نجمة تطل على البشر من الأعالي
#جو عام
بمناسبة ذكرى ميلاد رؤيا حسن، الباحثة النسوية السودانية الراحلة، وإحدى منتجات بودكاست «تاء مربوطة»، تكتب منى يسري عن «رؤيا» التي غادرت عالمنا في عامها الـ 33، في يونيو الماضي. كتابة عن الرؤية التي منحتها رؤيا لكاتبة هذا الديتوكس، والصداقة الباقية رغم الفقد.
#دليل
إن كان للحياة من مغزى، فليكن الونس. وإن كان من علاقات تستحق القداسة، فلتكن الصداقة.
سبع سنوات من الوحدة كانت كفيلة بترسيخ تلك المعاني في رأسي المُثقل بالأفكار السامة، دفعتني سبع سنوات إلى الانغلاق التام، وغلق باب روحي، وتفضيل الوحدة على الونس. لكنها أيضًا كانت كفيلة بشحذ أشواقي إلى الخِّلّة والخلاّن. مَن يؤنس وحدتي، ويشبع روحي التواقة إلى الرفقة؟
انسحبتُ من الحياة شيئًا فشيئًا، حتى بات الخوف من الآخر هاجسي الأكبر. هكذا كنا جميعًا في مصر بعد عام 2013، أو على الأقل مَن أعرفهم. ساعدتني جلسات الطب النفسي بعض الشيء، لكن بعد وقت قصير اكتشفتُ أنها لا تُسمن ولا تُغني من جوع، حتى تسلل إلى حياتي بعض الرفاق والرفيقات من السودان، بدأ خوفي في الذوبان شيئًا فشيئًا، ربما كنت محظوظة بهذا القدر من الود الذي حظيت به منهم، وارتبط الونس والإيناس في ذهني دائمًا بحضورهم.
سألني طبيبي ذات يوم عن دوائر علاقاتي الاجتماعية، جاوبته بصدق أنني لم أعد آمن لمجالسة إلا أصدقاء من السودان، تعرفت عليهم واكتفيت بهم، حينها ابتسم، وقال لي: «مثلك لن يأمن إلّا برفقة السودانيين»، مُعللًا ذلك بخبرته في العمل معهم، كأشخاص لم تنل المدنية والفردانية من جوهر إنسانيتهم، وأنهم رغم كل ما عانوه من أهوال، ما زالوا الأقدر على تكوين روابط عاطفية ونفسية قوامها التضامن والإمتاع والمؤانسة على ديدن أبي حيّان التوحيدي.
في عام 2021، التحقت بالدفعة الثانية من الأكاديمية البديلة للصحافة العربية، وبعد وقت قليل بدأت المراسلات الجماعية بين الطلاب الجدد والإدارة، وأمام هذا السيل الجارف من الرسائل الإلكترونية من الغرباء، ارتبكتُ بمجرد أن لاحت فكرة أنني بعد أسابيع سأنضم إلى كل هذا الجمع من شباب وشابات من جنسيات عربية مختلفة، لا أعرف منهم أحدًا، في مخيم.
زاد الارتباك وتصاعد، حتى تجلت «رؤيا» من خلف الشاشة. رؤيا الوسيلة جاك حسن، التي لم أرَ منها سوى محياها الباسم، بددت ارتباكي، بل أقعدتني عن قرار الاعتذار عن حضور المخيم، وهو قرار لم أصارح به إلا نفسي. اعتراني، فجأة، شعور بالراحة، كأنني وجدت مَن يمكنه تهدئة ارتباكي في حضور الغرباء، خاصة لمعرفتي أنها مناضلة نسوية سودانية من طراز رفيع.
ساعات من السفر الطويل قطعتها نحو جزيرة منعزلة تطل على المحيط الهندي، وكانت رؤيا أول مَن بحثت عنه عيناي حين وصلنا إلى آخر نقطة في رحلتنا. كانت ابتسامتها مضيئة، مشرقة، مفعمة بالحياة، وحين جلسنا لتناول عشائنا الأول، بحثت عن طاولتها وكان من حسن حظي أن وجدت مقعدًا شاغرًا بجوارها. ثم اختبرت قدراتي على بدء حديث مع الغرباء، التي باتت من الماضي البعيد، ووجدتني أطلب الجلوس إلى طاولتها التي شاركتها فيها زميلة أخرى، وقررت أن يكون شيب الشباب الذي تسلل إلى رؤوسنا نحن الثلاثة موضع شيء مشترك بمقتضاه يحق لي الانضمام إليهما.
كان لقاؤنا الأول مُفعمًا بالألفة، جلسنا طويلًا، وسهرنا على شاطئ المحيط، حكينا كل شيء عن بعضنا البعض، كانت صدمتي الأولى حين علمت أن العكاز الذي تستند إليه ليس مؤقتًا، وحين حكت عن صراعها مع مرض التصلب اللويحي، سريعًا استعدت ذاكرتي المكتظة بتشخيصات الأمراض من مشاهداتي للمسلسلات الطبية، وتذكرت مسلسل «هاوس» وحلقته عن التصلّب اللويحي، لم أصدق أنها قطعت كل هذه الساعات من السفر، وهي مُثقلة بمرض لم تُكتب له بعد نهاية سعيدة.
جافاني النوم تلك الليلة، رغم التعب الشديد وقلة النوم، لم تفارقني ابتسامتها ونبض الحياة المتقد في عينيها رغم كل الصعاب، تضاءلت آلامي.. ما أسخفها في تلك اللحظة، نفثت رؤيا في داخلي روحًا جديدة، تنظر للحياة من الأعلى، رأيتها في تلك الليلة نجمة تطل على البشر من الأعالي، كان حديثنا خاصًا وعامًا، الثورة والسياسة، النسوية والحياة، المجتمع والعلاقات!
في تلك اللحظة، اكتشفت أنني لم أحظ بصديقة أنثى قط منذ سنوات، صديقة واحدة منحتني الحياة إياها قبل عقدين، كنا نتشارك نفس الاهتمامات، حتى تفرقت سُبلنا، لكن رفاق الأفكار والعمل السياسي، كانوا دائمًا من الرجال. كانت نشوتي بهذا اللقاء ودفعة الإيناس المكثفة كفيلة بأن توقظني في الصباح نشطة، على عكس صباحاتي اللعينة، رغم أن نومي لم يتجاوز من الساعات إلا أربع، وأنا التي لا يكفيني من النوم أقل من ثماني ساعات، فضلًا عن مقاطعتي الصباح الباكر منذ سنوات.
استمرت رؤيا في إدهاشي محاضرة تلو الأخرى، وونسة تلو الأخرى، كان الشعور بالخجل من مرض الاكتئاب يملأني، أروضه أحيانًا، ويهزمني غالبًا، لم أخبرها عنه، ليس عمدًا، لكنني نسيته في حضرة رؤيا منذ اللقاء الأول، نسيته حقًا!
اتخذت رؤيا من خطواتها البطيئة فرصة لتأمل الجمال الكامن في جزيرتنا المعزولة، كانت ترى تفاصيل لا يلتقطها سواها، عيناها دائمة البحث عن الجمال، كنت أتباطأ معها في خطواتنا، نسير دائمًا ببطء شديد بحكم ما تركه مرض التصلب المتعدد من ندبات لا تُمحى على جسدها الشاب، يلازمها شعور بالذنب تجاهي، لكنها لم تعلم أنني مَن كنت أتعكز عليها، في معيّة رؤيا حظيت بالرؤية مجددًا، باتت الألوان أكثر وضوحًا. بينما في حضرة الاكتئاب، تبدو الحياة فيلمًا رديئًا من بدايات السينما الصامتة، صور باهتة نزعت ألوانها، لكن رؤيا أعادت لي الألوان من جديد.
حين أستعيد تلك اللحظات، أشعر أنها كانت في حياة أخرى، ربما لم تكن حقيقة، ربما كانت رؤيا روحًا ملائكية حظيت برفقتها، واستزدت من إيناس مس شغاف القلب بعد سنوات من الجدب والقحط، واختبرت حقًا أنّ شر البلاد هي بلاد لا صديق بها.. وخير البلاد حيث كان الرفيق والخلاّن.
موت مؤجل لأجل رؤيا
صباح مطير، في جزيرة استوائية منعزلة، تطلق خفافيشها نوتات موسيقية منوّعة، وتطير فوق نخيل جوز الهند الباسق، كان سببًا كافيًا لاتخاذ قرار السباحة في بحر أجهل تفاصيله، وتخيلت أن سباحتي الدائمة في البحر الأحمر، ستجعل مني رانيا علواني الغلابة، في أحضان ذاك البحر الذي يبدو هادئًا. أحيط الحيّز المسموح به للسباحة بمتاريس داخل المياه يمنع تجاوزها، لكن موجة عالية باغتتني، ثم علقت قدمي في صخرة مرجانية، فكان ذلك كفيلًا بقذفي خارج المتاريس، مفرقة بيني وبين زميلي، لأجد نفسي أسبح عكس التيار، حتى كاد تنفسي أن ينقطع، علا صوت لهاثي، لكن الشاطئ بات أبعد حتى كدت أرى من على البر أجسادًا مُصمتة.
مرّ وقت لا أعرف قدره، حتى صرخت طلبًا للمساعدة، جاء أحد الزملاء لمساعدتي ظنًا منه أنني فشلت في السباحة، ليعلق كلانا وسط تيار سحب عنيف يعود بنا إلى الجهة الأخرى، علت صرخاتي، وشعرت بها تخرج من أمعائي، تعالت وتعالت خوفًا من ألّا يسمعني أحد، صرخت كثيرًا حتى شعرت بجرح في حنجرتي، وفجأة بدا الشاطئ مكتظًا بمراكب بيضاء، أقول لنفسي إنّ أحدها الآن سيأتي لإنقاذنا، توقفت تمامًا عن مصارعة التيار، وصار هدفي منصبًا على ألّا يدخل الماء إلى فمي أو أنفي.
أُنهكت فجأة وتوقفت عن الصراخ، وتأكدت من أنها النهاية، ورأيت أمي تتسلم جثماني في صندوق، ورأيت نفسي داخل هذا الصندوق، كانت مشاهد حقيقية في تلك اللحظات، ومن فرط واقعيتها انقطع صوتي وسالت دموعي وامتزجت بماء البحر، شعرت فجأة بيد تسحبني من الماء، واستأنفت الصراخ من جديد، حتى أدركت أن قارب إنقاذ جاء لسحبي أنا وزميلي المسكين، الذي لولاه لكنت استسلمت حقًا.
خرجت إلى الشاطئ، وإذ به مُكتظ بالبشر، خالٍ من القوارب وأدركت حينها أنها كانت رؤى وهمية من صُنع خيالي، كان الجميع في حالة ذعر، تعتريهم نظرات الشفقة، لكنها كانت أسعد لحظات حياتي، خرجت من المياه بعقل فارغ تمامًا، شعرت أنني راهب بوذي يسكن الهيمالايا منذ زمن، قتل الخوف في داخله، وبات يفكر فقط «هنا.. والآن.. لا شيء آخر»، واختبرت للمرة الأولى غريزة البقاء بمعناها البدائي تمامًا.
كانت لحظات نادرة من الصمت الداخلي والسلام الذي لم أنعم به منذ سنوات، وكأن أحدهم فصل الكهرباء عن حفل صاخب لموسيقى الميتال. تخيلت حينها أنني ربما أشعر بالتعب، لكن نشاطًا مفاجئًا دب في جسدي، واستمرّت سهرتي حتى الثانية بعد نصف الليل، كانت برفقة رؤيا، قررنا أن نلف الجزيرة المُضاءة بنور القمر. «أحكيلي»، طلبت رؤيا في حنان بالغ، حكيت وأنا أسخر من نفسي، خرجت ضحكاتي من القلب، لكنها كانت متأثرة بشدة، حينها قررت أن أحرق نبوءة أمي، وأعترف أنني ما كنت سأظن أنها النهاية، لولا نبوءة أمي التي حضرت فجأة وسيطرت على عقلي.
كانت نبوءة أمي شبحًا يؤرق مضجعي قبل عقد من الزمان، حين بدأ تمردي في الظهور العلني، وبات اختلافي التام عنها أمرًا لا يمكن تجاهله، أخبرتني ذات يوم بنظرة حادة تشبه نظرات عبلة كامل حين تتلبسها روح الشر، أن أمثالي يموتون قبل أن يكملوا ثلاثين عامًا في هذه الحياة. كان عمري، وقتها، لا يتجاوز العشرين، لكن شيئًا وقع في قلبي، وكأنما انتُزع من مكانه، ورأيت نفسي في القبر أختنق بعدما دُفنت حيّة، كان منامًا مفزعًا، قررت دفنه مع نبوءة أمي، ولم أبح يومًا بهما لأحد، لكن أيامًا عديدة مرت عليّ وأنا أخشى الخروج من غرفتي حتى لا تتحقق النبوءة.
كانت رؤيا أول مَن حكيت له النبوءة، واستقبلتها بتأثر شديد، واغرورقت عيناها بدمع محبوس، وردت بلهجتها السودانية: «قاسية شَدِيد أمك»، ضحكتُ وقلتُ: نعم، قاسية شديد. لكن أمي ترى نفسها أكثر حنانًا من أمّها/جدتي التي تراها قاسية، لذلك قررت أن أقطع سلسال القسوة وأقطع الخلف، وضحكنا معًا، أنا ورؤيا. شعرتُ حينها براحة كبرى، لأنني استطعت إزاحة تلك النبوءة عن كاهلي، وأكملت ثلاثين عامًا، وألقيتها في المحيط، ثم خرجت بأعجوبة.. يا له من انتصار. ربما لو مُتّ بعد ذلك، ولو بقليل، ستكون نبوءة أمي براءً من موتي، أمسكت رؤيا بيدي، وقالت: «لا مُنى ما هتموتي»، رددت بمزاح خلاص مش هموت عشان خاطرك بس.
لا أبالغ إن قلت إنني في تلك الليلة نمت كطفل حديث الولادة، أغط في نوم عميق لأكثر من 15 ساعة متواصلة. كانت رؤيا مهتمّة بكل المشاعر التي تراودني بعد ما أسمته «عودتي من الموت»، قلت لها إنه شعور جميل، أنا الآن طفل حديث الولادة، أتعرف إلى الحياة، ولا أريد سوى الدلال من الآخرين. لكنني ما زلت مندهشة أنني أكملت 32 عامًا، وما زلت أتحدّى نبوءة أمي.
ليالينا مع وردة
كانت صداقة رؤيا والقرب منها، أعظم إنجاز استطعت الظفر به في نهايات ذلك العام، أخيرًا ظفرت بالونس، وحظيتُ بشعور صداقة اعتقدت سابقًا، أنه وهمي وغير موجود. لكن الطفل الوليد الذي خرج من المحيط، لم يسعد بسلامه سوى ثلاثة شهور، حتى انفجر بركان الألم. كانت يوميّات القلق والألم بيني وبين رؤيا متبادلة، نكتب ونحكي لبعضنا في صمت، حتى نستطيع التحدث. لطالما استصغرت آلامي في حضرتها، لكنها اهتمّت بأدق التفاصيل، حتى كلماتها عن بُعد كانت تهدهد ذاك الطفل المتألم داخلي، حتى شدَت وردة بصوتها ذات صباح: «ليالينا ليالينا.. وتاهت بينا ليالينا»، أخذتني وردتي التي لا تذبل معها في رحلة غنائية تلخص عبث الحياة صعودًا وهبوطًا بصوتها «وقولنا نرسى.. نرسى على مينا»، بدت في تلك الأغنية، تتألم، لكن ألمها كان مسكنًا ناجعًا لما يحمله صدري من ألم لا أفهم كيف نبت فجأة من اللاشيء.
«.. وأتاري الدنيا غدّارة.. بتغدر كل يوم بينا.. غدااارة.. والله وجيتي علينا يا دنيا وجيتى كتير على ناس قبلينا».
شاركتنا وردة ألمها، وهي تشدو بألحان الحبيب المغدور، بليغ حمدي: «مشينا.. وأدينا.. من غير أهالينا.. ولا حد بيسأل فينا»، كان إعادة اكتشاف طبقات الحزن التشاركي في صوت وردة وكلمات سيد مرسي، أعظم مسكن لما شخصه الطبيب من أعراض بعد الحادث بـEmotional Pain.
لكن رؤيا لم تصدقني، وذات ليلة كنا في جبل لبنان، أخبرتها عن تحليلي الألمعي لطبقات الأغنية، وقلت لها إذا كان من وصف لحزن البشرية واكتئابها وآلامهم النفسية، وعزائها في الوقت نفسه، فليس أعمق من أغنية ليالينا، مزخرفة بألحان بليغ، ومرصعة بصوت وردة، يأخذنا هنا وهناك في رحلة داخلية، تكشف عن العمق الحقيقي لحزننا الوجودي: التوهة، الوحدة، قسوة الليالي، وقطار الزمن الذي يدهس الجميع.
استمعنا إليها مرات ومرات في نفس الوقت، واستشعرنا كلماتها. في تلك الأغنية جاذبية لا تُفقد بالتكرار. كل مرة تستمع إليها، هي المرة الأولى، الدهشة والارتباك، حتى تصل بك إلى مرافئ المتعة الكاملة. المقدمة الموسيقية جنائزية بامتياز، يتخللها هدير أمواج البحر، تقتحمه وردة فجأة وتشدو معبرة عمّا يدور بخلدها. كانت رؤيا تستمع لإحساسي بتلك الأغنية، كأنما تحاول إعادة اكتشافها.
أقسمتُ لرؤيا أنني واثقة -لا أعرف من أين أتيت بهذه الثقة- أن مؤلف الأغنية كتبها تحت تأثير نوبة اكتئاب، وأن حزن صوت وردة وجنائزية مقدمة بليغ الموسيقية لم تكن إلا نبوءة بطلاقه من وردة الذي سيأتي بعد أقل من عامين، وخلّف كلاهما أشلاء نفسية، تبحث عن الحب الضائع.
بعد سبع مرات من إعادة الأغنية، أخبرتني رؤيا أنها لن تستطيع سماع الأغنية مرة ثانية إلا بمنظوري لـ«ليالينا». مضت الليالي في جبل لبنان، كان الألم يشتد عليها ولا تخبر أحدًا، تحاول التغلب عليه بالمسكنات، يفلح الأمر أحيانًا ويخفق غالبًا. لكن آخر ليلة، قررت أن تتحدى الألم بالعرق اللبناني، وشربنا حتى تبددت صلاتنا بالواقع، ثم باغتتني دموع رؤيا. دموع لم أحتمل رؤيتها، كأنها أسهم تُرمى في خاصرتي، لكنني حاولت تبديدها بالسخرية والمزاح، أخبرتني أنّها ستأتي أول زيارة لمصر في ديسمبر 2022، كانت تسخر من نفسها كشابة ثلاثينية تذهب للمرة الأولى لمصر، وتقول: «أنا الوحيدة في السودان التي لم تر مصر بعد».
كنت أجري تحضيرات الزيارة، وكيف سنمضي وقتنا بشكل يجعلها تستطيع رؤية أكبر قدر من المدينة، بأقل قدر من الجهد، لكن العودة من لبنان جعلتها طريحة فراش المستشفى فترات طويلة، وتأجلت الرحلة إلى مصر للأبد، لكنها لم تنقطع عن ونستنا وقراءتها، والحديث عن الثورة وأحلام نساء السودان في واقع أقل قسوة، كانت السياسة هي الهمّ المسيطر على دماغها، الذي لم يتوقف لحظة عن التفكير فيما يشهده السودان من صراعات عبثية، رغم تقدم المرض الذي يأكل من ذاكرتها وتركيزها، فإنها قاومت ذلك بقوة نادرة، حتى اندلعت حرب لعينة، أرغمتها على النزوح من نيران القصف بالخرطوم رفقة عائلتها، بعد أن اقتحمت قوات «الدعم السريع» المدينة، أصيبت رؤيا بالملاريا، قبل النزوح بأيام قليلة، وتركتها تهزي بين حمى المرض وأصوات القصف، قبل أن تفر العائلة إلى مدينة أخرى وتنزح لمسافة أكثر من عشر ساعات، لم يتحملها جسدها المُثقل بالوباء والمرض، لكنها بقيت صامدة حتى اللحظات الأخيرة، ورحلت في صمت وابتسامة، كما حكت والدتها.
أخذت الحرب رؤيا في طريقها، كما أخذت منا السودان. وما كانت رؤيا في نظري إلا السودان، بجماله الخلاب وقدرته النادرة على الصمود والتحدي والتطور. ورغم المرض العضال الذي ينال من جسدها العليل، إلا أن موتها كان ضربة قاسمة نالت من روحي ليس لأن رؤيا مجرد صديقة ونّاسة، لكنها مثلت لي قيمة ومعنى في الحياة، مزيج من الصدق والتفاني والإخلاص والقوة في حياة غادرتها وتركت قلوبًا مكلومة، وعقولًا لا تصدق الرحيل بعد. أما ما اختطفها لم يكن الموت، بل أوطاننا المبتلاة، فالتهمت زهرة شبابها، وقتلت أكثرنا صدقًا وإخلاصًا ونبلًا وإيمانًا بالحياة ورغبة فيها.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن