تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هل أدلكم على بديل الكتابة؟

هل أدلكم على بديل الكتابة؟

#126 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: هبة خميس 11 دقيقة قراءة
تصوير: عمر مصطفى

#جو عام

كما يخبرنا عنوان هذا الديتوكس، فإن هبة خميس تدلنا على بديل الكتابة خلال فترات انقطاعها. ترى أن النص المُكتمل، مثل مخبوز شهي لا يزال بنار الفرن. ولا فارق بين تحريك الأصابع للكتابة أو العجن. ولنقرأ ما صنعته يداها

#دليل

خطوات تحضير وصفة القُرص الطرية بالقرفة والسكر:

في وعاء عميق، وضعتُ ثلاثة أكواب من الدقيق على حفنة من الملح، وثلاث ملاعق سكر، وخلطتها بملعقة خشبية كبيرة. وفي وعاء آخر، وضعتُ الخميرة مع اللبن الدافيء وملعقة من السكر لتنشط.

حينما تبينت الرغوة البنية الخفيفة على وجه السائل، أضفتها على خليط الدقيق، وبدأت العجن بيدي.

يتم العجن من خلال تحريك أصابعي لجمع أطراف العجين في شكل كرة، مع تكرار تلك الحركة حتى يصبح لينًا ودافئًا أسفل يدي. ثم جمعت العجين في شكل كرة كبيرة، ودهنته بقطرات من الزيت كي لا يتشقق. أتركه ليختمر لمدة ساعة واحدة على الأقل.

في وعاء مسطح قطعت قالبًا من الزبد قطعًا صغيرة بحجم إصبع اليد، وبوعاء آخر صغير خلطتُ السكر مع القرفة، قسّمت العجين المُختمر لكريات صغيرة في حجم راحة اليد. وبداخل كل كرة، وضعت خليط السكر والقرفة، مع فرك قطعة الزبد بالخليط لتلتصق، ثم أغلقتُ كرة العجين، وضغطت عليها بخفة، ودهنت وجهها بالسمسم.
بعد ترك كرات العجين ترتاح، زاد حجمها فنقلتها إلى صينية معدنية، وأشعلت الفرن ليسخن ثم أدخلت الكرات. بعد عشرين دقيقة احمّر وجهها، وشممت رائحة القرفة الدافئة.

يقولون حينما تفقد القدرة على الكتابة عليك الخَبز.

بين تحريك الأصابع للكتابة وتحريكها للعجن لا يوجد فارق؛ النص المكتمل يشبه خبيزًا خارجًا للتو من الفرن، رائحته تطغى على الموجودات فتمنحنا لذة ودفئًا، وأنا في فترات انقطاعي عن الكتابة اتجهت للخَبز مرات كثيرة، منها الفاشلة والناجحة. ولكنني تلك المرة، بينما كنت على وشك ضبط العجين للمرة الأولى داعبت القرفة حواسي لتثير ذكرياتي، تفتح بابًا لم أجرؤ على فتحه من قبل، وتمنحني تلك القدرة على الكتابة عن كل ما خبأته من قبل، لتعيدني إلى سنوات ماضية، وذكريات ظننت أنني فقدتها للأبد.

***

في شتاء 2010، قبَلت وظيفة بسلسلة مكتبات ناشئة تلبية لحلمي بالعمل قُرب الكتب، فنشأتي على القراءة منذ صغري رسمت أمامي تلك الصورة الحالمة للعمل بالمكتبات واستحضار روح كاثلين كيلي، من فيلم «you've got mail»، في مكتبتها الصغيرة الدافئة، وحكاياتها للأطفال قبل أن تُغلق أبواب المكتبة للأبد.

شرط التدريب وضعته جهة العمل ليقف حائلًا أمام تحقيق حلمي، فكان يجب عليّ أن أظل أسبوعًا كاملًا بالقاهرة كي أتم ذلك التدريب وأعود لافتتاح الفرع الكبير بالإسكندرية الذي كان على أطراف المدينة. وبسبب نشأتي في أسرة ترى في بيات البنت خارج المنزل كارثة غير مقبولة، اشترطت الأسرة ذهابي وعودتي من القاهرة بشكل يومي حتى انتهاء أسبوع التدريب.
داخل نوة من أشد نوات الإسكندرية، وجدت نفسي أمام رحلات يومية بالقطار من الإسكندرية إلى القاهرة كي أتابع ذلك التدريب الإلزامي، فأقضي نصف يومي في القطارات والمحطات الباردة في حالة انتظار. مَن اعتاد التردد على محطة قطار رمسيس قبل سنوات كان يقع في مأزق عدم وجود أماكن جيدة للانتظار، أو مطاعم لائقة تختلف عن سندوتشات «على بركة الله» خلف المحطة أو المحال الشعبية.

وفي نهاية اليوم الأول، وقعت في ذلك المأزق حين داعبني الجوع، ومازالت هنالك ساعة كاملة سأقضيها في انتظار القطار، لأقرر البحث عن مكان يحتويني بسبب التجديدات بمحطة مصر.

خلف محطة القطار، هناك موقف للميكروباصات المُسافرة التي تلتقط الركاب المتخلفين عن قطاراتهم، أو مَن لم يجدوا التذاكر فيجدوا في تلك العربات حلًا منقذًا.

يقطع الشارع المحيط بالمحطة شارع ضيق عمودي على محطة القطار يمتليء برائحة الكبدة والزيت، وفاترينات محال سندوتشات الجمبري المقلي ولوازم السفر. في نهاية الشارع، أقطع شارع الجلاء لأجد نفسي في مواجهة زقاق ضيق أسفل بناية ضخمة تطل على ميدان رمسيس.

على ناصية الزقاق شرفة مطعم تتصاعد منه رائحة الزيت، وأمامه استوت كراسٍ خشبية خاصة بمقهى داخل المكان، لدى مروري تراصت المحال بأريحية تعرض بضائعها للمارة، وعلى زجاج محل شركة بيع المصنوعات ارتكنت المناضد والكراسي من حولها، وجلسات عدة للناس معظمهم بحقائب سفر. يقطع الزقاق زقاقًا آخر يفتح على ميدان رمسيس وبه فرن إفرنجي تتراص الصاجات حوله، وبجواره محل للعصير على اللافتة مكتوب: «وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا»

انتقيت كرسيًا بعيد عن دخان السجائر والزحام، تيار الهواء البارد حمل رائحة المخبوزات لأنفي فقمت أتفقد الموجودات لدى المخبز لسد جوعي قبل قدوم قطاري.

على الصاجات الساخنة التي تحتل مساحة ضخمة من الممر تجعل المار يحتك بها دون قصد، تتراص قُرص دائرية بالسمسم اعتدت رؤيتها في الأفران الإفرنجية، فتستوي على الصاجات بجوار الفطائر الصغيرة بسعر رخيص، جنيهًا واحدًا للقرصتين المغلفتين في كيس واحد. انتقيت اثنتين في كيس صغير، وعدت للكرسي اشرب الشاي الساخن وآكل مما اشتريته.

اعتدت منذ سنوات التعامل مع وحدتي كحقيقة مطلقة لا تقبل الجدال بالنسبة لي: الأرض كروية وأنا وحيدة. ولكنني حينما قضمت القضمة الأولى لم أعد أشعر بتلك الوحدة المؤرقة. كنت مرهقة من السفر والحركة، لكن تلك الدقائق قضيتها وأنا ممتنة لوجود القرفة في حياتي، وطعمها المسكر على لساني الذي يهون مرارة الشاي الثقيل.
عدت للقطار الذي وجدته منتظرًا على رصيف المحطة ومعدتي مليئة وقلبي دافيء، في الأيام التالية لن أشعر بالتخبط، بل سأتجه بآلية إلى المخبز ثم المقهى صانعة نفس الطقس.

***

قبل عمل أي وصفة يُرجى التأكد من توافر المكونات. لم أكن أعلم بضرورة ذلك إلى أن وقفت أمام الوعاء ووضعت الدقيق مع السكر ثم عدت لأفتش عن الخميرة لأجد كيسًا قديمًا للخميرة الفورية التي تشبه البودرة المخرزة، سكبتها على الدقيق، ووضعت باقي المكونات فوقه، وشرعت في العجن بأطراف يدي دون التورط داخل كتلة العجين.
حينما تركت العجين ليخمر، عدت لأجده بعد ساعتين كاملتين بنفس الحجم، لكنني قررت الاستمرار وتشكيل كرات العجين مع حشوها، وأدخلتها الفرن لتخرج منه برائحة القرفة دون طعمها اللذيذ؛ فالعجين المكتوم صار صلبًا، واضطررت للتخلص من الكمية كلها في القمامة.

***

في صيف 2014، تغير العالم كثيرًا بالنسبة لي، تركت الوظيفة التي أردتها، وجربت الكثير من الأشياء مثل الحب الذي حظيت به لسنوات. حدث الكثير، لكن كانت لا تزال محطة رمسيس تحت التجديد.
كنت أجري تلك المرة بسرعة مع الرجل الذي أحببته للحاق بقطار يعيدني لمدينتي، في ذهني كنت نوجا بطلة فيلم «في شقة مصر الجديدة»، وهو يحيى الذي يحاول إلحاقي بقطاري. مررنا من أمام المخبز، لكن ضيق الوقت لم يمنحنا الفرصة لنتشارك طعم القرفة بين أفواهنا. بين كل لحظة كان ينظر إليّ ويضحك بفستاني البنفسجي وحجابي المهمل والعرق الذي يتساقط من وجهي، وحينما وصلت للقطار كنت أود أن أقول له: «كانت فرصة سعيدة قوي يا أستاذ يحيى»، لكن اسمه لم يكن يحيى.
بعدما وجدنا القطار منتظرًا، ركبت ونظري معلق عليه، وددت تلك اللحظة لو أنزل لنعود نجلس في مقهاي المفضل، بين أيدينا نتشارك الطعام الذي أحبه وينتهي الوقت عند تلك اللحظة. لم أكن أعرف أن أوقاتًا كتلك ستجمعنا لسنوات.
بعدما استويت على مقعد القطار وجدته داخل قطاري، نظر لي، وأعطاني قطعة من الـ«كيك» مغلفة بكيس شفاف، يبيعونه في محطات القطار فقط، وطلب مني تناوله. ثم نزل قبل تحرك القطار.
بسبب كونه من الصعيد، فإن محطة رمسيس بالنسبة له مثل بيت آخر، شبيه بتلك البيوت التي يستقر بها مع أصدقاء من الريف والأقاليم للبحث عن الحياة الحلم بالقاهرة وتحقيق الذات. بالمحطة يحافظ حازم -وهو اسم الرجل الذي أحببته- على عدم الإلقاء بأي طعام في فمه، كونه قادمًا من أسرة متوسطة تحافظ على جودة طعامها، وتربّي الطير بنفسها. لذا كان  يختار المخبوزات التي تحمل الأحرف الأولى من سكك حديد مصر: «س ح م»، وخاصة كيكة الفاكهة المجففة التي لا تَفسد في حرارة القطار الذي يظل به لساعات، تعطيه الكيكة الإحساس بالأمان الذي يحسه كلما اقترب من بيته.
طول السكة كنت أذوق لذة أخرى في الكيكة، نكهتها تشبه القرفة والسكر، لكن تلك النكهة أشعرتني بالأمان وبلمسة ذلك الرجل الذي أدركت في تلك اللحظة أنني أحببته.

***

في شتاء 2016، منحتني الحياة طفلًا جميلًا أسميناه يحيى، بتاع شقة مصر الجديدة. وفي عيد ميلاده الأول دوننا تلك المعلومة على حلوى ميلاده، ورث طفلي الكثير من ملامح أبوه، وقلة صبري والكثير من عنادي.
بحكم إقامتي في مدينة  الشيخ زايد، الموجودة خارج حدود القاهرة وتحيطها الصحراء، فاجأتني برودة الشتاء، كنت أقضي الكثير من الليالي وحدي مع الطفل الذي لم يحب النوم كثيرًا، فنصبح مؤرًّقين غير رائقي البال كل يوم.

حينما يشتد البرد ويسكن الجو في البيت كنت أعقد حمالة طفلي على ظهري، وأنزل للسوق المجاور. تؤنسني رائحة الناس والزحام، تلك الزفرات الخارجة من أنوفهم وأصوات المقاهي العالية، أسلي نفسي بها كي تشغلني عن برودة الجو.

تتصاعد رائحة القرفة من المخبز المجاور فيتذمر طفلي من الجوع الذي أثارته  تلك الرائحة، كدت اختار القرص الدائرية المحشوة بالسكر والقرفة، لكنني قررت معاودة صنعها بالمنزل لأطعم منها طفلي الذي حرصت على ألا يتناول الطعام المكشوف من الشارع.

كنت أمشي حاملة طفلي. الطريق المظلم الذي أسلكه تؤنسني فيه أغنية نغنيها قبل العودة للمنزل علّها تغيبه في النوم، وأتمكن من النوم الهاديء أنا أيضًا:

بابا جاي إمتى؟
جاي الساعة 6
راكب ولّا ماشي ؟
راكب بسكلتة.

في نفس الشتاء الطويل، كنا بـ«رمسيس»، في سيارة تحمل أسرتنا الصغيرة، وتتوقف أمام مدخل الممر بالعمارة الضخمة المطلة على الميدان، بدأت الحكاية بسعال انتاب زوجي ثم انتهى إلى مرض خبيث يزحف داخل جسده ويتمدد، طلب منا الطبيب التوجه للمعمل المشهور بالميدان.
تلمسنا طريقنا بالممر مثل أسرة عادية، أحمل طفلي في حمالة الظهر، وفي يدي أمسك بالرجل الذي مررت معه في ذلك المكان مرات كثيرة، جلسنا أوقاتًا طويلة في ذلك المقهى ننتظر قطاري ونودع بعضنا منتظرين يومًا لا نضطر فيه إلى ذلك الوداع. بالقرب من رائحة المخبز الشهية، يقع باب البناية الواسع والمصعد المظلم الذي صعد بنا للطابق الأخير حيث استلمنا نتائج تحليلاته. مررنا من الممر ثانية للعودة، لتترك تلك الزيارة أثرًا فيّ لم أستطع تجاهله.
في الأيام التي تلتها بدأت أعاني من ضعف الشهية ومرارة الحلق، طالني البكاء في الليالي التي أقضيها وحيدة أنا وطفلي ليتهدج صوتي بالغناء له:

حمرا ولّا بيضا؟
بيضا زي القشطة
وسعوا له السكة
واضربوا له سلام
العساكر ورا
والظباط قدام

مثل اتجاهي للكتابة كنت أتجه للخبز تلك الفترة، كنت أملك الكلمات داخل رأسي وأسمعها مرتبة، لكنني لم أحب تأريخ تلك الفترة، لذا جعلت الخَبز طريقًا آخر ليدي لتتمكن من التعبير عمّا تشعر به.

في وعاء عميق، وضعت الدقيق والخميرة الجافة، وأضفت اللبن الدافيء والسكر فوقهما، وشرعت أقلب العجين حتى يتماسك، لأيدينا وأقدامنا الفضل في إعالتنا معظم اليوم، ويدي تعبت من حمل الصغير الذي نام منذ قليل ليترك البيت هاديء وغير مرتب.
كنت ألملم حواف العجين على رخامة مطبخي، وحدها اليد أول ما ينفع الأم الحديثة، لكنها تخدرت من حمل طفلي، ولم تساعدني في العجن، فرضيت بعجين لم يُعجن جيدًا، قسّمته لكريات صغيرة وحشوتها بخليط القرفة والسكر، وأدخلتها الفرن الساخن.
لكن الخَبز مثل أي شيء إذا لم نزُده بالجهد الكاف سيخيب آمالنا، فأخرجت القُرص الساخنة لأجدها مكتومة وجافة، أكلت واحدة مع كوب الشاي، ونمت مبكرًا محتضنة طفلي بنومه القلق، وفمه المفتوح الباحث عن ثديي ليلًا.

***

في شتاء 2018، كبر الطفل الذي ربيته بين أروقة المستشفيات واشتد عوده ليلحق بي على أقدامه دون الحاجة لحمله. أسرتنا لم تكن مكتملة تلك المرة، تركت الرجل الذي أحبه راقدًا على سرير بالمستشفى يحمل رقمًا لا أتذكره، وطفت على الأطباء بالتقارير، مفتشة عن أمل يجعلنا نستكمل حياتنا كأسرة عادية.
توقف الطفل أمام رائحة المخبز فنهرته لأحمله كي أستطيع اللحاق بميعاد المعمل الذي سأسلمه تقرير الطبيب، ليجري الكثير من الفحوص على العينة القديمة.
نزلت من المعمل لاستوقف تاكسي، بسبب المرارة في حلقي لم ألتفت لمكاني المفضل. استقللت عربة لنعود للمستشفى، أحاول تهدئة طفلي الذي يعضه الجوع، فاضطر لتربيته على طعام المستشفيات، وعبوات الطعام التي أجهزها على عجالة. لم يعلم الصغير أنه سيفقد أبوه هناك للأبد، أسميناه يحيى لتلك الذكرى بيننا وقت لحاقي القطار، وطعم الكيكة في فمي، ونظرة الحب في أعيننا.

في نفس الشتاء الذي لم ينته، قررت الذهاب للمعمل وحدي لاستلام النتائج، أشعرني القلق بالإنهاك تلك المرة، بينما تركت طفلي بين يدي أمي، وحبيبي بين يدي الأطباء. تلك المرة لم أر مقهاي المفضل أو المخبز الصغير، عند نزولي من المعمل ومعرفتي بالنتائج التي كنّا نتوقعها مسبقًا، كنت أختنق من دموع مكتومة. علمت أن تلك كانت نهاية الرحلة من علاج مضن وألم لا ينتهي.
لم أشم رائحة القرفة تلك المرة، لكنني سرحت في حركة الحياة من حولي، زبائن المطعم المطل على الميدان والأطفال الذين يعملون بالمخازن في الممر. الشحاذون عند مسجد الفتح، ومسافرو القطار المتعجلون. توقفت الحياة بي في تلك اللحظة، بينما كانت تدور بكل الناس، ظللت بعدها لفترة طويلة فاقدة لنقطة ارتكازي، لا أعي إن كنت في وضع الوقوف أم تحركت بفعل القصور الذاتي.

***

في رواية «آن في المرتفعات الخضراء»، ظلت الطفلة آن تقرص نفسها لتتأكد من كونها في الواقع بسبب اعتيادها العيش في الخيال لبؤس واقعها. وحينما تصاعدت رائحة القرفة بقوة عدتُ إلى الممر، في ذهني كنت أتساءل هل أنا هُنا، أم مازلت هناك في مرتي الأخيرة به؟ هل ظللت على ثباتي التام، أم تحركت بالفعل وأقف بمطبخي بعد سنوات؟

تثيرني الرائحة لأفتح الفرن وأخرج القُرص منه، أمسك واحدة وأقسمها قسمين لأتبيّن الزبد مع السكر المكرمل بالداخل، أعطي يحيى واحدة صغيرة في طبق، يأخذها ويترك المطبخ الساخن. أقضم قضمة سريعة تحرق لساني قليلًا، لتعيدني تلك اللسعة للواقع، تؤكد لي أن الحياة تحركت بي منذ تلك اللحظة، وأنني تخطيت كل ما حدث بعد سنوات من تلك المرة الأخيرة. تخبرني أنني لم أعد نفس الشخص الذي ظل واقفًا بالممر متمسكًا بآخر خيوط الأمل في بقاء الرجل الذي أحببته وجمعت بيننا المحطات والقطارات، ومذاق القرفة والسكر والقبلات على ألسنتنا.

أعود للكتابة، بعد انقطاع سنوات، دون ترك الخَبز لأنه بديلها. وفي أوقات جفاف أفكاري أتحرك بآلية تجاه المطبخ، أبدأ في تحضير العجين وأترك يدي تكمل مهمتها للنهاية.
#وسلام.

عن الكاتب

هبة خميس

كاتبة وروائية مصرية صدرت لها، عن دار «الشروق»، رواية «مساكن الأمريكان». في 2019، حصلت على جائزة ساويرس في الأدب عن المجموعة القصصية «زار». وحصلت على الجائزة المركزية لقصور الثقافة في…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن