هل يكفي الإشراف القضائي وحده لانتخابات رئاسية نزيهة؟
استهل مجلس أمناء الحوار الوطني عمله، مارس الماضي، باقتراحه على الرئيس عبد الفتاح السيسي مطالبة البرلمان بتعديل قانون الهيئة الوطنية للانتخابات، لاستمرار الإشراف القضائي الكامل على الاستحقاقات والاستفتاءات، المقرر انتهاؤه في 17 يناير المقبل. واعتبر المجلس أن هذا المُقترح يعبر عن إجماع كامل بين كل أطراف الحوار الوطني.
المنسق العام للحوار، ضياء رشوان، برّر المقترح بأن الإشراف القضائي ضمانة لطمأنة المصريين أن لديهم «انتخابات حرة نزيهة أمام الجميع»، وهو ما رد عليه السيسي في اليوم التالي، بتوجيه للحكومة والأجهزة المعنية بدراسة المقترح وآلياته التنفيذية.
بعد ستة أشهر، لم يقترح الرئيس أو الحكومة أو البرلمان أية تعديلات تخص إشراف القضاة على الانتخابات، فيما أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات في 20 سبتمبر الجاري، إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة بنفس الآلية التي تمت بها الانتخابات الرئاسية السابقة والاستفتاءات على التعديلات الدستورية.
الإشراف القضائي الكامل لم يمنع الشكاوى والطعون في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، والتي تركزت في تباين النتائج بين اللجان الفرعية واللجان العامة، والتوسع في السماح للمواطنين بالتصويت خارج لجانهم الأصلية، ما فتح باب التشكيك في صحة نتائج بعض الدوائر .
يقول مدير مؤسسة دعم العدالة، ناصر أمين، لـ«مدى مصر» إن «الإشراف القضائي الكامل يمثل في بعض الأحيان تضليلًا للرأي العام في حالة عدم نزاهة الانتخابات»، موضحًا أن السلطة التنفيذية تمتلك الكثير من أدوات التأثير على نتائج الانتخابات قبل وأثناء وبعد عملية الاقتراع. بحسب أمين، كان ذلك من بين أسباب تخلي الدستور الحالي عن نظام الإشراف القضائي الكامل، واستبداله بنظام الإدارة المستقلة للانتخابات الذي تتولى خلاله الهيئة الوطنية للانتخابات الإدارة والإشراف على الانتخابات والاستفتاءات من خلال أعضاء تابعين لها.
ويشير أمين إلى أن دستور 2014 أخذ بنظام الإدارة المستقلة للانتخابات والتخلي عن الإشراف القضائي الكامل لأول مرة في التاريخ السياسي المصري، وذلك على اعتبار أن وجود إدارة مستقلة للانتخابات لا تتبع أي جهة حكومية وتُطبق ضمانات للنزاهة كفيل بتحقيق الثقة في العملية الانتخابية.
نَص الدستور وبعده قانون الهيئة الوطنية للانتخابات بأن «يتم الاقتراع، والفرز في الانتخابات، والاستفتاءات التي تجرى في السنوات العشر التالية لتاريخ العمل به تحت إشراف كامل من أعضاء الجهات والهيئات القضائية». وبعد انتهاء تلك المهلة في يناير 2024، نَص الدستور على أن «يتولى إدارة الاقتراع، والفرز فى الاستفتاءات، والانتخابات، أعضاء تابعون للهيئة تحت إشراف مجلس إدارتها، ولها أن تستعين بأعضاء من الهيئات القضائية».
يحدد أمين أسباب اختيار لجنة إعداد دستور 2014 لهذا النظام في عدد من الأسباب، منها ضرورة خروج القضاء من الصراع والجدل السياسي، فضلًا عن أن قيام القضاء بمسؤولية الانتخابات، بما تشمله من إجراءات تحتاج إلى وقت طويل، يعطّل مرفق العدالة المتخم بآلاف القضايا، ما يؤثر سلبًا على حقوق المواطنين في التقاضي. يشير أمين أيضًا إلى أن استهلاك السلطة القضائية في عمليات انتخابية متلاحقة.. رئاسية، ونيابية، ومحلية، وعمالية، وغيرها مثل انتخابات النقابات، والنوادي الرياضية، هو عبء كبير على سلطة مهمتها الأولى الحكم بين الناس، وحفظ الحقوق القانونية للمواطنين.
مصدر قضائي تحدث لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، أوضح أن الدستور لم يلغ الإشراف القضائي، وإنما كلّف الهيئة الوطنية للانتخابات بإعداد كوادر متخصصة في إدارة شؤون الانتخابات من غير القضاة لتقليل الاعتماد على القضاة بالتدريج، غير أن الهيئة، بحسب المصدر، تقاعست عن هذا الدور طوال السنوات السابقة.
وفيما لم يتطرق المدير التنفيذي للهيئة، المستشار أحمد بنداري، في أول مؤتمر صحفي لها الأربعاء الماضي، إلى النص الدستوري، واكتفى بالتأكيد على استمرار الإشراف القضائي الكامل، قال عضو سابق بمجلس إدارة الهيئة لـ«مدى مصر» إن إمكانيات البلاد والموازنة المخصصة للهيئة لم تسمح بتنفيذ النص الدستوري وتعيين كوادر جديدة.
ويوضح عضو الهيئة، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن «الوطنية للانتخابات» لها مقر عبارة عن طابقين في مبنى بشارع قصر العيني، وأن عدد الموظفين الدائمين بالهيئة بما فيهم مجلس الإدارة والجهاز التنفيذي والجهاز المعاون لهما لا يزيد عن 30 شخصًا، والأصل أن جميع المشاركين في الإشراف على الانتخابات سواء قضاة أو موظفين معاونين لهم يتم انتدابهم وقت الانتخابات فقط، مقابل مكافأة مالية، وحصولهم على تدريبات في إدارة العملية الانتخابية قبل تولي مسألة الإشراف على الانتخابات، بحيث يترأس القضاة اللجان العامة والفرعية ويعاونهم في كل لجنة عدد كاف من الموظفين. «منقدرش نعيّن كل الناس اللي هيشاركوا في الإشراف على الانتخابات. إحنا محتاجين حوالي 18 ألف قاضي وأكثر من 75 ألف موظف فهل يعقل تعيينهم بشكل دائم؟»، يقول عضو الهيئة السابق.
حاول «مدى مصر» التواصل هاتفيًا مع المستشار أحمد بنداري، ومع عضو الجهاز التنفيذي والمسؤول عن الإعلام بالهيئة، المستشار علاء قنديل، لمعرفة موعد تنفيذ الالتزام الدستوري والضوابط التي اتخذتها الهيئة لتلافي الطعن على صحة إجراءات الانتخابات، غير أننا لم نتلق ردًا حتى كتابة هذه السطور.
وعلى عكس هذا الرأي، يرى ناصر أمين أن الدستور لم يلزم فقط بوجود كوادر خاصة (من غير القضاة) للإشراف على الاقتراع والفرز داخل اللجان العامة والفرعية في الفترة التالية ليناير 2024، إنما ألزم كذلك بأن يضُم تشكيل مجلس إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات شخصيات عامة من المستقلين والمتخصصين وذوى الخبرة في عملية الانتخابات، لكي تكون هيئة مستقلة مدنية تتولى دون غيرها مسؤولية كل ما يخص الانتخابات.
يذّكر أمين أن التعديلات الدستورية عام 2019، سمحت لرئيس الجمهورية بالتدخل في اختيار وتعيين أعضاء المجالس القضائية العليا. كما يذّكر أيضًا بسلطة الرئيس في اختيار المدير التنفيذي للهيئة الوطنية للانتخابات ونوابه الثلاثة، ويُعد المدير التنفيذي حلقة الوصل بين الهيئة وجميع أجهزة الدولة، بما يعصف بمبدأ استقلال الهيئة.
يُعطي قانون الهيئة لرئيس الجمهورية سلطة اختيار المدير التنفيذي لها، إضافة لنوابه الثلاثة، من بين أكثر من مرشح يقدمهم مجلس إدارة الهيئة الذي يضم 10 قضاة، يختارهم المجلس الأعلى للقضاء والمجالس العليا في الجهات والهيئات القضائية (محكمة النقض، محاكم الاستئناف، مجلس الدولة، النيابة الإدارية، قضايا الدولة) بواقع قاضيان من كل جهة.
وفي 21 يونيو الماضي الماضي أصدر السيسي قرارًا بتعيين المستشار أحمد بنداري مديرًا للجهاز التنفيذي للهيئة ونائبين له هما اللواء أحمد إبراهيم والمستشار شريف صديق، دون توضيح معايير اختيار الرئيس للجهاز التنفيذي للهيئة الذي سيتولى تنظيم كل إجراءات انتخابه لفترة رئاسية ثالثة.
واللافت أن سلطة السيسي في اختيار أعضاء الهيئة ستستمر حتى بعد أن تعلن الهيئة الجدول الزمني للانتخابات وتفتح باب الترشح، فبموجب ما أعلن عنه مدير الجهاز التنفيذي للهيئة في 20 سبتمبر الجاري، تعلن الهيئة في 25 سبتمبر الجاري مواعيد إجراءات الانتخابات بداية من فتح باب الترشح وحتى إعلان النتيجة النهائية، بينما تنتظر الهيئة في التاسع من أكتوبر قرارًا جمهوريًا من السيسي، الذي سيكون وقتها له صفتين.. الأولى صفته كرئيس للجمهورية، والثانية كونه مرشحًا محتملًا للمنصب، لاستكمال تشكيلها وتعيين نصف أعضائها بما فيهم رئيسها، لانتهاء مدتهم القانونية لمرور ست سنوات على تعيينهم.
ويحدد قانون الهيئة مدة عمل رئيس وأعضاء مجلس إدارتها بست سنوات. وتنتهي في أكتوبر المقبل مدة عمل كل من الرئيس بمحكمة الاستئناف، المستشار ياسر السيد، ونائبا رئيس هيئتا قضايا الدولة والنيابة الإدارية، عبد السلام محمود ومحمد أبو ضيف، المعينين بالهيئة منذ أكتوبر 2017، وإلى جانبهم نائب رئيس محكمة النقض المستشار وليد حمزة، الذي عيّنه السيسي في يونيو الماضي رئيسًا للهيئة خلفًا للمستشار لاشين إبراهيم، المتوفى في ديسمبر 2020، بالإضافة إلى نائب رئيس مجلس الدولة، مراد هابيل، خلفًا للمستشار فارس سعد حنضل، الذي استقال العام الماضي، بسبب انضمامه لعضوية المجلس الخاص لمجلس الدولة.
هنا، يشدد مدير مؤسسة دعم العدالة على أن الهيئة بحاجة إلى قانون جديد يضمن استقلالها وحيادها ونزاهتها، ويحدد اختصاصاتها وطريقة اختيار أعضائها بما يمنع رئيس الجمهورية من تعيين أهم المناصب بها.
في النهاية، يرى المصدر القضائي أن الاقتراح والتوجيه باستمرار الإشراف القضائي يمثل لعبًا بالألفاظ لإيجاد مبرر لتبكير الانتخابات الرئاسية عن موعدها وإجرائها خلال العام الجاري بدلًا من الربع الأول من العام المقبل بحجة تلافي انتهاء فترة الإشراف القضائي الكامل.

الاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة سبقه مشهد انتخابي آخر، في 30 مايو الماضي، مُزقت فيه أوراق الاقتراع، وحُطمت الصناديق الانتخابية، حينما شن مجموعة من البلطجية هجومًا على مقر الجمعية العمومية لنقابة المهندسين، بصحبة نواب بحزب مستقبل وطن، لمنع إعلان النتائج التي أظهرت رفض أكثر من 90% من الناخبين طلب أعضاء مجلس النقابة المحسوبين على «مستقبل وطن» بسحب الثقة من النقيب المحسوب على المعارضة طارق النبراوي، وهو ما تبعه انسحاب القضاة المشرفين على التصويت وعدم إعلان النتيجة.
السلطة من جانبها أنهت مشهد انتخابات نقابة المهندسين بإعلان وزيرا الري والنقل تحية السيسي للنبراوي وثقة الدولة فيه نقيبًا للمهندسين، ولكن من دون إعلان نتائج التصويت أولًا، ومحاسبة البلطجية ثانيًا.
«انتخابات نقابة المهندسين من أنزه الانتخابات التي شهدتها البلاد، واحتمالات التلاعب في نتائجها كانت منعدمة، ولكن خشية اللجنة القضائية من البلطجية في ظل غياب الشرطة أجبرت القضاة على الانسحاب خوفًا من تحطيم أجهزة التصويت الإلكتروني»، هكذا أكد نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية، الذي اشترط عدم ذكر اسمه لـ«مدى مصر». مضيفًا «أحيانًا يخشى القضاة على أنفسهم خصوصًا في ظل غياب الشرطة».
ويقول المصدر إن اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات نقابة المهندسين استخدمت أحدث أجهزة التصويت الإلكتروني، التي يستخدمها مستشاري هيئة النيابة الإدارية وحدهم دونًا عن باقي الجهات والهيئات القضائية الأخرى، ما مكّنها من معرفة نتائج التصويت فور انتهاء آخر مهندس من التصويت.
ويوضح نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية آلية التصويت الإلكتروني الذي تم تنفيذها في التصويت على سحب الثقة من نقيب المهندسين، في توزيع 40 جهاز قارئ إلكتروني على لجان التصويت الـ40، كل جهاز عبارة عن شاشة كمبيوتر تعمل باللمس توضع خلف كارفان، يتوجه لها الناخب بعدما يتأكد القاضي المشرف على اللجنة من هويته ومن بطاقته الشخصية، ويضغط على الشاشة التي توفر له اختيارات مثل الموافقة أو الرفض على سحب الثقة من النبراوي، إلى جانب خيار ثالث يسمح بإبطال الصوت الانتخابي، مضيفًا أنه بعد اختيار كل ناخب الخيار المناسب له، يضغط على زر تأكيد، ثم طبع ورقة بنتيجة التصويت يضعها الناخب في الصندوق الانتخابي الخاص بكل لجنة.
ويوضح المصدر القضائي أنه على الرغم من المشاركة الواسعة في الانتخابات، حيث تخطى عدد المشاركين 25 ألف مهندس، إلا أن اللجنة القضائية لم تجد أي صعوبة في فرز الأصوات، حيث أظهر السيستم الإلكتروني نتيجة التصويت فور انتهائه، مضيفًا أن وجود الصناديق الانتخابية ولجوء القضاة إلى الفرز اليدوي عقب انتهاء التصويت في عمومية المهندسين، هو إجراء ضروري، بحسب المصدر، لضمان إمكانية التحقق من صحة النتائج في حال ما طُعن على نتيجة الانتخابات.
في المقابل، اتهم عدد من المهندسين الذين تابعوا إجراءات فرز الأصوات أعضاء اللجنة القضائية بتسهيل مهمة أعضاء مجلس النقابة المؤيدين لسحب الثقة، والاستجابة إلى ممارستهم بهدف تعطيل إعلان النتائج أطول فترة ممكنة.
يقول المهندس معاذ علوان لـ«مدى مصر» إن أعضاء اللجنة القضائية كانوا متشددين مع الأطراف المحسوبة على النبراوي، على عكس الطريقة الودودة التي تعاملوا بها مع الطرف الآخر، مؤكدًا أن أحد نواب البرلمان، ومعه عدد من أعضاء مجلس إدارة النقابة المنتمين لحزب مستقبل وطن قاموا بتعطيل اللجنة القضائية عن إعلان النتيجة، حتى حضر الداعين لسحب الثقة من النبراوي، وطالبوا اللجنة القضائية بتسليمهم محاضر الفرز ونتيجة التصويت، بدلًا من اللجنة التي تم اختيارها من المهندسين لإدارة شؤون الانتخابات، وهو المشهد الذي انتهى بحضور البلطجية ومغادرة أعضاء اللجنة القضائية مقر انعقاد الجمعية العمومية غير العادية.
ما حدث في الجمعية غير العمومية لنقابة المهندسين، ليس بعيدًا عما حدث في الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، التي انعقدت في 17 مارس الماضي، وصوّت فيها الأعضاء بالطريقة الورقية التقليدية. بحسب العضو السابق بمجلس نقابة الصحفيين، إبراهيم منصور لـ«مدى مصر»، أنه عقب انتهاء إجراءات الإشراف القضائي على انتخابات التجديد النصفي للنقابة وفرز الأصوات، عطّل عضو مجلس النقابة المحسوب على السلطة أيمن عبد المجيد إعلان اللجنة القضائية نتيجة فرز الأصوات، المتضمنة فوز المرشح المعارض لمنصب النقيب خالد البلشي، وزعم عبد المجيد أن البلشي حصل على إجمالي أصوات بلغت 2443 صوتًا، وهو ما يقل عن النسبة التي يشترطها القانون لإعلان الفائز بصوت واحد، وطالب عبد المجيد اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات بإعلان إعادة الانتخابات على مقعد النقيب مع المرشح المحسوب على السلطة خالد ميري.
وأكد منصور أن الرقم الذي أعلنه عبد المجيد أقل من جملة الأصوات التي حصل عليها البلشي فعليًا (2450 صوتًا)، لافتًا إلى أن هذا تكنيك معروف في التلاعب بنتائج الانتخابات.
ويوضح منصور أن أعضاء حملة البلشي الانتخابية نشروا نتائج فرز اللجان على نطاق واسع، وهددوا بفضح التزوير، كما أنه كان هناك حضور كبير لأعضاء الجمعية العمومية، وحضور عدد كبير منهم إجراءات الفرز، وهو ما تبعه تدخل المسؤول عن الإعلام في جهاز سيادي في اللحظات الأخيرة عبر مكالمة هاتفية طالب خلالها بإعلان النتيجة الحقيقية لفرز الأصوات، لتعلن اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات بعد أكثر من ساعتين من انتهائها من فرز الأصوات فوز البلشي بـ2450 صوتًا.
انتخابات نقابتي «الصحفيين» و«المهندسين» خلال العام الجاري وما شهدته من محاولات للتلاعب بنتائج فرز الأصوات، سبقها نهجًا ثابتًا في غالبية الانتخابات النيابية والاستفتاءات على الدستور وتعديله خلال السنوات العشر السابقة، حيث توافرت شبهات تحيط بمرحلة فرز أصوات الناخبين.
وشهدت انتخابات مجلس النواب السابقة تظلمات وطعون انتخابية أمام كل من الهيئة الوطنية للانتخابات، وبعدها المحكمة الإدارية العليا، ثم محكمة النقض، ضد نتائج فرز عديد من الدوائر الانتخابية، وبحسب مرشحين ومراقبين لتلك الانتخابات تحدثوا لـ«مدى مصر» حينها، كان العنوان الأبرز لغالبية الشكاوى من الانتخابات يتعلق بوجود تلاعب في نتائج الانتخابات داخل اللجان العامة لصالح مرشحي حزب مستقبل وطن والمحسوبين على السلطة.
على سبيل المثال، تقدم الحزب المصري الديمقراطي بتظلم ثم دعاوي قضائية أمام المحكمتين الإدارية العليا والنقض، طالب فيها ببطلان نتائج انتخابات النواب التي أجريت في الفترة من أول أكتوبر حتى منتصف ديسمبر 2020 في دائرة الطالبية والعمرانية، مشككًا في دقة النتائج التي أعلنتها اللجنة العامة، وهي الدعوى التي رفضتها محكمة النقض في النهاية استنادًا لخطأ في إجراءات إقامة الطعن دون البت في أمر التلاعب بالنتائج داخل اللجان العامة، وهو ما كررته مع طعون انتخابية أخرى. وأوضح الحزب في دعواه التي حصل «مدى مصر» على نسخة منها في حينها، أن مندوبي مرشحي الحزب عن دائرة الطالبية والعمرانية، النائب بالبرلمان السابق محمد فؤاد، ومحمد شلتوت، حضروا عملية فرز الأصوات في جميع اللجان الفرعية، وحصلوا على كشف من كل لجنة فرعية بإجمالي عدد الحضور والأصوات الصحيحة والباطلة، وعدد الأصوات التي حصل عليها المتنافسين، غير أنه عند تجميع نتائج اللجان الفرعية، رفض رئيس اللجنة العامة، المستشار محمد ناجي شحاتة، تسليمهم النتيجة النهائية لانتخابات الدائرة مكتوبة، واكتفى بإبلاغهم بالنتيجة شفويًا، ليفاجئوا بزيادة عدد الحاضرين للانتخابات عن إجمالي من لهم حق التصويت بالدائرة بما يقرب من أربعة أضعاف. وشكا النائب السابق بالبرلمان عمرو أبو اليزيد، المرشح عن دائرة بولاق، من النتيجة التي أبلغته بها اللجنة العامة للانتخابات، وأوضح أنها تختلف عن محاضر النتائج التي جمعها مندوبيه من اللجان الفرعية الـ165 بزيادة 50 ألف صوت تم احتسابها لمنافسيه في حزب مستقبل وطن، وهو ما تكرر في عشرات الدوائر الأخرى في الانتخابات نفسها.
وبحسب شهادة سابقة لقاض ترأس إحدى اللجان الفرعية بمنطقة شمال القاهرة خلال الاستفتاء على تعديلات الدستور في أبريل 2019 لـ«مدى مصر»، شهد الاستفتاء عدة إجراءات وصفها في حينها بالمريبة، أبرزها السماح بتصويت المواطنين خارج لجانهم المقيدين بها، موضحًا أن اللجان العامة أعطت تعليمات لرؤساء اللجان الفرعية بتمكين الوافدين من التصويت، على أن توضع أصواتهم في صندوق منفصل، غير أن الأوامر تغيرت. حسب القاضي: «فوجئنا الساعة 12 بالليل يوم الجمعة (عشية بدء التصويت في 20 أبريل 2019) بتعليمات بوضع صندوق واحد داخل كل لجنة فرعية لأصوات الناخبين المقيدين باللجنة والوافدين معا بدلًا من فصلهم في صندوقين. كان المقصود منذ بداية الاستفتاء أن يظهر الصندوق ممتلأً بالأصوات».
وفسّر القاضي بأن التوسع في السماح للمواطنين بالتصويت خارج لجانهم الأصلية كان يثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة أن الهيئة لم توفر أية آلية للتأكد من عدم تكرار «الوافد» للتصويت في أكثر من لجنة خارج لجنته الأصلية، أو بالإضافة إلى لجنته الأصلية، كما أنه بموجب تعليمات اللجان العامة «اللي ساكن في الوراق يعتبر وافد في لجان القاهرة».
الاعتماد على آثار الحبر الفوسفوري كوسيلة لمنع الوافد من التصويت في أكثر من لجنة ليست مجدية في ظل وجود طرق للتخلص من آثاره عن طريق الخل وغيره، وصعوبة مراقبة أصابع الناخبين في حال وجود إقبال كبير، بحسب رئيس إحدى اللجان الفرعية للاستفتاء في منطقة شمال القاهرة.
وإلى جانب السماح بتصويت المواطنين خارج لجانهم الأصلية، وهو ما قد يتبعه زيادة عدد المصوتين على عكس الحقيقة، أشار المصدر القضائي إلى قيام الهيئة الوطنية للانتخابات بإحاطة عملية فرز الأصوات وتجميع النتائج بالسرية لتفويت الفرصة على أي محاولة للتنبؤ بمؤشرات عن نسب المشاركة، حيث لم يتوفر لأي قاضي أو موظف سوى الأرقام المتعلقة بلجنته فقط.
وأوضح القاضي أنه خلال الاستفتاء، منعَ رؤساء اللجان العامة القضاة المشرفين على الانتخابات في اللجان الفرعية من حضور تجميع الأصوات النهائي كما كان متبعًا في الانتخابات السابقة، مضيفًا «دوري انتهى بتسليم نتيجة لجنتي في ظرف مغلق لرئيس اللجنة العامة وبعدها مشيت ومحدش من قضاة اللجان الفرعية حضر فرز اللجنة العامة وتجميع الأصوات النهائي زي كل سنة»، مشيرًا إلى أن كل لجنة عامة يتبعها في المتوسط 60 لجنة فرعية، وتختص اللجنة العامة بتجميع نتائج اللجان الفرعية، ثم رفعها إلى الهيئة الوطنية للانتخابات التي تتولى حصر نتائج اللجان العامة وتجميعها، ثم إضافة النتائج الخاصة بالمصريين في الخارج، ومن ثم إعلان النتيجة النهائية.
تقارير ذات صلة
هل تكون انتخابات الرئاسة فرصة خروج المعارضة من الهامش؟
«من المكاسب المحتملة لمعركة الانتخابات: فتح مسار تفاوض سقفه أعلى من الحوار الوطني»
محمد مرسي «المختار».. ما أتت به الريح ذهبت به الزوابع
كان اختياره في دورته النيبابية الأولى رئيسًا لنواب الجماعة مفاجأة لوجود نواب آخرين أكثر منه خبرة
على هامش تعديل الدستور: تصدُّع في تكتل 25/30.. و«القعيد» إلى «سحابة الموالاة»
قال القعيد: «أنا مع السيسي». معلنًا تأييده للتعديلات الدستورية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن