نواجيب #5| نجيب قطب المتصوفين
#جو عام
النجيب الخامس في السلسلة التي يكتبها تامر فتحي يختلف تمامًا عن سابقه، يقدم هذه المرة الصورة التي رُبّينا عليها، النجيب المشمول بحضن جماعي، صاحب الحكمة والنكات والرؤى، المُحاط بمهرجان محبة وتقدير دائم، الناجي من الاغتيال.. هكذا يدلنا فتحي على بدايات وأسباب تشكل هذا النجيب أو «الكرامات» الأولى التي بشرت بتجليه، وتفضلوا إلى حضرة «مولانا»
#نواجيب #دليل #قراءة
عندما دسّ الشاب الموتور سكينه في عنق نجيب محفوظ وانشق الجرح الغائر، أطل برأسه الشيخ عبد ربه التائه، الذي أخفاه نجيب تحت جلده مدة من الزمن، ثم تجلّى بكامل هيئته وقوته حتى تلبّس الكاتب الكبير تمامًا.
وقتها بدا واضحًا للكثير أن نجيب بعد الحادث تجلت فيه روح قوية عظيمة أسماها جمال الغيطاني، تلميذه وصديقه القديم، «الإرادة المحفوظية».
أول تجلٍ للشيخ كان في كتاب نجيب «أصداء السيرة الذاتية» حيث شوهد وهو يمشي مناديًا على ذاته التائهة في النهار، وفي المساء يجالس أصحابه ليقصّ عليهم من أحاديثه الماتعة ما يُنير قلوبهم ويستعصي على عقولهم أحيانًا.
في أول حوار بين نجيب والشيخ، سأله الأخير عن سبب انجذابه لطريقتهم، فقال: ضيقًا بالدنيا وهربًا منها، لكن الشيخ رد عليه قائلًا: «حب الدنيا مِحور طريقتنا وعدونا الهروب»، فأحس نجيب أنه في «مقام الحيرة»، لكن سرعان ما استسلم قلبه لمحبة صاحب الطريقة.
استحوذ الشيخ على الكاتب، جعله يتوقّف عن كتابة الروايات ويكتفي بقصّ الأحلام على الناس. وجاءت كرامة نجاته من الموت فجعلت الجميع يتحلّقون من حوله حبًا وطمعًا في علمه وحكمته وبركته.
أول مَن آمن بالشيخ حتى قبل أن يلتقيه هو الدكتور يحيى الرخاوي الذي كتب في «الأهرام» مقالًا عقب محاولة الاغتيال مباشرة قال فيه: «يا شيخنا: أبى الله إلا أن يحفظك، ليشرق نورُه علينا من خلالك.»
ساعتها كان الرخاوي مهيئًا تهيؤ المريد لاستقبال القطب، شيخه الصالح، فقد عرف التصوّف حتى صار وجدانه مستعدًا للقاء شيخه رغم خوفه الشديد من هذا اللقاء.
ففي منتصف السبعينيات، التقى الرخاوي بنجيب لأول مرة، وسأله عن عمر الحمزاوي، بطل روايته «الشحاذ»، وإذ كان في الانعزال عن الناس خلاص للإنسان، فردّ عليه نجيب أن ذلك «حل مضروب»، ويبدو أن هذا الرد أربك الرخاوي الذي كان في مستهل انشغاله بالتصوّف ويتوقع إجابة مختلفة بعد رواية كهذه، تمامًا مثلما ارتبك نجيب أمام الشيخ عبد ربه. لكن نجيب صار في لقاء دائم مع شيخه بينما الرخاوي لم يعاود اللقاء. وقتها على ما يبدو لم يكن الشيخ قد تشكّل داخل نجيب تمامًا.
بعد محاولة الاغتيال مباشرة، دعاه الجراح سامح همّام الذي أجرى الجراحة بعد الحادث لزيارة نجيب. لكن الرخاوي رفض وقال: «أحب أن أحافظ على حبى له عن بُعد»، لكن همّام أصر فذهب الرخاوي إلى زيارته في المستشفى كالابن العاق الذي يسترضي أبيه.
يقول الرخاوي: «ذهبت طفلًا يخاف أن يواجه أباه رغم يقينه بعفوه وحبه وطيبته، وصاحبته فى المستشفى كصديق ومريد لا أكثر، حتى إن الوصفة التى كتبتها له هي أنه عنده فقر ناس، وأن علاجه فى السماح له بجرعة من محبيه وأصدقائه يوميًا.».
ثم طالب بتخصيص جرعات من الناس لشيخه، ونظّم له أوقاته وأكثَرَ مرات خروجه حتى مكّنه أن يخرج ستة أيام في الأسبوع، وجعل له في بيته يومًا ليقيم فيه مجلسه، ولمّا زاره الشيخ لأول مرة كتب: «بدا لى أنه دخل نفس هذا المكان ألف مرة من قبل، بل خُيّل إليَّ أنه دخله قبل أن أدخله أنا، وأنه هو الذى دعاني إلى بيتي الآن!»
وحين سأله الرخاوي وهو يضع قائمة المسموح لهم بالزيارة عمَن يفضِّل أن يري أولًا من المقربين منه، أجابه الشيخ على الفور: زكي. سأله الرخاوي: زكى مَن؟ قال: زكي سالم، قال الرخاوي: أنا لا أعرفه، فقال: سل جمال الغيطاني.
كان زكي أقرب الحواريين إلى قلبه، مَن كان يفهمه دون أن يتكلم ويأتيه بما يريد دون أن يطلب. التقاه الشيخ شابًا يافعًا عند مشيه المعتاد في الصباح على النيل ذات مرة، فابتسم له وتركه يمشي إلى جواره كأنهما صديقان قديمان.
يقول سالم: «هذه المعاني الروحية، وغيرها، يُمكن أن تنتقل من الشيخ إلى المريد بلا أسئلة، ولا كلمات فهذه أمور من عمل روح المحبة المحيطة، وهكذا كان حضوري الدائم مع نجيب محفوظ.»
سالم، حين ستعيد «الأهرام» مخطوطات من «أحلام فترة النقاهة» لتعذّر قراءة خط يدّ نجيب فيها، سيتولّى هو استنباط كلماتها بنفسه وإعادة كتابتها وقراءتها حتى يقرّها شيخه وتُنشر.
فقد أعجز الحادث الشيخ عن استخدام يديه في الكتابة، لكن ذلك لم يثنه عن عزمه، فأصرّ وصمّم حتى علّم نفسه الكتابة من جديد وهو رجل كبير في الثمانين من عمره، لكن اهتزازات يديه حالت دون خروج خط واضح، فكان يصعب عليه، وعلى غيره، قراءة خطه. في الأخير، قرّر كتابة نصوصه في رأسه وحفظها ثم إملاءَها على أحد.
ولقد منّى الله على الشيخ فجعل يعوضه عمّا فقد. يضعف سمعه فيجد مَن يكون له أذنًا، لا يبصر جيدًا يأتيه مَن يصبح له عينًا، تعجز يده عن الكتابة فيصير له أحد محبيه يدًا. يقول: أصحابي هم حواسي وبهم أعرف العالم.
وكان الشيخ يقضي صباحاته وحيدًا متأملًا، قد يغني أحيانًا أغاني الطفولة، وفي المساء يلتقي الأحبة. وفي الليل، ينام ويحلم ليكتب حلمه في رأسه ثم يمليه على أحد المقربين.
كانت الأحلام علامة ولايته التي وصفها حواريّوه بأنها فصوص الحكمة كأشعار الشيرازي، حتى أن بعضهم وضع لها الحواشي والتفاسير لما لها من قداسة وما فيها من حكمة.
ولأن الشيخ زاده الناس، صار له في كل يوم مجلس يلتقي فيه بمجموعة مختلفة من المحبين، في عوامة «فرح بوت» أو فندق «الواحة» أو بيت المخرج توفيق صالح أو فندق «شبرد»، أو أي مكان آخر فيما اتفق. كانت آيته أن يلتقي عنده المختلفون ويتفق عليه المتنازعون، وكان في مجلسه سمحًا يقول الخير أو النكتة أو يصمت.
هذه المجالس انبرى مريدوه في تدوينها، يكتبون أقواله كما كتب مريدو الرومي وشمس التبريزي أقوال الشيخين، ومنها خرجت تلك السردية الصوفية التي صوّرت نجيب كمولانا القطب، صاحب الطريقة المحفوظية التي بشّر بها الشيخ عبد ربه التائه، وجعلت من مؤلفيها دراويش لهم رسائل وأناجيل تحكي قصة مولانا كما حكاها نجيب لكل واحد فيهم.
تتردد أصداء نغمة هذه السردية في كتب مثل «المجالس المحفوظية» لجمال الغيطاني، الذي جاء عنوانه أقرب لكتب الطرق الصوفية كالشاذلية والرفاعية حتى صياغته جاءت ما بين قلتُ وقال لي وكأنه نص للنفري، وأيضًا في فحوى كتاب زكي سالم «نجيب محفوظ: صداقة ممتدة»، وكذلك فيما حكاه الرخاوي في كتابه «فى شرف صحبة نجيب محفوظ» بأجزائه الثلاثة.
يتشابه هذا النجيب والنواجيب الأخرى في أنّ مَن مدّ أول الخيط وأشعل الشرارة الأولى هو نجيب نفسه حين أخرج شخصية عبد ربه التائه إلى الوجود لكن مَن أكمل الصورة بكل إيهاماتها وتمثُّلاتها الصوفية هم تلاميذه ومحبوه، وظهر ذلك جليًا في كتاباتهم خاصةً بعد محاولة اغتياله التي أقرّ كثيرون أنها كانت حادثًا فاصلًا في حياة نجيب، كشف عن صلابة روحه وإرادته ومحبته الكبيرة للحياة حتى صار لصيقًا به لقب «مولانا نجيب محفوظ».
كما أضفت نجاته من الحادث هالة ومسحة من رضا الله عليه، وكيف لا وقد نجا من موت محقّق وهو العجوز الذي بلغ أرذل العمر؟ ألم يقُل عبد ربه: «إن خرجنا سالمين فهى الرحمة». كل هذا رسّخ للصورة التي شاهدناها وجعل من الكاتب الشيخ البركة وبات كل ما ينطق به هو الحكمة.
الصورة هنا ليست حقيقية تمامًا، هي صنيعة المقربين ممَن أحاطوا بنجيب وكانوا رواد مجالسه، لكنها ترضي فضول القراء وتكشف لهم الكثير مما كان يجري في مجالس كاتبهم وحواراته وتفاصيل عن شخصيته.
فالكاتب كما قلنا ينثر داخل نصه «صورة ضمنية» عن نفسه، كجزيئات البازل في مواضع متعددة على شكل قيمٍ ومعتقدات ظاهرة كي يجمعها القارئ ويشكّل منها صورةً يرى من خلالها كاتب النص، لكن كما رأينا قد يشكّل القارئ صورًا لا تخطر على بال الكاتب أصلًا.
هذه الصور الضمنية التي يتقصّد الكُتّاب عرضها عن أنفسهم داخل النصوص تبدو أقرب إلى الأقنعة التي كان يضعها ممثلو المسرح الإغريقي على وجوههم عند التمثيل ليعطوا المشاهدين الانطباع المنتظر، أو ليكسروا كل التوقعات كي يتحقّق للمشاهدين ما كانوا يتوقعونه وينشدونه من الملهاة والمأساة: الضحك أو الدموع.
هذه الفرضية تجعلنا نتعامل مع النص كأنه خشبة المسرح التي يعرض عليها الكاتب شخصيته الضمنية الممثَّلة، استجابة أو نفيًا لتوقعات قرائه الذين هم هنا المشاهدون، مايعني بالضرورة وجود كواليس للنص تختفي ورائها تفاصيل من شخصية الكاتب لا يعرفها غير المقربين ويجهلها القراء.
مثل هذه الكتابات والقراءات التي يقوم بها المقربون من الكاتب تضيء كواليس النص لمعرفة ما خفي على القراء، تمامًا مثل مقاطع الماكينج ولقطات ما وراء الكواليس التي تذيّل نهايات الأفلام أو تُعرَض منفصلة كفيديوهات لجمهور النجم المفضل، إنها بالتأكيد ليست صورةً حقيقية لكل ما جرى في الواقع وراء الكواليس لكنها محاولات للإلمام به وتقديم صورة عنه، لكنها صورة كما أشرنا تخرج مصبوغة ومتشِحة بتوجهات وتوهمات ومعتقدات أصحابها وكذلك طبيعة الظرف التاريخي الذي يلقي بظلاله على المشهد.
رأينا كيف أن لنجيب عددًا يكاد لا ينتهي من الصور الضمنية التي تأسّست باختلاف قرائه ومرجعياتهم الثقافية والاجتماعية وحيواتهم الشخصية، لكن أمام هذا التعدّد تقف صورة عامة واحدة صريحة لا يختلف عليها أغلب قرائه ومَن لم يقرؤه، وهي نجيب الكاتب المصري الذي فهم طبيعة الشخصية المصرية، وغاص في دواخلها ورسم ملامحها الإنسانية، ليأتي فوزه بجائزة نوبل للآداب ليحوّله لبطل قومي وهو ما أطلق السردية التي سادت بعد فوزه أن «الاستغراق في المحلية يؤدي إلى العالمية»، تمامًا مثلما يحدث مع «مو صلاح» الآن.
هذه الصورة العامة اكتسبت سلطة كبيرة ليس داخل النص فحسب بل خارجه أيضًا، جعلت من نجيب قيمة غير قابلة للنقد وصار كل ما ينطق به مقدّرًا، مصدّقًا، مؤثرًا ومتحقّقًا بشكل مادي، وهو ما جذب الكثيرين ممَن يرغبون في التقرّب من هذه السلطة الفكرية ذات التأثير الكبير في المجتمع؛ وهو ما يخلق بالضرورة حالة من التنافس بين المقربين على مَن فيهم الأقرب إليه.
بدا ذلك في الاعتراض على اختيار محمد سلماوي لإلقاء خطاب نجيب في مراسم تسليم جائزة نوبل في ستوكهولم. ففي مذكراته «العصف والريحان» يذكر سلماوي أن نجيب تلقى اتصالًا من أحد مقربيه بحسب ما رواه «الأستاذ نجيب نفسه للقاص الكبير سعيد الكفراوي وقال له: لماذا تختار سلماوي؟ أهو أقرب لك مني؟ فقال له محفوظ: إن أمي كانت أقرب لي من أي منكما، فهل كان يصح أن أرسلها لاستلام الجائزة؟ ثم أوضح محفوظ لمحدّثه أنه اختار الأصلح لتلك المهمة، وعندئذ قال له محدثه بالحرف الواحد: هذه جائزتنا كلنا وليس من حقك وحدك أن تختار مَن يستلمها».
لا يصرح سلماوي عن صاحب المكالمة، لكن المترجم الأمريكي ريموند ستوك يكشف لنا إن مَن اتصل بنجيب هو الغيطاني، ويبدو أن جوابه لم يعجبه فكتب مقالًا هاجم فيه اختيار سلماوي وهو ما عابه نجيب في حواره مع مجلة «المصور» فى 25 نوفمبر سنة 1988، حين قال: «عيب، وينبغي أن يتوقف الكلام حول هذه النقطة، إن سلماوي يؤدي لي خدمةً فلماذا نهاجمه؟» بالطبع لم يشكل ذلك مشكلةً في علاقة نجيب مع الغيطاني.
ذلك التصارُع بين المريدين على الاقتراب منه إنما يعكس قيمة وقوة الشخصية العامة وما تعنيه دلالة القرب منها، تمامًا مثلما يعكس الجدل والتكهنات التي أثيرت حول أسباب حصوله على الجائزة والهجوم على شخصه حجم تأثيره بشكل عام، غير أن هذا الهجوم خفت وطأته وحدته بعد محاولة اغتياله مما جعل مَن كانوا يهاجموه سابقًا يتمّنون سلامته بعد الحادث، وهو ما أكسبه تعاطفًا شعبيًا كبيرًا، ووسّع من نطاق تأثيره فكريًا وروحيًا وصار أمنه الشخصي مسألة أمن قومي، واتسعت الدائرة المحيطة به بشكل كبير وأصبح مقصدًا للكثيرين من الناس من مختلف المشارب.
مع خروج «أحلام فترة النقاهة» وقبلها «أصداء السيرة الذاتية» بات واضحًا الحالة الصوفية التي دخلها نجيب وتلقفها تلامذته ومريدوه متصوفو الهوى. الرخاوي كان متصوفًا، وزكي سالم كان قد تبحّر بالفعل بين كتابات النفري وابن عربي وأصابته نفحة من التصوف ستزيد أكثر بعد وفاة نجيب، وبالطبع جمال الغيطاني صاحب الشغف الكبير بالقاهرة الإسلامية وتكياتها وسبلها ودراويشها، وصاحب كتاب «التجليات» بأسفاره الثلاثة.
لن نجد تلك المسحة الصوفية داخل شلة الحرافيش القديمة التي كانت رغم طقوسها الصارمة متخفّفة من أية صور مصنوعة أو متوهمة، بل كانت متخففة من الأدب نفسه حيث كان نجيب يعتبرها استراحة من الأدب، حتى حين تدروش مصطفى محمود، وكان أحد الحرافيش، لم يعد له مكان فيها.
هذه الهالة الصوفية حول نجيب وتلامذته ومريديه المتحابين فيما بينهم والمجتمعين عليه، سنجدها فقط في الدائرة التي أحاطت به بعد محاولة اغتياله، لكن بالتقصي والتفحّص يظهر أن الصورة لم تكن هكذا تمامًا ولا المشاعر التي كانت بين المريدين كانت كذلك.
فالمجموعة المقربة من الرجل الكبير التي تجمّعت حوله وهو في الثالثة والثمانين من عمره عقب محاولة اغتياله حتى وفاته في الخامسة والتسعين، أي اثنتي عشرة سنة، بالتأكيد لم تكن على وفاق طيلة الوقت.
حكي الرخاوي أنه كان يشعر بـ «التحفز الجاهز من الغيطاني ويوسف القعيد كلما ذُكر اسم سلماوي»، الرخاوي نفسه برغم ما يظهر في كتابه من علاقة طيبة جمعته بالمخرج توفيق صالح، إلا أن ريموند ستوك ذكر أن صالح، آخر الحرافيش الأصليين، ترك المجموعة عام 2005 إثر خلاف على وجود الرخاوي، الذي اعتبره دخيلًا على شلتهم.
أم كلثوم، ابنة نجيب، علّقت عند افتتاحها لمتحف والدها، على وجود صورةً للرخاوي ضمن شلة الحرافيش قائلة: «الدكتور يحيى الرخاوي شخصية جيدة لكنه لم يكن من الحرافيش في يوم من الأيام»، والحقيقة أن الرخاوي لم يعدّ نفسه حرفوشًا، لكنه قال إن نجيب اعتباره كذلك. كما أبدت دهشتها يومها من كثرة صور سلماوي في المتحف. وقالت في حديثها إلى «الأهرام» إن هناك أشخاصًا ظهروا في حياة والدها في السنوات الأخيرة «كانوا بمثابة تلاميذه وليسوا أصدقاءه المقربين حاولوا طمس الحقيقة واحتكار اسم نجيب محفوظ لهم وحدهم».
هل يعني ذلك أن ما صنعه مريدو نجيب وتلاميذه من هالة وقداسة ضلّل القراء وزيّف الواقع؟ في رأيي لا يعدو الأمر في النهاية كونه مجرد محاولات لتدوين مجالس نجيب محفوظ وأقواله التي كان أغلبها بسيط وعادي، مجرد تعليقات على ما يجري وقتها من أحداث مصحوبة بحكم إنسانية، لكن بسبب تصوّف أستاذهم وما فيهم من ميل للصوفية خرجت سرديتهم عنه يفوح منها البخور وتصدح فيها حضرة الذكر ويلوح منها نجيب محفوظ في جبة خضراء كالأولياء.
لا يمثّل ذلك في حد ذاته مشكلة، ففي النهاية كان لدى قراء نجيب الفضول لمعرفة المزيد عنه وكان لا بد من وجود شيء ليروي هذا الفضول. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في محاولة هؤلاء المريدين في احتكار النص من خلال تقديم تفسيرات له وكشفٍ للشخصيات الحقيقية الواردة فيه، معتمدين في ذلك على قربهم منه وما أسرّه لهم.
هنا تتحول هذه التفسيرات إلى كيانات تتغذّى على النص وتنمو على حوافه لِتَحُدّ من اتساعه وانتشاره الحر في رأس القارئ، بل إنها تتكلّس وتتراكم فوق بعضها مرسِّخة لسرديتها الوحيدة الأصدق -من وجهة نظر كُتّابها وقربهم من الكاتب- المستشِفّة للمعنى المقصود للنص كما ورد في خاطر الكاتب لتستحيلَ مع مرور الوقت كهنوتًا يستمد سلطته من سلطة نجيب الفكرية والروحية ويبشر -وبخاصة كما في تفسيرات أحلام فترة النقاهة- بولاية مولانا نجيب القطب، محتكرة لنفسها تفسير النص وترسيخ صورتها الضمنية التي تحول دون قراءة حرة أو انطلاق للعقل الناقد في آفاق أوسع.
انتظروا نواجيب أخرى، وربنا يقوينا على القراءة والكتابة، وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن