تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نظرية «جعفر العمدة» أو كيف تحتكر الدولة «التريند»

نظرية «جعفر العمدة» أو كيف تحتكر الدولة «التريند»

موسم عصام السقا.. عن احتكار التريند والأذواق وأشياء أخرى

كتابة: يوسف حامد 18 دقيقة قراءة

قد تكون واحدًا من الذين قرروا مشاهدة مسلسل «جعفر العمدة» في موسم رمضان الماضي، بعدما شعرت أنك الوحيد في مصر الذي لا يتابع العمل، ولعلك قرأت بعض التدوينات التي تعايرك بهذا الأمر «أيوة أنت الوحيد اللي ما تابعتش جعفر العمدة»، وقد تكون أيضًا الشخص الذي قرر من باب الفضول متابعة المسلسل بعدما قرأت تدوينة لأحد معارفك يقول: «وكفاية خوف من المجتمع أنا بحب محمد رمضان»، وهناك خيار ثالث أن تكون الشخص الذي تابع العمل بالإجبار، بسبب حرق الأحداث بشكل مستمر، على السوشيال ميديا.

أنت كنت أحد الزبائن المستهدفين من حملة الدعاية الناجحة للمسلسل في رمضان، دفعك هذا الزخم والحديث المستمر عن المسلسل واستفزازك بكونك وحيدًا خارج القطيع إلى مشاهدة العمل، بعيدًا عن حبك بعد ذلك لمستوى المسلسل أو عدم رضاك عنه، إلا إذا كنت بالفعل من جمهور رمضان الأصلي، الذي ينتظر أعماله، حتى بدون دعاية مسبقة.

نموذج من بوستات الجمهور على مسلسل رمضان

كانت الدعاية أكبر الأسباب في الصدى الكبير الذي حققه «جعفر العمدة» في رمضان، خاصة أن نجاح العمل كان بسبب حجم المتابعة والتفاعل، الذي كان أشبه بكرة الثلج، انطلقت في أول موسم رمضان بجمل تسويقية على غرار «بعد إذن الإنترنت»، ووصلت إلى «إنت الوحيد اللي ما اتفرجتش»، وما بينها من تفاعلات وفيديوهات وميمز وخلافه، تعرض الأحداث أحيانًا قبل عرضها في الحلقات، وربما هي أضخم حملة دعائية إلكترونية لمسلسل عربي شارك بها الجميع بقصد أو بدون، في موسم رمضاني كثر به الحديث عن اللجان الإلكترونية ودورها في مهاجمة المسلسلات والدعاية لنجوم بعينهم.

كان نجاح الحملة الدعائية الموجهة لمسلسل «جعفر العمدة» مثالًا لقدرة صفحات المنوعات والمراجعات الفنية على النجاح في السيطرة على «التريند»، ويلقي الضوء على التغيرات التي حدثت في السنوات الأخيرة، بالنسبة للإعلام والدعاية.

ودفعتنا هذه الطرق الجديدة في الدعاية إلى التساؤل: كيف يتم توجيهنا على السوشيال ميديا؟ وكيف تؤثر الحملات الإلكترونية الجديدة على صناعة الفن والنجوم والأذواق والاختيارات؟ وكيف تحقق النجاح دون أن يشعر الجمهور أنهم تأثروا بالحملة الترويجية؟ وإلى مراجعة الطرق الحديثة للنجوم وأصحاب الأعمال في التسويق لأنفسهم على السوشيال ميديا، التي أفرزت وحشًا جديدًا قد يخرج عن السيطرة وهي صفحات المنوعات المليونية، وكيف التفتت لها الدولة، بعد انتباهها لقدرتها على السيطرة على التريند، ما أسفر عن ظهور عشرات الصفحات الترفيهية والساخرة والجروبات المليونية، التي في ظاهرها المنوعات وفي باطنها التوجيه السياسي والسيطرة على «التريندات»، وصنع البروباجندا تجاه «الإيجابيات»، مثلما حدث سابقًا مع مبادرة «حياة كريمة» أو حفل موكب المومياوات وحملة تمرير خطة تطوير حديقة الحيوان وغيرها، أو للسيطرة على النقاشات العامة، بداية من النقاشات السياسية والاقتصادية إلى النقاشات الفنية حول المسلسلات، التي تعتبرها الدولة من إنجازاتها.

وحملنا هذه التساؤلات لعدد من الأطراف القريبة من دوائر السوشيال ميديا والتسويق والإنتاج في مصر.. في محاولة لمعرفة كيف يتم توجيهنا على السوشيال ميديا؟

من الدعاية لموكب المومياوات على إحدى صفحات المنوعات

«حواجب» منى زكي تفتح الحديث

لعلك تتذكر حملة الهجوم المكثفة على حواجب منى زكي قبل انطلاق موسم رمضان، ومن بعدها حملة الهجوم على «مربوحة»، الممثلة رحمة أحمد، في مسلسل «الكبير أوي»، وما شهدته هذه الحملات من جمل مكررة منتشرة بكثافة على السوشيال ميديا، حتى أصبحت السوشيال ميديا واللجان الإلكترونية جزءًا من خطة صناعة العمل، وإحدى الأدوات الرئيسية للفنانين والمنتجين، ربما هي أداة الدعاية وقياس الرأي العام الوحيدة المتاحة للعاملين في صناعة الفن في مصر، نتج عن ذلك ظاهرة جديدة ومؤثرة في الصناعة، وهي صفحات وجروبات المشاهدة على السوشيال ميديا، التي تحظى بمتابعات مليونية وتتولى نقل أبرز المشاهد وحوارات ضيوف البرامج في منشوراتها، وأصبحت تتحكم في شكل الدعاية الجديد للأعمال والشخصيات المختلفة.

خرجت حروب اللجان الإلكترونية في الوسط الفني من الخفاء إلى العلن، بسبب تزايد الاعتماد على السوشيال ميديا بالنسبة للفنانين، وشهدت الفترة الأخيرة شكوى عدد من الفنانين من هذه الظاهرة، ما بين الحديث بوضوح عن وجود بيزنس كبير للجان الإلكترونية في الوسط الفني، والتلميحات باستخدامها من أجل ضرب المنافسين، وعلى رأسهم أحمد فهمي وشقيقه كريم، اللذان تحدثا في عدة مرات عن هذه الظاهرة، حتى إن أحمد فهمي ذكر أنه أكتشف أن زميل له نظم حملة ضد مسلسله السابق «رجالة البيت»، لذلك اضطر إلى تكوين فريق سوشيال ميديا على غرار بقية زملائه.

وفتحت أزمة الهجوم على منى زكي الحديث بين النجوم عن هذه الظاهرة أيضًا، وقال عنها أحمد فهمي إنه تأكد من مصادره أنها حملة مدفوعة من زملاء فنانين ضد منى زكي، في حين قال محمد دياب، الذي شارك زكي بطولة مسلسلها «تحت الوصاية»، إن الحملة كانت مصنوعة بالفعل، موضحًا أنه عرف هوية منفذها، في الوقت الذي لمحت به ياسمين عبد العزيز لوجود حرب إلكترونية، بقولها إنها حققت نجاح بمسلسل «ضرب نار»، بدون الاعتماد على الصفحات أو اللجان الإلكترونية.

أوحت تصريحات النجوم المختلفة أن الوضع أصبح ساحة حرب عشوائية، وكل نجم أصبح معه لجانه، ومنها تدوينة لكريم فهمي عبر بها عن مخاوفه قائلًا: «اللجان مرعبة والله مرعبة، لو مش قادر خلاص ادفع، عشان اللجان تشكر فيك، بس أمانة عليك بلاش تأذي ممثل أو ممثلة في رزقه، هقولها تاني وتالت وعاشر، اتنافسوا بشغلكو مش بلجانكو». رغم غضب كريم فهمي الواضح من السوشيال ميديا، إلا أنه أحد الفنانين الذين يدفعون من أجل الدعاية المكثفة، بحسب ما قاله محمد الأمير، مالك شركة «MA Media» للتسويق، الذي كشف عدة أسرار في لقاء تلفزيوني له في رمضان، منها أن بعض زبائنه من الفنانين يعرضون عليه خطة دعاية مضادة على الأعمال المتنافسة.

وذكر الأمير أنه شهد اتفاقًا بين أحد المنتجين وزميل له في المجال على خطة دعاية مضادة لمسلسل «الكبير أوي»، بتكلفة مليون جنيه، وكشف أن من أكثر النجوم الذين يهتمون بالدعاية على السوشيال ميديا هم محمد رمضان وعمرو سعد ومصطفى شعبان، وذكر أن أقل تكلفة للحملة الدعائية لهؤلاء النجوم في رمضان تبدأ من عشرة آلاف إلى 30 ألف دولار.

الذئاب المنفردة في السوشيال ميديا

يأخذنا هذا الحديث العلني من بعض النجوم والخبراء إلى التخوف الأكبر لدى الجميع في الوقت الحالي، وهو نظرية «الذئاب المنفردة» في السوشيال ميديا، التي سببت فوضى وعشوائية كبيرة في خطط الدعاية الإيجابية والسلبية. اتهامات وتلميحات تخفي وراءها كواليس عديدة. قال أحد المنتجين المتعاونين مع الشركة المتحدة في عدة أعمال سابقة، لـ«مدى مصر»، إنه «ليس من الضرورة تعاقد الفنانين مع شركات تسويق وسوشيال ميديا كبيرة، ولكن الظاهرة الأحدث حاليًا هي تكوين فرق سوشيال ميديا للفنانين، من الهواة والشباب، والذين غالبًا ما يتولون مهمة إدارة هذه اللجان والحروب الخفية» وذكر أنه هو شخصيًا تعامل مع أحد الشباب من خبراء السوشيال ميديا، واستطاع أن يجعل أحد أعماله تريند رقم 1 في تويتر ليوم واحد مقابل ثمانية آلاف جنيه. 

ويحكي المصدر أن الشخص الذي كان يقصده أحمد فهمي وقت أزمة مسلسل «رجالة البيت»، هو محمد رمضان، وأن فهمي واجه رمضان بأنه يسلط لجان إلكترونية ضده، رغم أنه لا ينافسه، وفوجئ برد رمضان أن هذا إجراء اعتيادي في الموسم، وأنه لن يغضب منه، إذا فعل الشيء نفسه في مسلسله، لأن هذه طبيعة المنافسة. وقال أيضًا إن رمضان كان وراء حملة دعاية مضادة ضد مسلسل «نسل الأغراب» في 2021، خاصة أن هذه الفترة شهدت خلافًا له مع محمد سامي، حيث كان من المفترض أن يؤدي دور البطولة أمام أحمد السقا، قبل الاتفاق مع أمير كرارة بدلًا عنه. وفي الوقت نفسه يملك محمد سامي فريق سوشيال ميديا قوي، ووجه لجانه ضد رمضان في نفس الموسم.

تسببت هذه السياسة في خلق حالة من العشوائية، منها بحسب ما قاله المصدر، اختلاف طرق الدعاية لمسلسلات «المتحدة» مثل مسلسل «الكتيبة 101»، في رمضان الماضي. وأضاف أنه اكتشف وجود قرار بعدم الدعاية المكثفة للمسلسل من الشركة، ولكن اللجان الإلكترونية للجيش كانت تقوم بالدعاية بمفردها، وكانت بعض لجان المخرج بيتر ميمي تهاجم المسلسل، لأنه غير موجود به، قبل أن تتوقف جميع اللجان عن الحديث عن المسلسل بعد ذلك. 

قال المصدر، إن خطورة الأمر هو عدم التنسيق بين الجهات المتعاونة قبل الجهات المتصارعة، فمثل هذه النوعية من المسلسلات يتحكم بها عدة جهات، تملك كل جهة منها لجانها المختلفة، مثل المخابرات والجيش و«المتحدة». وفي موسم رمضان الماضي، حدثت عدة ظواهر غير مفهومة في طريقة تسويق المسلسلات، منها كما أضاف المصدر، أن مسلسل «رسالة الإمام»، الذي كان يحظى بحملة تسويقية كبيرة في بداية الموسم، ولكن فجأة توقفت تمامًا وغاب الحديث عن المسلسل بشكل تام، على السوشيال ميديا. اتفق مصدر آخر معه، وهو رئيس أحد القطاعات في الشركة المتحدة، وقال لـ«مدى مصر» إن مسلسل «رسالة الإمام» كان مخططًا له حملة دعائية كبيرة لأنه موجه إلى رئيس الجمهورية، ولكن بعد اكتشاف بعض الأخطاء في العمل قررت الشركة وقف جميع الدعاية، واتخاذ قرار آخر بعرض مقاطع منه في الفواصل الإعلانية. ووصف قرار عدم الدعاية لـ«الكتيبة 101» بالغريب أيضًا، مشيرًا إلى أن دعاية الشركة كانت مركزة بشكل كبير على «جعفر العمدة» و«تحت الوصاية».

شكل الدعاية لمسلسل الإمام

اعتبر المصدر أن أزمة الدولار وضعف الصحافة أدت لظهور قوة جروبات وصفحات المشاهدة، على السوشيال ميديا، لأن الدعاية كانت تعتمد قبل ذلك على الإعلانات الممولة مع فيسبوك والتي تدفع بالدولار، بالإضافة إلى المواد الترويجية على المواقع مثل «اليوم السابع». ولكن الآن الصفحات أصبحت أكثر قدرة وتأثيرًا من هذه المواقع، لذلك تلجأ الشركة المتحدة على سبيل المثال إلى عدة صفحات وجروبات، وتنفذ معها خطة الدعاية، بشرط عدم الاتفاق مع الشركات المنافسة خاصة «mbc».

البداية عند محمد علي

تنبهت الدولة لأول مرة إلى هذه الخطة بعد أزمة المقاول محمد علي في 2019، التي تركت عدة تأثيرات على طريقة التعامل مع السوشيال ميديا حتى الآن. واتفقت المصادر التي تحدثنا إليها حول هذه النقطة، وأجمعوا أن هذه الأزمة أديرت بشكل عشوائي وارتجالي من المواقع الصحفية والفنانين المحسوبين على الدولة الذين شاركوا في الهجوم على محمد علي مثل أحمد العوضي ومحمد رمضان. وكشفت هذه الأزمة عن حاجة الدولة بشكل كبير إلى السيطرة على السوشيال ميديا، بشكل تام، عن طريق إنشاء صفحات منوعات كبيرة والسيطرة عليها بجوار اللجان الإلكترونية. 

ومن هنا ظهرت أهم شركتين في إدارة السوشيال ميديا في مصر: «BEE Interactive» التي يديرها حسن حامد، وتدير الشركة الحساب الرسمي لرئيس الجمهورية، وكذلك حساب منصة «ذا جلوكال» الترفيهية. والشركة الثانية «هاشتاج» التي يديرها عصام السقا، والتي تتولى شركة المتحدة بجميع فروعها وأعمالها.

منصة «ذا جلوكال» كانت مقدمة لتدشين العديد من الصفحات والمنصات التي تبدو كأنها مستقلة وترفيهية وساخرة، ولكنها في الأساس تابعة للدولة وتستخدمها في المواقف الصعبة مثل أزمة محمد علي، وذكرت لنا المصادر السابقة، أن من بين هذه الصفحات صفحة «البلاتفورم»، و«أما قصة عبرة بصحيح» وغيرها، وفي السنوات الأخيرة فرضت «المتحدة» سيطرتها على صفحات أخرى مثل «asa7be sarcasm society»، والتي ابتعدت تمامًا عن السخرية من الأمور السياسية والاقتصادية، وتنشر تعليقات إيجابية على بعض الأحداث والمواقف المتعلقة بقرارات الدولة، بالإضافة إلى عدة صفحات وجروبات للمشاهدة مثل مجموعة صفحات «سكرين ميكس»، التي تدير صفحات وجروبات «behind بالعربي» و«behind the scene» والتي تعتبر أشهر جروب مشاهدة ونشر المراجعات، على السوشيال ميديا، بالإضافة إلى عشرات الصفحات الأخرى الصاعدة في الفترة الأخيرة مثل «euphoria» و«ضحكة» و«احنا بتوع المسلسلات» و«فن» و«أفيش» و«ميكروفون» وغيرها.

من «جعفر العمدة» إلى أفلام عيد الأضحى

كان مسلسل «جعفر العمدة» مثالًا لتكاتف الشركات مع الذئاب المنفردة في السوشيال ميديا، وقال المصدر الأول إن المسلسل ضم أكبر عدد من الأفراد الذين يمتلكون لجان إلكترونية وفرق سوشيال ميديا قوية، وجاءت خطة التسويق بقوة دفع رباعية من محمد سامي ومحمد رمضان وشركة «ميديا هب»، وأخيرًا عصام السقا، الذي يصفه البعض في الكواليس بأنه رئيس جمهورية السوشيال ميديا في مصر، بصفته رئيس شركة «هاشتاج» التابعة للشركة المتحدة، قبل عمله في التمثيل مؤخرًا، وأضاف المصدر أنه يمتلك معلومة أكيدة أن شركة «ميديا هب» بمفردها أنفقت 200 ألف دولار على الدعاية لـ«جعفر العمدة» فقط.

أوضحت خطة الدعاية لـ«جعفر العمدة» الطريقة السائدة للترويج للأعمال الفنية، من خلال صفحات وجروبات المشاهدة والصفحات الساخرة، بالإضافة إلى المؤثرين على السوشيال ميديا، واستمرت الطريقة في أفلام عيد الأضحى أيضًا، بنشر مراجعات ومشاهد وأخبار الإيرادات من اليوم الأول لعرض الأفلام، وسمحت شركات الإنتاج لهذه الصفحات باستخدام مشاهد وصور حصرية وحرق مشاهد دون حذفها أو اتخاذ إجراءات قانونية ضدها، ما يوضح أيضًا عدم وجود أي مراجعات سلبية أو ساخرة على الأفلام والمسلسلات على هذه الصفحات طوال مدة العرض.

رغم أن تأثير هذه الصفحات والجروبات على نسبة المشاهدة الحقيقية للأعمال لا نستطيع قياسه حتى الآن، لغياب الإحصائيات والدراسات وأجهزة قياس الرأي العام، إلا أنها تنجح في التأثير بالسوق وحركة الإنتاج، فهذه الحملات نجحت مثلًا في خلق تريند من مسلسل «الصفارة»، بناءً على أحد المشاهد المتكررة في المسلسل «إيه اللي حصل في جمصة؟» ساعد هذا التريند في جلب الاهتمام إلى العمل لدرجة إعلان الشركة المنتجة عمل جزء جديد بهذا التساؤل، رغم عدم الاتفاق مع صناع المسلسل حول الأمر، ولكن تماديًا مع التريند الذي لم يكن مخططًا له أن يصل إلى الجزء الثاني. ونفس الأمر حدث مع «جعفر العمدة»، الذي قرر صناعه في الحلقات الأخيرة عمل جزء ثان منه، بعد نجاح الحملة التسويقية، التي أعطت مؤشرًا على إعجاب الجمهور بالعمل، واضطر صناع العمل إلى العودة للتصوير، وإضافة مشاهد جديدة تعرض في الحلقة الأخيرة، من أجل فتح الباب للجزء الثاني.

هناك عدة طرق تكشف بها هذه الصفحات عن هويتها، ونستطيع من خلالها معرفة مصدر إدارتها، وعلى رأسها استخدام شعارات الشركة المتحدة الرسمية في المنشورات المختلفة، وكان الشعار في رمضان الماضي «شهر الفرحة».

شعار «شهر الفرحة» في صفحة «asa7be»

بالإضافة إلى ترويج هذه الصفحات لأعمال غير جماهيرية بطريقة مكثفة، مثل مسلسل الرسوم المتحركة «يحيى وكنوز»، وهو في الأساس من إنتاج عصام السقا، الذي يعتبر الرابط الأساسي بين معظم هذه الصفحات، واستحوذ على معظم المنشورات حول مسلسل «جعفر العمدة». 

الإشادة بعصام السقا
الدعاية لمسلسل «يحيى وكنوز»

بل وتخصصت بعض الصفحات في إعادة نشر تدويناته الشخصية أو الحديث عن قصة كفاحه والإشادة بمشاهده، حتى إنه سيطر على بعض صفحات المشاهير مثل حساب الفنان محمد هنيدي، الذي أعاد تعديل أحد المنشورات على صفحته بفيسبوك عدة مرات، لكي تتناسب مع الحملة الترويجية لعصام السقا في رمضان الماضي.

محمد هنيدي وعصام السقا

أصبحت لهذه الصفحات قدرات تسويقية متصاعدة، تتخطى فكرة الاعتماد عليها في موسم رمضان فقط، ففي موسم أفلام عيد الأضحى الأخير، ظهر تأثيرها مرة أخرى بالدعاية المختلفة لأفلام العيد ونجومها، وأبرزها كانت حملة الدعاية لفيلم «تاج» لتامر حسني. وهو من أكثر الفنانين المهتمين بالدعاية على السوشيال ميديا، ولكن هذه الدعاية كانت بطريقة مباشرة ومثيرة للسخرية لاعتمادها على المبالغة في مدح حسني وعبقريته، ونشر تدوينات تبدو أن حسني هو من كتبها شخصيًا، مثل الدعاية لطريقته في تحقيق أحلام جمهوره بمشاهدة السينما، ونشر عدة صفحات لمواقفه الإنسانية بالتزامن مع عرض الفيلم.

تامر حسني
الدعاية لفيلم تامر حسني، نموذج مراجعات أفلام العيد

تعمل هذه الصفحات على خلق زخم وتريند حول الأعمال المعروضة، وتعتمد في تكنيك الدعاية على الطريقة التي تشعرك أنك معزول عن العالم في حال إنك لا تتابع هذه الأعمال، مثل طريقة الدعاية لمسلسل «ريفو» لأمير عيد على منصة «WATCH IT»، صور ومشاهد وتعليقات مستمرة حول المسلسل، وحول شخصية أمير عيد الذي حظي بدعاية مكثفة في الفترة الأخيرة، وتعليقات على نحو «فايته كتير اللي مش بيتابع…هنعيش حياتنا ازاي بعد المسلسل ما يخلص..»، تدفع أحيانًا الجمهور للتساؤل «هو ده مسلسل إيه وبيتعرض فين؟»، وهو الغرض المطلوب.

مسلسل ريفو

امتد تأثير هذه الصفحات في نشرها بروموهات الأفلام والأعمال الجديدة بنفسها بدلًا من القنوات الرسمية للشركات المنتجة، وهي خطوة في العادي تعتبر قرصنة، وتحول الأمر إلى أن هذه الصفحات تساعد النجوم والشركات في زيادة المتابعين وجمع المتابعين لحساباتهم، بعد أن كانت قديمًا هي ما تحتاج إلى صفحات النجوم الكبيرة من أجل جمع المتابعين، لدرجة أن هذه الصفحات بالتحديد خلقت طبقة جديدة من الممثلين بفضل الدعاية لهم باستمرار دون غيرهم، مثل الدعاية المكثفة لجيهان الشماشرجي وأسماء جلال وميرنا جميل وأسماء أبو اليزيد وإعادة نشر تغريدات عمرو وهبة مثلًا على عدة صفحات، ما بين التغزل في جمال هؤلاء الممثلات الصاعدات مع إرفاق الحساب الرسمي لهن في التعليقات، أو إعادة نشر تدويناتهن باستمرار، أو لدرجة الحديث عن موهبتهن «ازاي مش واخدة حقها.. وهكذا»، وهي دعاية تنتج في النهاية التساؤل المعتاد: «هي مين جيهان الشماشرجي اللي طالعة تريند؟.. أنا خايف افتح الحنفية ألاقي جيهان الشماشرجي».

جيهان الشماشرجي

إذا كان تبرير هذه الصفحات أنها تعتمد على التريند وليس الدعاية، فلماذا الترويج لصور ومنشورات أسماء أبو اليزيد وأسماء جلال مثلًا دون الممثلات التريندات، وكذلك هل مسلسل «ريفو» كان أكثر متابعة وتفاعل من مسلسل «ليه لأ» على منصة «شاهد» في نفس توقيت العرض؟ أو مثل مسلسل «الهرشة السابعة» و«المداح» في رمضان؟ وأيضًا ما التريند في برنامج «الفرصة» للميس الحديدي؟ الرد الآخر من الدعاية المكثفة لهذه الصفحات لأعمال درامية قديمة، لتبدو أن الجمهور تذكرها مرة أخرى، ولكن في الواقع هي فقط تعرض في هذا التوقيت على قناة من قنوات «المتحدة»، مثل الحملة الأخيرة للترويج لمسلسل «ريا وسكينة» بالتزامن مع عرضه على الشاشة، لتمتلك هذه الصفحات ميزة أخرى بقدرتها على إعادة القديم إلى الواجهة وليس فقط الترويج للشخصيات والأعمال الجديدة.

ريا وسكينة

أهداف سياسية وقت اللزوم!

وبعيدًا عن مواسم عرض الأعمال الفنية، تستخدم بعض هذه الصفحات في الحملات الخفية للأجهزة الأمنية، سواء لخدمة أهداف سياسية أو تصفية خلافات داخلية، مثل حملات الهجوم السابقة على محمد رمضان، خاصة وقت إلغاء حفله في الإسكندرية بإثارة تريند بهاشتاج «إسكندرية لا ترحب بمحمد رمضان». وهي الصفحات نفسها التي تحولت فور بداية شهر رمضان إلى الإشادة بمحمد رمضان بكثافة بعد انطلاق الحملة الإعلانية لمسلسله في الموسم. 

الهجوم والترويج لمحمد رمضان على نفس الصفحات
الهجوم والترويج لرمضان على الصفحات نفسها

واتبعت هذه الصفحات نمط متكرر في الهجوم على بعض الشخصيات الفنية ومنها الهاشتاج المتكرر «مصر لا ترحب بـ…»، الذي استخدم لضرب عدة شخصيات بجانب محمد رمضان، مثل أصالة بعدما تغزلت بالسعودية في إحدى حفلاتها الأخيرة، واستخدمت بنفس الوصف مع إليسا بعد دفاعها عن علاء عبد الفتاح وقت قمة المناخ. ولجأت إليسا مع أصالة إلى برنامج عمرو أديب للدفاع عن نفسيهما ضد هذه الحملات، في نمط متكرر أيضًا للنجوم الذين يتعرضون لمثل هذه الحملات مثل حسن الرداد، في وقت سابق بسبب تغزله في السعودية أيضًا.

نموذج للهجوم على الفنانين

وبين الحين والآخر، تنشر هذه الصفحات تدوينات إيجابية حول القيادة السياسية، بطريقة لا تشير إلى اهتمام هذه الصفحات بالسياسة، مثل تدوينات التغزل بالسيدة الأولى انتصار السيسي، أو ببرامج «المتحدة» التنموية مثل «الدوم» و«الكابيتانو» و«الكونتينر»، أو التدوينات التي تتغزل بمسلسل «الاختيار» وغيرها، أو الدعاية لإنجازات «حياة كريمة» مثلًا.

الدعاية لـ«حياة كريمة»
الدعاية لبرنامج «الكابيتانو»

ويظهر دور هذه الصفحات المتنوعة في عمل البروباجندا لمثل هذه النوعية من الأحداث، مثل حدث افتتاح طريق الكباش أو موكب المومياوات، ومؤخرًا نظمت حملة دعاية من أجل تطوير حديقة حيوان الجيزة، بنشر صور وتدوينات دعائية موحدة على عدة صفحات في نفس وقت إعلان غلق الحديقة للتطوير.

تطوير حديقة الحيوان بالجيزة

ولكن في نفس الوقت لا تسمح إدارة هذه الصفحات بنشر محتويات مضادة على السوشيال ميديا، وهو ما ذكره لنا مدير صفحة ناشئة على فيسبوك، تتخصص أيضًا في المحتوى الترفيهي ومراجعات الأفلام، وقال إنه في العام الماضي، نشر مراجعة لمسلسل «الاختيار»، ولم يكن بها هجوم أو سخرية، و فوجئ بسيل من التهديدات من مجهولين، بغلق الصفحة في حال عدم حذف هذه التدوينة، وهو ما جعله يتحاشى نشر أي محتوى عن المسلسل.

وتكرر الأمر نفسه مع المنشورات حول عصام السقا، وقال مدير الصفحة الناشئة إن السقا أغلق بعض الصفحات على السوشيال ميديا، التي كانت تسخر منه أو تنتقد أداءه التمثيلي في المسلسلات، لذلك يتحاشى الجميع في المجال المساس به، ويذكر المصدر أنه يتلقى عروض من شركات دعاية من أجل الترويج للمسلسلات، ويعرضون عليه صورًا حصرية، ومقاطع فيديو لنشرها، ولكنه رفض التعامل معهم بسبب عدم عرض مقابل مادي عليه، واكتفوا بوعده بالتعاون معه في المستقبل في أعمال أخرى.

مدير آخر لإحدى الصفحات المليونية المؤثرة في مجال المراجعات والإعلانات، حكى لنا تجربته أيضًا في هذه الظاهرة، ويرى أن هذا الأمر غير مؤثر بشكل حقيقي رغم الاهتمام الكبير به من الفنانين والصناع، لأن تأثيره مؤقت ويختفي سريعًا، وأضاف أن التسويق على هذه الصفحات يعطى رواج في البداية لهذه الأعمال الفنية، ولكنه ليس السبب الحقيقي في النجاح، وضرب المثل بعمل شركة «ميديا هب» لحملات ضخمة لمسلسلات أخرى بجانب «جعفر العمدة»، لكن الأخير نجح في استغلال هذه الضجة، وقال إن الطريقة التي نعرف من خلالها حقيقة تفاعل الجمهور مع المسلسل هي قياس حجم التفاعل والتعليقات على هذه المنشورات، وليس من عدد المنشورات الممولة: «أنا ممكن أنزل مليون بوست من أي مسلسل، بس اللي بيحدد هو الريتش بتاع الناس والكومنتات هي دي الحاجة البيور.. فهو الفكرة أن الناس أول ما تشوف فيه تريند أي كان هو إيه.. بيحبوا يشاركوا فيه كلهم.. كلنا نستنى الحلقة تخلص عشان نعمل كومنت عليها.. فبتوع السوشيال ميديا غصب عنهم لازم يتفاعلوا ويكتبوا ويتكلموا لأنهم مدركين أن ده تريند».

جعفر العمدة

ويرى أيضًا أن نسبة المنشورات الممولة على جميع هذه الصفحات حول المسلسلات والأفلام هي بنسبة 80%، ولكن ما يحدث هو: «ممكن يكون مطلوب منك بوست أو اتنين أو تلاتة ولكن المسلسل ده ممكن يكون تريند فتنزل زيادة.. على سبيل المثال مسلسل «جعفر العمدة» كان من ضمن 16 مسلسل شغال عليه في رمضان.. جيت في الحلقة الأخيرة مشتغلتش عليه كده المسلسل اتأثر؟ ولا الهوا». وأضاف أن أي شركة إنتاج أو ممثل لديه فريق سوشيال ميديا، وهم من يتعاملون مع هذه الصفحات بشكل مباشر وتدير الحملات الإعلانية، وتختلف طريقة التعامل من شركة إلى أخرى، فهناك من يفضل اختيار صفحات يعينها للترويج عليها والبعض يفضل عمل ضجة وتزاحم على الصفحات، وبعضهم لا يفضل إطلاقًا عمل دعاية السوشيال ميديا ومنهم المنتج عبد الله أبو الفتوح، منتج مسلسل «الهرشة السابعة» في رمضان الماضي، حين رفض تمامًا الدفع لحملات السوشيال ميديا.

وقال أيضًا إن الحملة الإلكترونية على منى زكي في مسلسل «تحت الوصاية» قبل عرضه، يتكرر كل عام مثلما حدث العام الماضي في مسلسل «بطلوع الروح»، وأضاف أن هذه الصفحات حتى الآن لا تعتمد على الحسابات المزيفة لأن هذا الأمر يمكن كشفه بسهولة، لذلك فهو يرى أن الهجوم على شخصية «مربوحة» في مسلسل «الكبير أوي» مثلًا كان تريند حقيقيًا وليس لجان إلكترونية، وبحكم عمله يرى أن هناك لجان إلكترونية إيجابية وأخرى سلبية وأنها ليست ظاهرة سيئة في المطلق، ويلجأ بعض الفنانين إلى هذه الحسابات المزيفة من أجل زيادة التفاعل على حساباتهم بسبب نقص جماهيريتهم، ومنهم ريهام حجاج التي لديها ستة ملايين حساب مزيف من أجل زيادة التجاوب معها. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن