السكان، بالنزول للمنطقة، شارع شارع، [ودراسة] كل شارع باحتياجاته والطريقة اللي الناس عايزة تطور بيها. عملنا سلسلة ورش، وبنينا مجسمات للمنطقة، وعرضنا المقترحات ع السكان وهمّا فضلوا يعدّلوا، أو يقولوا مقترحات، أو يلفتوا نظرنا لحاجات، وفضلنا نروح ونيجي لحد ما خرجنا بمشروع تطوير طالع من السكان، واتعرض ع اللجنة الدايمة وخد موافقة، واستكملنا تطويره».
في حين يقول خليفة عن المشروع الذي يراه معبّرًا بشكل حقيقي عن السكان: «مي [الإبراشي] كانت بتمشي بماكيت كارتون، وتجيب شاشة تشرح عليها بالجرافيك تفاصيل المشروع. كانت بتسأل الناس وتعدّ البيوت. أول مرة عملت القعدة في نادي الحطابة الرياضي، والقاعة اتملت، وبعدين ابتدت تتنقل تروح للناس. راحت شوارع الخوخة ودرب الوسطاني ودرب الصهريج والدحديرة والباب الجديد، وكانت بتسمع الناس مش بتتكلم».

بحسب المشروع المبدئي الذي اطلع عليه «مدى مصر»، ومحاضرة زعزع، كان أبرز مطالب السكان في أثناء عملية التطوير التشاركي هو فتح باب القلعة المُطل مباشرة على المنطقة والذي سُمي في عهد محمد علي بـ«الباب الجديد»، وكان وسيط هام في انتعاش المنطقة، فضلًا عن السماح للأهالي بإصلاح منازلهم بعد منع الحكومة المواطنين من أعمال البناء والترميم، والتشجيع على الحرف، وتطوير الفراغات العامة٬ ووجود خدمات صحية ومجتمعية بشكل عام.
يعمل مشروع تطوير الحطابة التشاركي على تطوير مسار سياحي في المنطقة، يبدأ من باب القلعة، ويشمل استخدام الأراضي الفضاء إما للسكن أو للخدمات العامة أو الحرفية، وتحويل المباني المتهدمة وغير الآمنة إلى ورش على طراز تاريخي مُبسط، وتحويل الآثار بالمنطقة إلى متاحف، وإنشاء ثلاثة مراكز تدريبية وثقافية لتنمية المنتجات الحرفية، وتوفير خدمات اجتماعية، ورفع جودة العمران من خلال أعمال التبليط والإنارة خاصة على المسار السياحي، مع إزالة الأدوار المخالفة بالمباني الحديثة، وكذلك التعاون مع الأهالي لإعادة طلاء واجهات المباني، وإعادة صياغة لافتات المحال، إلى جانب إنشاء منطقة تجارية وفنية في الجزء العلوي بالمنطقة عند خانقاه نظام الدين، يشمل رؤية عليا للقاهرة التاريخية، وتكون المنطقة نهاية المسار السياحي.
وعد مدبولي، خلال زيارته، باستحداث كيان واحد حكومي له كل الصلاحيات، يكون هو المسؤول عن إدارة ملف تطوير القاهرة التاريخية، عوضًا عن الجهات الحكومية العديدة المشاركة في المسؤولية عن هذا الملف. اتفق كل من زعزع والابراشي على أهمية وجود نظام شامل لإدارة للقاهرة التاريخية، المدينة وليس مشروع التطوير، يوازن بين التراث والأنشطة السكانية، بحسب الإبراشي.
تتبع منطقة الحطابة إداريًا حي الخليفة في محافظة القاهرة، في حين تتبع أيضًا الأخيرة منذ تصنيفها في 2011 كـ«منطقة خطورة». كما اعتمدها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري كمنطقة ذات «معمار مميز»، فضلًا عن إتصالها بوزارة الآثار لكونها في حرم قلعة صلاح الدين اﻷيوبي.
وكان أول فصول «استهداف الحكومة للمنطقة» السابقة لمشروع تطوير القاهرة الإسلامية القائم حاليًا٬ في 1973 مع قرار «القاهرة» بـ«تخلية المنطقة»، بحسب مشروع الإبراشي. وفي 1979، اختارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» القاهرة التاريخية، والحطابة في قلبها، كجزء من قائمة التراث العالمي، ما أضاف أهمية سياحية للقاهرة التاريخية، وأيضًا ما عنى أن تُوضع معايير واشتراطات من قِبل اليونسكو للحفاظ على المناطق الأثرية، من ناحية المباني والفراغات العامة، والنسيج العمراني، بحسب زعزع.

بعد اشتراطات اليونسكو، منعت الحكومة البناء والترميم في الحطابة لما يزيد على 30 عامًا، ما يراه خليفة في سياق التضييق على المنطقة، التي «فطسها» غلق باب القلعة في بدايات القرن الواحد والعشرين، بحسب تعبيره. «المدرسة والحضانة والجمعية الاستهلاكية قفلوها، ممنوع دخول المياه والمجاري. بنفحت بإيدينا ندخل المواسير، والبيوت فضلت تقع كتير قبل الثورة. إحنا بيتنا وقع في 2008، ورُحنا أجرنا شقة في مدينة السلام، وفضلنا جايين رايحين ع الحطابة، وكنا بنقعد في النُص السليم من البيت، ورجعنا الحطابة في 2010».
استمر التضييق على المنطقة، بحسب خليفة، عبر تجريف الحديقة التي كانت ملاصقة لسور القلعة، بالإضافة إلى إهمال الحكومة لخدمات مثل النظافة. «إحنا ما عندناش صندوق زبالة. بنرمي الزبالة في بيت مهجور، ولما يتملي بنلم من بعضنا ونأجر لودر ونطلعها، هل فيه منطقة تعمل كده؟ هل ده دورنا؟ من سنتين بس جابوا صندوقين زبالة، وحطوا صندوق جنب باب القلعة وبعدين شالوه، عشان يقولوا: شوفوا الناس بترمي الزبالة»
الفصل الثاني جاء في 2011، حين صنّف صندوق تطوير العشوائيات٬ الذي أُنشئ بهدف حصر المناطق العشوائية في مصر وتطويرها٬ الحطابة كمنطقة خطورة من الدرجة الثانية، قبل أن تقرر محافظة القاهرة، في نوفمبر 2017 اعتبار بعض مناطق الخطورة من الدرجة الثانية مناطق إعادة تخطيط، وهو القرار الذي شمل الحطابة وعرب اليسار في حي الخليفة.
الدرجة الأولى في تصنيف الخطورة تشير إلى مخاطر طبيعية كالمناطق المُقامة في مجرى سيل وتحتاج إلى إعادة تسكين. أما الدرجة الثالثة٬ فتشير لمناطق قريبة من خطر صحي كأبراج الكهرباء، وحلها إزالة الصفوف الأولى الملاصقة للخطر أو إزالة الخطر. الدرجة الرابعة هي المناطق التي لا حيازة للبيوت فيها، والتعامل معها يكون بحسب تقدير الإدارة المحلية.
أما الدرجة الثانية على تصنيف الخطورة الذي طال الحطابة من صندوق تطوير العشوائيات فتشير الى مناطق حالة منازلها سيئة، وتشمل 51٪ من المناطق المصنفة ذات خطورة في مصر، بحسب زعزع، الذي يشير إلى أن التعامل مع مناطق تلك الدرجة يتوقف على تقييم حالة منازلها. تتوقف مصائر عدة على هذا التقييم، ولا يحدث بشكل علمي بحسب رأي زعزع.

«إزاي مناطق عشش صفيح تتحط في نفس التصنيف اللي فيه مناطق تراثية، زي الحطابة أو ماسبيرو؟ الواجهة المتشرخة مش معناها إن أساسات المبنى في حالة سيئة. هل بيتمّ الكشف على الأساسات قبل التصنيف؟ هل تقييم حالات المباني تمّ عبر متخصصين إنشاء، وكشفوا على كل البيوت علشان يقرروا إن كانت المنطقة فيها نسبة كبيرة من المباني المتهالكة، وبالتالي تتصنف منطقة خطرة؟» يقول زعزع.
وبالتزامن مع تصنيف الحطابة ضمن مناطق «إعادة التخطيط» لكونها «خطرة من الدرجة الثانية»، في 2017، استمرت محاولات الحكومة لحصر منازلها [بما يهدد بوجود نية للإخلاء]. وجرى هذا الحصر بشكل رسمي في مرات، وبشكل غير رسمي في مرات أخرى عبر أشخاص يدعون أنهم فنانون أو من التعداد السكاني، بحسب خليفة. وكانت إحدى المحاولات الرسمية مصحوبة بقوات أمن، وانتهت بجلوس الأهالي في الطريق لمنع عربات الأمن من الدخول، وقُبض على واحد من الأهالي، ثم أُطلق سراحه لاحقًا، مثلما يوضح خليفة.
وفي 2017 أيضًا٬ أنتج خليفة كليب «الحطابة عنواني»، الذي صوره في المنطقة، بمشاركة عدد من السكان، رفضًا لإزالة المنطقة. «أنا عملت الكليب عشان مالقيتش حد كاتب حاجة، كأن مفيش حطابة أصلًا، وكنت بَشوف اللي بيحصل في ماسبيرو، وإزاي في أيام خطفوا المنطقة وانتهت خلاص». حاولت أيضًا صفحات مجتمعية، في الشهور الماضية، التعريف بالمنطقة والدعوة لزيارتها في محاولة لتسليط الضوء على المنطقة الأثرية الشعبية المتميزة.
في «الباب الجديد»، الشارع الذي ينتهي عند باب القلعة، كانت تجلس الحاجة كاميليا، 65 سنة، وتتساءل: «فين الخطر؟»، وتتابع: «عندنا مش عشوائيات. فين العشوائيات؟ عشان بيت وقع يبقى عشوائيات؟ كل البيوت هنا ليها أوراقها».
تتذكر كاميليا أزمنة سابقة كان الشارع فيها ينبض بالحياة، «المنطقة كانت جميلة وباب القلعة مفتوح، كنا بنملى ميّه من جوه [القلعة]... وكانوا السياح بينزلوا هنا. كان شغل كتير قوي؛ ورش وقهاوي وناس بتبيع أكل. دلوقتي قفلوا، واللي قلب سمكري وفين وفين لما يجيله زبون. لو باب القلعة اتفتح هتشوفي المنظر. الحتة دي آثار. هنا الأساس، إحنا تبع الآثار».
أشار خليفة إلى كشك مغلق في شارع الباب الجديد. «ده كشك أبويا، كان عامل فاترينة بيعمل سندوتشات. مع قفل باب القلعة قفلنا الكشك. ما بقاش فيه سياحة خلاص. ده طبعًا فرق جامد مع المنطقة كلها. كل الحِرف اللي هنا مرتبطة بالسياحة؛ الصدف والرخام والأرابيسك والخيامية. مع قفل باب القلعة الصنعة اختفت. كان فيه ييجي 100 ورشة صدف دلوقتي فيه 10».
أما عم محمد عبد العزيز، 50 سنة، فهو أحد الصنايعية القلائل الذين لا يزالون يعملون بحرفة الصدف في الحطابة. ورشته موجودة منذ 30 سنة. رغم انتقاله للسكن في منطقة البساتين قبل 25 عامًا، يقضي يومه في الورشة، أو في مقهاه المعتاد بالمنطقة، التي لا يعرف غيرها. «يطوّروا.. يعني بيت خرابة ولا مالهوش صاحب يتشال ويتعمل مكانه جنينة ولّا مدرسة. بيت تعبان يهدوه ماشي. بيت يتصلح ماشي»، يقول لـ «مدى مصر»، ويؤكد أن الخامات ومنافذ البيع لمنتجاته كلها ترتبط بالمناطق المجاورة، وهو الأمر الذي ذكره زعزع في محاضرته الإلكترونية سابقًا.

«مباني القاهرة من أول الفاطميين وهي بتتبني بشكل تراكمي. الجامع يتبنى جنبه محلات وبيوت، وبيبقوا جزء من تاريخه والنسيج [الخاص بالمدينة]. قصقصة اللي حواليه بيقلل من قيمته. الشوارع الضيقة والمتعرجة للأحياء التاريخية في القاهرة، صُممت بهذا الشكل لمواجهة العواصف الترابية، والطريقة دي في التخطيط لها قيمة» يقول زعزع الذي يضيف: «النسيج مش مجرد شكل حلو، ده جزء من قصة القاهرة، وتاريخ المنطقة. القصة بتدي قيمة للمكان، والقصة مرتبطة بالإنسان والمكان، والتطوير ممكن يحصل بدون فصل السكان من حياتهم، ومن تاريخهم».

بشكل عام، استقبل الأهالي تكليف مدبولي الأخيرة وتصريحاته بتفاؤل واطمئنان، بحسب الابراشي، التي تضيف أن القلق لا يزال موجودًا لدى السكان الذين تحتاج بيوتهم إلى ترميم عاجل، خاصة مَن اضطروا لترك بيوتهم. القلق والترقب بين الأهالي يعبّر عنه خليفة قائلًا: «مش هنصدق إلا لما نشوف بعينينا. الخدمات ترجع، باب القلعة يتفتح، الترميم يحصل. الخوف والتوتر قلّ، لكن لسه فيه خوف يرجعوا في كلامهم، أو يعتبروا بيوتنا مخالفة أو آيلة للسقوط أو مش أثرية ولا متميزة فيهدوها. إحنا بقالنا أربع سنين محدش بيدهن شقته ولا يرمم مصطبة، وناس أجلت جوازها خوفًا من الإزالة».
أحد سكان الحطابة، وصاحب أحد مقاهيها الصغيرة يُعرف باسم «صالة»، 42 سنة، والذي أُصيب قبل شهور بجلطة أقعدته عن العمل، حين عرف أن إزالة المنطقة أصبحت وشيكة. في المشروع التشاركي الذي أعدته الإبراشي، سيتم تطوير مقهى صالة، مع تغيير واجهته إلى أخرى زجاجية. يعلق خليفة: «هو ده التطوير: مشروع جميل قوي، نرمم البيوت القديمة، والبيوت الطوب الأحمر تتعملها واجهة على الطراز، وترجع الحرف اليدوية، ونستغل الحتت الفاضية، وتتعمل جناين وورش، ونفتح باب القلعة، والمنطقة ترجع»، قبل أن يستدرك: «يارب مشروع مي [الإبراشي] يتوافق عليه زي ماهو كده».
تقارير ذات صلة
«النيل» في مزاد الجيش
مع بداية التحول للنيوليبرالية في بدايات الألفينيات، تغيرت فلسفة الدولة في التعامل مع الفراغ العام.
شقة أصبحت كنيسة.. حتى لا تتكرر مأساة «أبو سيفين»
لماذا استمر تحويل المنازل إلى كنائس في إمبابة؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن