تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ورقة من ملف «الضباط الأحرار»: لماذا 23 يوليو ولماذا خالد محيي الدين؟ (2- 2)

ورقة من ملف «الضباط الأحرار»: لماذا 23 يوليو ولماذا خالد محيي الدين؟ (2- 2)

الحلقة السادسة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 13 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.

راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضا أهم الأحداث.

راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى. 

في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة أتناول مذكرات خالد محيي الدين، ليس فقط بسبب دوره في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بأخطر انقلاب عسكري ما زلنا نعيش في تداعياته حتى اليوم، بل أيضًا بسبب انتمائه لليسار وتأسيسه لحزب التجمع. 

لقراءة الجزء الأول هنا.

caption

تسارعت الأحداث على نحو مخيف حقًا، فقد بات معروفا أن السراي على علم ومتابعة لتحركات الضباط الأحرار كتنظيم داخل الجيش، خصوصًا بعد اللقاء الذي جمع بين اللواء محمد نجيب وأحد الوزراء القريبين من السراي، وعرض فيه الأخير الوزارة على نجيب لاسترضاء الجيش، لكن نجيب رفض بلا تردد. وفي نهاية اللقاء حرص الوزير أن يرمي بجملة كأنها أفلتت منه، مفادها أن السراي لديها قائمة بأسماء 12 ضابطًا هم المسؤولون عن الحركة..

من جانب آخر استطاع نجيب بصعوبة أن يسُرّ لجمال عبد الناصر بهذه الأخبار، مما دعا عبد الناصر للدعوة لاجتماع فوري للجنة القيادة، تقرر فيه أن يكون التحرك بهدف الاستيلاء على السلطة، أي انقلاب وليس مجرد سيطرة على المنطقة العسكرية، لإملاء المطالب حسبما كانوا قد قرروا في اجتماعهم السابق.
عُقد اجتماع آخر في 20 يوليو، بعد أن علموا من مصادر مؤكدة أنه سيتم تعيين  حسين سري عامر وزيرًا للحربية، وهو من أشدّ أعداء الضباط الأحرار، وفهموا الرسالة جيدًا، وهي أنهم سيواجهون رجلًا مهمته الأولى تصفيتهم..وهكذا تحدد يوم 23 يوليو كموعد نهائي للتحرك، قبل أن يُطاح بهم.

خُطة الانقلاب

 ثم عُقد الاجتماع الأخير للجنة القيادة في بيت خالد محيي الدين في الثانية بعد الظهر وحضره عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وكمال الدين حسين وعبد اللطيف البغدادي إلى جانب خالد بالطبع. غاب إذن في الاجتماع كل من جمال سالم وصلاح سالم وأنور السادات لأسباب مختلفة، بينما حضر كل من زكريا محيي الدين وعبد المنعم أمين وإبراهيم الطحاوي- من خارج لجنة القيادة- للمناقشة التفصيلية لأدوارهم في خطة التحرك بعد ساعات.
أما الخطة كما عرضها زكريا محيي الدين فتنقسم إلى ثلاث مراحل. الأولى السيطرة على الجيش من خلال تحريك بعض القوات إلى مبنى القيادة واقتحامه والاستيلاء عليه، وفي الوقت نفسه يتم اعتقال أكبر عدد ممكن من كبار القادة لمنعهم من تحريك قوات مضادة. المرحلة الثانية الدفع بقوات إلى الشوارع للسيطرة على مواقع محددة مثل الإذاعة وقصر عابدين وغيرهما. وأخيرًا المرحلة الثالثة وهي التحرك لعزل الملك.

ويضيف خالد محيي الدين أن عبد الناصر كان قد اتصل بالإخوان ليبلغهم بالتحرك، ويطلب منهم المساعدة إذا تحرك الإنجليز، كما أرسل شقيقيه عز العرب وشوقي لمقابلة أحمد حمروش في اليوم السابق، وهو أحد المسؤولين عن قسم الجيش في «حدتو» وعضو تنظيم الضباط، ليطلبا منه السفر إلى القاهرة للقاء عبد الناصر. وبعد اللقاء سارع حمروش بإبلاغ أحمد فؤاد الذي قام بدوره بإبلاغ الرفيق بدر سكرتير «حدتو».

وكما هو واضح فإن الهدف هو تحصين التحرك سواء بالاتصال بالإخوان أم منظمة حدتو لطلب المساندة، وفي الوقت نفسه كانت هناك اتصالات سابقة غير مباشرة  أخرى قد تمت بالفعل مع السفارة الإنجليزية والأمريكية.

المفاجأة أن خبر التحرك كان قد تسّرب ووصل إلى الملك قبل الساعة السابعة مساء من خلال مصدرين. وتحركت السراي بسرعة، وكلف الملك وزير الحربية بإحباط الحركة، فقام الأخير بعقد اجتماع فوري لأركان حرب الجيش في مبنى القيادة. أما بالنسبة للضباط الأحرار، فلم تكن هناك أية فرصة لتغيير الخطة أو مواجهة تحرك الملك المضاد، والقادة العسكريون المكلفون من الملك بالتحرك المضاد، وصل بعضهم إلى مقر اجتماعهم، وكان من المتوقع أن يبدأوا في العاشرة مساءً في تنفيذ خطة مضادة.

تم الاتصال بنجيب على الفور، كان رأيه الإسراع باعتقال أولئك القادة فورًا. كيف يمكن تحقيق فكرة كهذه؟ المثير للدهشة أن عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، خرجا بملابسهما المدنية في سيارة جمال «بأمل أن يلتقطا أي خيط من قواتنا ليدفعاه إلى الإسراع نحو كوبري القبة (مقر قيادة الجيش) واعتقال كبار الضباط قبل إفسادهم لخطتنا»، كما يقرر محيي الدين.

البكباشي يوسف صديق

المفاجأة التالية كانت أكثر قوة من الأولى، بل كانت هي التي قلبت الموازين. باختصار كان يوسف صديق قد تحرك بكتيبته مبكرًا ساعة واحدة، بسبب الخبر الخاطئ الذي وصله أن التحرك في الحادية عشرة مساءً وليس في الثانية عشرة.. مجرد خطأ، لذلك تحرك ركب كتيبة المدافع ماكينة من الهايكستب في الحادية عشرة، وفي الطريق قام يوسف صديق باعتقال قائد فرقة عسكرية ونائبه كانا يتجهان للوحدات العسكرية وقيادتها لمواجهة التحرك..

وعندما اقترب موكب الكتيبة من مقر قيادة الجيش، شاهدها عبد الناصر وعامر، واحتارا لوجودها مبكرة واقتربا منها، وارتاب الجنود بسبب الملابس المدنية التي يرتديها ناصر وعامر وألقيا القبض عليهما، لكن يوسف صديق تعرّف عليهما بالطبع وأمر بإطلاق سراحهمأ.

وهنا تم اكتشاف الخطأ الذي أنقذ الحركة، وتوجه كل من عامر وناصر لارتداء ملابسهما العسكرية، بينما أسرع صديق لتوزيع قواته استعدادا للاقتحام، في الوقت الذي كانت فيه قوات الأسلحة المختلفة تتحرك حسب دورها المحدد في الخطة، وتم اعتقال عدد من القادة كانوا متجهين إلى مقر قيادة الجيش.

يصف محيي الدين ما جرى داخل قيادة الجيش بعد الاقتحام على النحو التالي:

«جلس يوسف صديق على مقعد رئيس أركان حرب الجيش، وبدأ يصدر أوامره من هناك. ولعل جلسته هذه كانت تعني الكثير، صحيح أنها لم تكن تعني أننا انتصرنا بشكل كامل، لكنها كانت تعني -على الأقل- أن أخطر مركز للسلطة سقط في أيدينا، وأنه لم يعد في القاهرة مركز آخر يستطيع أن يعطي أوامر مضادة لحركتنا»، ويضيف «وبهذا المعيار يمكن القول إن يوسف صديق قد حقق عملا تاريخيًا تمامًا، وأنه قد أسهم بشكل كبير ومباشر في إنجاح حركتنا، وقد كانت شجاعته الحاسمة والآسرة في آن واحد من عوامل نجاحنا».

من جانب آخر تحسم شهادة محيي الدين ثلاث وقائع ثار جدل بشأنها بين من كتبوا شهاداتهم من قبل. الأولى تتعلق بوصول أنور السادات متأخرًا بسبب ذهابه للسينما مع زوجته وافتعاله مشاجرة ليثبت بمحضر الشرطة أنه كان بعيدًا، مما تسبب في تأخره عن موعد التحرك، وعندما عاد إلى البيت كانت الساعة قد بلغت الواحدة والنصف صباحًا مما يعني تأخره ساعة ونصف الساعة، ووجد عند وصوله للبيت ورقة من عبد الناصر تبلغه بضرورة الحضور فقد بدأت الحركة فعلًا. ولا غبار على افتعاله مشاجرة لتأمين نفسه، كما يضيف خالد أن السادات كان على علاقة وثيقة بضابط الملك يوسف رشاد، ومع ذلك لم يكشف له الأسرار التي يعرفها، ومنها مثلًا معرفته بأعضاء مجلس القيادة. فالسادات بريء في شهادة خالد.

الواقعة الثانية هي ارتداء ناصر وعامر الملابس المدنية قبل ساعتين أو ثلاث من موعد التحرك، ويفسّرها البعض بأنها  تعني أنهما كانا يريدان التخلص من المسؤولية في حالة فشل الحركة. ويرى خالد أن هذا التفسير خاطئ تمامًا، فعبد الناصر كان معروفًا لكل مجلس القيادة والكثيرين من الضباط من خارجه، إلى جانب أنهما لم يكن لديهما في الخطة أي قوات ليتحركا بها، وكان أسهل بالنسبة لهما أن يرتديا ملابس مدنية لإبعاد الشبهات عنهما وهما يتحركان بالقرب من قيادة الجيش، بعد أن علما بتسرب خبر التحرك ووصوله للملك.

الواقعة الثالثة تتعلق بالدور الذي لعبه اللواء محمد نجيب، ومحاولة البعض التقليل منه. يقول خالد إن نجيب عندما علم بخطة التحرك طلب أن يشارك في تنفيذها «لكننا كنا نريد أن نبعده عن أي مشاركة فعلية عن عمد لنضمن سلامته حتى يمكنه في لحظة انتصارنا أن يتولى القيادة».

الحكام الجدد

وتسارعت الأحداث بعد إذاعة البيان الأول في الإذاعة.. توالى إعلان وحدات الجيش وجامعة الإسكندرية وعدد من النقابات تأييد الحركة، كما اتصل الضابط مصطفى صادق عم الملكة ناريمان بنجيب ليسأل عن طلبات الحركة، فطلب نجيب عزل قائد الجيش وتعيين قائد جديد من الحركة، ووافق الملك على الفور وعيّن نجيب، والمطلب الثاني كان إقالة وزارة الهلالي وتعيين علي ماهر، فوافق أيضًا، والثالث إبعاد حاشية الملك فوافق. وأدركوا أنه منهار تمامًا، ويفتقد لأي مساندة من الإنجليز أو الأمريكيين، فكلاهما لم يكن مستعدًا للوقوف مع ملك يكرهه الجميع، وأتيحت له عدة فرص ليستعيد شعبيته لكنه ضيعها جميعًا بنزق وفجور، فضلًا عن أنه كان هناك ما يشبه التفاهمات الضمنية مع الإنجليز والأمريكيين.

يؤكد محيي الدين في شهادته أن التداعيات التي أعقبت نجاح الانقلاب لم يكن مخططًا لها، وأنهم استجابوا كيفما اتفق، ولم يكونوا قد فكّروا في المعضلة المطروحة أمامهم، وهي مصير الملك، الذي بدا منهارًا كما سبق أن أشرت، وقرروا فجأة أن يسافر عدد منهم إلى الإسكندرية حيث يقيم فاروق لطرده وليس مجرد عزله. كلّفوا وكيل مجلس الدولة بكتابة صيغة التنازل على العرش ومغادرة البلاد قبل الساعة السادسة مساءً، ووافق الملك ووقع على التنازل لولي عهده الرضيع مع تشكيل مجلس وصاية.

منذ تلك اللحظة تبدأ مرحلة جديدة، وأثيرت عدة أسئلة وانقسم الضباط وبرزت الصراعات. وعلى سبيل المثال: هل يُدعى مجلس النواب ويتشكل مجلس وصاية ويعود الجيش إلى ثكناته، ويبدأ عصر جديد من الحريات والديمقراطية بعد التخلص من الملك الفاسد؟ ومن يضمن ألا يتكرر فساد الحياة السياسية في ظل الأحزاب القائمة؟ هل الحل تطهير الأحزاب ومحاكمة من اعتبروا مسؤولين عن الفساد؟

لكنهم في أول الأمر ومنتهاه عسكر، ولم يكن التخلي عن السلطة بعد الحصول عليها سهلًا، خصوصًا وأنهم استهلوا عهدهم بمحاكمة وإعدام عاملين -خميس والبقري- شاركا في إضراب مصانع كفر الدوار بعد أسبوعين من توليهم السلطة، ليكون هذا العقاب عبرة لمن يعتبر.

على أي حال، وأمام التدخل السافر اضطر رئيس الوزراء للاستقالة، ووجد الفقهاء الدستوريون موادًا قانونية يتم بها ترقيع حل يقضي بتشكيل اللواء محمد نجيب للوزارة وتأجيل الانتخابات. وهنا بدأ خلاف بين الإخوان والضباط على الرغم من مبادرة عبد الناصر بالموافقة على تعيين اثنين من الجماعة في الوزارة، ورشح لهم الهضيبي -المرشد- كلا من الشيخ الباقوري وأحمد حسني ووافق نجيب، لكنهم عادوا وبينما كان الوزراء يستعدون لحلف اليمين، وطالبوا بتغييرهما، فرفض الضباط غاضبين بالطبع. وفي الوقت نفسه بدأ الصدام مع الشيوعيين الذين وقفوا مع حركة الضباط، حسبما ذُكر من قبل، وصودرت على سبيل المثال مجلتين لمنظمة حدتو، ويؤكد محيي الدين في شهادته أن «التمايز» بين موقفه وموقف زملائه بدأ واتسع بعد ذلك.

خالد محيي الدين ومجلس القيادة

ومن المثير للدهشة مثلًا، وفي أحد اجتماعات مجلس القيادة، أن يصل الأمر  بالمجلس أن يطلب إيقاف أي علاقة بين خالد محيي الدين وبين عضو حدتو البارز أحمد فؤاد، وبعد ممارسات أخرى من مجلس القيادة، أبرزها اقتراح تقدم به سيد قطب، الذي كان آنذاك مستشارًا للضابط الإخواني عبد المنعم عبد الرؤوف،  المشرف على وزارة الشؤون الاجتماعية، وكانت «مصلحة العمل» تتبعها.. اقتراح بمنع قيام اتحاد عام للعمال. هذا وغيره من الممارسات، واجهه خالد بالوقوف في وجه النزوع الاستبدادي والديكتاتوري الذي يمارسه الضباط، وقام بتقديم استقالته المسببة، إلا أنها لم تُقبل.

يؤكد محيي الدين في شهادته أن الموج المعادي للديمقراطية كان عاليًا، والأحزاب السياسية استسلمت استسلامًا مدهشًا، كما أن اللواء نجيب كان من أبرز المتحمسين لانفراد مجلس الثورة بالسلطة، والإخوان المسلمون حرضوا ضد الحياة النيابية والأحزاب السياسية.

وانتهى كل ذلك بإعلان الجمهورية وتعيين نجيب رئيسًا للجمهورية ولمجلس الثورة معًا، وهو ما أدى إلى تفجر الاحتجاجات من جانب سلاح الفرسان الذي يتمتع فيه خالد بنفوذ واحترام، بل وحوكم بعض الضباط المشاركين. كذلك بدأ صراع بين نجيب وعبد الناصر بسبب نفوذ الأخير في مجلس القيادة. كان لنجيب شعبية بين الناس، وكان حريصًا على التواجد الإعلامي، ويتابع ما تنشره الصحافة عنه وما تبثه الإذاعة من خطاباته، فبدأ عبد الناصر في حصاره إعلاميًا، وهو ما أدركه نجيب الذي فاجأهم بتقديم استقالته، معتمدًا على شعبيته الجارفة، كما أنه يتمتع بأقوى نفوذ في مسألة السودان.

وفي 25 مارس 1954 أذيع نبأ قبول استقالة نجيب، وكان رد الفعل من جانب الجماهير الوقوف معه وتأييده، واضطر مجلس القيادة للتراجع عن قبول الاستقالة، وتوجه وفد منهم إلى نجيب، كان من بينه خالد لإقناعه، ووافق على العودة بعد إلحاح..

أزمة مارس

وفي الوقت نفسه، انفجر خلاف عنيف، ليس داخل مجلس القيادة فقط، بل أيضًا بين وحدات الجيش وبين مجلس القيادة. كان هناك انقسام بالفعل، إلى الحد الذي جعل خالد يقول لعبد الناصر: «إيه يا جمال.. حتسيب البلد تحصل فيها مذبحة؟»، وأجاب عبد الناصر: «والله أنا مش فاهم حاجة»، والأغرب من كل ذلك أن كمال رفعت وحسن التهامي توجها إلى منزل مجمد نجيب واختطفاه وتحفظا عليه في قشلاق المدفعية.

وبعد كل ذلك عاد نجيب ولم يكن ممكنًا عزله أو الإطاحة به بسبب المظاهرات التي طالبت بعودته، وفي اليوم التالي لعودته كانت المظاهرات المؤيدة لعودته كاسحة وخرج عشرات الآلاف، وتوجه لهم نجيب من شرفة قصر عابدين ليحييهم وبجواره ممثل الإخوان عبد القادر عودة الذي ألقى خطابًا حماسيًا ويؤكد نفوذ الإخوان.

عاد نجيب وعاد مجلس القيادة، وبدأ تدبير شيء ما في الخفاء.

وفي شهر واحد -مارس- جرت أحداث تتجاوز ما جرى من أحداث منذ نجاح انقلاب 23 يوليو. أولًا صدرت قرارات في 5 مارس مضمونها عودة الحياة النيابية وإجراء انتخابات وانتخاب جمعية تأسيسية.

بعد صدور تلك القرارات التي كانت تعني عودة الجيش إلى ثكناته في النهاية، تم تدبير مظاهرات عمالية ضخمة، شارك في الإعداد لها ضباط من هيئة التحرير، وهي  أول تنظيم سياسي للضباط بعد إلغاء الأحزاب وكان هدفه -الذي لم يتحقق أبدًا- أن يملأ الفراغ. هتفت المظاهرات ضد عودة الديمقراطية، بل وتوجهت إلى مجلس الدولة، بعد سريان شائعة تفيد بأن عبد الرازق السنهوري باشا رئيس المجلس يُعدّ قرارات عودة الديمقراطية ورحيل الجيش إلى وحداته، وقام المتظاهرون بضرب السنهوري وإهانته، واعترف عبد الناصر لخالد فيما بعد أن هذه المظاهرات كلّفته أربعة آلاف جنيه، كما رتّب لعدد من الانفجارات المحسوبة التي تثير الخوف والقلق في البلد. وعاد مجلس القيادة ليعلن التراجع عن قرارات 5 مارس، وحسمًا للأمور تم اعتقال نجيب وتحديد إقامته في بيت تملكه زينب الوكيل في ضاحية المرج التي كانت تبعد عن القاهرة آنذاك. ومنذ هذه اللحظة حُددت إقامته وأمضى 18 عامًا معتقلًا حتى أفرج عنه السادات.

كتب محيي الدين: «وهكذا فإن عبد الناصر إذ رتّب للرجوع عن القرارات الديمقراطية، كان يستند إلى ميزان قوى لصالحه، فمعه أغلبية ضباط الجيش، ومعه قطاع كبير من الجماهير الشعبية، ومعه قطاع من الطبقة الوسطى، ومعه أيضًا الصحف والإذاعة والأمن والمخابرات وهيئة التحرير»، ويضيف «ولا بد من الإشارة هنا إلى أن مصطفى وعلي أمين وغيرهما من كبار الكتاب في الأهرام والأخبار والجمهورية كانوا يؤيدون مواقف عبد الناصر».

لم يكن هناك مفر من أن يستقيل خالد، فقد دأب في مجلس القيادة على الإعلان عن رأيه في ضرورة عودة الديمقراطية، وتعرّض للهجوم بل واتهمه البعض بالخيانة وتم الاعتداء الجسدي عليه، وكان قد قدّم استقالته من قبل ولم تُقبل، لكنها قُبلت هذه المرة.

نهاية لا مفر منها

وهكذا في 2 إبريل توجه خالد سيرًا على الأقدام إلى بيت عبد الناصر القريب من منزله. وعندما أخبر عبد الناصر باستقالته وافق عليها على الفور، لكنه طلب منه السفر للخارج لأن وجوده يسبب مشاكل، وأنه غير راغب في الصدام معه. وافق خالد وطلب السفر إلى باريس، ورفض عبد الناصر لأن بها «حركة سياسية يسارية نشيطة، وسوف تدفعك للانغماس فيها، وأنا أفضل أن تكون في مكان هادئ». واتفقا على أن يكون المنفى في سويسرا، واختتم عبد الناصر حديثه بأن طلب من خالد أن يرسل له كل ما يعتقد أنه مفيد من كتب ومجلات!!

في الصفحات الأخيرة من سيرة محيي الدين هناك واقعة شديدة الغرابة تتعلق بعودته من المنفى في ديسمبر 1955. وكان قد تلقى بعد استقراره في منفاه رسالة من هنري كورييل، أحد مؤسسي منظمة حدتو الذي تم إبعاده عن مصر عام 1950 وأقام في باريس، إلا أن صلته بمصر وبالسياسة لم تتوقف، وتم اغتياله من جانب متطرفين فرنسيين بسبب مساندته لاستقلال الجزائر عن فرنسا. يؤكد محيي الدين أنه لم يكن قد رآه من قبل، وأن الرسالة حملتها له ديدار فوزي (الزوجة السابقة للضابط عثمان فوزي، صاحب الأيادي البيض على خالد ولطالما أمدّه بالكتب اليسارية والمنشورات المختلفة.)

كانت الرسالة من جملة واحدة:« كورييل يريد أن يراك»..

تم ترتيب اللقاء في قرية على الحدود الفرنسية قريبة من جنيف، وكان معه صحفي فرنسي يدعى روجيه فايان. باختصار طلب منه كورييل ضرورة العودة إلى مصر لأن الخلاف بينه وبين عبد الناصر قد انتهى وأنه يخوض الآن معاركه ضد الاستعمار والرجعية، ويجب أن يكون بجواره في تلك المعارك وأن الوطن يحتاجه.. وما إلى ذلك.

على أي حال أرسل خالد رسالتين متتاليتين ووافق عبد الناصر على عودته. لا تعليق مني على هذه الواقعة، وأكتفي بإبداء دهشتي الشديدة.. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن