نقع الأحزان
#87 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هذا الويك إند، تقدم وفاء هيكل دليلًا للتعامل مع الأحزان الثقيلة والموجعة، حين صار جسدها مركبة أحزان، والمرارة مستقرة في الحلق، لا تُبلع أو تُلفط.
تشاركنا تجربتها مع نقع الأحزان، فضلًا عن خطوات إعداد بانيو يناسب تلك المهمة.
ونتمنى أن يساعد هذا الدليل على صرف أحزان كل مَن يقرؤه.

#دليل
مع كل زيارة لقبر أبي، أحمل معي ماءً، فرغم أن التراب هو كل ما يتبقى لمَن فقد حبيبًا، إلا أن الصبار المزروع في التُرب لن ينمو دون ماء. وهو أيضًا وسيلتي السريّة للخلاص من الأحزان.
توطدت علاقتي مع البانيو منذ فبراير 2018، كنتُ حزينة ووحيدة. عندما تفقد حبيبًا، ينطفئ شيء ما بداخلك، وعندما تفقد الأب، يُصاب قلبك بالعطب وعقلك بالاضطراب، تغمرك موجات من الحزن والهلع، ويبقى أمامك سؤالان رئيسيان؛ هل سأظل حزينة للأبد، هل ينتهي الحداد؟ أما السؤال الثاني فهو: كيف تستمر الحياة رغم الحزن؟
مع رحيل ركن أساسي في العائلة تخيم حالة حزن جماعي، ولكنها لا تشترط المشاركة بالضرورة، بل قد تسبب نوعًا من الانشطار، وهذا ما حدث لي. لم أستطع المشاركة في طقوس الحداد الجماعي، لملمتُ أحزاني، وقررتُ لعق جراحي وحدي.. هكذا نقعت أحزاني يومًا بعد آخر في البانيو، ساعدني الاستحمام لفترات طويلة على تكوين علاقة سلمية مع الحداد، علاقة لا يلتهمني فيها، بل نغوص سويًا -أنا وحدادي- في فقاقيع منعشة.
برج العقرب الذي أنتمي إلى مواليده هو برج مائي لا ترابي، لذلك بدلًا من إهالة التراب على رأسي، صببت الماء كثيرًا. كلما عجزت عن وقف البكاء، أغرس رأسي في البانيو المليء بالمياه الباردة والثلج، لمدة ثوان، ثم لا أشعر بوجهي، أو عينيي الملتهبة، أو رأسي الهائجة.
اعتاد أبي الاستحمام يوميًا، في السادسة ونصف صباحًا يقف تحت الدُش بصابونة «صن شاين». لا أذكر أن رائحة العرق فاحت منه رغم غزارة عرقه. وإذا عذبه الحر، كان يصبّ المياه المثلجة على بشكير أبيض، ويلف جسده به، ويختار أكثر حجرة بحري في المنزل وينام على البلاط مباشرة. هذا كان طقسه المفضل في فصل الصيف، وكنت أشاركه هذا الطقس، فأنام على كتفه مستلقية على البلاط البارد.
كان يعاني من الإكزيما، وأنا مثله، كان يأتي من الشغل يتصبب عرقًا، يصفر على السلم، وما أن أسمعه أركض لأرتمي في أحضانه، وألعق قطرات العرق المالحة من على وجهه، مازلت أتذكر طعم وجه أبي المالح في فمي. ومع تعاظم المرض، توقف عن الصفير، لأنه لم يعد يقوى على صعود السلالم، بل يستند إلى عكاز طبي، وإن تمنى استخدام عصا فتوة كما أخبرني. سقطت أسنانه، وأصبح يطلق هسيسًا عندما يضحك، ويترجرج بطنه المليء بالمياه.
لم أتشجع على مصاحبته إلى العيادة التي كان يزورها أسبوعيًا لبذل المياه من بطنه، إلا مرة واحدة، فعلت ذلك تعويضًا عن غيابي عنه لمدة عام في سان فرانسيسكو، لكني لم أحتمل مشاهدة الإبرة داخلةً بطنه، بل انسحبتُ إلى البلكونة ممارسةَ تمرينات التنفس التي علّمها لي طبيب العائلة.
لم يعلمني أبي العوم، بل علمني إعطاء ظهري للموج والقفز مثل الكانجارو. «ادّي ضهرك للترعة».. هكذا قال، وهذا التكنيك البسيط لا يصلح إلا مع أمواج شاطئ رأس البر الهادئة، مصيفنا قديمًا مع أبي في شاليهات نقابة المعلمين التي انتمى إليها. وحين سافرت إلى سان فرانسيسكو قبل وفاته بعام، هربًا من النهايات، وجدت أن تكنيك «ادّي ضهرك للترعة» لن ينفع مع أمواج المحيط الهادئ التي تصل إلى 15 مترًا على شواطئ شمال كاليفورنيا، بل بدأت أغطس تحت الموجة مثل البطة، فكلانا، أنا وأبي، من أبناء الدلتا، هو تعلم العوم في ترعة البحر الصغير في مركز دكرنس (الدقهلية)، أما أنا فوُلدت في التسعينيات، بعد حملات التوعية بخطر البلهارسيا، بعد أن أكلت أكباد الفلاحين الحرانين في دلتا النيل، فلم أعرف إلا عوم رأس البر، ولم أتعلم السباحة حتى الآن.
منذ وفاته، لم أعد أشعر بأن جسدي ملكي تمامًا، أو مثلما نقول عندنا في الأرياف «مبقتش عارفة اتلّم على جتتي». صار جسدي مركبة أحزاني، وهناك مرارة محشورة في حلقي، لا تُبلع أو تُلفظ. زادت رعشة يدي حتى لوحظت من الجميع، هاجمتني نوبات الصداع النصفي كل يوم بعد البكاء، بدأت ساقي في التنميل، وبدأت أعرج ليلًا في المنزل. وزادت حدة الإكزيما، وأصبحت أحك كف يدي بسبب الحساسية، وأجز على أسناني حتى نحتت تيجانها. ثم انحنى جسدي؛ شعرت أن ظهري انكسر حرفيًا، لم أهتم كثيرًا بهذا الانحناء، لكني اكتشفت بعد إجراء أشعة فوق صوتية وجود ثلاثة انزلاقات غضروفية في فقرات عمودي الفقري السفلية، ربما تكون محاولات رفع جسده على فراش المرض قد قصمت ظهري، أو كل أسفاري هربًا من القاهرة والأحزان، مع أحمال الحقائب الثقيلة في المطارات. لذلك بدأت طقس الماء البارد بعد الساخن، الأخير يبسط العضلات القابضة على أحزاني، والبارد يخدر أعصابي الملتهبة. ثم بدأت العلاج بالإبر الصينية، رغم خوفي منها، ولكن هل يهم ذلك الآن؟ هل جسدي ملكي حقًا؟ تركتُ ممارسي العلاج الطبيعي يغرسون إبرهم في ظهري. ثم عاد شعوري بجسدي مع الوقت، ولكن كل الحزن لا يزال كامنًا في ظهري، بينما أضغط على الخوف بالجز على أسناني.
***
عندما حضر المغسلون أُخليت لهم الغرفة، طلبوا مني مياه للغسّل، وهذا آخر ما قدمته لأبي، الماء.
حملت دلاء الماء إلى الحجرة التي يستلقي فيها مع الغرباء. صرخ هؤلاء الغرباء فيّ، مرارًا، لأني امرأة، وأن للميت حُرمة، رغم أني لم أختلس النظر، أو حتى أردت الدخول. بل كنت ممتثلة للمهمة، أقدم الماء بانتظام، دلوًا وراء آخر. في هذه الحجرة أُخذ أبي مني، صار محرمًا، لم يُسمح لي بلمسه بعد أن غسّلوه.. هكذا كان آخر اتصال بيننا -رغم سلطة الغرباء- الغمر بالمياه.
مشيت في نهاية الجنازة خلف سيارة نقل الموتى أردد كلمة واحدة «يا حبيبي»، لكن ما أندم عليه الآن بعد ثلاث سنوات هو عدم نواحي، وكتمي الصراخ، والتزامي بعدم لطم خديّ. وقتها أردتُ إهالة التراب على رأسي، لكني لم أفعل.
لذا كلما زرت قبره أحمل الماء، ليس لسقي الصبار فقط، بل لأن الماء كان وسيطًا يتعامل مع الأحزان، لم يضن عليّ، بل كان علاجًا؛ كلما نقعت جسدي الحزين المتألم فيه يخلصه من كل أحزانه ووحدته وألمه.

#خطوات نقع الأحزان
يمكن ملء البانيو بالماء الساخن، مع إضافة القليل من ملح الهمالايا الوردي إلى الماء لطرد السموم، قطرات من زيت شجرة الشاي للقضاء على البكتيريا، وماء زهرة الياسمين وقشر البرتقال أو عود نعناع للانتعاش. وهذه أيضًا الفرصة المثالية للعناية بالوجه أو بالشَعر، من الممكن عمل حمام كريم للشَعر، أو ماسك الترمس المُرّ المطحون بزيت السمسم للبشرة. يفضّل إشعال عود من البخور أو البالو سانتو، والجلوس في صمت، مع مغالبة البكاء.
دع المياه تحتضنك، داخل البانيو، وتذكر أن حمامك الخاص هو أكثر مكان تشعر فيه بالأمان.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن