نبوءة السلحفاة
أليف ووحشي #1
#جو عام
سلسلة جديدة من إعداد وتحرير ياسر عبد اللطيف ومي المغربي، تعمل «أليف ووحشي» على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي، منهم مَن وجده ومنهم مَن ينتظر أو لا يزال في طريقه. تنسجم هذه السلسلة في سعيها مع أخرى شقيقة عن أوكار وجيوب المدينة سنخوض أولى مغامراتها قريبًا. ونفتتح سيرتنا مع الحيوان بالسير وراء سلحفاة إسراء مقيدم، التي ستتبعها حيوانات أخرى تتنوع بين الوحشية والأُلفة.
#أليف ووحشي
كراهبين بوذيين، نجلس القرفصاء أنا وابن أختي الصغير، أعد الحلقات المحفورة على صَدَفتها وأحسب سنوات عمرها، أخبره أنهما يتشاركان العمر ذاته. يسألني متى ستخرج من صدفتها؟ فلا أملك ردًا. نقضي أيامًا طويلة، أيامًا بطيئة، أنا وهو، جالسين أمامها في صمت، ننتظر حدوث شيء، أي شيء يدل على أنها هنا، موجودة، وتقدر على الاستجابة. لا تُفلح شرائح الخيار في غوايتها للإطلال من الصدفة. حتى دغدغتها في ظهرها كما نصحنا البائع لم تأت بنتيجة. لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.
قلتُ له، ربما تكون نائمة. وقبل أن ينهض متأففًا سألني: هل تحلم السلاحف؟
لن أحاول تجميل اختيار السلحفاة بتأويلات شاعرية من قبيل أن الكائن الذي يحمل بيته على ظهره سيواسي طفلين بلا بيت. ببساطة، اخترنا السلحفاة لأن هذا ما سمحت به أمي. فهي لم تكن لتقبل بقط أو كلب أو أي كائن حركي له بصمة تفاعلية تتطلب عناية. فما كان منّا إلّا أن نقنع بكائن هادئ، موجود وليس موجودًا، ويخلف أقل قدر من الفوضى ورائه لتنظيفها.
ربما لأننا كنا منهمكين في تنظيف فوضى من نوع آخر.
بالأساس أتت تلك السلحفاة لمهمة أكبر بكثير من قدراتها. حدث هذا عام 2015، وقتها، كانت أختي غارقة هي وولداها في تداعيات تجربة انفصال قاسية، غرق ترتب عليه أن يتشبث ثلاثتهم بقارب بيتنا ويعودون للعيش فيه. ترتب عليه أيضًا عمليات تباديل وتوافيق مستمرة في توزيع الأدوار بيننا، حيث أُصبح أنا أمًا لابني أختي الكبرى، وتصبح أختي أبًا لهما. أما أمي فتستحيل أبًا شرسًا، يحاول حماية ابنته من تجربة لم يسبق أن مر بها أحد منّا، فلا نعرف كيف ستكون أبعادها.
لذا، بحس أمومي ربما، فكرت في مدّ شبكة إنقاذ للصغيرين، تمثلت في اقتناء حيوان أليف، حضوره يعوض الغياب، وصحبته تعرّفهما إلى نوع مختلف من المحبة.
كانت صغيرة وبطيئة ومملة. لا تأكل، ولا تتحرك قط. وإن تحركت، تقطع الغرفة في نهار كامل. بالكاد أشعر بوجودها، ورغم ذلك تعزز إحساسي ببطء الزمن. لم أعرف لها نمطًا أو شخصية. ماذا تحب؟ ماذا تكره؟ مم تخاف؟ هل تدرك وجودي؟ هل تدرك وجودها أم غائبة في ملكوت خاص بها؟ الأكيد أنها كانت مخلوقًا انعزاليًا. بالتالي لم تنجح في المهمة المكلفة بها. فلم تؤنس الطفلين، ولم تلههما عن حقيقة أن عالمهما كما يعرفانه يتصدع.
أو ربما هو عالمي أنا؟
لا أذكر كل تفاصيل تلك الأيام، لكني أذكر جيدًا مشاعرها؛ الإحساس بالحصار، والرغبة المستمرة في التلاشي، كان الغضب يأكلني جراء نمط الحياة الذي فُرض عليّ، خصوصًا بعدما نزلت أختي للعمل وصرت أنا أمًا لطفلين بدوام جزئي، غضب من مسؤوليات لم يكلفني بها أحد، مسؤوليات أنا مَن تطوعت لتحملها بالأساس.
صباحًا أعُد الإفطار للصغيرين لأن أمهما في العمل، وأتهرب من إفطاري لأن أمي أنا في العمل. أتفقد أمر السلحفاة، فأجد طعامها كما هو منذ أمس. أستبدل حلقات الخيار الذابلة برقائق خس ندية، وأبدأ روتين إلهاء الصغيرين. أشغلهما بأغنيات طفولية مملة، يعود الكبار من الشغل، فيبدأ الجزء الأكثر مشقة من اليوم، مكالمات زاعقة، نوبات غضب، مفاوضات وفوضى، وسخط مني على دراما عائلية لم أخترها، ولم أفهم كيف تورطت فيها وأنا حتى لم أجرب الحب؟ أختلس دقائقي التي أُمضيها داخل المرحاض لأتسكع في حواري الإنترنت. يمتلئ محرك بحثي بأسئلة من قبيل: كيف تحمي طفلًا من تداعيات انفصال أبويه؟ كيف تدعم شخصًا عزيزًا خلال تجربة الطلاق؟ كيف تختفي؟
لماذا لم أسأل قط عن سبب رفض السلحفاة للطعام؟
يملّ العيّلان، فأبتكر ألعابًا تكون السلحفاة شريكًا فيها. أضع في وجهها عوائق تعطل مسيرتها البطيئة، أبني لها هضبة من الوسائد وأحثها على تسلّقها، مرات كنت أنقلها على سطح عالٍ، محاولة إرباكها.. أنتظر منها أن تهرول في اتجاهات عدة مثلما يفعل النمل عندما تنقله من سطح إلى آخر، لكنها تقابل كل أفعالي بهدوء وسكينة. الأمر الذي كان يثير حنقي.
لم أتقن يومًا الهدوء في الأزمات، بل كنت أميل للهلع، أنفخه كهواء ساخن يؤجج جمرة أي صراع مُشتعل. ربما لهذا ربيتُ ضغينة تجاه تلك السلحفاة، لأنها لم تشبه أي شيء اختبرته في حياتي. هي متمهلة، وأنا أتعثر في خطواتي. هي ثابتة، وأنا أحيا دائمًا على أرض مهتزة. ضغينة مشوبة بالغيظ منها، كيف تقدر على الهدوء وسط كل الصخب الذي يحدث؟ كيف لا تتماهى مع صراعاتنا المنزلية؟
كل شيء يتحرك بسرعة، إلا هي.
كل شيء يتغير من حولي، إلا هي.
ذات مرة، قرأتُ معلومة عن الأسماك وقدرتها على امتصاص الطاقة السلبية. تساءلتُ، هل تملك السلاحف قدرة خارقة مثل تلك؟ هل تشعر السلحفاة بالتوتر الذي يعشش في زوايا نفوسنا؟
أو هل تشعر السلاحف بالغضب؟
كنتُ أحسدها على كمونها، على صَدفتها التي تستطيع التقوقع داخلها ومغادرة العالم، وعلى رزانتها التي تشبه تلك التي يبلغها المتصوفون. رزانة سأبلغها في لحظات معدودة جدًا بحياتي لاحقًا، لكن وقتها لم أكن أفهم أيًا من ذلك، فتمنيت فقط التخلص منها. كأن مجرد وجودها دليل على أنني أمارس الحياة بشكل خاطئ.
بالطبع، لم أكن أعرف أن أمنيتي ستتحقق بعد شهرين فقط. خرجت من مكمنها ذات ليلة، نشيطة، ومقبلة على الحياة.. أكلت كثيرًا ولعبت كثيرًا. ثم في الصباح التالي ماتت دون صخب. كنت أعرف أن السلاحف عادةً ما تحيا حتى مئة عام، لذا هوى خبر موتها كحجر ثقيل في قلبي. ليس لأن فيه تخليًا عن طفلين ينتظران أُلفة صداقتها، لكن لأنه موت يشبه تصوري عن الحياة، مباغت وغير متوقع ولا تألفه مهما جرّبته. تساءلت عن سبب الموت المفاجئ، هل ماتت بسبب الاكتئاب؟ هل تكتئب السلاحف أصلًا؟ أم إنها عجزت عن احتمال أجواء بيتنا المشحونة فآثرت الرحيل؟ لن أعرف أبدًا. لكني أعرف فقط أن موتها أبكاني، وأنني اكترثتُ لأمرها. وأن المرة الوحيدة التي سألتُ فيها جوجل عن احتياجات السلاحف، كانت لمعرفة البيئة التي تود سلحفاة أن تُدفن بها؟
هكذا لففتها بقميص قديم وجعلت من حقيبتي نعشًا لها. دفنتها في حديقة الوحدة الصحية التي كنت أمضي فيها تكليفي الحكومي، وسط سخرية من الموظفين والكتبة وطبيب الوحدة.
بعد ذلك بعامين، زارتني السلحفاة في حلم طويل. كنت أحمل في أحشائي جنينًا بينما أحمل فوق رأسي سلحفاة. ثلاثة كائنات تتغذى من جسد واحد. لكن عند لحظة الولادة عرفت أن الجنين قد مات، وأخبروني أن السلحفاة هي السبب. انتهى الحلم بالطبيب يقص الحبل السري، بينما أقص أنا خصلات شعري التي تتشبث بها السلحفاة.
بعد يومين من الحلم، خسرتُ حبًا كنت أعيشه.
منذ حينها والسلاحف دخيلة على أحلامي. كلما حلمتُ بسلحفاة تموت، أعرف أن بناية في قلبي على وشك التصدّع، وأن عليّ التصرف بهدوء كما السلاحف.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن