وقصص أُخرى لصنع الله.. عن التحوّل إلى الأدب
هذا النص ضمن تقليب 13# «مُنتهى الأدب»
أتخيله يطارد مسؤولَ النشر بتنظيمه الشيوعي بقصصه في حرّ الواحات حيث يقع سجنهم الذي مكث فيه صنع الله إبراهيم الفترة من 1959 حتى 1964، التي اعتبرها مثل جامعة درس فيها كيف يكون كاتبًا وبحث عن طريقة أخرى بخلاف الممارسة السياسية للاشتباك مع الواقع، «أنا شيوعي أولًا ثم كاتب».
قبل الحبس، يعرض صنع الله على مسؤول النشر قصة غرام رفيقة ورفيق، لكن الأخير اعترض على فكرتها لأنها لا تتماشى مع تقاليد التنظيم، ويبدو أن صنع الله التزم بهذه الملاحظة فلم يفرج عن قصة غرام الشيوعيين هذه في حياته. وسيكون رأي مسؤول النشر حاضرًا في شذرات «يوميات الواحات» حول أغلب أفكار المؤلف عن الأدب، كأنه شريك متورط مع آخرين في مشروع التحول إلى الأدب.
متى بدأت علاقة صنع الله بالقصة؟ بالتأكيد لم تبدأ في الواحات، بل تشكّلت على مراحل أولها محاكاة ألغاز أرسين لوبين البوليسية، التي سرعان ما تجاوزها بكتابة قصة عن فكرة المثال وتطبيقه، وتقدّم بها في مسابقة الكاتب عزيز أرماني -وهو كاتب لا نعرفه عنه إلا أنه ألّف رواية اسمها خذني بعاري- فحاز مركزها الثالث، لكن لم يحصل على قيمتها المالية؛ ثلاثة جنيهات، وهو مبلغ ضخم بمعايير أواخر سنين العهد الملكي.

ثم نحا إلى الكتابة على منوال قصص عبد الرحمن الشرقاوي وعبد الرحمن الخميسي ويوسف إدريس، وحين عرض على الأخير قصة مكتوبة بهذه الطريقة عن شخصية خليل بيه (إشارة إلى والده) تحمّس لنشرها في باب القصة الذي يشرف عليه في روز اليوسف عام 1954، لكن إدريس اعتُقل فلم تُنشر، وتلاه قتل قصة أخرى مع اعتراض مسؤول النشر على القصة إياها.
حين عرض صنع الله قصته من مسابقة أرماني على مسؤول النشر أبدى إعجابًا بها، لكن صنع الله في جامعة الواحات لم يبالِ لأنه تجاوزها، بل دوّن ملاحظات حول أفكار قصص جديدة، وأخرى غامضة عن أسلوب جديد يعتني بإنطاق الشخصيات لتكشف عن مشاعرها الداخلية خلال السرد، ويبدو مصدومًا حين يقرأ مقتطفات من الحلقات المنشورة من طريق نجيب محفوظ، كأنها أفسدت اكتشاف صنع الله في عزلته الجبرية لأسلوب جديد.
في شذرات الواحات نلمح شغف هذا السجين بالأدب عبر إشارات إلى مشاريع مثل تأليف قصص مما يسمعه صنع الله من رفاق السجن عن تجاربهم العاطفية، كأنها شرنقة ينضج فيها هذا الشيوعي ليصبح كاتبًا، وكلما كتب قصة عرضها على مسؤول النشر وغيره من رفاق السجن.
وحين يخرج من الشرنقة في 1964 يجد واقعًا جديدًا: لم تعد هناك وحدة مع سوريا، وتصدر توجيهات عليا بحلّ الحزب، ينتهي العمل السياسي السري، مع وعد بدمج اليساريين في التنظيم السياسي الأوحد، الصراع على أشده بين نفوذ ناصر وعامر، ورواية «الطريق» صدرت كاملة في كتاب، بل يجد أمامه اكتشافات علمية حول الأورجازم والثقافة الجنسية ليقرأها، وصنع الله يتعمّد في أدبه توظيف الجنس رمزيًا، بل أغلب مشاكله الرقابية كانت مرتبطة بمشاهد جنسية، فتبدو المشكلة أخلاقية ومحافظة بينما جوهرها سياسي ضد السلطة الأبوية.
صار صنع الله فردًا، فالتنظيم الذي كانوا يستظلون به لم يعد له وجود، يعيش وضعًا هشًا. يوفق في تأجير غرفة مفروشة في مصر الجديدة، ويكون مُلزمًا بالوجود فيها من غروب الشمس حتى شروقها لخضوعه للمراقبة. ووسط هذه الهشاشة، يعكف على قصص هرّبها زميله في المعتقل حسين عبد ربه، «أقلّب مسوداتها في ملالة وأنا أتساءل عن جدوى كتابة لا تتعرض للصراع الضاري مع الاستعمار، لمحاولات بناء الاشتراكية، وللتناقضات الملتبسة بكل ذلك: الرعب والتعذيب والسجن والموت والشجن الشخصي».. هكذا يصفها في مقدمة إحدى طبعات «تلك الرائحة».
وبعد انصراف الشرطي المُراقب، لا يتقدم في تحرير المسودات التي لا تصارع الاستعمار ولا تبني الاشتراكية فقد «ضاع الوهج الذي لازم العمل فيها بين جدران السجن»، بل يدوّن خلاصة يومه كما اعتاد في المعتقل وحين يتفحص هذه التدوينات يشعر بأنه «أمام مادة خام لعمل فني»، بل «وقعتُ أخيرًا على صوتي الخاص»، وهو ما سيكون «تلك الرائحة» فيما بعد والتي ستضم في كل طبعاتها سواء الأولى المصادرة في 1966 أو ما تلاها من طبعات غير مكتملة في مصر ولبنان قصصًا.
لم تنج من مسودات السجن إلا ثلاث قصص: «الثعبان»، و«أغاني المساء» (63)، و«أرسين لوبين» (1964).
تدور أحداث «أغاني المساء» حين يسترق الراوي -وهو طفل صغير ولن نعتبره صنع الله وإن كان هو- السمع إلى أغاني الراديو المُنسابة عبر النافذة المفتوحة من بيت جارتهم أم زكية. لا يميز الكلام ويركز مع الموسيقى، يفترض أنها أم كلثوم، يحمل نسيم الليل العليل مع الموسيقى أصوات أخرى تمكنه من تخيل ما يحدث هناك دون تلصص، يستخلص منها بسرده معلومات دقيقة كأنه معهم: طنين وابور الجاز، إشعاله، وجيج ناره، الطبخ، وصوت أبي زكية إيذانًا بعودته لمنزله متأخرًا كالعادة، صوت احتكاك ملعقة بطبق إشارة إلى تناولهما الطعام. وأخيرًا صوت قيامهما بأمور أخرى لن نذكرها فالبيوت أسرار. لكن برنامج أغاني وأصوات المساء الذي يقدمه لنا الراوي يحفل بمفاجأة ليست في الحسبان: صفارة تعلن بدء غارة على القاهرة، قد يحول ذلك السرد إلى نوبة هلع، لكن الراوي لا تتغير نبرته، فالوالد لا يهرع بطفليه إلى الملجأ من بيتهم في الطابق الأخير، بل يمكثون في الظلام «خلّي اتكالك على الله» ثم رفع رأسه إلى السماء وهو يشير بإصبعه مؤكدًا.
يصف لنا الراوي كشافات الضوء التي توجه من الأرض إلى السماء لملاحقة الطائرات التي تشن الغارة، يتقاطع ضوء الكشافات، «اهي مسكت طيارة» وحين يكشف الضوء إحداها «أخ.. الطيارة هربت»، نظل مع السرد الممتع لهذه المعركة الدائرة في السماء كأنها شاشة تعرض فيلمًا يستمتع الراوي بحكيه، وليست كارثة قد تدك البيت إذا سقطت قنبلة من الجو كما هو معتاد في الغارات. الوالد يقوم بدوره، يجبر الطفلين على الاختباء أسفل السرير، لكن راوينا المشاغب يتسلل إلى طرف المخبأ المصنوع من أثاث البيت ليتمكن من رؤية السماء، يحكي لنا عن النجوم، ثم يبهرنا بأنه يرى نجمة تتحرك، فيتبين -ونحن معه- أنها «طائرة يهودية» لا يخبر والده أو أخته، ويظل يتابع حركتها والكشافات تلاحقها.
تستمر الأحداث، ويختبئون في الكنيف، وتنتهي الغارة بسلام، وحين يعود إلى السرير مع شقيقته لا تُسمع أغاني المساء تتسلل من راديو جارتهم.
في هذه القصة الممتعة سرد ممتع وهادئ، يركز السرد على شعور الشخصيات بما حولها رغم تزامن الأحداث مع غارة في برنامج المساء، (هل هذا ما قصده بالأسلوب الجديد؟) وراوٍ بلا نبرة ساخرة أو مشاكسة بل يكاد يكون مستسلمًا لبراءة وحس الاكتشاف المناسب لمثل هذا السن. لكن في قلب القصة طفولة مُهددة بالتفجير مثل ما يتوارى وراء روح المستكشف اللاهي في «أرسين لوبين»، ففيها يتحرك الراوي الطفل بحثًا عن لغز لم يقرؤه من سلسلة المغامرات البوليسية، مع أن الأحداث المحركة للقصة مُقبضة للغاية فهو يذهب مع والده إلى المحكمة للقاء أمه، يسرد الأحداث بشكل ضبابي فلا نعرف ما يحصل، لا نعرف بدقة سبب فراق الوالدين. حين يخبره الوالد بأنه سيرى أمه، يبدو الراوي متلهفًا، مما يعني حدوث انفصال، وحين يذهب للقاء أمه يبقى الوالد بعيدًا، فنتبين أن ما تنظره المحكمة أمرًا كطلاق أو وصاية ويخمن القارئ أنها حُسمت لصالح الوالد، حيث يخرج الراوي من المحكمة معه مثلما دخل. لا يعتني صنع الله بتفسير كل هذه التفاصيل الغامضة بل يتعمد الإبهام، فما يهمه هو إبراز أن الراوي لا يشغله إلا الحصول على مغامرة جديدة لأرسين لوبين لمدارة البؤس الذي يغلف القصة. وكل هذا مقصود بحرفية عالية، فلا خاف مؤلفها من اتهامه بالغموض لا سمح الله، ولا اعتنى بمشاعر القارئ.

في إحدى شذرات الواحات يكتب صنع الله أنه يعمل على «رواية طويلة مكونة من حوالي عشر قصص قصيرة مستقلة في الظاهر. هي فترة حارة المرصفي. وتلعب فيها الشكولاتة والأغاني أدوارا رمزية. ففي بدء الرواية في القصة الثانية تمثل الشكولاتة بشاعة الحرب والواجهة الحلة». والحارة المقصودة تقع في منطقة العباسية، وبحسب ما يحكي في مقدمة «يوميات الواحات»، فقد غادرها صنع الله مع والده وأخته الصغرى في 1950، أي حين كان عمره 13 عامًا. وعن هذه التجربة نجده يصف ما يكتبه وقتها هكذا: «أشعر أنني أكتب شيئًا مختلفًا تمامًا عن العنكبوت لا أدري كيف. فلا يوجد البناء المعين (المقيد؟) أو التوتر العنيف في العنكبوت، إني أكتب الآن بنوع من الحزن الخفيف والحنين الدافق ولا أبحث عن موقف أو قمم وإنما أحاول أن أترك نفسي تنساب… وأشعر أني من زمن أريد أن أكتب هكذا».
تأتي سيرة «العنكبوت» كثيرًا في شذرات الواحات ويبدو أنها قصة مقتولة وكانت ضحية قراءة صنع الله لطريق محفوظ، ويحتمل كذلك أن تكون قصتَا «أغاني المساء» و«أرسين لوبين» من النصوص العشرة التي قصدها صنع الله في شذرته، فـ«الثعبان» غير مستوحاة من عالم الطفولة، بل استلهمها من أجواء السجن والمرة الوحيدة التي غادر الواحات إلى مستشفى في أسيوط لإجراء عملية جراحية. لكن هذه القصص معًا تكشف قدرات صنع الله في تكثيف السرد، فرغم غلبة الرواية على مشروعه، إلا أن قصصه غنية مشبعة لافتة، ومنها قصة بديعة كتبها في برلين 1969، «بعد الظهر، عبر ثلاثة أسرة»، وأخرى كتبها في 1982، وضمهما إلى طبعة 1986، وفي الأخيرة نكون مع الراوي وزوجته في رحلة سياحية إلى اليونان، لكن الشجون العامة تنغص مُتع الرحلة، فيتقاطع مسارها مع أخبار حرب لبنان الأهلية، وقصف آلة القتل الإسرائيلية لبيروت، وتطبيع مصر للعلاقات مع إسرائيل، وفرص العمل المربحة في الخليج، وآثار الثراء السريع من تحرر بورسعيد من التعريفة الجمركية، وإضراب عمال الفندق اليوناني ضد مالكيه الجشعين، كل ذلك مكتوب بأسلوب محايد وذكي وممتع، فلا افتعال أو اختلال لتوازن السرد، ولا نبرة تحريض تعلو، ولا نشعر بغموض أو اختزال، بل نقرأ كتابة ممتعة وصافية، ضُفرت بوعي وحساسية مع شجون عامة. حين تخبر الزوجة الراوي بأنها نزفت كثيرًا، يخبرها بأنه نزف أيضًا، هكذا يأتي التأثير دون شرح، أو مواربة، لكنه يحدث.

هل انتهت علاقة صنع الله بالقصص مع كتابه الأول متعدد الطبعات؟
في مقدمة صنع الله لطبعة «تلك الرائحة» الكاملة (1986) كما أعلن غلافها بخطوط الفنان بهجت عثمان، يحكي أن المترجم دنيس جونسون ديفيز قتل «الشكولاتة» حين كان يترجمها إلى الإنجليزية، وألح على المؤلف بكتابة أخرى جديدة «لكني لم أتمكن. عندئذ فكرت في تضمين الموقف الأساسي لقصة الشكولاتة بالرواية »، وقد كان، ويبدو أن قصص صنع الله ظلت حية في مشروعه، فالنصوص التي قُتلت أو لم تُنشر أسكنها أعمالًا أخرى مثلما حدث مع قصته عن خليل بيه التي شكلت مع نصوص وخبرات أخرى نواة «التلصص» بعد ما يزيد عن 50 عامًا، وربما نسج من «العنكبوت» خيوط رواية أخرى سنكتشفها لاحقًا، فلا شيء يضيع تمامًا في الأدب.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن