تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«هذه أمور تحدث»| الكتابة على أنقاض الزلزال

«هذه أمور تحدث»| الكتابة على أنقاض الزلزال

مراجعة لمجموعة صلاح باديس القصصية 

كتابة: محمد عمر جنادي 8 دقيقة قراءة

كما يوحد الزلزال بين أفراد المدينة الواحدة، ويخلق حالة «جماعية» من الخبرة الشعورية يتشاركها الناس الذين يعيشون في نطاقه ومحيط تأثيره، فإن الزلزال كذلك هو الرابط المشترك الذي يجمع قصص «هذه أمور تحدث» [منشورات المتوسط-2019]، المجموعة القصصية للكاتب والمترجم الجزائري صلاح باديس.

لا تسرد قصص المجموعة حكايات مباشرة أو توثيقية عن الزلازل التي تضرب الجزائر العاصمة. للمدينة مع الزلازل خبرة طويلة، لعل أهمها زلزال ولاية بومرداس مع بداية الألفية، وآخرها الزلزال الذي ضرب بعض الولايات الجزائرية في الشهور الماضية. تقتفي النصوص «أثر» الزلزال، أثر تلك «الهزات الأرضية» على الأفراد، وما خلفته من «هزات» نفسية داخل أرواح كل من يحيا في الجزائر العاصمة. لذلك توحي بعض القصص أن ذكر الزلزال هو مجرد أمر عابر في ثنايا الحكي، إنه كالحديث عن حالة الطقس. الزلزال في الهواء الذي تتنفسه المدينة.

غلاف المجموعة القصصية

الجزائر مدينة درامية   

تدور أحداث كل القصص في مدينة الجزائر. يحظى حي/بلدية «الرغاية» بأهمية خاصة بين باقي بلديات العاصمة، مثلما حصر الروائي الجزائري الكبير، الطاهر وطار، تركيزه على ولاية قسنطينة المشهورة بجسورها في روايته «الزلزال».

تقع بلدة الرغاية على الحدود الشرقية للعاصمة الجزائرية. وكما يقول الراوي في قصة «الشركة الوطنية لانتظار القطارات» فإنها بلدة حدودية تقع وسط خط القطار (الجزائر- بومرداس)، وهي «آخر حصن شرقي» للعاصمة.

تقدم القصص الكثير من التفاصيل المرئية الحية لمدينة الجزائر، وتتوارد في النصوص العبارات التي تصف المدينة وشوارعها عبر رحلات القطار أو من خلال التجول بالسيارة أو مشيًا على الأقدام. ما تطرحه النصوص ليس وصفًا بيانيًا قدر كونه رؤية وتصورات لـ«تمثلات» المكان. تتجلى الجزائر كشعور يختبره الأفراد بداخلها.

في أولى قصص المجموعة «حاجة جديدة» يقول الراوي، الطبيب الشاب، إنه يكره «الوصول إلى الجزائر في الليل». يذهب مع زوجته «كهينة» إلى مغسلة عامة لغسل ملابسهما، لكنهما يتخذان من تلك المغسلة ملجأ من المدينة والشرطة التي تعتقل المحتجين، ومن إضراب الأطباء وعناء البحث عن شقة مناسبة للإيجار. يتأملان الرغوة داخل الغسالة كل مساء كموجة بحر. وفي نهاية القصة، بينما يتخيلان الرغوة البيضاء أمواجًا كثيرة يقول الراوي: «في الخارج كان الليل يتقدم هادئًا في الشوارع المقفرة. لا أحد يحرس الليل في الجزائر. الليل هنا بالغ ويحرس نفسه».

 وفي قصة «القطارات تغادر قبل الزلزال»، يصفها الراوي، الشاب الجامعي، حين يراها من فوق بناية عالية للمرة الأولى في حياته بأنها مثل «جمرة كبيرة سوداء، اشتعلت فيها بعض البيوت والشوارع فقط، وتنتظر نفخة هواء حتى تشتعل بالكامل، وتحترق».

لكن تلك الخبرة لا يمكن فصمها عن «تجربة» الزلزال. ثمة قلق وخوف يسيطران على غالبية شخصيات القصص. إذ يمثل الزلزال لحظة الفزع التي لا عودة بعدها للأمان والطمأنينة. انشق الفزع داخل نفوس الشخصيات مع تشقق الأرض والبنايات. ويوحي السرد بذلك المعنى من خلال الأثر الباقي للزلزال داخل وعي الشخصيات.

  نرى ذلك الأثر في بعض القصص كذكرى بعيدة. ففي قصة «القطارات تغادر قبل الزلزال» يبدو الخوف ساكنًا روح الراوي. ويصف عقدة الذنب تجاه أمه بأنها «مُحكمة» أكثر داخل بطنه. يظل القلق حائلًا دون تناغم الراوي مع الحضور في الحفلة التي قاده صديقه إليها. ويستدعي، فور رؤيته للبنايات الشاهقة، ذكريات الطفولة عن لحظات ضرب الزلزال حي الرغاية وانهيار بناية «الكانز» العالية. يقول: «أذكر تمامًا كيف سقطت بالتدريج على مدى ثلاثة أيام.. خرجت إلى الشارع مع ماما.. أردت أن أبكي. الصراخ كان في كل مكان. ماما كانت تضغط على يدي حتى لا أبتعد ولا يفرقنا الزلزال عن بعضنا.. ركعت ماما أمامي وطلبت مني ألا أخاف».

 وقد يكون مبعث الخوف من المستقبل لا الماضي، من زلزال جديد لا من ذكريات قديمة. في قصة «قبل الزلزال»، تتأمل الراوية الملابس المعلقة في المصبغة والمنسية من أصحابها. وتتساءل «هل يُعقل أن يكون أصحاب هذه الملابس المنسية قد ماتوا في الزلزال أو فقدوا بيوتهم؟» وتفكر في مصير «الرغاية» بعد أن انقرضت المساحات الخضراء والمفتوحة التي هرب إليها الناس أثناء الزلزال القديم «إلى أين سيهرب الناس لو ضرب زلزال جديد؟».

وتنتهي قصة «الشركة الوطنية لانتظار القطارات»، التي تدور أحداثها في التسعينيات فترة الصدامات المسلحة، بمشهد ركض البطل على درج العمارة هربًا من ملثمين لا نعلم هل ينتمون إلى «مجرمي» قوات الشرطة أم «إرهابيّ» الجبهة الإسلامية. لا يعلم الراوي في أي طابق هو، لكنه يواصل الركض في الظلام والصعود متمنيًا أن يضرب زلزال و«ينهار الدرج من تحتي ويبتلعهم». تخلق الأوضاع السياسية للمدينة واقعًا دمويًا أشد إثارة للخوف من أي كارثة أخرى. لذلك تظهر «أمنية» الزلزال كأنها خلاص نهائي أو باب للنجاة.

ومن ضمن التنويعات التي تقدمها النصوص، في إطار العلاقة بين المدينة وتجربة الزلزال، إبراز حالة من خواء وسخط مكتوم تكتنف بعض شخصيات المجموعة، كما تعبر عنها قصة «هذه أمور تحدث». يذهب يحيى، مصور ومونتير صوت، رفقة صديقه زكي ومعهما ليلى وآن الفرنسية، في رحلة عمل تتضمن تسجيل قصص الناس حول الزلزال، وإنتاج شريط صوتي حول الرحلة وفترة التصوير. سيرشدهم يحيى إلى بعض الأماكن التي أعادت الدولة إعمارها في بومرداس، وكذلك إلى شاطئ ألقت فيه سلطات الولاية ركام البنايات المهدمة وأطلالها.

حين تساله آن إذا ما أراد أن يقول شيئًا عن «تجربته» مع الزلزال، يجيب يحيى «لا، ليس عندي ما أحكيه بهذا الخصوص». يصف يحيى فكرة المشروع بأنها تكرار لنفس الحكاية كل مرة من المركز الثقافي الفرنسي: «قادرين يجيبوا أي شخص أبيض يعمل أي شيء عن الجزائر، يضع زوج كلمات أو زوج صور، ويصنع معرضًا فنيًا». ويقول عن الصحفيين الأجانب إنهم «كذابون كلهم».

مجازات الزلزال: طوفان بوجهٍ دنيوي

يصف السيد كريمو في قصة «بيجو 505» التسعينيات بأنها «مثل الطوفان.. يمحو ما قبله ويسد الأفق».

يكتسب الطوفان أبعادًا ملحمية من الأساطير القديمة والكتب المقدسة. الطوفان نذير النهاية في عالم المجاز. في عالم المادة، الفيزيقي الواقعي، يمثل الزلزال، بما يُحدثه من تصدعات في القشرة الأرضية، سببًا ماديًا للعديد من الكوارث الطبيعية الأخرى كالفيضانات والبراكين.

الزلزال هو المعادل الواقعي للطوفان، نظيره الدنيوي مع أبعاد أخروية/قيامية كذلك. ورغم كونه ظاهرة جيولوجية مادية فإنه لا تعوزه الرسالة. يؤدي الزلزال نفس الرسالة المجازية للطوفان، لكن في عالمنا اليومي.

يعمل الطوفان على التمييز بين الكفر والإيمان، فيهلك من كفر وينجو من آمن. وكذلك الزلزال، إذ يفرق بين الغنى والفقر، ويؤكد على الواقع الطبقي للمدينة. تنهار البنايات في الأحياء الفقيرة بينما تصمد تلك التي في الأحياء الغنية. يؤكد السرد على ما سبق من خلال تساؤلات الراوي في «القطارات تغادر قبل الزلزال»: «لماذا لم تسقط هذه العمارة وعمارات عالية أخرى، بينما سقطت الكانز التي تبعد عن بيتنا مئة متر؟». الزلزال كما يجمع الناس في تجربة موحدة، فإنه أيضًا يفرق بينهم.

ومثلما يكشف الطوفان عن تجليات الغضب الإلهي أو معنى العدالة الإلهية في القصص الديني، فإن الزلزال يكشف عن فساد السلطة وظلمها.

في «الشركة الوطنية لانتظار القطارات»، تتحدث مريم التي تعمل في مكتب الدراسات الهندسية، عن فوضى كبيرة في مجال البناء، وعن رشاوى وفساد في المناقصات. وتتنبأ بأن «كل ما يُبنى لن يصمد أمام الزلازل». وتبين الراوية في «قبل الزلزال» سبب سقوط بناية الكانز حيث قام التجار في الطابق الأرضي بإزالة أعمدتها طيلة التسعينيات لتوسعة محلاتهم.

تشير بعض التقارير عن زلزال الجزائر عام 2003 إلى مخالفة مقاييس البناء المنصوص عليها في وثيقة قسم العمران. وأشارت إلى لامبالاة السلطة تجاه تحذيرات الخبراء والمواطنين والبلاغات حول انتشار الرشاوى وسوء الإدارة، واستغلال المؤسسات الأمنية من أجل توقيع مشاريع بناء ضخمة أو متواضعة دون احترام المقاييس. وعند معاينة مواقع الزلزال «وُجد أساس بعض العمارات المنهارة مكونًا من أربع أعمدة حديدية، في حين أن المواصفات الزلزالية تقتضي أن يكون الأساس مكونًا من ثمانية».

دفع استياء الناس وغضبهم من كل ما سبق إلى القيام برجم الرئيس الجزائري، عبدالعزيز بوتفليقة، بالحجارة لدى وصوله مدينة بومرداس. وهتف المنكوبون «السلطة قاتلة»، كما أشارت التقارير.

تنقب القصص عن هذا المُعطى البشري داخل الكارثة الطبيعية. الخراب الإنساني الذي يسبق الكارثة ويزيد من شرورها، إن جاز التعبير. هذا السعي لا يبدو في سرد خطابي أو مباشر، وإنما عبر رصد خبرة الزلزال المروعة في تفاصيل العابر واليومي.

صوت البشر والمدينة     

لا يتكلم صلاح باديس عن مدينة الجزائر قدر ما «ينصت» إليها.

الصورة الحية التي يرسمها باديس للمدينة غير مقتصرة على كتابة التفاصيل المرئية. صورة الجزائر في «هذه أمور تحدث» لا تكتمل إلا بالصوت، الذي يشكل عنصرًا مهمًا في السرد. كأن باديس قرين بطله يحيى الذي يدور بمسجل الصوت، محاولًا تسجيل أصوات البلدة كلها، من أحاديث الباعة في السوق وأصوات التلاميذ حتى صوت البحر.

ينجح باديس في تسجيل صوت المدينة. وليس تناول ثيمة الصوت فقط داخل القصص هو سبب ذلك النجاح. تخلق لغة العمل «التحاورية»، بالمعنى الباختيني، تعددًا للأصوات بداخلها. تشتمل المجموعة على أساليب وأصوات مختلفة، تتكلم مع بعضها البعض. وتتنوع لغة الحوار على لسان شخصياتها بين اللهجة العامية الدارجة والفرنسية. ويتميز السرد ذاته في بعض الأحيان بصفة «الشفاهية»، أي أنه يتسم بصفات الكلمات المنطوقة وليست المكتوبة، بتعبير ديفيد لودج. الكاتب يستنطق المدينة عبر تصويره كلام الشخصيات في عفوية وأصالة.

كذلك تتحاور لغة السرد مع أصوات أخرى خارج النص نفسه، إما مع خطاب ثقافة البوب آرت أو الثقافة الشعبية، وهو ما يظهر في عدد من التشبيهات، كأن يشبه الراوي في «القطارات تغادر قبل الزلزال» التل الأخضر خلف السكة الحديد بـ «سنورلاكس، ذلك البوكيمون الضخم الذي ينام ويشخر، ولا يستدعيه أحد للقتال». أو في توظيف الدلالات السيميائية للعبارات، مثل عنوان المجموعة، المذكور في سياق السرد بالقصة الأخيرة، والذي يذكرنا  بالتعبير الإنجليزي «this shit happens»، وأيضًا تعبير «بتحصل» في العامية المصرية.

في كتابه «مداريات حزينة»، يتحدث عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس عن الحزن الذي اختبره في رحلاته الاستكشافية إلى بعض جزر أمريكا اللاتينية. الحزن «غير النابع من مرض وألم شخص واحد»، بل من « ثقافة ومحيط يعيشهما الملايين». يصير الحزن الناتج عن مظاهر البؤس والمعانة عنوانًا لذلك الجزء من العالم. تقبض «هذه أمور تحدث» على الإحساس النابع من الجزائر، من واقعها وتاريخها. ولا تفرض القصص إحساسًا بعينه، بل تصور عناء العيش في مدينة تنتظر قيامتها كل يوم.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن