تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
هليوبوليس: مدينة جديدة رائعة

هليوبوليس: مدينة جديدة رائعة

اقتصاد كولونيالي ومغامرة عمرانية

كتابة: دينا حسين، لينا عطاالله 22 دقيقة قراءة

«مترو يتحرك بالكهرباء، بسلاسة، بدون ضجيج، بدون دخان؛ إنه أعجوبة» يقول محمود أبو سليم*، بينما يتذكر هليوبوليس القديمة. المترو هو الكلمة المفتاحية التي سيخرج بها المرء من سُكّان الحي القُدامى حين يستعيدون الذكريات عن حيهم. إنه كذلك شريان الحياة المتحرك الذي يقطع الحي من طرفه الجنوبي إلى طرفه الشمالي.

بالنسبة لأبي سليم وأسرته، مثَّل المترو تجربة خاصة. لقد كان للبدو العرب، أو العربان، وهم قاطنو هليوبوليس الأصليون حينما كانت صحراء، معاملة ومكانة خاصتين. طبقًا له: «لم يدفع أحد يستقل المترو مرتديًا زي البدو أجرة قط».

يعود سبب هذا إلى الوقت الذي بدأ فيه البارون إدوارد إمبان (1852–1929) تطوير الأرض التي كان قد حصل عليها للتو في شرق القاهرة نحو 1906. حين بدأ العمل، وقعت اشتباكات بين عمال الشركة والبدو الذين كانوا يستولوا على معدات البناء كي يعطلوا العمل. أخبرنا أبو سليم بأنه كان على البارون، في لحظة ما، أن يقابل بعض قادة البدو كي يشرح لهم خطته للتطوير العمراني ويغريهم بالانضمام إليه. بعد تحيته بولائم تنمّ عن حُسن الضيافة، صار الاجتماع عادة سنوية ترسخ العلاقة بين ساكني الأرض ورائد الأعمال الحاذق الذي كان على وشك الاستيلاء عليها.

تصوير روجيه أنيس

هكذا أُعطي البدو المنحدرين من قبيلة الحويطات مهام حراسة منشآت الشركة، مثل مضمار سباق الخيل، والقصور ومحطات الطاقة، بين منشآت أخرى. ذكر أبو سليم كذلك أنه وقتما حدث أن توغلت أعمال التطوير أكثر في الصحراء، كان على «شركة واحة هليوبوليس أن تخطر المشايخ»، وطبقًا لاتفاق، كانت الشركة تمدّ خطوط الماء إلى مناطق أبعد في الصحراء ينتقل البدو إلى السكن فيها.

القصة أعلاه هي شذرة من اتجاه للتطوير العمراني في القاهرة في بواكير القرن العشرين، وحي هليوبوليس هو نتيجته. لقد وُلِد في سياق كولونيالي يمنح مزايا للمستثمرين الأجانب في خضم ازدهار عقاري في القاهرة، ولهذا فإن تاريخ هذه «المدينة الجديدة الرائعة» والمشروع التجاري، كولونيالي الطابع، وراء تطويرها العمراني يستحق العودة إليه، على الأقل من منظور اللحظة الراهنة.

سياق لمشروع هليوبوليس 

انتهز البارون إمبان، مثل آخرين، الفرصة الذهبية التي أتاحتها مصر في فترة معينة للأجانب وأعمالهم في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. في محاولته لتعزيز التجارة ولدمج مصر في النظام الرأسمالي العالمي، قدَّم محمد علي باشا (1769-1849) مصر كأرض الفُرص للشركات الأجنبية. كان ذلك واضحًا في منظومة الامتيازات الممنوحة للمستثمرين الأجانب والتي اتسعت وأخذت أشكالًا متعددة على امتداد فترات حكم نسل الباشا. كان التخصص سمة عامة من سمات مجتمعات الأعمال الأجنبية المُقيمة في مصر. في حالة الشركات البلجيكية، وشركات البارون إمبان لم تكن استثناءً، بدا أن صناعة السكك الحديد كانت موضع قوتهم.

يحدد هاورد شكسبير، الذي نشر قائمة بالشركات البلجيكية في مصر، خمس شركات بلجيكية للسكك الحديد أُنشئت بين عامي 1895 و1909. سبقت شركتي إمبان؛ «ترام القاهرة الكهربائي»  و«واحة هليوبوليس»، مجموعة من عمليات مد خطوط الترام في مناطق مختلفة من مصر، وهيمنت عليها إلى حد كبير شركات بلجيكية. أُنشئت شركة «تراموي القاهرة» S.A. des Tramways du Caire عام 1895 وأدارت شبكة من الخدمات الكهربائية في أنحاء القاهرة. كذلك مدّت الشركة خطًا منفصلًا عام 1899 في الجانب الغربي للنيل يمتد إلى منطقة الأهرامات. كان البارون إدوارد إمبان، وأخوه البارون فرانسوا إمبان، مشاركين كمديرين للشركة. لاحقًا، أُنشئت شركة «سكك حديد مصر السفلى» S.A. des Chemins de Fer de la Basse-Egypte عام 1896 لتشغيل خط واحد فقط، وإن كان رئيسيًّا، من المنصورة إلى المطرية. مرة أخرى كان كل من الأخوين إمبان مديرين للشركة. بعد ذلك، أُنشئت شركة «تراموي الإسكندرية» S.A. des Tramways d’Alexandrie عام 1897 لتشغيل شبكة من خطوط الترام في الإسكندرية. أدارت شركة بلجيكية أخرى، تحديدًا الشركة «البلجيكية لعربات النوم والقطارات السريعة الأوروبية» S.A. Belge des Wagon-Lits et des Grands Express Européens ، عربات النوم والطعام في خطوط القاهرة- الأقصر والقاهرة-بورسعيد.

اتسع هذا التخصص وصار احتكارًا. طبقًا لروبرت فيتاليس Robert Vitalis، وهو باحث علوم سياسية يدرس التاريخ الاقتصادي للمنطقة وخاصة مصر، «في فترة ما بين الحربين، عمل البلجيكيون جاهدين على منع المستثمرين المصريين من كسر احتكار أسواق المواصلات والطاقة في القاهرة. في أفضل الأحوال، عمل رأس المال المحلي على هامش الإقطاعية الحضرية لمجموعة شركات إمبان، على الأقل حتى نهاية الحرب العالمية الثانية».

جاءت مغامرة البارون إمبان بإنشاء هليوبوليس في خضم ازدهار عقاري كان وقوده، طبقًا لمؤرخ الشرق الأوسط روجر أوين Roger Owen، «زيادة عدد الأجانب، مقيمين وسياحًا، والتوسع الكبير في النشاط الحكومي». بلغ الازدهار ذروته في الفترة بين عامي 1897 و1907 حين «تضاعفت قيمة محصول القطن، واستثمر الأوروبيون في شركات مصرية من المال ما يكاد يساوي ما أقرضوه لـ [الخديو] إسماعيل، وارتفع عدد الأجانب المقيمين في القاهرة من 35385 إلى 55987. كانت النتيجة طلبًا ضخمًا، ومتزايدًا، على المتاجر والمكاتب، والشقق والفنادق، وهو ما دفع بقيمة الأراضي إلى قمم فلكية».

إضافة إلى هذا، يعزو ماكس رودينبيك Max Rodenbeck، وهو صحفي بارز ومؤلف كتاب Cairo: The City Victorious [القاهرة: المدينة المنصورة]، الازدهار إلى الانتهاء من بناء سد أسوان عام 1902، الذي أدى إلى «عاصفة من تطوير الممتلكات العقارية غيَّرت القاهرة ... إذ أصبحت ضفاف النيل مستقرة بما يسمح بالبناء عليها».

كيف بدأ الأمر: البارون إمبان وشركة واحة هليوبوليس

راكم البارون إمبان سجلًا من الإنجازات المالية والصناعية قبل وصوله إلى مصر. في بلجيكا، أطلق بنك «إمبان» La Banque Empain الذي شملت صلاحياته تمويل مشروعات متعددة، أنشأ بعضها بنفسه، كما يسجل تييري دينويل Thierry Denoel في «معجم البلجيكيين الجديد» Le Nouveau Dictionnaire des Belges. يشير المؤرخ روبير إلبير Robert Ilbert، الذي درس مشروع إنشاء هليوبوليس دراسة مستفيضة، إلى كيف غيَّر البارون إمبان دور العمل المصرفي من شركة فرعية تُسهم في عمليات تجارية محدودة إلى دور أكثر تشاركية في الصناعة عبر شراكته مع البنك «الصناعي البلجيكي» Banque Industrielle Belge (وهو المنظم المالي لشركة واحة هليوبوليس).

طبقًا لإلبير، دشَّن البارون إمبان مشروعاته التجارية بإنشاء وتطوير خدمات السكك الحديد في فرنسا، لكنه مدّ أعماله إلى روسيا والصين وإسبانيا -حيث سعى وراء تجديدات في القطاع من قبيل «التقنية الجديدة الخاصة بخطوم الترام الكهربائية العمرانية، التي بلا شك تكللت بإنشاء مترو باريس». يضيف إلبير أن إمبان عمل عن قرب مع الملك ليوبولد الثاني قبل وصوله إلى مصر، فيما أُعتبر دفعة لتطوير الكونغو الاقتصادي، ومكَّنه من بحث إمكانية عمل المزيد من المشروعات في إفريقيا. لقد أمَّن نجاح مشروعات إمبان في الكونغو له لقب بارون عام 1907، قبل وصوله إلى مصر.

تصوير روجيه أنيس

في «انطباعات من القرن العشرين عن مصر» Twentieth Century Impressions of Egypt، وهو كتاب يعود إلى عام 1909، نجد النظرة الثاقبة التالية بخصوص بدايات مشروع هليوبوليس العمراني:

«إن المشروع الجريء بإنشاء هذه الضاحية الجديدة يدين بفكرته لعبقرية وخصوبة خيال البارون إمبان، وهو أحد مصرفي بلجيكا، بالتعاون مع صاحب السعادة بوغوص نوبار باشا وعدة مصرفيين هامين آخرين. لقد حصل من الحكومة المصرية على نحو ستة آلاف فدان بسعر جنيه واحد للفدان، بعقد يحمل تاريخ 23 مايو 1905، وكوَّن في يناير التالي شركة مصرية بغرض تطوير خطة المشروع».

تصوير روجيه أنيس

حصلت الشركة بعد ذلك على امتيازات لإنشاء أربعة خطوط ترام كهربائي، ثلاثة منها تربط الواحة بباب الحديد، والعباسية، ومحطة قصر القبة. أما الخط الرابع فقد ربط شارع بولاق بميدان باب الحديد. هكذا، بشراء أرض المشروع بسعر رخيص إلى حد ما والتمتع بامتيازات خطوط الترام التي كانت ستربط الضاحية بقلب المدينة، كانت هليوبوليس تستجيب للطلب الشديد المصاحب للازدهار العمراني، مسلحة بأسعار إسكان تنافسية مقارنة بقلب المدينة. إضافة إلى هذا، وُضِعت منظومة تتسم بالكفاءة لتسهيل البناء على الأرض وإعادة البيع من قِبل المشترين كما يرد في الإفادة التالية المأخوذة من «انطباعات من القرن العشرين عن مصر»:

«الهدف الحقيقي للشركة، التي يبلغ رأس مالها المُصرح به 50 مليون فرانك سويسري، هو التخلص من الأراضي التي في حوزتها لأغراض البناء. يتعين على كل مشتر لقطعة أرض أن يقوم ببناء بيت في غضون 18 شهرًا، وعند الوفاء بهذا الالتزام، تُرد وديعة مطلوبة في البداية تبلغ 20 في المئة من قيمة الموقع. يُعطى مالك البيت الاختيار بين شراء الأرض أو دفع إيجار سنوي مقداره 3 في المئة من سعر الشراء، وذلك لـ 30 أو 60 عامًا. تحققت أولى مبيعات الأراضي بأسعار تتراوح بين جنيه واحد و1.10 جنيه للمتر المربع. مقارنة بإيجارات البيوت في القاهرة، فإن الإيجارات في الواحة معقولة جدًا. يمكن الحصول على شقق لطيفة مقابل 80 جنيهًا في العام أو أقل حتى، والفيلات المنفصلة بأسعار تتراوح بين 140 جنيهًا و200 جنيه سنويًا. تتوافر مساكن للفقراء بأسعار أقل كثيرًا. والشركة على استعداد لبيع البيوت، التي تبنيها، بنظام أقساط سنوية».

caption

طبقًا لإلبير، كان المشروع يواجه تحديًّا كبيرًا، كما يتضح من تقرير قدمه المفوض السامي البريطاني في مصر اللورد كرومر، الذي حذر المستثمرين من أخطار المضاربة. كان ذلك في أعقاب لعبة متكررة لعبها الكثير من رواد الأعمال الذين كانوا يرفعون أسهم شركاتهم إلى الحد الأقصى، ثم يبيعونها.

أحد التحديات الأخرى كان أن تصبح شركة واحة هليوبوليس موقعًا للتنافس الاستعماري. يفسر إلبير كيف علقت الشركة في التنافس الجيوسياسي الأوروبي في بدايات القرن العشرين. في عام 1912، حاولت ألمانيا شراء أسهم الشركة من خلال بنك «المشرق الألماني» Deutsche Orient Bank وبنك «دريسدن» Dresdner Bank، وكتب السفير الفرنسي في مصر، مُعلقًا في خطاب: «سيكون هذا مؤسفًا. سوف يحوِّل الألمان مدينة هليوبوليس على الفور إلى مركز نشط للدعاية الجرمانية».

caption

إضافة إلى هذا التنافس الاستعماري، يشير إلبير إلى تأثر الشركة بالأصوات الوطنية الصاعدة والمشاعر المضادة للإمبريالية في مصر عام 1919. داخل حدود الشركة، حدثت توترات وصدامات بين الموظفين الكبار والعمال الأقل حظًا، وكذلك بين الموظفين المسلمين والمسيحيين، كما يكتب إلبير. لقد بلغت «الحمى الوطنية» كما يدعوها إلبير، الشركة كما بلغت الكثير من المواقع المهنية الأخرى وأخذت شكل إضرابات عمالية متكررة. يكتب: «اتسمت الفترة من 1919 إلى 1920 بزيادة في العنف، وهي سمة لم يخل منها أي مشروع».

لم تكن الإضرابات، التي كثيرًا ما نظمها عمال الترام، تستمر لأكثر من عشرة أيام بسبب قدرة الشركة على تلطيف حدتها، كما يوضح إلبير. لقد قامت الشركة بتقديم تنازلات ووافقت على مطالب العمال بتقليل ساعات العمل وتسهيل التأمين على الحياة والإجازات المرضية. في مقابل هذه التنازلات حصلت على ضمان بعدم التدخل النقابي في إدارتها، في أعقاب تكوين نقابة لعمال النقل.

لم تكن هذه المشاعر الوطنية مجرد تصدير من السياق الأوسع في البلاد إلى شركة واحة هليوبوليس. يوضح إلبير أنه في عام 1908 من بين موظفي الشركة الـ 65، جرى توظيف 20 منهم في أوروبا، وشغل هؤلاء وظائف الإدارة العليا. تقريبًا كل المهندسين أتوا من الخارج، واستمرت هذه السياسة حتى الخمسينيات. حمل خمسة أشخاص فقط أسماء محلية: سائقان وثلاثة فراشين. يقول إلبير إنه «من الممكن جدًّا تعريف بنية الشركة الإدارية ككتلتين غير متساويتين، إحداهما تتكون من العمال والأخرى من الموظفين؛ كلتاهما هرميتان على نحو صارم، طبقًا لمنظومة تنتمي إلى مشروع صناعي وكولونيالي. كذلك يمكننا أن نستشعر ذلك من الرواتب وترتيبات الإقامة؛ على سبيل المثال اعتاد رئيس الشركة أن يعيش في قصر حقيقي يقع في شارع كليوباترا، في حين أن المهندس الوحيد الذي وُظِّف في القاهرة لا يمكنه السفر إلَّا في الدرجة الثانية».

بخلاف هذه التحديات التي تنعكس في الطبيعة الهرمية الكولونيالية للشركة، فاق العمالُ الإداريين عددًا، بالنظر خاصة إلى قيام الشركة بأعمال الصيانة لمجموعة متنوعة من الأشغال العمومية، بما فيها الماء والكهرباء والنظافة وخطوط الترام، طبقًا لإلبير. كانت أجور شركة واحة هليوبوليس، هكذا يخبرنا إلبير، أفضل مقارنة بمتوسط الأجور للوظائف المعتادة للسباكين والحدادين والعمالة اليدوية، وكذلك مقارنة بالرواتب التي تدفعها بقية الشركات الكبرى، مثل شركة سكك حديد وتلغراف الدولة المصرية Egyptian State Railways and Telegraph. على سبيل المثال، يوضح إلبير أنه رغم المقاربة الحصيفة التي تبنتها الشركة بخصوص التوظيف، لم تستطع الاقتصاد في اعتمادها على حراس المباني، أو البوابين. اعتبرت الشركة وظائف حراس المباني مهمة لثقافة البلاد. يكتب إلبير عن سياسة الشركة: «من المستحيل تقليل أعداد الخفراء والبوابين، بالنظر إلى نظام المباني وتقاليد البلاد».

caption

يفصِّل إلبير عمليات التسويق والتسعير الخاصة بالشركة. بخلاف الإعلانات المنشورة في جرائد La Bourse Egyptienne، وLes Pyramides، وLe Progrès، نظمت الشركة احتفاليات، وحفلات موسيقية، وحفلات استقبال، وفعاليات رياضية. كانت أسعار العقارات في هليوبوليس، طبقًا لإلبير، مُنخفضة إلى حد كبير مقارنة بأسعار وسط القاهرة. على سبيل المثال، يذكر أن سعر المتر المربع في هليوبوليس يتراوح بين 65 و250 قرشًا، بينما لم يكن ليقل عن ثلاثة جنيهات في وسط القاهرة. كذلك تعددت خيارات الدفع والمزايا. ولم يكن الإيجار أقل رواجًا، ومرة أخرى بمزايا تسعيرية مقارنة بوسط القاهرة حيث لم يكن إيجار فيلا ليقل عن 15 جنيهًا شهريًا، بينما قدمت الشركة 20 خيارًا مختلفًا بأسعار تتراوح بين أربعة جنيهات و18 جنيهًا شهريًا.

هكذا أتى العملاء من الطبقة الوسطى التي وجدت في مساكن هليوبوليس، ذات الأسعار المنخفضة نسبيًا، فرصة جيدة لاستثمار الأصول. هكذا تصف كنيسة القديس كيرلس للروم الكاثوليك، المشيدة عام 1912، سكان المدينة الأوائل: «ابتكرت الشركة الجديدة طرقًا بارعة لإغراء قاطني القاهرة بالسكن في هليوبوليس. وسرعان ما بدأ وجهاء الروم الكاثوليك المنحدرين من سوريا ومن لبنان، في الانتقال من أحياء شبرا والفجالة بالقاهرة إلى هليوبوليس. كلَّف البارون إمبان واحدًا منهم، وهو المهندس المدني حبيب عيروط، بالتعاون مع فريق الأشغال المدنية البلجيكي».

«لقد قال عنه الجميع إنه مجنون»، يكتب الروائي وأحد سكان هليوبوليس السابقين روبير سوليه Robert Solé عن البارون إمبان. «كم من الناس قد يود أن ينفي نفسه عشرة كيلومترات في شمال شرق القاهرة من أجل هواء نظيف وإيجارات رخيصة؟ هل سيكون ترام كهربائي يربط هليوبوليس بالعاصمة كافيًا لجذب الحشود؟».

الجواب هو نعم.

رغم أنه طبقًا لسرديات عديدة، كانت المعادي هي المنطقة الرئيسية التي استهدفها البارون إمبان، وخسر امتيازها لصالح شركة «الدلتا المصرية للأراضي والاستثمار» Egyptian Delta land and Investment Company، يوضح فيتاليس أن «العديد من المشروعات العمرانية العقارية بدت باهتة، رغم هذا، بجوار خطة التطوير التي روَّج لها إمبان وحلفائه من المصرفيين الأوربيين». يخبرنا فيتاليس أن تعداد سكان هليوبوليس «بلغ 24 ألفًا بحلول عام 1928، وأن شركات إمبان العديدة سيّطرت على النقل، والطاقة، والخدمات، و18 ألف فدان من العقارات الخاصة والتجارية بحلول منتصف القرن».

مدينة أون، مدينة جديدة رائعة 

في رسالة منشورة، كتبها في القاهرة بيير تايلهارد دي شاردين Pierre Teilhard de Chardin، الفيلسوف الفرنسي والحالم اليسوعي، موجهة إلى والديه بتاريخ 1 نوفمبر 1906، يصف الضاحية الجديدة على النحو التالي: «عبرتُ للتو أعمال الإنشاءات الضخمة في «الواحة». هذا هو اسم هاتين المدينتين النموذجيتين الصغيرتين اللتين يبنيهما رائد أعمال بلجيكي هام في وسط الصحراء، على مشارف القاهرة، في نحو منتصف الطريق إلى المطرية. سيكون لكل بيت من بيوتها حديقة، ولا بد أن تحقق ظروفًا صحية وجمالية معينة».

لم تبتعد سرديات الحي الجديد عن النوستالجيا أو إضفاء طابع رومانسي، وهما مجازان أكثر من شائعين في الذاكرة الجمعية وفي تذكُّر ازدهار مصر المتخيل في بدايات القرن العشرين.

في «البارونات إمبان» Les Barons Empain، يؤلف الصحفي ايفون توسان Yvon Toussain، حوارًا متخيلًا بين بارون إمبان ومارسيل-هنري جاسبار Marcel-Henri Jaspar، وهو أحد مهندسي هليوبوليس الرئيسيين، والذي تصادف أن يكون في إجازة في مصر حين قابل البارون للمرة الأولى. هكذا يجري الحوار:

«ما الذي تفعله هنا؟» سأل إمبان. «لا شيء» قال جاسبار. «هل تستطيع أن تمتطي حصانًا؟»، «نعم»، «تعال هنا مبكرًا في صباح الغد. أريد أن أريك ركنًا من الصحراء لدي اهتمام به». في الصباح التالي، بينما تشرق الشمس، امتطى الرجلان حصانين إلى بقعة صحراوية. لم يكن هناك أي شيء سوى امتداد من الرمل في الأفق. «أريد أن أبني مدينة هنا» قال إمبان، «سوف تُدعى هليوبوليس».

تصوير روجيه أنيس

تكتب الناشرة آن فان لو Anne Van Loo أن البارون إمبان نفسه أراد إضفاء مسحة صوفية على مشروعه كي يجعله أكثر جاذبية. بناءً على هذا، أمر بعمل بعض الحفريات في الموقع، على أمل العثور على بقايا مدينة هليوبوليس القديمة.

سيمتد الميل إلى إضفاء طابع رومانسي إلى سكان هليوبوليس القدامى، وسيظهر في تذكرهم النوستالجي لأيامه المبكرة.

يخبرنا سوليه، الذي قضى السنوات الـ17 الأولى من حياته في هليوبوليس، بحوار جرى في بيت عائلته الذي بنته شركة إمبان:

«إنها مدينة نزعت في الأصل إلى أن تكون واحة فاخرة، وتحوّلت إلى مدينة مختلطة أتت طبقات اجتماعية مختلفة كي تستقر فيها. لقد كانت مدينة كوزموبوليتانية حتى أتى إليها أناس من أصول قومية، وديانات، ولغات مختلفة، واستقروا فيها. لقد كانت مدينة جديدة جميلة، وذكية».

وهكذا يصف سوليه هليوبوليس في روايته الأولى، الطربوش Le Tarbouche:

«كان خليل قد شعر بالشغف تجاه هذه البلدة ذات اللون الأصفر الباهت (لونها حددته الشركة)، والتي لم تستمد شيئًا من أي مرجع معماري، ولم تلتزم بأي أسلوب مقبول. تجاورت المباني الأوروبية مع سمات زخرفية من كل نوع: مآذن، قباب، مشربيات موجودة، بدون اتساق، في الشرفات. علا صوت أنصار النقاء بالصراخ، وابتهج خليل».

كانت جِدَّة هليوبوليس جذابة للطبقة الوسطى الموصوفة بأنها كوزموبوليتانية والمكونة في معظمها من الشوام والأوروبيين. على عكس السكان المصريين التقليديين الذين كانوا يفضلون الالتصاق بوسط المدينة كي يكونوا قريبين من عائلاتهم الممتدة، فإن ساكني هليوبوليس الجدد كان يُعتقد فيهم حس المغامرة.

بالنسبة لماري يوسف*، التي عاشت في هليوبوليس منذ عام 1939، فإن ذكر فندق هليوبوليس بالاس، يذكرها على الفور بأمسيات الرقص التي اعتادت أن تحضرها هناك. الفندق نفسه سيوصف في رواية سوليه «بمصاعده الضخمة، قاعات البلياردو وحماماته التركية، وشرفته البانورامية التي وفرت إطلالة بعيدة على الأهرامات».

caption

بالنسبة ليوسف، جذبت هليوبوليس كذلك رواد سباقات الخيل في أيام الآحاد، حين تنعقد السباقات في الميريلاند. رغم أن مضمار السباق كان مقصورًا على الطبقة العليا، فقد اعتاد أناس من طبقات أخرى على القدوم ومشاهدة السباقات من الخارج.

يشترك محمد مرعي*، الذي عاش في هليوبوليس منذ عام 1947، في هذه الذكرى البصرية المتمثلة في حشود من المتفرجين الواقفين خارج مضمار السباق، لأنهم لم يكونوا قادرين على دفع ثمن التذكرة. يخبرنا مرعي أنه في بدايات الخمسينيات، وخصوصًا بعد حريق القاهرة وحوادث الشغب عام 1952، جرى إيقاف سباقات الخيل لأنها كانت استعراضًا بليغًا للتفاوت الطبقي.

كذلك كان الذهاب إلى السينما مُتاحًا لأهالي هليوبوليس، مع مجموعة متنوعة من الخيارات، تشمل سينما «نورماندي» الصيفية المفتوحة، حيث كانت التذكرة تكلف نصف قرش، والسينما الشتوية الأكثر تأنقًا، بجوار الأولى مباشرة في شارع الأهرامات الحيوي (الأهرام حاليًا). طبقًا لمرعي، كانت هناك أيضًا سينما مفتوحة ضخمة هي روكسي، وسينما الواحة، وسينما فندق هليوبوليس بالاس الفاخرة.

لم تكن منطقة التسوق أي مكان بخلاف الكوربة، وهي منطقة مُعرَّضة معماريًا لجو القاهرة المشمس، ولهذا تحميها البواكي، أو الأقواس التي تُبقي المشاة في الظل أثناء تسوقهم.

بالنسبة لميشيل مانوكيان* Michel Manoukian، المولود في القاهرة عام 1941 والذي انتقل إلى هليوبوليس عام 1948، يمثل المترو قمة مسعى البارون إمبان العمراني. يقول: «نقطة النجاح الرئيسية في التعمير هي ضمان وسيلة مواصلات. لقد أتى الناس واستقروا على جانبي المترو وفيما وراء ذلك».

يصف مانوكيان خط الترام الذي ربط هليوبوليس بشارع عماد الدين في وسط القاهرة بأنه «وصلة حيوية». «كان شارع عماد الدين أحد أكبر الشوارع التجارية حيث كان باستطاعتك أن تجد كل المتاجر التي تحتاجها. لقد كان مركزًا تجاريًا. كان كذلك هو الشارع الرئيسي للمسارح وأماكن الترفيه». طبقًا له، كان يحدث امتداد للمترو كل عامين إلى أن بلغ ميدان سانت فاتيما في نهايات الخمسينيات، وتشعب كي يضم خطين آخرين، خط عبد العزيز فهمي في بدايات الستينيات وخط الميرغني الذي يسلك طريقه الخاص بدءًا من محطة تقاطع روكسي.

يذكر رودينبيك أن «البناء الرئيسي في هليوبوليس الجديدة تبع نمطًا قديمًا، كان بيت عبادة. لكنه كان بازيليكا على النمط البيزنطي الجديد هذه المرة. أما المسجد الإلزامي فكان أكثر تواضعًا بكثير، واختُير له مكانًا بين مساكن الدرجة الثالثة في حي «الخدم» في هليوبوليس». كانت خطة الشركة الأصلية هي إنشاء حيين، أو «واحتين» منفصلتين. أولهما، طبقًا لمجاهد الطيب، في مقالته بمجلة «أمكنة»، كان للطبقات الوسطى والعليا؛ يتوسطه شارعان رئيسيان متعامدان: الأهرام ورمسيس. أما الثاني فكان الإسكان الاقتصادي ومنطقة الحرف إلى شمال المنطقة الأولى، ويقع ميدان الجامع في مركزه. في الممارسة الفعلية، لم يكن هذا التصنيف الهرمي على درجة عالية من الصرامة، وكانت المنطقتان متصلتين إحداهما بالأخرى، ورغم هذا بقيت تركيبتهما الطبقية في الغالب كما خُطط لهما، على الأقل لبعض الوقت.

هذا ما قاله رئيس الشركة، بوغوص نوبار، في خطاب يقتبس مجاهد منه:

«هدفنا كان إنشاء مدينة في وسط الصحراء، جوها جاف وبها كل ضروريات الحياة والتسلية ... خطوط ترام وسكك حديد سريعة تربطها بـ [وسط] القاهرة خلال بضع دقائق. حقوق الفقراء محفوظة في هذه المدينة، إذ تُبنى مبان سكنية للعمال».

يعيش محسن عبد الله* في المنطقة التي يصفها رودينبيك بـ«حي الخدم» في هليوبوليس. خلف ميدان الجامع مباشرة، حيث لا يزال يوجد أقدم مساجد هليوبوليس، ثمة مكان يُسمى «عزبة المسلمين». تتكون العزية من أزقة شديدة الشبه بالبيوت الشعبية في كثير من أحياء القاهرة الفقيرة نسبيًا. في متجر صغير، حيث يدير عبد الله عمله في تصليح أجهزة كهربائية ويبيع الحلوى منذ تقاعده من الجيش، يحكي لنا قصة المكان.

كانت عزبة المسلمين هي تجمع العمال؛ أربعة شوارع مغلقة ببوابات كانت مخصصة لعمال شركة واحة هليوبوليس. كان كل بيت يتكون من ست أو سبع غرف، وحمام ومطبخ، طبقًا لما يصفه عبد الله الذي يؤكد أنه رآها قبل هدها. كان العمال في شركات المياه والمترو والطاقة جميعهم تقريبًا من الأجانب، كما يقول عبد الله؛ يونانيون وبريطانيون وجنوب إفريقيين ومن كافة حلفاء بريطانيا. يذكر كيف كان يحميها معسكر جيش بريطاني كان يقع وراء التجمع مباشرة. كان اسم المكان القديم هو «معسكر شركة واحة هليوبوليس للعمال». أتت تسمية المكان «عزبة المسلمين» بعد ذلك؛ حين رحل البريطانيون، فُتحت بوابات المنطقة وأتى المصريون للسكن فيها، وأغلبهم كانوا من المسلمين ومن هنا يأتي أصل الاسم، طبقًا له.

يقدّم عبد الله المزيد من التوضيح بخصوص البنية الهرمية لمنطقة هليوبوليس: الإدارة العليا بالقرب من البازيليكا، الإدارة الوسطى أبعد وتقع بالقرب من المسجد في شوارع من قبيل الجيزة والجباري، وأخيرًا مساكن من الدرجة الثالثة في العزبة. إضافة إلى هذا، يضيف إلبير أن «كل جماعة عرقية مالت إلى التجمع إما حول دار عبادتها أو حول مبانٍ سكنية تناظر المستوى الاجتماعي للجماعة ككل».

تحولات مدينة أون

تصوير روجيه أنيس

بينما نقف في «حارة الفرن» حيث يقع متجره، يرينا عبد الله المكان حيث كانت توجد بوابات التجمع. يوضِّح لنا بعدها، بنبرة انتصار، أن جمال عبد الناصر فتح البوابات، وأمم الشركات الأجنبية وأعطاها للشعب، وأن مصر الآن للمصريين فقط. لقد أُممت الشركة، رحل البلجيكيون، وتغيَّر المكان.

بخصوص شركة «واحة هليوبوليس» المؤممة، يقول عبد الله إنها وفرت فرص عمل لسكان هليوبوليس الجدد من المصريين، وأنه أصبح في إمكان أي مصري أن يحصل حينها على عمل بسهولة.

كذلك يتذكر عبد الله مضمار سباق الخيل. لقد أغلقت حكومة عبد الناصر المضمار الذي كان يقع أمام مدرسته. «إنه لا يتوافق مع تقاليدنا»، يقول عبد الله، «إنه قمار. في عام 1967، كانت مصر في حالة اقتصادية شديدة السوء ولم يكن مضمار السباق ملائمًا، لهذا، حولوه إلى حديقة تحت رعاية الشركة بعد تأميمها».

يصف الكاتب المصري الشهير وأحد سكان هليوبوليس صنع الله إبراهيم هذا التغيير في مقاله «القاهرة من طرف إلى طرف»، المنشور عام 1998:

«حين وصلت إلى هليوبوليس، كان الترام الأبيض قد اختفى، والبريطانيون رحلوا، وازدادت الهجرة الداخلية. بدأ الحي في التوسع في ثلاث جهات، مع ثلاثة خطوط ترام جديدة وقد أُعطيت اللقب المحترم مترو. خلال السنوات التالية، تابعت برعب العدوان المتواصل على الحدائق والأرصفة التي أخلت الطريق لأكشاك السلع الصغيرة أو لساحات انتظار من أجل السيارات التي تتزايد أعدادها. جرى تحويل الأدوار الأرضية من المباني المميزة، القديمة، الواسعة، إلى متاجر من كل نوع وشكل: مصففو شعر، مصممو ديكور داخلي، تنظيف جاف. مذعورًا، تابعت هذا الإعصار الذي لا يمكن السيطرة عليه وهو يقترب ببطء من الحي الذي أعيش فيه».

في مقابلة مع المهندس محمود شبل، يذكر أنه بعد التأميم، كان ثمة تراجع في مستوى الحياة في الضاحية. امتد البناء إلى البقاع الخالية، وهو ما زاد من كثافة المباني. النطاقات التي كان من المفترض أن تكون سكنية فقط أصبحت تشغلها كيانات تجارية. حدث تحوّل في الرؤية بعد التأميم. على عكس إمبان الذي انصب تركيزه في الغالب على الجانب السكني، فإن رؤية الشركة المؤممة كانت تقسيم هليوبوليس إلى نطاقات، يتمحور كل منها حول منطقة تجارية تمددت فيها الأعمال والخدمات.

طبقًا لوثيقة عن مجتمعات الضواحي في مصر نشرتها كلية الهندسة بجامعة عين شمس فإن سياسة الشركة في الفترة بين عامي 1961 و1966 كانت تخفيض سعر الأرض والفوائد، وهو ما أدى إلى زيادة الاستثمار. هكذا تمحورت أنشطة الشركة حول البناء الاقتصادي من أجل «خدمة الجموع». ساهم هذا في تغيير المشهد العمراني لهليوبوليس، بدلًا عن معمار فاخر إلى حد ما زاوج بين الأسلوبين الأوروبي والعربي، انصب التركيز على أسلوب المعمار «الاشتراكي». لكن في السبعينيات والثمانينيات، حدث ازدهار عقاري مع تطبيق سياسة الانفتاح في مصر، وهي سياسة الباب المفتوح التي قادها الرئيس أنور السادات. خلال هذه الفترة، لم تقصر الشركة أنشطتها على بيع الأراضي إذًا، بل إنه بنهاية الثمانينيات، كان الأكثر ربحًا هو بيع وحدات سكنية، وهو ما أصبح الهدف الرئيسي لأعمال الشركة.

تتبع دراسة نشرتها عام 1997 شركة هليوبوليس للإسكان والتعمير المؤممة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أثرت بشكل مباشر على رؤيتها الجديدة للتطوير العمراني. جاءت الزيادة السكانية، المقدرة بـ 16 مليون شخص عام 2000، على رأس قائمة المؤشرات التي أثرت على المقاربة المتغيّرة للتطوير العمراني. أتى بعد ذلك الاتساع العمراني الذي حدث في القاهرة الكبرى بمعدل سنوي 2.4 في المئة. ظهر هذا كأوضح ما يكون في الثمانينيات، إذ كان 45 في المئة من هذا التوسع على حساب أراض زراعية، وخُصصت أغلب البيوت التي جرى إنشاؤها لمواطنين من محدودي الدخل. مع تعمير يتوسع على هذا النحو المطرد، كان من المتوقع حدوث ارتفاعات أخرى في كثافة السكان. النتيجة كانت سياسة عامة تهدف إلى جذب الناس بعيدًا عن المراكز العمرانية التقليدية بإنشاء تكتلات جديدة «مُكتفية ذاتيًا»، بين عدة سياسات أخرى لاحتواء الأزمة. طبقًا للدراسة، في الثمانينيات، بدأت هذه الاستراتيجيات في تبني هدفين أساسيين: التطوير الاقتصادي من خلال الحفاظ على الأراضي الزراعية ضد التوسع العمراني، وتحسين ظروف المعيشة في التكتلات الجديدة.

في هليوبوليس، أصبح كراس المواصفات الأصلي وثيقة تنتمي إلى الماضي، تُركت على رف في متحف التاريخ، إذ سرعان ما شغلت المباني المساحات غير المخصصة للإنشاءات. يدرك المسؤولون الحاليون في شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير وجود اختلاف بين استراتيجياتهم الحالية واستراتيجيات الشركة المؤسسة. طبقًا للمهندس منصور إتربي*، فإن الصلاحيات البلدية التي تمتعت بها الشركة في زمن ازدهارها لم تعد جائزة بعد تطبيق قوانين جديدة أعطت وزارة الإسكان سلطة أكبر على شؤون الضاحية. إضافة إلى هذا، تولت البلدية الرسمية، تحديدًا محافظة القاهرة، الكثير من مهام الشركة، بما فيها سلطة إعطاء تراخيص بناء لمشتري الأراضي، بدءًا من عام 1992، طبقًا لإتربي. في عام 1990، أُخذت إدارة الماء والكهرباء والمترو من صلاحيات الشركة وأُعطيت للمرافق المختصة، أي إدارات الخدمات العامة.

يقول إتربي: «في الوقت الحالي، تقتصر مهمة الشركة على تقسيم الأراضي وبيعها. لم تعد لديها أي سلطة تنفيذية».

كمشروع تطوير عمراني اليوم، لم تعد هليوبوليس تتضمن ثلاثة عناصر وثيقة الاتصال كانت أساس وجودها في الماضي، تحديدًا: مكان، مشروع، وسكان.

* أسماء مستعارة

المراجع

مجاهد الطيب. «ضاحية مصر الجديدة»، أمكنة. الإسكندرية: ديسمبر 2004.

Denoel, Thierry. “Le Nouveau Dictionnaire des Belges”, Le Cri. 1992.

   <http://users.skynet.be/chst/empain.htm> October, 14, 2005.

“Edouard Empain (1852 - 1929) Industriel et financier” Portrait Fédéral, Les Belges

    Célébres.  <http://www.belgium.be/>  October, 14, 2005.

"Evaluation of Suburban Communities in Cairo, Their Impact on the City Core, Case

    Study: Heliopolis and Awqaf City." The Academy for research and Technology,

    Faculty of Engineering, Ein Shams University. June, 1995

“Extrait d’une Lettre de Pierre Teilhard de Chardin à ses Parents.”

EzzelArab, AbdelAziz. European Control and Egypt’s Traditional Elites – A Case Study

    in Elite Economic Nationalism. The Edwin Mellen Press: New York, 2002.

Hassan, Fayza. “The Wonderful Wizard of On”, Al-Ahram Weekly Online, Issue No.

    385, 9-15 July 1998.

Hassan, Fayza. "The Setting of Sun City", Al-Ahram Weekly Online, Issue No.541 5-11

    July 2001.

Ibrahim, Sonallah and Jean Pierre Ribière. Cairo from Edge to Edge, American 

    University Press: Cairo, 1998.

Ilbert, Robert, Héliopolis: le Caire, 1905-1922: Genèse d’une Ville, Editions du Centre

    National de la Recherche Scientifique: Paris, 1981.

Owen, Roger, “The Cairo Building Industry and the Building Boom of 1897 to 1907" in

    Colloque International sur l'Histoire du Caire: 27 March -5 April 1969. Ministère de

    la Culture: Cairo, 1972.

Raafat, Samir. “The Belgians of Egypt” Egypt Mail, May 13th, 1995.

Raymond, André, "Cairo", Harvard university Press: Cambridge, 2000.

Rodenbeck, Max. Cairo: The City Victorious. Picador: London, 1998.

Shakespeare, Howard. “Belgian Companies in Egypt” Journal of the International Bond

    & Share Society, August 1998.

Solé, Robert. Le Tarbouche, Editions du Seuil: Paris, 1992.

"Twentieth Century Impressions of Egypt, its History, People, Commerce, Industries and

    Resources"(Eds), ILoyd's Greater Britain Publishing Co., LTD: London, 1909.

Vitalis, Robert, When Capitlaists Collide, University of California Press: London,

    1995.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن