هل وقعت الحكومة مجددًا في «نَصَباية» القمح المستورد؟
مع بدء موسم توريد القمح المحلي في أبريل الماضي، ظهرت طفرة مفاجئة في التوريدات مقارنة بالعام الماضي، تزامنت مع انخفاض أسعار القمح العالمية. احتفت الحكومة بالطفرة التي استمرت لما يقارب الشهر ونصف، قبل أن تتباطأ التوريدات بشكل مفاجئ، بالتوازي مع ارتفاع أسعار القمح العالمية.
العلاقة العكسية بين توريد القمح المحلي وتحرك اﻷسعار العالمية لم تكن مصادفة، أربعة من كبار مستوردي وتجار الحبوب، أكدوا لـ«مدى مصر» وجود شُبهات حول عودة تجار الحبوب إلى ممارسة قديمة للتربح، عبر بيع القمح المستورد للحكومة باعتباره قمحًا محليًا، مستغلين فارق السعر بينهما، في إعادة لبعض تفاصيل قضية «فساد القمح الكبرى» عام 2016.
المصادر أكدت أن هذه الممارسة توقفت منذ 2017، بعدما ربطت الحكومة سعر القمح المحلي بالمستورد في أعقاب قضية الفساد، لكن خلال الموسم الجاري تغيرت الظروف لأسباب مختلفة، لتسمح بتكرار بعض وقائع قضية الفساد القديمة.
***
تحتاج مصر نحو 18 مليون طن قمح سنويًا، يقتسمها القطاعان الخاص والحكومي. تمنع الحكومة القطاع الخاص من استهلاك القمح المحلي، فيوفر احتياجاته عبر الاستيراد. أما الحكومة فتشتري ثلاثة ملايين طن ونصف قمح محلي، وتستورد أكثر من خمسة ملايين طن عبر مناقصات دورية، لتوفير دقيق لإنتاج الخبز المُدعم لأكثر من 70 مليون مواطن.
لذلك حافظت الحكومة لعقود على شراء القمح المحلي من المزارعين بأعلى من السعر العالمي، كنوع من الدعم لهم، ولضمان استمرار زراعة القمح للحفاظ على الأمن الغذائي.
لكن الحكومة أفاقت عام 2016 على قضية فساد ضخمة، كشفت في أحد جوانبها عن تورط تجار وموظفين في بيع القمح المستورد لها باعتباره قمحًا محليًا استغلالًا لفارق السعر، فضلًا عن توريد كميات وهمية إلى المخازن.
لتصحيح الأوضاع، قررت الحكومة في العام التالي ربط سعر القمح المحلي بالمستورد، وشددت على توريد القمح بوجود حيازة زراعية، لوقف حلقة التجار الوسيطة بين المزارعين والحكومة، والتي سمحت بحدوث الفساد. لم تتمكن الحكومة من تطبيق شرط «الحيازة» بسبب عدم دقة بياناتها، وتعقيد مسألة ملكية الأراضي الزراعية في مصر، بخلاف تفضيل الفلاحين بيع إنتاجهم للتجار لتوفير مصاريف النقل، لكنها استمرت في ربط سعر القمح المحلي بالعالمي لسنوات.
تغير كل شيء في 2021، حين عصفت الحرب الروسية الأوكرانية بسوق الحبوب، كون البلدان المتحاربان من أكبر منتجيها عالميًا، ورفعت سعر القمح 48%. تلا ذلك أزمة اقتصادية عصفت بقيمة الجنيه المصري، لتصبح الأزمة مزدوجة: أسعار قمح عالمي مرتفعة وقيمة جنيه منخفضة، وأزمة سيولة دولارية غير مسبوقة.
في ظل اﻷزمة، وللمرة الأولى منذ سنوات، لم تواكب الحكومة السعر العالمي، وعرضت في موسمي 2021 و2022 سعرًا أقل منه لشراء القمح من الفلاحين، ما منعها من جمع مستهدفها على مدار الموسمين، خصوصًا مع ظهور منافسين على شراء القمح المحلي خلال هذه الفترة، يرغبون في استخدامه في صناعة الأعلاف، التي زادت أسعارها بشكل قياسي، في ظل توقف شبه تام لاستيراد خاماتها.
لتصحيح الأوضاع مجددًا، حددت الحكومة، في مارس الماضي، سعر توريد القمح المحلي خلال الموسم الجاري عند 13 ألف و300 جنيه للطن، بزيادة 33% عن سعر العام الماضي، وبزيادة نحو 1700 جنيه في الطن عن سعر القمح العالمي، مراعاة لانخفاض قيمة الجنيه، وارتفاع معدلات التضخم التي رفعت معها أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي.
بعد أقل من أسبوعين من بدء الموسم الجاري في منتصف أبريل الماضي، ارتفعت معدلات التوريد 161% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك رغم تأكيدات ثلاثة تجار حبوب محليين وأربعة مزارعين، أن العديد من الفلاحين قرروا تخزين معظم إنتاجهم من القمح هذا الموسم، في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف وعدم استقرار أسعار السلع، ما يسمح لهم ببيع إنتاجهم لاحقًا إلى مصانع الأعلاف و«المدشات» البلدية بأسعار أفضل من مطاحن القمح الخاصة.
يفضل مصنعو الأعلاف شراء القمح المصري لارتفاع نسبة البروتين فيه، والتي تصل إلى 13.5% في بعض الأصناف، مقارنة بـ8% على اﻷكثر في الذرة، وما بين 11 و12.5% في القمح المستورد، ما يجعل القمح المصري أوفر ماديًا وأفضل في خلطة الأعلاف، خصوصًا بعد تضاعف أسعار مكوناتها.
كان يفترض أن ينعكس تخزين الفلاحين للقمح سلبًا على معدلات التوريد في الموسم الجاري، لتماثل الموسم الماضي أو حتى تقل عنها. غير أن العكس حدث، إذ ارتفعت التوريدات هذا الموسم بشكل لافت مقارنة بالعام الماضي. وهو ما تزامن مع توجه الحكومة لتوفير عملة صعبة لاستيراد السلع الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح، ما استغله عدد من التجار باستيراد القمح وخلطه بالمحلي، ثم بيعه لوزارة التموين باعتباره محليًا بالكامل، استغلالًا لفارق السعر بين الاثنين، خصوصًا مع صعوبة التفريق بين أنواع القمح، بحسب التجار اﻷربعة الكبار.
أستاذ المحاصيل بكلية الزراعة جامعة القاهرة، عبد العليم المتولي، أوضح أن الفروقات بين حبوب القمح المحلية والمستوردة يصعب على غير الخبراء تحديدها، مثل حجم الحبة الذي يختلف أحيانًا في نفس الصنف لأسباب كثيرة.
وفي أغلب الأوقات، لا يتكبد موظفو توريد القمح عناء محاولة الكشف على القمح لتحديد منشأه، نظرًا لـ«المعرفة» التي تجمع الموردين والتجار بالموظفين في مراكز التوريد. ولإحكام الغش يخلط بعض الموردين القمح المستورد، الأنظف بسبب الحصاد المميكن، بقمح محلي به شوائب وطين. «الراجل في مركز الاستلام بياخد عينة عشوائية من الشيكارة يلاقي فيها طين يقولك ده خير بلدنا ويعدي»، يقول أحد التجار.
استمر التوريد بمعدلات مرتفعة لأسابيع، وزادت كميات القمح الموردة خلال أبريل الماضي والنصف اﻷول من مايو، بأكثر من نصف مليون طن مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقًا لبيانات رسمية اطلع عليها «مدى مصر».
لكن المنحنى الصاعد للتوريد بدأ في الهبوط تدريجيًا خلال النصف الثاني من مايو، بالتزامن مع ارتفاع سعر القمح المستورد الذي وصل إلى 12 ألف و800 جنيه بنهاية الشهر، ليتقلص الفارق بينه وبين سعر القمح المحلي، ويتقلص معه فارق التوريد عن الفترة نفسها من العام الماضي إلى 180 ألف طن فقط، وهو الفارق الذي استمر في الانكماش حتى بلغ 93 ألف طن فقط مطلع الأسبوع، مقارنة باليوم نفسه العام الماضي.

«التجار في أول الموسم كانوا بيكسبوا أكثر من 3 آلاف جنيه في الطن من فرق الفلوس، بس المكسب فضل يقل لحد ما بقى 500 جنيه مع زيادة سعر المستورد، كمان الحكومة ساعات بتنزل في سعر القمح 300 جنيه بسبب النقاوة، فلو المكسب بتاع التجار وصل 200 جنيه تبقى مش مستاهلة الحبس»، يقول مصدر آخر بقطاع الحبوب.
وفي غضون ذلك، أغلقت وزارة التموين بعض مراكز استلام القمح المحلي بعدة محافظات، قبل شهرين من الموعد الرسمي لنهاية موسم التوريد، وذلك إثر انخفاض معدلات التوريد اليومية، وفقًا لمذكرة صادرة عن الوزارة الأسبوع الماضي، اطلع عليها «مدى مصر». في الوقت نفسه وخلال اﻷسبوعين الماضيين، تعاقدت الوزارة على استيراد 870 ألف طن قمح عبر مناقصتين دوليتين، وفقًا لبيانات رسمية اطلع عليها «مدى مصر».
«هي قاعدة واضحة.. طول ما القمح المستورد أرخص من المحلي يبقى هيتورد للحكومة على أنه محلي، والعكس، لو القمح المحلي أرخص يبقى القطاع الخاص هيرفع السعر أكتر من الحكومة ويشتريه، دي حاجة متكررة كل السوق عارفها»، يقول مستورد حبوب لـ«مدى مصر» مشترطًا عدم ذكر اسمه.
تحظر الحكومة على القطاع الخاص شراء القمح المحلي وتشترط على المطاحن الخاصة العمل بقمح مستورد لإنتاج الدقيق لاستخدامه في الصناعات الغذائية المختلفة أو تصديره، وتتأكد الجهات الرقابية من توافر ما يثبت استيراد القمح.
لكن وفقًا للمصادر المختلفة، بدأ التجار المحليون في الظهور مجددًا للمطاحن الخاصة ومستوردي الحبوب، وعرضوا عليهم قمحًا محليًا للبيع، وذلك بعدما اختفوا خلال مطلع الموسم على عكس العامين الماضيين.
تلقى أكثر من مستورد وتاجر حبوب تحدثوا لـ«مدى مصر» عروض شراء قمح محلي خلال الأيام الماضية، فيما تلقى مستورد طلبًا من بعض المطاحن الخاصة، لمساعدتها في توفير أوراق استيراد قمح «مضروبة» لعرضها على مفتشي التموين، حسبما قال لـ«مدى مصر». «الناس بتغطي بعضها، والتاجر اللي باعملُه خدمة دلوقتي هيخدمني بعدين، والموظفين بيكونوا مسهلين كل العملية دي»، يضيف المصدر.

في وسط كل هذه الفوضى والفساد تظل الطريقة اﻷكثر عملية لاكتشاف وقائع النصب على الحكومة هي طحن القمح وتحويله إلى دقيق، ما يُظهر صفات الصنف من حيث نسبة الرطوبة والجلوتين والاستخراج التي تختلف من صنف لآخر.
لكن وفقًا لمصدرين من كبار تجار الحبوب، ومصدر بقطاع المطاحن، يسيطر الفساد على المطاحن التموينية ويصل حتى المخابز أيضًا، بما يمنع كشف هذه الأخطاء.
«المطاحن التموينية بيجيلها قمح نضيف من هيئة السلع علشان تحوله لدقيق للعيش المدعم، بتروح تبيع القمح ده للقطاع الخاص وتكسب الفرق وتاخد مكانه أي قمح فيه بَلا أزرق وتطحنه لدقيق التموين، وساعات مش بيعوضوا الكميات اللي سرقوها وبيوردوا دقيق وهمي للمخابز، اللي بتكون منسقة معاهم هي كمان وبتخفض وزن الرغيف أو بتقول للناس في نص اليوم إن العيش خلص»، يوضح أحد المصدرين.
صاحب مخبز بمحافظة البحيرة أكد أن الوضع الذي أصبح طبيعيًا، هو تسلمه شيكارة الدقيق من المطاحن أقل عشرة كيلوجرامات من وزنها المفترض، فيما لا يملك سبيلًا للشكوى خوفًا من العواقب، مؤكدًا أن «معظم المخابز بتنقص وزن الرغيف وخلاص».
أحمد بدوي* صاحب مخبز بالقاهرة، أكد لـ«مدى مصر» إنه كان يتلقى من وقت لآخر حصص الدقيق المخصصة لمخبزه المدعم، مخلوطة بمخلفات المطاحن وبالتراب، «بيبقوا لامّين الدقيق اللي بيتهدر وقت الطحن، ويعبوه في شكاير ويوردوه للمخابز»، يقول بدوي، موضحًا أنه اشتكى أكثر من مرة في مديرية التموين بلا جدوى، قبل أن يحذره زميل له من ضرر هذه الشكاوى عليه. «قالّي: كلهم عارفين بعض وهيتلككولك على أي حاجة ويرازوا فيك»، يضيف بدوي.
وبينما لا يجد بدوي الدقيق الكافي لمخبزه، قال ملاك خمسة مخابز سياحية، ومصدر بقطاع المطاحن، إن دقيق التموين المدعم يُباع في الأسواق وله تسعيرة محددة تقل نسبيًا عن سعر الدقيق الحر الأبيض.
لا يبدو هذا مفاجئًا، في ظل ما سبق وقالته مصادر بقطاع المخابز لـ«مدى مصر»، عن أن وزارة التموين على علم بتوافر الدقيق المدعم في المخابز الحرة بالمخالفة للقانون، ومخالفات أخرى تتعلق بالتراخيص، «الحكومة عارفة كل ده وسايباهم لأن المخابز دي شايلة السوق، وبتوفّر العيش بسعر كويّس لحوالي 45 مليون مواطن مش مشمولين في التموين».
لذلك لم تتدخل الحكومة لوقف تسريب الدقيق المدعم إلا بعدما أحرجها أصحاب المخابز الحرة، حين أصروا على رفع سعر الخبز السياحي بينما كانت تحاول ضبط أسعار السلع. وخلال اجتماع جمع شعبة المخابز بالحكومة هدد المصيلحي أعضاء الشعبة قائلًا: «مش هتمشي معايا بما يرضي الله، أنا هاعرف أقفلهالك بما يرضي الله».
حاول «مدى مصر» التواصل مع وزارة التموين على مدار أيام، لكن لم نتلق ردًا حتى موعد النشر.
وفيما لم يوضّح أي من المصادر حجم القمح المستورد الذي تم توريده إلى الحكومة هذا الموسم باعتباره قمحًا محليًا، وبالتالي فرق السعر الذي تكبدته وزارة التموين، أعلنت وزارة المالية، الاثنين الماضي، أنها أتاحت حتى الآن 44 مليار جنيه لتمويل شراء القمح المحلي هذا الموسم.
كانت المحكمة أدانت المتهمين بقضية «فساد القمح» بالاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على أكثر من نصف مليار جنيه من أموال الدولة. فيما قدر تحقيق نشرته وكالة رويترز في 2016، أن تكاليف هذا الفساد بلغت ملياري جنيه.
بعد أربع سنوات من التقاضي انتهت قضية «فساد القمح الكبري»، التي اُتهم فيها 300 شخص بتصالح بعض المتهمين بعد سداد قيمة ما تربحوه، ووفاة بعضهم، «وبراءة بعض الناس التُقال»، بحسب أحد المستوردين الأربعة.
*اسم مستعار
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن