مَلاكٌ يعبر العالم.. عن لاسلو كراسناهوركاي وسينماه
عن أدب وسينما الفائز بنوبل للأدب 2025
أول ما نراه في فيلم «تناغمات فيركمايستر» (2000) صورة نار: لهب يشتعل في موقد مبلّط، لكنه سرعان ما يُخمد بواسطة كأس؛ نحن مع الناس، في حانة ببلدة مجرية صغيرة.
الساعة العاشرة مساء، موعد الإغلاق. تبدو على الضيوف -بعضهم ثمل لدرجة لا يكاد يقوى على الوقوف- علاماتُ التعب والإرهاق. وجوههم باهتة، تكاد تتلاشى، لكنهم لا يريدون العودة إلى ديارهم: سيُرينا فالوسكا أولًا، كما يقولون للنادل. ينهض شابٌّ ويتقدّم من بين الحشد.
تُدفع الكراسي والطاولات جانبًا، وفجأةً تتحوّل أرضية البار إلى مسرح. بجديةٍ مُفعمة بالحيوية، يفحص فالوسكا الشابّ عجوزين من أمامه. يختار أحدهما ويسحبه إلى الأرض معه. يقول: «أنت الشمس. الشمس لا تتحرّك. إنها تفعل ذلك». يرفع يديه في الهواء ويلوّح بأصابعه، ويفعل الرجل العجوز الشيء نفسه، مرتبكًا ومطيعًا كطفل في مسرحية مدرسية.
ثم يختار فالوسكا رجلًا آخر من الحشد ويدفعه إلى المسرح. «هذه هي الأرض»، يقول، ممسكًا بكتفي الرجل ويديره، «الآن تدور حول محورها». يدفع فالوسكا السكّير أمامه في دائرة كبيرة.
في المنتصف لا يزال الرجل الأول واقفًا.
هذا... يعلن فالوسكا، وينزل صمت مهيب على الجمع، هذا تفسير للخلود يمكننا نحن البسطاء فهمه.
مبتسمًا، يسحب فالوسكا رجلًا آخر معه، كان يتكئ على البار حتى الآن، ويقوده إلى منتصف الغرفة. أما الباقون، الذين لم يُختاروا بعد، فيبدون كأزواجٍ مُحتقرين يجدون أنفسهم في صفّ رقص لم يُسجّلوا فيه، قلقين من أن يأتي دورهم قريبًا ليتعثّروا بأقدامهم، أمام الجميع، بينما يقف مُعلم الرقص هناك، مُبتسمًا بحماسٍ قائلاً: «أجل، جيّد. تمام»
«هذا هو القمر. يدور القمر حول الأرض»، يُعلن فالوسكا، ويقود الرجل في دوائر حول من يُمثل الأرض. ولكن بعد ذلك، عندما يجد نفسه بين رجل الشمس ورجل الأرض، يُوقفه فالوسكا فجأة. ثم يسود الصمت.
الآن نرى أن القمر يحجب قليلًا من كرة الشمس المحترقة، كما يقول.
والحجب، الظلّ، يكبر أكثر فأكثر، وسرعان ما لا يتبقَّ سوى هلال ضيّق للشمس. هلال ساطع. وفي اللحظة التالية، لنقل الساعة الواحدة ظهرًا، تتخذ الأحداث منعطفًا دراماتيكيًا للغاية.
يمسك رجل الشمس من رقبته ويثنيه إلى الأمام، ما يجبره على الالتفاف على شكل كرة.
في تلك اللحظة، يبرد الهواء فجأة.
«هل تشعر بذلك؟» تُظلم السماء، ثم يُظلم كل شيء. تنبح الكلاب، وتتجمّع الأرانب معًا، وتركض الغزلان في ذعر، وتتخبّط في خوف. وفي هذا الشفق المرعب، حتى الطيور تُصاب بالارتباك وتبدأ بالتغريد. ثم... صمتٌ مُطبق.
موسيقى بيانو حزينة تملأ الغرفة فجأة.
كل ما هو حيّ ساكن. هل ستسير الجبال في طريقها؟ هل ستسقط السماء؟ هل ستنشقّ الأرض من تحتنا؟ لا ندري. لا ندري، فقد ضرَبَنا كسوفٌ كُلّي.
يعزف البيانو نغماته الحزينة ويبدو القلق على الجميع في الغرفة.
«لكن لا تخافوا»، يقول فالوسكا بهدوء. «لم ينتهِ الأمر بعد». القمر يختفي ببطء فوق كرة الشمس المتوهّجة. ومرة أخرى يخترق ضوء الشمس. ويصل الضوء ببطء إلى الأرض مجددًا...
يُعيد هذا القمر الحياة إلى الأرض.
وينتشر الدفء عليها مجددًا. تخترق مشاعر قوية الناس. يتحرّرون من وطأة الظلام.
الآن يبدأ جميع الرجال بالرقص، ببطء، كالكواكب، حول البار، جادّين، على أنغام موسيقى هادئة جميلة. لكن اللحظة الساحرة قاطعها نادل البار قائلاً: «كفى، انتهى الأمر، البار مغلق، انتهى الكلام». وبينما يُقتاد إلى خارج الغرفة، يحاول فالوسكا الاعتراض: «لكن، سيد هاجلماير، لم ينتهِ الأمر بعد».

شاء القدر أو الصدفة أن أتوقّف عند المكتبة في يوم صيفي قائظ، وأشتري رواية «سيوبو هناك في الأسفل» (2008). لفتَ العنوان انتباهي، وأعطتني الجمل القليلة في إشادات النقاد شعورًا ملأني بفراغات كبيرة، نعم ارتعاشة كبيرة، وقشعريرة في أطراف أصابعي وأعلى رأسي، كما لو أن جسدي قد انفتح بالفعل على ما هو آت، كما لو أنه يعرف بالفعل، بالطريقة التي شعرت بها عندما أخبرتني صديقة للمرة الأولى عن مقال لسيمون فايل، أو عندما التقطت رواية ليالي ألف ليلة لنجيب محفوظ لأول مرة وقرأت الأسطر الأولى.
قبل أن أغادر الشقة مباشرة، ذكرت اسم المؤلّف لزميلي في السكن. «أوه نعم، هو، نعم، صاحب تانجو الشيطان».
وقفتُ للحظة عند المدخل، مترددًا. وفجأة انتبهتُ؛ فقد شاهدتُ الخمس ساعات الأولى من الفيلم المُقتبس، ومدته سبع ساعات ونصف، قبل سنتين، ورغم أن العديد من الصور والمشاهد علقتْ في ذهني (على سبيل المثال، تذكّرتُ مشهد افتتاحية الأبقار التي ترعى، ومشهد الفتاة الصغيرة ذات الوجه الساحر التي تقف وتنظر من نافذة الحانة حيث يرقص الكبار -ثملين وخارجين عن السيطرة- رقصة كرنفالية من فالس الحياة)، إلّا أن المزاج المهزوم، إن لم يكن القدري، للعمل كان خانقًا؛ بدا الفيلم بأكمله وكأنه رسمة جرافيكية جميلة لكنها حالكة السواد على طريقة كاثي كولفيتس، تنعكس في بركة ماء سيدوسها أحدهم بحذائه قريبًا، فيما البرك والطين والمطر والأوحال معروفة بلا مبالاتها. كلها لا مبالية بشكل سيئ السمعة.
بمعنى آخر، كان الانطباع الذي غمرني مغايرًا لما حصلت عليه من قراءة «سيوبو هناك في الأسفل» -مجموعة من القصص القصيرة / رواية تتكون من 17 قصة تتناول بطرق مختلفة العلاقة بين الجمال والعمل والإدراك والتركيز والإلهي- والشعور المكثّف الذي شعرت به هنا.
الآن، بعد مرور شهرين تقريبًا وبعد مشاهدة العديد من أفلام لاسلو كراسناهوركاي / بيلا تار / أجنيس هرانتزكي (يُنسب الفضل إلى الثلاثة جميعًا كمخرجين في العديد من التترات وقد يكون من المنطقي وصف بعض أفلام تار كتعاون بين مجموعة من الأصدقاء المقربين على مدار ثلاثين عامًا بدلاً من اعتبارها عملَ فنّان واحد)، وبعد التعمّق في كتابات كراسناهوركاي الأخرى، أرى المشهد الافتتاحي في «تناغمات فيركمايستر» صورة لفن كراسناهوركاي بالكامل: هنا شعور بأن الحياة على الأرض، بكلّ ما تنطوي عليه من دمار وألم، جزءٌ من سياق كوني أكبر، وأن الإنسان تحت رحمة قوى عالمية خارجية. وفي الوقت نفسه، هناك جمال، وشيء يشبه النعمة، في المشهد وتعبير المونولوج وكذلك في وجوه الشخصيات: انفتاح على العجب. قدرة على الاستيعاب وبالتالي إيقاف الزمن أو توسيعه: ننظر إلى الرجال، ومثلهم تمامًا، نحن في الحانة وفي الوقت نفسه لسنا كذلك: نحن في الفضاء، حيث يسود صمت أبدي.
برك وإلهات وصلبان
كُتبت الروايتين اللتين تُشكلان أساس فيلمي «تانجو الشيطان» و«تناغمات فيركمايستر» عامي 1985 و1989 على التوالي، في حين كانت المجر لا تزال تحت الحكم الشيوعي. في مقابلة مع الناقد الأمريكي مايكل سيلفربلات عام 2012، صرّح كراسناهوركاي بأنه عندما كتب «تانجو الشيطان»، التي اُعتبرت منذ ذلك الحين تصويرًا نقديًا للمجتمع المجري في ظلّ الشيوعية، لم يكن ينظر إلى الرواية على أنها سياسية على الإطلاق؛ بل عاشها كقصّة عن الوضع الأبدي للإنسان على الأرض. بعد 30 عامًا، يرى كراسناهوركاي البُعد السياسي للكتاب، لأن الظروف المعيشية التي عاشها الشعب المجري في الثمانينيات، والتي كان يتخيّلها أبدية وغير قابلة للتغيير، قد انتهت فجأة بعد بضع سنوات فقط، مع سقوط جدار برلين. في الوقت نفسه، يُصرّ على أن «تانجو الشيطان»، في المقام الأول، كتابٌ يتناول الوضع الإنساني، لأنه كما يقول المؤلف في موضعٍ آخر: «قبل ذلك، كانت الحياة في المجر غير طبيعية ولا تُطاق، وبعد عام 1989 أصبحت عادية ولا تُطاق».
نفس الخراء، لكن بغلاف جديد.

في تصريحات كراسناهوركاي، وكذلك في كتاباته، هناك تلميحات إلى أن التركيز على تغيير ظواهر ثقافية أو سياسية محددة -سواء كانت مثلًا عليا سائدة أو أوضاع/ ظروف سياسية- لن يغيّر العالم في حدّ ذاته، وأن الرغبة في التغيير بحدّ ذاتها قد تكون طريقًا مسدودًا. ولكن هذا لا يعني أن الإنسان محكوم عليه بالسقوط في الهزيمة أو اللامبالاة، أو أن معاناة الأفراد (أو الطبيعة غير البشرية والحيوانات) غير ذات أهمية.
كتبَ كراسناهوركاي نفسه رواية «تانجو الشيطان» بعد تجربة مروّعة عندما كان صبيًا في مزرعة خنازير، حيث أُجبر على حمل الخنازير الصغيرة المذعورة، بينما رجل يبدو بلا مشاعر يُدعى إريمياس (أصبح فيما بعد اسم بطل الرواية المشؤوم، مزيجٌ من زعيم كاريزمي وهارب على الدوام من الشرطة السرّية) يقطّع الجثث الصغيرة العاجزة. لكن المرء يستشعر (في النصّ/ الفيلم) قدرًا كبيرًا من التشكك تجاه الميل البشري إلى مقاربة «المسألة الاجتماعية»، ومن ثمّ، تقديمه «الحل السياسي» لها، بناءً على إيمانه العنيد بمعتقداته الخاصّة. الأمر يُترجم بإعطاء أهمية كبيرة للهياكل الاجتماعية والسياسية، والتواضع المفرط أمام حقيقة وجود قوى أخرى، داخل الإنسان وخارجه، ستُعبّر عن نفسها بطرق جديدة في مواجهة الدساتير وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى المُثُل والمعايير الجديدة: الألم والظلام مستمرّان، لكن تعبيراتهما وتمثيلاتهما قد تتغيّر.
قد تكون هذه الرؤية مُحبطة. إذا لم يُصلح اتخاذ إجراءات (كالثورات والإصلاحات والاحتجاجات والعرائض) الضرر، بل يُضفي على المصيبة مظهرًا جديدًا، وقناعًا جديدًا - سيتضح لاحقًا، قبل أن تحدث ثورة جديدة، وهكذا دواليك - فماذا نفعل بهذه الأرواح التي قضتْ في الاثناء؟
هل نقف مكتوفي الأيدي؟
وإلى متى ستستمر هذه الحركة؟
إلى الأبد؟
حتى ينتهي العالم كما نعرفه؟
مَن يدري؟
الإجابة مع فالوسكا: «لم ينتهِ الأمر بعد».
لكن نقيض التغيير ليس بالضرورة السلبية. فعبر الكتب والأفلام التي شارك فيها كراسناهوركاي، تبرز رؤية جديدة بشكل دوري، في جملة، في اختيار شكل، في صورة: إذا كان الظلام ثابتًا في العالم، فالنور كذلك، وسيكون من المفيد دائمًا العيش في العالم بطريقة حسّاسة وحادّة ومُركّزة ومنتبهة. فالوقوف ساكنًا ليس كالاستسلام، لأنه إذا كنت ساكنًا بما يكفي، فسيُظهر الواقع نفسه بطريقة جديدة.
في فن كراسناهوركاي، توجد مسحات توراتية حيث يُعاقب الإنسان ويُلزم، ولكن هناك أيضًا ما يمكن تسميته (وإن كان غير دقيق بعض الشيء) بأنه وصف أكثر بوذية أو طاوية للواقع حيث الجمال والإلهي ليسا خارجيين أو متعارضين، بل على الأرض: في الأحياء وفي الخلق. الإلهة الطاوية سيوبو سماوية، لكنها أيضًا هناك في الأسفل، أي معنا: كل ثلاثة آلاف عام تنزل إلى الأرض، ربما تمشي مثل ملاك عبر مساحاتنا. يجب على الإنسان أن يمنحها تلك المساحة. يجب أن نبتكر لوحات ومنحوتات وقصائد وأعمالًا فنية ومباني وطقوسًا وعادات تفسح المجال للسماوي -يمكن أن يحدث ذلك في العمل المتأني لصانع أقنعة، في المطاردة اليقظة لطائر في نهر كومو، في قراءة قصيدة، في التأمّل في عملٍ فني، في مشهد قرية-معبد جبلية حيث ينزل الضباب فجأة- لأنه إذا لم نفعل ذلك، يضيع عن الأنظار، ثم يتركنا في الوقت نفسه.
بعبارة أخرى، هناك دمار وحزن، ولكن هناك أيضًا جنّة. وأحيانًا يمرّ السماوي من خلالنا كظلٍّ متلألئ، تاركًا جزيئات صغيرة لامعة في العالم.
في فيلم «تناغمات فيركمايستر» (2000)، يزور سيركٌ شرير جوّال المدينة. يعلنون عن أكبر حوت في العالم، مات منذ زمن طويل؛ والجثة هي التي ستُعرض. يُذكّرنا هذا بادعاء نيتشه عن موت الله، وكذلك يونس/ يونان، الراقد في بطن «الحوت العظيم» بعد محاولته الاختباء من الله، لكن السمكة جزء من الخلق، وبالتالي جزء من الله نفسه، وليس هناك مكان للاختباء.
في بداية الفيلم، يقرّر فالوسكا الذهاب إلى المدينة لرؤية الحوت الراقد في حاوية في وسط الساحة. في ما يُعتبر أحد أجمل وأحزن المشاهد السينمائية التي مرّت على عيني، يدخل الحاوية المظلمة حيث يرقد جسد الحيوان الضخم. يتوقّف عند إحدى عيني الحوت، ثم نرى: إنها نظرة يسوع المصلوب كما نعرفها من اللوحات، نظرة مستسلمة ومتعبة بشكل لا يوصف، يا إلهي، لماذا تخلّيت عني؟
الحيوان كمخلّصٍ مصلوب، شاهدٌ صامت أو ضحية للجهل البشري، نمطٌ يظهر في كلّ من «تانجو الشيطان» و«تناغمات فيركمايستر» و«حصان تورينو» (2011). في الأول، من بين أشياء أخرى، في شكل قطّة تعذّبها فتاة صغيرة، تمامًا كما عذّبها الكبار. في النهاية، تغري القطّة بسمّ الفئران، ولكن فقط عندما تموت، تفهم أنها قتلتها وأنها الآن وحيدة ومنعزلة تمامًا في العالم. وهكذا، تبتلع السمّ بنفسها وتنتظر الموت حاملةّ القطّة الميّتة بالقرب من جسدها كتعويذة. في «حصان تورينو»، يبدو الحصان كأنه يشعر بتدمير الإنسان للعالم بينما هو نفسه متمسّك بحياته. يرفض الأكل أو الحركة؛ في تمرّد صامت، يقف في الحظيرة بعينيه الحزينتين. في هذا الفيلم، بالمناسبة، تتفاعل كل الطبيعة غير البشرية بهذه الطريقة في مواجهة دمار الإنسان للأرض: يجفّ البئر ويرفض زيت المصباح الاشتعال.

لاموسيقي، لاعالم
يشير عنوان «تناغمات فيركمايستر» إلى ابتكار الملحن الألماني أندرياس فيركمايستر (1645-1706) لما يُسمى بالضبط المُعتدل. يتضمّن هذا ضبط الآلات الموسيقية بطريقة تتيح إمكانيات أكبر للتنوّع الموسيقي. من «جانب الطبيعة»، تتناسق النوتات الموسيقية في السلّم الموسيقي مع بعضها البعض وتتبع أنماط اهتزازية ثابتة (في الفلوت، على سبيل المثال، تكون النوتات متباعدة عن بعضها البعض، إن صحّ التعبير، دون تدخّل بشري، وبهذه الطريقة تتمتّع الموسيقى بطابعها الخاص، فهي ليست «اختراعًا» بشريًا). هذه النوتات نقية تمامًا، لكنها في الوقت نفسه لا تتيح سوى إمكانيات محدودة للجمع بين الأصوات والدرجات الصوتية والتناغمات. بفضل نظرية فيركمايستر، أصبح من الممكن تأليف موسيقى ذات صوت مختلف تمامًا وأكثر تعقيدًا، وتستند العديد من أشهر المقطوعات الكلاسيكية إلى هذه التناغمات الرائعة والجذّابة، على سبيل المثال، العديد من مؤلفات باخ. في الفيلم، المقتبس من رواية كراسناهوركاي «كآبة المقاومة»، تتساءل الفنّانة والمفكّرة إستر عمّا إذا كان بإمكاننا الادعاء بوجود هذه الموسيقى، التي هي نتاج تلاعب بشري، والتي لا تُجدي نفعًا رياضيًا، أم أنها ليست «موسيقى»؟
تلاعب الإنسان بالجمال الخالص الذي تمنحه الطبيعة، حرفيًا، يومئ لمعنى أوسع، فربما كانت مهمّة الإنسان أن يكون مُعينًا، أو وسيطًا، أو مُعبِّرًا، أو رسولًا بين الإلهي والدنيوي: نحن نُشكِّل الناي، ولكن فقط لكي يتولّى الهواء هذه المهمّة، وهكذا تُخلق الموسيقى. لكن بجشعٍ ورغبة، نرغب في شيء أعظم وأكثر تعقيدًا، لذلك نضبط آلاتنا الموسيقية بحيث لا تكون النغمات نقية حقًا، بل تبدو كذلك للأذن البشرية فقط. نحن نقوم بتقليد الإلهي، «نستعير توقيع الإلهي»، كما يقول الفيلم، لكن التوقيع يصير مزوَّرا.
ندرك هذا الموضوع في كل شيء بدءًا من قصة أوديسيوس وهو يبحر وراء أعمدة هرقل متحدّيًا حدود الإنسانية، أو في مسرحية فاوست لجوته، حيث ترغب الشخصية الرئيسية في امتلاك كلّ معرفة العالم وتعقد ميثاقًا مع الشيطان لتحقيق ذلك. كما يُعبَّر عن تحذير مماثل ضد الشطح الإنساني في الديانات التوحيدية الرئيسية في العالم، بما في ذلك تحريم تصوير الله: فالإنسان لا يعرف ماهية الله أو مَن هو - فصورة الإله لا تتوافق بالضرورة مع شيء أحسسناه بأنفسنا - لا يمكننا تصويره أيضًا، فليس له مثيل ولا شريك.
يجب على الإنسان أن يستكشف لكي يكتشف. يجب أن نثقب الناي حتى يتمكّن الهواء من المرور عبره. لكن يبدو أن إستر في «تناغمات فيركمايستر» ترى أنه عندما لا تكفي الاكتشافات - عندما نتوقّف عن كوننا قوافل أو ميّسرين نساعد الإلهي على الظهور على الأرض من خلال الفنّ والفلسفة والعلم، بل نريد لعب دور الله نفسه وتحدّى قوانين الطبيعة لتحقيق المزيد - فإننا نسير في طريقٍ جامح.
ومن ثمّ، يمكن قراءة مزاج فيركمايستر المعتدل كشكل من أشكال رحلة فاوستية أو أوديسية تتجاوز حدود الإنسان. لا تعتبر إستر هذا غطرسة فحسب، بل تعتبر أيضًا الموسيقى التي نتجت عنه شكلاً من أشكال الجمال الزائف: نتيجة تقليد الإنسان للسماوي، وليست تعبيرًا عن السماوي بحدّ ذاته. حقيقة أن النغمات ليست في الواقع، أي رياضيًا، نقية، كما هي من الطبيعة، شهادة على التزوير الذي حدث. وهكذا، يملك المتفرّج طريقا قصيرًا ليتخيّل أن وجهة نظر إستر للموسيقى باعتبارها لا موسيقى لها آثار تتجاوز بكثير نطاق الفنّ: إذا كانت الموسيقى التي نعشقها لاموسيقى، فربما يكون العالم الحديث، المطبوع بالابتكارات وما يسمّى بالتقدم (في نهاية الفيلم يوجد مشهد في متجر للإلكترونيات ذي نوافذ زجاجية ملوّنة عالية، مثل تلك الموجودة في الكنائس)، هو أيضًا عالم غير موجود.
أمل يائس
الفنان المثقف الذي يحاصر نفسه، عقليًا وجسديًا، خارجًا عن إيقاع العالم الخارجي، لاعنًا المُثل والسلوكيات السائدة؛ شخصيةٌ تتكرّر في العديد من أفلام تار/كرازناهوركاي/هرانتيزكي. في «تانجو الشيطان»، هو الراوي نفسه، سكيرٌ يعزل نفسه في منزله حيث يجلس أمام النافذة ويراقب ما يفعله الجيران، حتى يأتي اليوم الذي تستقيل فيه الخادمة - فقد احتال زوجها على بعض المال، والآن سيبدأان حياتهما من جديد في مكانٍ آخر.
الرجل يعاني من زيادة الوزن وضيق التنفس، وهو متهوّر، وعدواني، ومنحطٌ في نواحٍ كثيرة. لا يُصوَّر المثقف هنا ولا في «تناغمات فيركمايستر» كبطلٍ، ففي الفيلم الأخير، يتحصّن في شقته حيث يقرأ مقالاته وأبحاثه على جهاز تسجيل صوتي بصوت جاد، بينما العالم الخارجي ينهار ويعيش الخراب فعليًا. وعندما يطلب منه فالوسكا، الشابّ الذي يبدو منفتحًا تمامًا على العالم، والذي يعمل سكرتيرًا ومساعدًا لإستر، أن يأتي ويرى أكبر حوت في العالم المعروض في الساحة مع السيرك المتنقل الغامض، يفكّر الفنان في أشياء أكثر أهمية.
فقط عندما تسوء الأمور، يسافر إلى المدينة وينظر إلى الحوت الذي بقي فيها، بعدما دمّرها ما يُعرف بمسخ السيرك، الأمير، الذي أثار التمّرد والدمار.

في كلا الفيلمين، يبدو المثقف وديعًا ومتصلّبًا، كما لو كان راكدًا في مجتمعات تثور ضد التغيير والتمّرد والتنمية والدمار. في الوقت نفسه، لا يوجد أي إدانة للفنان والمثقف، ولا أي تلميح ضمني إلى وجوب أن يكون ناشطًا. دور الفنان والمفكّر في هذه الأفلام هو البطء تحديدًا: الانغماس، والتركيز، والانتباه، والإدراك، والتأمّل، كمقاومة هادئة للتصوّر الشائع بأن وقتنا ضيّق، وبأهمية العمل، وبأن الوقت في حركة مستمرة إلى الأمام.
في كلا الفيلمين، شعور متشكّك حول ما إذا كان «التحسين» مفهومًا يمكن أن يساعدنا في أي شيء هنا على الأرض، سواء كان يتعلّق بالأفراد أو الثقافة أو الطبيعة.
هذا الموقف متجذر أيضًا في هذا الأسلوب، سواءً في الأفلام أو في كتب كراسناهوركاي؛ فالزمن يسلك سلوكًا مختلفًا عما اعتدنا عليه، فيبدو وكأنه ينحدر إلى الأسفل بدلًا من أن يصعد. بالأخصّ في الروايات، تُصوَّر أنشطة ووجودات وظواهر غالبًا ما تُعتبر مملة أو تافهة أو عديمة الفائدة، سواءً كان أداء طقسٍ على مدار عامٍ كاملٍ في دير رينزاي (إحدى ثلاث طوائف زِن في البوذية اليابانية، إلى جانب سوتو وأوباكو - المحرّر)، أو عمل بطيء لصانع أقنعة على قناع لمسرح نو، أو أشخاص ينظرون إلى صورٍ صنعها آخرون قبل مئات السنين من ولادتهم.
في رواية «سيوبو هناك في الأسفل»، تدور جميع النصوص تقريبًا حول مثل هذه المواقف، ويتألفّ الكثير منها من بضع جملٍ تمتد على صفحاتٍ عديدة، وتكاد تخلو النصوص من أي هوامش أو علامات ترقيم. وهكذا، لا يُخبر القارئ أو يُوصف طقسٌ أو عملٌ فنيٌّ فحسب؛ بل يصبح الكتاب نفسه طقسًا أو عملًا فنيًا يصفه، لأنه يضعنا في حالةٍ تُغيّر انتباهنا وإدراكنا للعالم.
أطلال، أطلال!
النظرة إلى الفنّ والثقافة التي عبّر عنها المثقفون في «تانجو الشيطان» و«تناغمات فيركمايستر» هي ذاتها في رحلة «دمار وحزن تحت السماوات» (2004) حيث يسافر بطل الرواية لاسلو شتاين (الأنا البديلة للمؤلف) ومرشده عبر ما يسمّى بالصين الجديدة في مطلع الألفية الجديدة، ويكتشفان بيأسٍ أن كلًا من السلطات والأكاديميين وعامّة الناس يدوسون على التقاليد والعادات والممارسات القديمة التي تعود إلى آلاف السنين، ويهدمون المباني القديمة والأعمال الفنّية، في حرصهم على أن يصبحوا جزءًا لا يتجزّأ من اقتصاد السوق، مصحوبًا بعبارات متأمركة حول الراحة والملاءمة والفُرص.
لكن الأسوأ من العنف الوقح ضد التراث الثقافي ما يسمّى بالترميم؛ حدائق ومعابد ومعالم أثرية تبدو وكأنها محفوظة، لكنها جُددت بطريقة مبهرجة ومداهنة، تؤدي إلى ضياع هالة المباني؛ فبدلاً من أن تكون شاهدا صامتا على الماضي، مُبقيةً إياه حيّا، أصبحت هذه المباني مرايا لتصوّر عصرنا لما هو «عتيق الطراز» أو «تقليدي»، وبالتالي استهزاءً بالماضي والحاضر.

في كلٍّ من «تانجو الشيطان» و«تناغمات فيركمايستر» و«حصان تورينو»، هناك الكثير من الحديث، ليس فقط عن توق الإنسان إلى الظلام، بل أيضا عن شوقه إلى الآثار والأطلال. في جملة شعرية عميقة في «تناغمات فيركمايستر»، يُقال عن الغوغاء إنهم لم يجدوا ما يؤذيهم، فاستمرّوا في التدمير.
تظهر هذه الرغبة في التدمير في بعض الأعمال على هذا النحو، كرغبة في رؤية العالم يحترق من أجل النار. وبين السطور مكتوب شيء آخر، ما يزيد الصورة تعقيدًا وتعميقًا: حلم الخراب أيضًا حلم مملكة جديدة.
المفارقة
قد يكون مغريًا وصف أعمال تار/كرازناهوركاي/هرانتسكي بأنها تعبيرات عن اليأس. لكن ينبغي التأكيد على أن الأفلام تحمل قدرًا من الأمل. في النهاية، يبدو كلا الوصفين متقاربين. أولا لأن وصف الأفلام (حصرًا) بأنها تعبيرات عن اليأس يهمل دراسة ما يبرز، إن جاز التعبير، بين البِرَك ورقصات البالينكا، أو بعبارة أخرى، بين الخراب البائس لعالم ينتهي والاحتفال النقي بإمكان الحياة في قلب هذا الخراب. وثانيًا لأنه غالبًا ما يقترن برغبة في جعل الأفلام «مفيدة» في النقاش حول مستقبل أوروبا، بالإضافة إلى تاريخها الماضي مع الشيوعية والفاشية.
غالبًا ما تُقرأ أفلام بيلا تار على أنها احتجاجات، كأعمال مقاومة للوضع الراهن/الأمر الواقع، وهكذا نعود إلى النقطة التي يُحلَّل فيها الفن، مهما عارض مُثُل التقدم والتحسين، في المقام الأول كنوع من البحث عن التثقيف/التنوير. مفارقة، بالنظر إلى التشكّك تجاه اليوتوبيا القائلة بأن العالم مشكلة يمكن حلّها، ذلك التشكّك المتأصّل في كتابات كراسناهوركاي تحديدًا.
«الحكمة هي الاحتفاظ بحقيقتين متناقضتين في أذهاننا، في آنٍ واحد، الأمل واليأس (...) الاحتفاظ بهاتين الفكرتين في رؤوسنا هو الحياة نفسها»، يقول الكاهن تولر في تحفة بول شرايدر «الإصلاح الأول» (2017). هذا البيان مستوحى بشدة من توماس ميرتون، الراهب الترابيستي والمؤلف الذي يحتفظ تولر بمذكّراته على طاولة سريره. المفارقة، التي كان ميرتون مهتمًا بها، تعد أيضًا في المنطق والفلسفة تعبيرًا عن حقيقة عميقة حول الواقع (في القاموس، يُعرّف المصطلح بأنه ادعاء أو بيان غير معقول أو متناقض مع ذاته، ولكنه في الواقع يحتوي على حقيقة مخفية)، ومن وجهة نظر المؤمن، يمكن اعتبار المفارقة تعبيرًا عن حقيقة إلهية غير مفهومة إلى حدّ كبير للإنسان.
يتميّز عالمنا بصراعٍ مستمر، بينما تُذكّرنا المفارقات باستحالة كسب المعركة، لأن التناقضات تعبير عن حاجة إنسانية للاختيار والرفض، وليست العالم نفسه.
تكمن أهمية المفارقة تحديدًا في ما يتبادر إلى ذهني عندما أصادف سيناريو كراسناهوركاي وكتاباته. فما يُعبّر ظاهريًا عن الهزيمة أو الحتمية، ينطوي في آن واحد على القدرة على الحركة والإرادة وعدم القدرة على التنبؤ. القول بأن الصراعات على الأرض حتمية لا يعني بالضرورة أن كلّ شيء ميؤوس منه؛ صحيح الوضع بائس لأقصى حدّ، لكن الأمل موجود. تتجلّى المفارقة أيضًا على مستوى أكثر جوهرية: فالمثقف، الذي يفكّر ويؤمن بشيء ما عن العالم وينظر إليه بيأسٍ، هو أيضًا مجرد إنسان محدود المعرفة، وهو يدرك ذلك، وفي الوقت نفسه يشعر وكأنه لا يعلم تلك الحقيقة.
أجمل لحظات فنّ كراسناهوركاي تكمن في الفجوات التي يصطدم فيها الموقف السائد أو الصوت الداعم للسرد بجدارٍ، فيضطر إلى الالتفاف، ليجد فسحة في ما ظنّه غابة أو غابة توقّع فيها مرعى. باختصار، عندما يُقاد في اتجاه غير متوقع ويكتشف أن تصوّره للواقع وتوقّعه له أكثر محدودية من الواقع نفسه. رواية «سيوبو هناك في الأسفل» (2008) مليئة بمثل هذه اللحظات والتصويرات، وبالنسبة للقارئ، يصبح الكتاب نفسه تصحيحًا لإدراكه للزمن، وللمهمّ وغير المهمّ. قلق القارئ، وكذلك المؤلف، ويأسه من ظواهر معيّنة، أو إعجابه وتقديره لظواهر أخرى، معرَّض دائمًا لخطر الزوال والتحطيم.

في النصّ الأول من رواية «دمار وحزن تحت السماء»، يستقلّ لاسلو ودليله سيّارة جيب في طريقهما صعودًا إلى جبال شمال الصين الشاهقة، حيث سيزوران مدينة-معبد عمرها آلاف السنين. طوال الطريق، أُعجب لازلو بامرأة لجمال وجهها وعفويتها. عندما خلعت غطاء رأسها في نهاية الرحلة، وظهر رأسها الحليق، وأدرك أنها راهبة في رحلة حجّ، غمرته السعادة تقريبًا. إلا أن الراهبة كانت تسافر برفقة راهبة أخرى، نظرتها مُغمضة وثابتة. عندما حاول لاسلو الابتسام لها، لم تُجبه.
خلال الرحلة، طلب السائق من كلّ راكب أن يدفع له خمسة يوانات مقابل التوصيلة، فسلّم لاسلو الراهبة عشرة يوانات لنفسه وللدليل/المترجم، مشيرًا إليها أن تمرّر العملات المعدنية للسائق. أومأت برأسها مبتسمة وقبلت المال. بعد فترة، اكتشف السائق نقصان عشرة يوانات من الأجرة، فوقع السائحان الغربيان في الشكّ فورًا. حاول لاسلو أن يشرح، عبر مترجمه، أنه أعطى أمواله للراهبة، لكنها تظاهرت بعدم الاكتراث وبدتْ مبهمة تمامًا، وفي النهاية اضطر لاسلو إلى دفع المبلغ مرة أخرى.
عندما وصل الرجال لاحقًا إلى المدينة-المعبد، اتضح أن صديقة الراهبة التي بدتْ غير ودودة كانت مفيدة ومهذّبة للغاية، فيما فسّره لاسلو على أنه محاولة ضمنية للاعتذار عن سلوك زميلتها الراهبة.
لاحقًا، تكشف المدينة-المعبد عن نفسها كواحدة من أجمل الأشياء التي رآها الرجلان على الإطلاق، فيسرعان إلى غرفتيهما لتغيير ملابسهما ثم ينطلقان في نزهة على الأقدام، من معبدٍ إلى معبد، في الجبال. بعد عشر دقائق، يخرجان من غرفتيهما ويكتشفان أن الضباب قد غطّى المدينة بكثافة. لم يعد بإمكانهما رؤية مقدار ذراع أمامهما. ومع ذلك، انطلقا في هذا الغموض الرطب.
في النص، لا يأس أو خيبة أمل، بل ضحك متدفق، مثل غناء طيور أو مياه جدول. فجأة، وللمرة الأولى، ينبض الرجلان في النصّ بالحياة. ينبضان بالحياة في دهشة توقّع عالمٍ وتلقّي آخر. تلك نعمة أن تكون محدودًا، إنسانيًا، أن تكون صغيرًا تحت السماء.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن