تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
نحت رقيق في الزمن: حول ثلاثية يواكيم ترير

نحت رقيق في الزمن: حول ثلاثية يواكيم ترير

كتابة: محمد صبحي 16 دقيقة قراءة

بفيلمه «أسوأ شخص في العالم» (2021)، المعروض حاليًا في سينما «زاوية» بوسط القاهرة، يتمّم المخرج النرويجي يواكيم ترير ثلاثية بدأها عام 2006، بفيلم «تكرار»، تلاه فيلم «أوسلو، 31 أغسطس» عام 2011، وتناول فيها بحساسية وسخرية هادئة حياة مجموعة من أبناء جيل الألفية أثناء بحثهم عن الإنجاز والتحقق: مبدعون وآمنون من نواحٍ عديدة، لكن حياتهم في الوقت ذاته تغطّيها سحابات الميلانكوليا، لأن الرضا النهائي لا يتحقق أبدًا. «ليمبو» دائم، وتجوال لا يظفر أصحابه بمنالهم. منعطفات وجودية تتجسّد أفلامًا تروي قصصًا عن شخصيات في خضم عملية اكتشاف أنفسهم عبر مراودات وملاحقات ومراجعات، تختصر حال جيل بأكمله تقريبًا يحاول إيجاد نفسه ومكانه الصحيح في العالم. بانتظام، تتحدّى أفلام الثلاثية افتراضات جمهورها حول أبطالها، من خلال تقديم وجهات نظر جديدة باستمرار حولهم وعلاقاتهم. هذه تحية للثلاثية وصاحبها.

في لحظة وجيزة وحاسمة من الوضوح الميتافيزيقي، تعتقد يوليا أن زمنها يراوح مكانه. لقد قررت للتو ترك صديقها أكسل لأنها تريد لحياتها أكثر من مجرد كونها حبيبة أحدهم. قبل إعلانها وتعبيرها عن هذا القرار مباشرة، هناك في منتصف مطبخ الشقة القديمة التي تتشاركها مع صديقها الذي يكبرها بـ 15 عامًا، يتباطأ كل شيء من حولها وتسعى وراء إرادتها كما في أحلام اليقظة: تنزل الدرج، وتجري في وسط مدينة أوسلو بابتسامة متحرّرة، وتدخل المقهى حيث يعمل أيفيند، «الكراش» خاصّتها. بعد يوم مليء بالاندفاعات الأولى والوقت الضائع وخِفّة البدايات، تعود إلى المنزل وإلى تلك اللحظة الأولى بالذات، تقف أمام أكسل وتخبره بقرارها الانفصال عنه.

حين النظر إلى الوراء، سيعترف المرء بأن أحدًا لا يعرفها مثل أكسل. لكن الحياة لا يمكن عيشها إلا تقدمًّا إلى الأمام، مثلما لا يمكن فهمها سوى بالعودة إلى الوراء، أو على الأقل هذه هي الطريقة التي من المحتمل أن يعيد بها جيل الألفية اليوم صياغة فلسفة سورين كيركجور الوجودية. تقع معضلة الوجود هذه في قلب فيلم «أسوأ شخص في العالم» للمخرج النرويجي يواكيم ترير. بعد «تكرار» و«أوسلو، 31 أغسطس»، هذا هو الجزء الأخير المتمّم لـ«ثلاثية أوسلو»، واحدة من كلاسيكيات القصّ السينمائي المعاصر. حصل ترير وشريكه المعتاد في الكتابة إسكل فوكت على ترشيح لجائزة أوسكار لأفضل سيناريو أصلي، بالإضافة إلى ترشّح الفيلم لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي، فيما يعدّ فوز بطلته ريناتي رينسف بجائزة أفضل ممثلة بمهرجان كانّ السينمائي أحد أبرز تتويجاته.

قرارات تحدّد مصائر

أفلام ترير، في آنٍ، بورتريهات سيكولوجية دقيقة لأفراد بعينهم، وتأملات عالمية حول أهمية ومعاني الكلمات واللغة والصور والتعبير السينمائي. يتمثل أحد الموضوعات المتكررة في عمل ترير في فكرة أننا، كأفراد، نرى ونعرّف أنفسنا باستمرار انطلاقًا من منظور الآخرين: شركاؤنا العاطفيون، والمحتملون، والآباء، والأصدقاء، والأشخاص العشوائيون الذين نلتقيهم في الحفلات والساحات. كيف نحكم على «أدائنا» في الأدوار المختلفة التي نعيشها: هل أنا حبيب/شريك جيد أم كاتب أم صديق أم أبّ؟ هل أنا أسوأ شخص في العالم؟ كيف تُعرّفني وتحدّدني الكلمات التي تُقال عني، أو كيف يراني الآخرون؟ هل يمكنني أن أصبح نسخة أفضل من نفسي؟

في أفلام الثلاثية، ينشغل الأبطال بقرارات حياتية مفترض أن يتخذوها في مرحلة ما، ثم نتابع كيف تحدّد تلك القرارات مصيرهم أثناء اجتراحهم مساراتهم. جميعهم ينتمون إلى خلفيات من الطبقة الوسطى: فيليب وإريك، بطلا «تكرار»، في منتصف عشرينياتهما، ولا يزالا «ابنيّ أمّهما»، لكنهما بالطبع لن يعترفا بذلك؛ في «أوسلو، 31 أغسطس» يقلب أندرس بيت عائلته رأسًا على عقب بسبب تعاطيه المخدرات. وفي «أسوأ شخص في العالم»، تعود يوليا إلى شقة والدتها، مزخومة بالفن والموسيقى، بأفكار تتغيّر بانتظام حول مستقبلها ومسيرتها المهنية: طبيبة، ثم أخصائية نفسية، ثم مصوّرة فوتوغرافية؛ تغيّر جولي خياراتها المهنية بنفس معدّل لون شعرها وشركائها العاطفيين. بلا هدفٍ أو مرسى محدّدين، يتجول الأربعة عبر أوسلو وحياتهم الخاصة. شخصيات دائمًا في منتصف الطريق إلى ما يريدون. يحاولون، كلّ بطريقته، ولا يصلون.

في افتتاحية «تكرار»، تبدو المدينة بالنسبة لإريك وفيليب عالمًا مليئًا بالإمكانات والأمداء الواعدة. يقرر الاثنان أن يصبحا كاتبين (الروائي المتخيّل ستان إيجل دال هو نموذجهما وملهمهما العظيم). يقومان بما يشبه طقسًا دينيًا أو صلاة حين إسقاطهما مخطوطتي كتابيهما الأولين في صندوق البريد معًا، وبالتالي وضع مصيرهما الأدبي في أيدي دار نشر. الله وحده يعلم كيف سيكون مآلهما الأدبي. في تسلسلٍ تالٍ متقطّع، يطالع ترير احتمالات مختلفة لكيفية نجاح هذا المسعى. نشرُ الكتاب، والاستجابة الإعلامية، والمنافسات، والفضائح، والانتقال إلى باريس، وأزمة إبداعية، وبداية جديدة.. كل هذا يحدث في غضون ثوانٍ قليلة أمام العين السحرية الباطنية للاثنين وفي نفس الوقت على الشاشة: تفكير متفائل غارق في زهو الشباب كما الخوف من المستقبل بشكل لا يمكن معه تفريقهما عن بعضهما البعض.

لقطة من فيلم "تكرار"

إلهام أم حصار عقلي؟

هذا الطوفان المُسكر من سيناريوهات المستقبل المحتمل يتوقّع أيضًا مصير فيليب: ستنجح روايته وتروج سوق كتاباته، ويتوارى إريك في ظلّه الطويل. لكن فيليب لن يتمكن من الاستمتاع بهذا السيناريو، لأنه سيعاني من أزمة نفسية ويضطر إلى الذهاب في زيارات متكررة للطبيب النفسي. وفيما يأمل إريك أن يتمكن صديقه من الكتابة مرة أخرى قريبًا، وبالتالي إلهامه لتحقيق أفضل إنجازاته، يشعر فيليب بخيبة أمل من عالم الأدب ويعتزل الكتابة.

بالعودة إلى الواقع، فالاندفاع الأدبي المشترك للصديقين سيتسبّب في هانج أوفر طويل المدى. يتحقق بالفعل تفصيل من العوالم المحتملة للتسلسل الافتتاحي، عندما يشخَّص انهيار فيليب باعتباره عَرَضًا لـ«متلازمة ستاندال» المزمنة؛ وهي حالة نفسية جسدية ناجمة عن التحفيز الثقافي والفني الزائدين، أخذت اسمها من اسم الكاتب الفرنسي الشهير، الذي وصفها في دفاتر يومياته بعد زيارته لفلورنسا. بالنسبة لفيليب، استحالت الثمالة المستديمة التي تشاركها مع إريك اكتئابًا، وتحوّلت من العمل كمصدر إلهام إلى شيء أقرب للحصار العقلي.

هنا، قد يعكس يواكيم ترير وإسكل فوكت خبرة وعملية كتابتهما المشتركة بطريقة مبالغ فيها، لكنهما في الحقيقة يقدّمان مقاربة دقيقة ولافتة لمعضلة الإبداع الفني: التوازن المتصوّر بين الإلهام، والضغط الإبداعي المفيد والمثمر، واللياقة الذهنية؛ هشّ جدًا ويمكن أن ينهار مثل بيت من ورق بفعل أصغر الاضطرابات. في أفضل الأحوال، تبقى الموهبة والحرفية، لكن الخِفة تختفي وتذهب في طريق بلا رجعة. وبالتالي، فمشروع/مغامرة إريك وفيليب محكوم عليه بالفشل منذ بدايته، رغم أن ترير وفوكت لا يفوّتان الفرصة للسخرية من جدّية بطليهما، بالنظر إلى أن المثل الأعلى للبطلين، ستان (إيجل) دال، يحمل بالفعل اسم المتلازمة اللعينة.

  يد إلهية

تركّز أفلام الثلاثية على شخصيات تتأرجح على الحواف الرقيقة بين أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات، أي فترة ما بعد النضوج المفترض، أو مرحلة النضج المتأخر في تقسيم آخر. تدور النقاشات المتتالية التي يخوضونها حول أحلام نحّوها جانبًا من أجل الأمان والراحة، أو مواقف أكثر قسوة، كما يحدث لبطل «أوسلو»، الذي يحاول إيجاد أسباب للعيش بمجرد إطلاق سراحه من مركز علاج الإدمان. في القصص الثلاث التي أتقن عبرها ترير أسلوبه الخاص، هناك توتر/تمازج لافت بين عنصرين متعارضين ظاهريًا، ما يجعل إثمار تجاورهما متميزًا وفريدًا. يكمن هذا التوتر بين مكون أدبي مؤكَّد، من ناحية، وأقواس سردية متناثرة، مراوغة ومتحوّلة بقدر ما هي انطباعية.

وهكذا، فإن التعليق الصوتي الكثيف، في منتصف الطريق بين الشاعرية والروائية، ينتظر في زوايا وأركان أفلامه، وينغمس في ما يمكن اعتباره في العديد من دورات كتابة الأفلام إحدى الخطايا السبع المميتة (بتوضيح ما يمكن للمُشاهد رؤيته بالفعل على الشاشة). رغم ذلك، فهذه الوسيلة، بعيدًا من الإفراط المجاني في استخدامها أو اعتبارها غرضًا ديكوريًا من باب «الروشنة» السينمائية، ينتهي بها الأمر هنا بإعطاء كثافة استثنائية لما نراه، تمامًا كما فعل ألفونسو كوارون مع القصص الثانوية لفيلمه «وأمّك أيضًا» (2001).

لقطة من فيلم "أوسلو"

في «تكرار»، يسرد راوٍ عليم ودقيق للغاية، كأنما خارج من عالم ديفيد فوستر والاس الأدبي، ليس ما حدث وسيحدث للعديد من شخصياته فحسب، وإنما يلعب أحيانًا بالشروع في رسم مستقبلات متلاشية، متخيلًا أو مفترضًا ما سيحدث مع خطوط سردية معينة إذا اتخذت الشخصيات قرارات مغايرة. في «أوسلو»، يذوب هذا الصوت في ذكريات مجموعة من الأشخاص الذين، من خارج الكادر، يروون ذكريات وانطباعات عن حياتهم في العاصمة النرويجية. للوهلة الأولى، يعتقد المتفرج أن هذه الوسيلة السردية موجودة حصرًا لزخرفة الفيلم (الذي يلجأ أحيانًا إلى تضمين مشاهده بلقطات مصوّرة بفورمات سوبر 8 مللي)، ولكن أثناء متابعتنا خطوات أندرس الشاردة، تتكشّف أمامنا حيلة أسلوبية من شأنها توليد نقطة طباق بين سونيتة البطل السوداوي وتلك السيمفونية المنذورة لأوسلو كمدينة كبيرة تختصر العالم.

وهكذا، تملك الشهادات المجهولة المتناثرة بطول الفيلم وظيفة مماثلة لتلك الخاصة بأفكار الناس التي تسمعها الملائكة في «أجنحة الرغبة» (1987، فيم فيندرز)، وهو فيلم آخر يقدّم في الوقت ذاته قصة طليقة ورحبة ومجرّدة حول الإنسانية، وتعليقًا سياسيًا بنَفَسٍ وثائقي عن السنوات الأخيرة لبرلين قبل سقوط الجدار.

يملك «أوسلو»، رباطًا عَرَضيًا يجمع أجزاءه وأحداثه المتصلة بشكل فضفاض، بناءً على الأشخاص المختلفين الذين يواجههم أندرس في يومه الأول خارج مركز علاج الإدمان. وعلى ذلك، فإن كل شخص يلتقيه من جديد هو شخصية ومجاز في آن، استعارة تستفهمه عما يمكن أن تكون عليه حياته (من بينهم، لدينا شريكة سابقة تمثّل أفضل وأسوأ ما في التأقلم المفرط مع الحياة الأسرية، ومحرّر أدبي في مجلة ثقافية يواجه البطل بتلك الحفرة السحيقة في سيرته الذاتية التي مثّلتها سنوات إدمانه).

في بداية الفيلم، عندما يحاول أندرس الانتحار بوضع حجارة ثقيلة في جيوبه قبل النزول في النهر، نعلم أن الموت هو الشبح الرابض في نهاية الفيلم. تمامًا كما هو الحال في فيلم لوي مال المأخوذ عن الرواية ذاتها، كان كل ما فعله به البطل ضربًا من الوداع والأحداث المؤسفة؛ في «أوسلو»، تبدو كل مقابلة مع أندرس كأنها عملية حساب يُزن فيها جانب أو آخر على ميزان الحياة والموت. حين يسود صمتٌ مهيب لدى الحديث عن الله، تكتسب التعليقات الصوتية المجهولة منطقيةً مفاجئة: تلك الذكريات هي شهادات حبّ لمدينة، في جمالها الصباحي، تحاول ثني البطل عن التصرّف بدافع انتحاري.

لقطة من فيلم "أوسلو"

ميلانكوليا أحلى من نوستالجيا

في أفلام ترير، تعمل الجغرافيا الحضرية دائمًا كخريطة نفسية لشخصياته. يبدأ التسلسل الافتتاحي في «أوسلو» بكولاج من الأفلام الأرشيفية واللقطات المصوَّرة للمدينة. في تعليقٍ صوتي من خارج الكادر، يتحدث السكان الشباب عما تعنيه المدينة لهم، والدور الذي تلعبه الذكريات والتحديثات في تشكيل علاقتهم بالمدينة. مرة بعد أخرى، يتبيّن أن سكّان المدينة وقصصهم هم الذين لعبوا ويلعبون دورًا مهمًا في هوية مدينتهم. يقول أحد الأصوات: «أصررتُ على أن كلمة ميلانكوليا أحلى من نوستالجيا»، مردّدًا الحالة الذهنية لبطل الفيلم، أندرس، وهو شاب في أواخر العشرينيات من عمره، على وشك إنهاء رحلته في علاج الإدمان، طليق لأول مرة منذ فترة طويلة.

فيلم ترير هو إعادة تكييف فضفاضة لرواية «Le Feu Follet» للكاتب الفرنسي بيير دريو لا روشيل المنشورة في العام 1931 (حوّلها للسينما أيضًا المخرج الفرنسي لوي مال في فيلم بنفس العنوان في العام 1963). تروي الرواية القصيرة الأيام الأخيرة لمدمن سابق للهيروين قبل إقدامه على الانتحار، واستوحاها الكاتب من حياة صديقه الشاعر السوريالي جاك ريغو. ما فعله ترير هو تطوير ذلك البورتريه الوجودي لبطل الرواية آلان ليروي، المتمرد الذي فشل في مواجهة الرداءة البرجوازية، إلى مخطط سيكولوجي حميمي وعاطفي لشخصٍ يائس من مجتمعه ومحيطه.

في محاولته لإعادة التواصل مع الأصدقاء المقربين والعائلة، تعاود أندرس ذكريات وتبعات سنواته السيئة التي قضاها في التعاطي. صديقته السابقة إيسلين لن ترد على الهاتف، وأخته لا تريد رؤيته، أما والداه فيخبرانه نيّتهما بيع منزل طفولته على أي حال، لكنهما لم يستطيعا إقناع أي مشترٍ محتمل بذلك: أندرس نفسه يعرف أنه استغل الجميع عاطفيًا وماليًا، وليس متأكدًا من كيفية تعويضه ذلك أو حتى استطاعته فعله.

متأرجحًا بين الميلانكوليا والشفقة على الذات، تأخذه خطاه إلى حفلة في منزل أحد رفاقه القدامى. يسعد جميع معارفه السابقين برؤيته، لكنهم أيضًا لا يتذكرون سوى قصص الانغماسات والتجاوزات المشتركة التي يريد أندرس، صادقًا، تركها وراءه. بالنسبة له، النوستالجيا ليست شعورًا موجهًا إلى الماضي، بل توقًا إلى حياة أنكرها في السابق والآن تُنكره بدورها. كيف السبيل؟ حتى هذا ليس واضحًا، لأن ماضيه يواصل ملاحقته. وهي معضلة مشابهة كثيرًا للتي سيعانيها أكسل في «أسوأ شخص»، سواء في علاقته بحبيبته يوليا التي ترى الحياة تقدّمًا دائمًا إلى الأمام، أو في وضعه كمثقف استفزازي في عالم لم يعد قادرًا على فهمه أو هضمه.

تريللر فيلم أوسلو

نقطة ارتكاز

بصبرٍ وبأسلوب شبه وثائقي، ترافق الكاميرا أندرس في هذه الحالة من التيه، دون رمْنَستها أو إدانتها. غير أن القرب الحثيث والمستمر من البطل يسمح لنا بملامسة ارتباكه واضطرابه الداخلي. ما يساعد في إيصال هذا الإحساس حقيقة أن الممثل الذي يلعب دور أندرس هو نفسه الذي لعب دور فيليب، والحديث هنا عن آندرس دانيلسن لي (وهو موسيقي وكاتب وطبيب ممارس أيضًا)، الذي يعمل كنقطة ارتكاز ثابتة للثلاثية. فرغم أنه يلعب ثلاث شخصيات مستقلة في الأفلام الثلاثة، إلا إنها تمثّل في حقيقة الأمر أشقاء روحيين تربطهم قواسم مشتركة وتكشف عن تطوّر سردي معين: من أزمة المعنى الفنى عند فيليب «تكرار»، إلى الانزلاق أكثر في كآبة وسوداوية أندرس «أوسلو»، وأخيرًا أكسل «أسوأ شخص» العائش في هشاشته المتخفّية وراء صلابة وعنادٍ ظاهرين. نحتٌ رقيق وحزين في الزمن تشكّلها تلك الدراسات الشخصية المعقّدة في سيكولوجيا مجموعة من التائهين الوجوديين ليس باستطاعتهم إحكام قبضتهم على الأمور.

أبطال ترير جميعًا مسافرون عبر الزمن بين عوالم واحتمالات مفترضة، هو راسم خرائطهم، أثناء محاولته الدائمة ترجمة هذه الخرائط النفسية والأجواء والأمزجة في/وعبر مدينته، أوسلو: الـ هُنا والآن يتداخلان مع الـ هناك والما بعد. جميعهم يتنقلون بين الأحياء البرجوازية التي نشأوا فيها والأحياء الفاخرة ومرابع الفنانين التي يريدون/أو يُفترض أن ينتقلوا للعيش فيها. مثل أقرانهم في أي مكان آخر في العالم، انتمائهم وأصولهم من الطبقة الوسطى فتح أمامهم إمكانات لا نهاية لها، لكنه في الوقت ذاته، كما في أغلب حكايات الطبقة الوسطى المطبوعة بتغيّرات الأحوال وتبدّلات المعايش، أفضى بهم إلى شعورٍ وحالٍ متكاثرين من الارتباك والإرباك.

وهذه أيضًا معضلة جيل الألفية. يناقشها ترير بجدّية ولكن بشكل نقدي، وأحيانًا بسخرية مريرة. ففي حين يتسكّع إريك وفيليب من حين لآخر في المتنزهات وعلى البحر، ويحلمان بالحياة القادمة ككاتبين مشهورين؛ يتجوّل أندرس في الشوارع دون أن ينظم هذا التجوال بخطوطٍ رابطة بين الأماكن والأوقات التي يأتي منها إلى الأخرى المتجه إليها. وحدها يوليا تمكّنت من شقّ طريق للخروج من هذا التجوال الشارد وإدراك أوسلو كمدينة.

لكنها هي أيضًا تنجرف في البداية بلا هدف في الحياة، وتجرّب نفسها في مسارات جديدة على مستوى الدراسة والوظيفة ونمط الحياة، دون الاستقرار على واحد يمكنها الالتزام به ومعه. وفي حين يُسلم ترير، فيليب إلى ميلانكوليا مخاوفه الذاتية، ويتجه بأندرس إلى نكبة تصنعها أقدار يصعب تفاديها، فقد منح يوليا قبولًا/تسليمًا صحّيًا -إذا جاز التعبير- تحصّله بمرور الوقت، كأن الحكمة تدركها في طريقها لمعرفة ذاتها والوقوف على جوهرها.

تترك وراءها الدراما الذكورية لأكسل، الذي يلعبه أندرس دانيلسن ككاتب كوميكس مغرور في منتصف العمر، يجسّد عمليًا الأنا الناجحة لشخصيتيه السابقتين الفاشلتين. بعبارة أخرى، أكسل هو تجسيد احتمال غير موجود تقريبًا. وبالتالي، فـ«أسوأ شخص» هو بطريقة ما نقطة تحوّل في الزمن والواقع، بعيدًا من الدراما الذكورية المشفقة على الذات باحتمالاتها واستيهاماتها، نحو التوصل إلى تفاهم/رضا ذاتي مع حقيقة أنه لا يمكن أن يكون هناك أبدًا حالة نهائية من القناعة والطمأنينة والإشباع، وإنما ينبغي أن يكون هنا والآن جيدين بما يكفي للاستمرار في العيش والاستيقاظ كل صباح.

لقطة من فيلم "أسوأ شخص"

الخيال واقعًا

هذا هو السبب في أن كولاج الأفكار المتدفقة، وهو تيمة متكررة في الأفلام الثلاثة، لا يظلّ بالنسبة ليوليا عالمًا من الاحتمالات فحسب، وإنما تنجزه بطريقة ذاتية التأثير؛ إذ يصبح الخيال حقيقة، ليس عبر الاستسلام للقدر (مثل أندرس)، أو العيش في الأحلام (مثل فيليب)، بل من خلال أفعالها واختياراتها. تتعلّم يوليا أن تتصالح مع ضآلتها، واليقين الوحيد الذي تبقيه الحياة: أنها ستفاجئها دائمًا وستدهشها في أكثر اللحظات إهمالًا، بصرف النظر عن امتثالها للسلوك الأمثل أو اتباعها للقواعد. مفاوضات مستمرة تجريها في/ومع حياتها، حتى عندما تتخذ قرارات خاطئة (أو يمكن رؤيتها بهذه الطريقة، لاحقَا)، تعطي الانطباع بأنها شخص لا يشعر بأي ندم. تمضي قدمًا، يدفعها عدم اليقين وتتغذّى عليه في الوقت ذاته.

بالمناسبة، في لحظات الانحراف الاجتماعي هذه، حين يخرج المرء عن الخطّ، يومئ ترير ساخرًا من الطبقة الوسطى المدينية الممزقة، تفكيرًا وسعيًا، بين مسائل واستحقاقات كبرى، كالمساواة، وتأسيس أسرة، والتنوع، والضمير الاجتماعي، وكارثة المناخ؛ فيما يرافقها التعثّر والدوران في دوائر حين يتعلّق الأمر بتحقيق الذات وإدراكها.

يفهم ترير كلاً من المشاعر العظيمة، والنشوة الفائضة للوجود، وأيضًا اللحظات المبتذلة والمستحقة للنسيان، ويربطها جميعًا ببعضها البعض ناظمًا أفلامًا ذكية وحزينة ومضحكة. حينها تصير فلسفة كيركجور الوجودية -وثيقة الصلة بعمل ترير- معرفةً للذات شعبية ورائجة في أفضل معانيها، ويؤمن المرء تقريبًا بقول جون لينون عن الحياة التي تحدث فيما ينشغل المرء في وضع خطط أخرى.

قد لا يكون الطريق إلى هذا التبصُّر هو الأكثر مباشرة، ولكن مع ترير تملك خِفّة ومرحًا منعشًا في كثير من الأحيان، حتى في أكثر اللحظات كآبة.

يظهر هذا مرة بعد أخرى، لا سيما في «أسوأ شخص»، لأن الفيلم يأخذ بحث يوليا عن هويّتها بجدّية أكبر مما تفعل هي نفسها، وهذا التباين يتحوّل في الأخير إلى كوميديا. تلعب ريناتي رينسف دور يوليا بمقادير متساوية من الاستنكار الذاتي والتفهُّم (كما فعلت جريتا جرويج من قبل في «فرانسيس ها»)، موازنةً بذلك سلبية الشخصيات الذكورية لأندرس دانيلسن. الطريقة التي تنسلّ يوليا بمفردها ذات مساء من حدثٍ مملّ بصحبة أكسل، لتتجول بلا هدف في شوارع أوسلو، وتتسلل إلى حفلة غريبة، وتتظاهر بأنها طبيبة وتتخلص لفترة وجيزة من "أنا"ـها؛ هي طريقة وقحة وساحرة في آن، وتجعل، أقلّه لفترة مختلسة، كل الهويات الأخرى التي تنبذها لصالح هويتها المفترضة/الواقعية تبدو احتمالات أفضل وأقل إفضاءً للحزن والكآبة في آخر المشوار.

لقطة لجريتا جرويج من "فرانسيس ها"

شمس أوسلو

بعيدًا من الكلمات، هناك في «أوسلو»، وأيضًا في «تكرار»، لكن بخاصة في «أسوأ شخص»، شيء دافئ وإنساني للغاية في ذلك الضوء الذي يداعب الشخصيات. ففي حين يلتفّ كل شيء بضباب وشبورة في السينما الاسكندنافية، خاصة في الأفلام والمسلسلات البوليسية الذائعة، دائمًا ما تظهر في أفلام ترير شمس دافئة في اللحظات الحاسمة، لا يقتصر حضورها على كونها مجرد مصدر للضوء إنما تصبح أشبه بهدنة تتنزّل سلامًا على الأبطال.

تحدث اللحظة المفتاحية لهذا الضوء، وفي الوقت ذاته، تلك الحالة السردية في «أسوأ شخص»، عندما تتخيّل يوليا ما يمكن أن تكون عليه حياة موازية تعيشها مع شخص آخر غير شريكها الحالي. هناك، يتوقف العالم حرفيًا (يتحجّر المارة والموجودات كلها) وتجري البطلة في لوحات مفعمة بالحيوية لتجد نفسها، بعيدًا من أعين الآخرين الفاحصة المدققة، مع الشخص الذي تودّ رؤيته من جديد. هناك، مرة أخرى، تقدّم أوسلو نفسها بطريقة شاعرية متواطئة ومتورّطة مع/في أشواق ومخاوف أبطالها، تصير أحد أبطال القصة.

أسوأ شخص» عمل استثنائي تتعايش فيه مثل هذه الانخطافات الأدبية الشفّافة مع الغموض الأخلاقي لأبطاله. لا أحكام، بل اقتراب حثيث من أمزجة وارتحالات، لا يتوقف تقلّبها ويصعب الجزم بشأنها. على عكس، مثلًا، السينما الأنجلو سكسونية، حيث في قصة مشابهة ستُنذَر البطلة غالبًا لمصائر رديئة انطلاقًا من كسلها وعُصابها المفترضين؛ في فيلم ترير، هذا الافتقار إلى البوصلة لا يُرجع لافتقار يوليا إلى الرغبة، بل إلى عوزها للصلابة. تأخذ كل خطوة من خطواتها بطريقة واثقة للغاية، لكنها لا تملك القدرة على تغيير رأيها في منتصف الطريق.

ولهذا تحديدًا، في الترتيب السردي للفيلم القائم على تقسيمه فصولًا روائية، لا تحتاج يوليا سوى مقدمة قصيرة لتغيير الجامعة والحبيب ثلاث مرات، دون أن ترى هذا كعلامة على التردّد المَرَضي. يمكن قول الشيء نفسه عن موقف ترير، أو حتى موقفنا تجاهها: في بعض الأحيان نغرم بها (أو بالأحرى نشفق عليها)، وأحيانًا نجدها مبتذلة في مساعيها لأن تصبح امرأة عميقة، وأحيانًا أخرى لا تُطاق بصراحة (خاصة في ذلك الدوران الذاتي المتمثل في رغبتها استغلال عدم ارتياحها وعدم ارتياح الآخرين لتقديم ما يشبه مساهمة إبداعية أو فنية). ومع ذلك، في نهاية الفيلم، حتى إذا أردنا إصدار حكم، لا يسعنا إلا أن نقول إن يوليا.... يوليا، مثلنا تمامًا، مبتلاة بالظلال والأنوار، أو كما قال عدوية «حبّة فوق.. حبّة تحت».

قطة من فيلم "أسوأ شخص"

قلة من الأفلام يمكنها تبنّي (وإثبات) الفكرة القائلة إننا جميعًا أشياء كثيرة (كل شيء ولا شيء) في نفس الوقت، وأن الحياة تمضي قدمًا، إنما ليس بالضرورة بإعلان انتصارنا القاهر عليها أو التتويج بأشياء كبيرة عند خطّ النهاية. هذه السردية وتلك الأخلاق يبدو لي أن مرجعهما السينمائي الرئيسي غير كامن عند سينمائي أمريكي أو إسكندنافي، بل لدى زميل فرنسي راحل: كلود سوتيه (1924-2000). في أفلامه المختلفة كثيرًا في الأسلوب عن مثيلاتها لدى سوتيه، يتشارك ترير مع الأخير تلك الفكرة عن أفلمة الحياة، بأن نضيف فيها ونطرح، للوصول في النهاية إلى فكرة تقريبية عما إذا كان الأمر يستحق العيش أم لا.

مشاهدة ثلاثية يواكيم ترير ليست مجرد فرصة جيدة لتقدير سينمائي في ذروة عطائه حاليًا، وإنما أيضًا لتأمُّل وبحث ما نتوقّعه من السينما، وحياتنا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن