تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نواجيب #3| نجيب الخيال الذكوري

نواجيب #3| نجيب الخيال الذكوري

كتابة: تامر فتحي 11 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام 

نرتحل مع تامر فتحي داخل عالم نجيب محفوظ، نتسلل هذه المرة إلى عقل حلّل الشخصيات الأنثوية وتجليات السلطة الأبوية في أدبه وصنع نجيبًا جديدًا، نتخيل ونعايش لحظة ولادة هذا النجيب ونضمه إلى إخوته في سلسة النواجيب.

#قراءة #دليل #نواجيب

قبل الكتابة، شيء ما دعاني لمعاودة مشاهدة فيلم «أن تكون جون مالكوفيتش» الذي كتبه تشارلي كوفمان وأخرجه سبايك جونز، ويحكي عن كريج محرك العرائس الذي عثر على بوابة تقود إلى داخل رأس الممثل جون مالكوفيتش.

لم يكن مالكوفيتش في الفيلم أساس الموضوع بل كان وعاءً عرف من خلاله كريج وزوجته لوت نفسيهما جيدًا، أفاتارًا منحهما وجودًا جديدًا عرّفهما حقيقة مشاعرهما وحياتهما معًا.

لو أن لنا بوابة كهذه، تقودنا إلى عقل القارئ الحقيقي، لأمكننا فهم ميكانيزم القراءة داخل رأسه وكيفية إدراكه للنص بذكائه، رغباته، ميوله، ثقافته، وعيه، لاوعيه، خبراته، ذكرياته والقيود الاجتماعية والتاريخية التي تحكمه.

كنا سنتمكن من مشاهدة القارئ من خلال عينيه، وهو على أعتاب النص دون انخراط تام، يمر على السطور بينما عقله واعٍ بالعالم الخارجي من حوله: أصوات المحيطين به، شيء يشد انتباهه على الغلاف أو بين الفصول، النظر خارج الصفحة من فترة لأخرى. وعندما ينخرط في تدفّق الوهم السردي، غير شاعر بما حوله، يصبح القارئ همزة الوصل بين النص والعالم. سنسمعه يحادث نفسه عندما يتوقف عند أمور في القراءة تمس أفكاره وخبراته ومعتقداته الشخصية، قد تتخلخل سيطرة النص عليه قليلًا لكنه سرعان ما يواصل القراءة بدافع الفضول لمعرفة مآلات النص حتى يفرغ منه. ساعتها يعطي لنفسه المساحة للتفكير فيما قرأه وينقده، فيتحوّل النص وصاحبه في رأس القارئ إلى أفكار وأسئلة: ماذا قصد الكاتب؟ هل هذا ممكن؟ أو ربما استعادة بعض المشاعر، لاختبار أصالتها في النفس: هل هذا يشبهني؟ أو حتى مهاجمة النص، لحماية النفس ومعتقداتها، وقد يتدخل اللاوعي لصالح النص أو ضده، ما يحيل القارئ في النهاية لأن يكون هو التجلّي الفعلي للنص في عالم الواقع.

نحن النص أيها القراء، والكُتّاب بعض من تصوراتنا.

من هنا يكون نجيب محفوظ لدى قرائه صنيعة تصوراتهم، هو بالتأكيد أسهم في الأمر، لكنه كالذي أعطانا طرف الخيط ومن ثمَّ أكملنا نحن العمل.

لفهم الأمر بشكل أوضح، نحتاج لقارئ/ـة يكون منتجًا/ـةً للثقافة، كاتبًا/ـةً، وتعرّضـ/ت بشكل مباشر لكتابات نجيب وكتبـ/تْ عنها كي ندخل رأسه/ها ونفهم كيف قرأ/ت.

حقيقةً، لم أجد خيرًا من الكاتبة الراحلة نوال السعداوي، لغزارة كتاباتها واشتمال منتجها الثقافي الكبير على مذكراتها الشخصية، مما يتيح لنا رؤية عالمها الداخلي لنشاهد كيف تقرأ وكيف تكوّن الصور الضمنية داخل رأسها، خاصةً وأنها أحد صنّاع صور نجيب محفوظ الضمنية، كما سنرى لاحقًا- صورةً لم يسع نجيب إلى صنعها بل أفرزتها قراءة نوال وقريحتها ومواقفها الأيديولوجية وذكرياتها معه حين تزاملا في لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب [الأعلى للثقافة حاليًا].

لنفترض أننا وجدنا بوابة تشارلي كوفمان. لنفتح الباب المخفي وراء المكتب وندخل في السرداب الضيق المنزلق الذي سرعان ما سيبلعنا تمامًا.

سيداتي آنساتي نحن الآن في رأس الكاتبة نوال السعداوي.

كرأس الماركسي والفقيه وعالم الرياضيات، يبدو عقل نوال متمحورًا حول الأنثى. كما تظهر الأرقام والشريعة والحتمية التاريخية، تظهر قضايا المرأة كالختان والمساواة والحرية الشخصية ومقاومة النظام الأبوي السلطوي.

تمر أمامنا نوال الطفلة وهي تجري من أمها والداية أم محمد والمرأتين اللتين تعاوناها لأجل ختانها، تتبعها نوال أكبر، الطبيبة الشابة وهي تشرّح جثة رجل، ثم نوال الزوجة التي خنقها زوجها الأول تحت تأثير المخدر، ونوال الكاتبة الكبيرة. كلهن يجلسن أمامنا داخل رأسها وهي تقرأ نجيب محفوظ.

نرى من خلال عينيها غلاف رواية نجيب محفوظ «السراب»، تفتحها وتقرأ فيها. نسمع صوت زوجها الثاني شريف حتاتة وهو يسألها إذا كانت تريد كوبًا من الشاي، ترد عليه وتكمل القراءة ثم نسمع موسيقى في الخلفية بشكل واضح لكنها سرعان ما تخبو داخل رأس نوال بينما تنخرط في القراءة. تتوالى الصفحات، وعند هذا السطر تتوقف: «لا يوجد ثمة حركة بين الرجال إلا وراءها امرأة، والمرأة تلعب في حياتنا الدور الذي تلعبه قوة الجاذبية بين الأجرام والنجوم.»

نسمع صوتها الداخلي: «يبدو كلامًا تقدّميًا، لكن نظرته للمرأة لم تختلف كثيرًا عن الذين سبقوه. يقع نجيب محفوظ في التناقضات، فهو يُبيح للمرأة العمل والكسب المادي، لكنه لا يبيح لها الحرية الشخصية. يبيح لها الحب، لكنه يعاقبها بالسقوط إذا أحبت.»

كامل رؤبة لاظ، الذي تدور الرواية على لسانه، هو «ابن أمه» بكل ما يحمله المصطلح الدارج، يكره أباه، لتخلّيه عنه، ولخوف أمه وحرصها عليه كبُر غيرَ قادرٍ على مواجهة الحياة خجولًا وخائفًا من التعامل مع الناس حتى أنه فشل في إقامة صداقة مع أحد، وعندما تزوّج عجز عن معاشرة زوجته، أو كما وصفها نجيب «لم يخط في سِفر الزواج الضخم حرفًا واحدًا.»

عند هذا السطر، تتوقّف نوال. تقول لنفسها إن نجيب «يصوّر مثل هذا الزوج أنه زوج فاشل، لأنه نشأ في حياة تعوَّد فيها أن تكون المرأة هي صاحبة الإرادة، ومالكة الزمام، وأنه كان عليه أن يأخذ زمام المبادرة والسيطرة حين أصبح زوجًا، ولكنه لم يفعل ذلك. ويصوِّر المرأة، رباب، على أنها لا تحب مثل هذا الزوج ولكنها تعشق رجلًا آخر، وتخون زوجها مع عشيقها، ولا يغفر لها الكاتب ذلك فيجعلها تموت أثناء عملية الإجهاض.»

بالنسبة لنوال المرأة هنا في الرواية تمثّل للرجل الخطر والخوف القديم المرتبط بالجنس، هو يريدها طاهرة كأمه، أو ملاكًا ضعيفًا مستكينًا، لكنه في الوقت ذاته يشتهي الأنثى وفتنتها، لكنه يفزع عندما يقع أمامها صريعًا غير قادر على الفعل.

نراها تضع الرواية جانبًا وتستخرج من درج مكتبها قلمًا وبعض الأوراق وتكتب عنوانًا: «نجيب محفوظ والعلاقات الحميمة بين النساء والرجال» ثم تكمل كتابة: «يرجع نجيب محفوظ هذا العجز الجنسي إلى الأم المتسلطة وعقدة أوديب، كما فسّرها فرويد، فالأم تسعى لامتلاك طفلها تعويضًا عن إحساسها بالنقص لعدم امتلاكها العضو الذكري الذي اعتبره فرويد أصل الوجود مثل أرسطو.»

تتذكر نوال عمتها حين دعت لو أن الله يجعلها [نوال] ولدًا، وكطفلة صغيرة، صدَّقتْ وخشَتْ أن تستجيب السماء لدعوتها، لذا كانت كل صباح تنظر إلى ما بين ساقيها كي تتأكد أن الله لم يستجب لدعاء العمة، وأن الشق الذي لديها مازال موجودًا، ولم ينبت مكانه عضوًا ذكريًّا مثل أخيها الذي كانت تكرهه، لأنه كان يضربها ويدمر عرائسها وكانت أمها تفضله عليها.

تكمل نوال كتابتها: «يشعر الطفل بالعجز النفسي تجاه أمه الكبيرة القوية، ثم بالعجز النفسي الجنسي تجاه عروسه، التي يحبها ويقدسها كأمه، إنه الحب العذري الروحي الطاهر المنفصل عن الحب الجسدي المدنس، المرتبط منذ طفولته بحواء، حليفة الشيطان، وتعاليم الأسرة والمدرسة والكنيسة والجامع والإذاعات، والتدرّب منذ المراهقة على إطفاء شهوته مع بائعات الهوى، ثم الزواج في النهاية من فتاة نقية طاهرة تثبت عذريتها (بالدم) ليلة الزفاف.»

يتسرب اللون الأحمر القاني إلى المشهد ويلطخ الورق الأبيض، يتسرَّب لاوعي نوال السعداوي إلى وعيها. منذ طفولتها وهي ترتعد لمرأى الدَّم. نشاهد نوال طفلة ابنة تسع سنوات وبقعة دم على فراشها، وفوق رأسها يظهر عدّاد للتاريخ يتزايد شهرًا تلو الشهر، وسنةً تلو السنة، ونوال تكبر ويتغيّر شكلها، لكن بقعة الدم على الفراش كما هي.

الدم عند نوال مصير الأنثى، هو دليل شرفها، وعلامة بلوغها، وغيابه يفزعها، لأن غياب الدم يعني انعدام الشرف والحمل السفاح، الفضيحة التي لا يغسلها إلا دم المرأة نفسه ليستطيع الأب أن يرفع رأسه في المجتمع الذكوري الأبوي، الذي انحاز له محفوظ.

من غبش الذاكرة، تظهر ذكرى لقاءات نوال المتكررة مع نجيب في لجنة القصة، كمشاهد متقطعة داخل غيمة من دخان كثيف تقبع داخل رأسها في الأعلى.

الزمان 1971، المكان لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون.

تمشي نوال السعداوي فى إحدى ممرات المجلس، بينما نرى من منظورها، وهي تدخل إلى قاعة لجنة القصة، تجد رئيسها توفيق الحكيم، وحوله يوسف إدريس ونجيب محفوظ ولطيفة الزيات، تسلّم على الحاضرين وتجلس.

كعادته يستحوذ الحكيم على انتباه الجميع من حوله بكاريزماه وأحاديثه الجذّابة، يلقبونه «توفيق بيه»، لكن نوال الوحيدة التي تستصعب مناداته بهذا اللقب، تكتفي بمناداته «أستاذ توفيق».

بضيق ينظر إليها نجيب من تحت نظارته، ويهمس لها: «توفيق بيه»، مذكّرًا إياها بضرورة احترام التراتبية الهيكلية للنظام الأبوي، ثم يتابع مستمعًا لكلام الحكيم باهتمام شديد، وفي «نوع من الوجل، والتردد بين الصمت والكلام.»

بحسب رؤية نوال، يبدو نجيب «منطفئ العينين والشخصية»، إلى جوار توفيق الحكيم الذي يبدو أكثر ألقًا وشبابًا وحيويةً وجاذبيةً. عيناه يطل منهما الاعتداد بالنفس والسخرية والتمرُّد على السلطة الحاكمة، والقدرة على نقد المُسلَّمات، وهو ما لم يكن في نجيب محفوظ.

تسأل نوال محفوظ قائلة: «لماذا جعلت جميع أبناء الجبلاوي من الذكور، وجميع مَن أرسلهم الجبلاوي لهداية الناس من الذكور أيضا، هل أردت لخيالك الروائي أن يظل داخل إطار قصة الخلق في الكتاب المقدس، أم أنك تأثرت بنظرية سجموند فرويد عن مقتل الأب بيد ابنه، كرمز للتحرر من السلطة الأبوية المطلقة أو الاستقلال عن الأب، أي الخروج من الطفولة البشرية إلى النضوج الإنساني؟»

يرد توفيق الحكيم ضاحكًا: «نحن الرجال، خيالنا الروائي ذكوري مائة في المائة»، ويجيبها نجيب: «لم يكن بين الأنبياء امرأة واحدة، هذه حقيقة، أليس كذلك يا دكتورة نوال؟»

ترد نوال: «لا يا أستاذ نجيب، يوجد إلهات نساء، مثل إيزيس (وليس فقط نبيات) في تاريخ مصر القديمة وبابل وفلسطين واليونان، لم يكن منصب الإلوهة أو النبوة يخص الجنس الذكوري فقط، أليس كذلك؟»

يضحك الحكيم، ويقول لنجيب: «غلبتك امرأة يا رجل كما غلبت عمر بن الخطاب»، وضحك الحاضرون وتحوّل الأمر إلى فكاهة، نسمع نوال وهي تتساءل في داخلها: «لماذا يحوّل الرجال النقاش الجاد عن عقل المرأة إلى نكتة أو فكاهة؟»

تنقشع غيمة الذكريات، بعد أن ألقت بظلالها على عملية القراءة؛ ربما كانت هذه المعرفة الشخصية سببًا في أن أعمال نجيب محفوظ لا تحرك مشاعرها.

نرى من خلال عينيها ورقة بيضاء يظهر عليها ما كتبته عن تأثّر نجيب بسجموند فرويد كثيرًا، وخاصة في «أولاد حارتنا»، حين يقتل الابن (عرفة) أباه (جده) الجبلاوي، وكيف أن قتل الأب هنا هو رمز النضوج النفسي والتحرّر من سلطة الأب الذي هو رمز الإله. ومثلما تأثّر فرويد بالكتاب المقدس تأثّر كذلك نجيب، فكانت روايته استعارة عن قصة الخلق والأنبياء.

ولقد تحرّر فرويد بعد نضجه من تربيته الدينية ونظرتها الضيقة، لكنه تحرّر عقلي لم يصل لوجدانه ولاوعيه، وكذلك كان نجيب بالنسبة لنوال؛ فهو قد يكون أكثر تقدّمية من العقاد أو ممَن سبقوه، لكنه ظل حريصًا حذرًا فيما يخص حرية المرأة خشية أن يمس العقائد والقيم الأخلاقية المتعارف عليها.

تنتقد نوال فيه تكريسه لسلطوية النظام الأبوي وحصر المرأة في دورين: عاهرة أو طاهرة، عاهرة للهو خارج منظومة الزواج، وطاهرة للبيت.

بالنسبة لها هذه الثنائية التي أحدثها النظام الذكوري الأبوي تبدو واضحة في أعمال نجيب، ومنها الثلاثية: المرأة الطاهرة «الست أمينة»، مقابل العاهرة «هنية أم ياسين»، و«عائشة» الجميلة ذات الحياء، تقابلها «خديجة» الجريئة الوقحة والدميمة. حب عذري تسوده القداسة والطهارة، أمام جنس ولذة محرمة مع العاهرات والبغايا.

تعتقد أن العاهرة تلعب في الأدب العربي دورًا أكبر من الطاهرة العفيفة وكأن الطهر والعفاف أمور غير جذّابة في الواقع والخيال، بل كأن العهر والبغاء هو رمز المرأة الحقيقي، كما يكتب نجيب في «خان الخليلي»: «البغي هي المرأة الحقيقية وقد جلَّت عن وجهها قناع الرياء، فلم تَعُد تشعر بضرورة ادعاء الحب والوفاء والطهر.»

ترى نوال أن نجيب حاول أن يغلّف صورة العاهرة بإطار إنساني فيه كثير من الرحمة والتفهُّم، لكنه تفهُّمٌ منقوصٌ لم يصل إلى عمق المأساة الحقيقية، كأغلب الأدباء العرب المعاصرين، بحسب وجهة نظرها.

تنتقد نوال رؤية الأحداث من هذه الزاوية وسرد القصص بهذا الشكل، وترى عوالم محتملةً كانت ستنفتح لو أن الكاتب تحرّر من كل قناعاته الذكورية الأبوية واستوعب الأمور بوجدانه وخياله ولاوعيه.

عندما ننتهي من قراءة ما كتبته نوال، نجد أنفسنا ننزلق فجأة خارجين من رأسها، كما دخلناه، عبر سرداب أكثر انحدارًا نسقط في فراغ الصفحة التي تقرؤونها وأكتب فيها الآن.

رأينا كيف تقرأ نوال نجيب ككقارئة حقيقية في المقام الأول، إنسانة من لحم ودم لها وعيٌ ولا وعي وعندها ميول شخصية وخلفية ثقافية ومواقف أيديولوجية، وظروف اجتماعيّة وتاريخيّة ورغبات وذكريات تفهم من خلالها النص وصاحبه، لتخلُصَ إلى صورة ضمنية عن نجيب ككاتب ذكوري يرسّخ لسلطة النظام الأبوي.

نوال يمنعها عقلها النسوي الناقد من الانخراط التام في الوهم السردي لنصوص نجيب، بل يعمل على تجريد النص من جمالياته واستجواب المعاني لبيان مدى اتساقها وما تقتضيه الصوابية الجندرية. في أثناء ذلك تتداخل ذكريات من حياتها الشخصية ومن لقاءات سابقة لها مع محفوظ بشكل لاوعي في تشكيل صورتها الضمنية عنه.

تكتب بشكل واضح: «ظلت روايات نجيب محفوظ عاجزة عن تحريك مشاعري، رغم إجماع النقاد على أنه أعظم روائي في عصرنا هذا، إلا أن التذوق الأدبي عملية ذاتية، تخص الإنسان وحده.»

هذه الصورة في الحقيقة لا تخص نجيب محفوظ الحقيقي بل هي بنت القراءة الجندرية لأعماله، وهي في حد ذاتها لا تؤكد شيئًا أو تنفيه عن شخصه بقدر ما تشير إلى أزمة تصوير وتقديم المرأة في الأعمال الأدبية وتنميط دورها وأن الكاتب في النهاية مرآة عصره. فالصورة المنتجة هنا تتفق والسياق التاريخي الذي عاشه نجيب، حيث كان تهميش المرأة أمرًا عاديًا في البيت والتعليم والحقوق الاجتماعية والسياسية، وكان الرجل لا يعرف الأنثى إلا في طفولته، أو في علاقات عاطفية من طرف واحد، أو عند الزواج، أو في بيوت الدعارة الرسمية والسرية في المناطق الشعبية أو في شارع كلوت بيه.

لكن الملاحظ أن هذه الصورة ليست رهينة رأس نوال السعداوي وحدها بل تحيا وتظهر في كتابات ودراسات أخرى، كما في كتاب الكاتبة والأكاديمية دينا حشمت «ثورة 1919 في الأدب والسينما»، حيث تناولت رواية «بين القصرين» لنجيب محفوظ التي ترى أنها عزّزت من دور الأفندي باعتباره الراوي الشرعي الوحيد للثورة، وفرضت الهم الوطني على الهم الاجتماعي، والطبقات العليا والمتوسطة على المهمشين، والذكر على الأنثى، حيث لم تظهر دور النساء في التمثيل الاجتماعي، بل أظهرتهن زوجات خاضعات معزولات في البيت، أو غواني عاهرات موصومات مجتمعيًا لتجاوزهن الأعراف السائدة في مجتمعاتهن، تمامًا كما أشارت نوال.

لا يمكن النظر هنا إلى ذكورية محفوظ على أنها اتهام، ربما كانت طموحًا مأمولًا، أن يكتب محفوظ كما كتب جوستاف فلوبير «مدام بوفاري»، أو أن يكون هناك أدبٌ عابرٌ للنوع، أو ربما هي توصيفٌ لأزمة الذكورة المهيمنة في مجتمعنا بشكل عام، وفي دوائر الانتلجنسيا بشكل خاص، عبر الأجيال، التي ما تزال تنمّط صورة الأنثى إلى الآن.

كلها احتمالات، لكن المؤكد أننا كقراء نصنع القيمة ويتجلى من خلالنا أثر النص.

والآن إجازة قصيرة، بمناسبة العام الجديد، ربنا يسعدنا جميعًا، بعدها نواجيب جديدة، وربنا يقوينا على القراءة والكتابة، #وسلام.

* استند هذا النص التخييلي على مذكرات نوال السعداوي «أوراقي.. حياتي» بأجزائها الثلاثة، وكتابها «مذكرات طبيبة»

عن الكاتب

تامر فتحي

صحفي ومترجم وكاتب سيناريو أفلام وثائقية وشاعر مصري. كتب مع مواقع مختلفة منها: «مراسلون»، و«مدى مصر»، و«المدن»، وجريدة «الاتحاد» اللبنانية وغيرها. له ديوان «بالأمس فقدت زرًا، قصة الملابس» الصادر في…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن