مهرجان القاهرة للفيديو الدورة الـ11: رسائل من العالم الآخر
أقيمت مؤخرًا من 1 إلى 17 ديسمبر وفي عدة مساحات للعرض في القاهرة النسخة الحادية عشرة من مهرجان القاهرة للفيديو. يحوي البرنامج مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأعمال، عُرضت في المركز الثقافي الإيطالي ومدرار وسينما زاوية والمركز الثقافي الفرنسي، تهيمن عليها أو تبرز من خلالها تيمة مائلة لتصور عالم ما بعد العالم، حيث يصعب التفريق بين ما هو حقيقي وما هو افتراضي في تناغم شبه عالمي يجعل التجربة الفردية أقل وحدة وأكثر شيوعًا وجماعية.
تنقسم اختيارات النسخة إلى مجموعات من العروض المعرضية والسينمائية منسقة من قبل مجموعة من المبرمجين، بتيمات واسعة أساسية، تحوي مجموعة متنوعة من البصريات والصوتيات: «مجموعتي نقطة عمياء/ سفنكس الكامن داخلك»، من تنسيق منة الشاذلي، ثم «تأملات تكهنية» من تنسيق إسماعيل فايد، «تشريح» من تنسيق نادين خان، و«تعايش» من تنسيق محمد علام. تدور كل مجموعة مختارة حول بعض المفاهيم المجردة والتشابهات البصرية والموضوعية، تصنع تجربة أشبه بمتابعة كتلة من البصريات المتواترة، ترتبط ببعضها وتشكل وجهة جديدة باختبارها متتابعة على شاشة سينما أو بشكل عشوائي بالترتيب المختار ذاتيًا داخل قاعة عرض.
لكن حتى مع ذلك الفصل التنسيقي لكل برنامج يمكن تقسيم الخيارات إلى قسمين أكثر عمومية، وهما مقاطع يمكن وصفها بالأفلام التجريبية القصيرة بميل نحو السرد سواء كان روائيًا أو نصيًا، وتصوير تقليدي بالكاميرا سواء رقمية أو أنالوجية، والقسم الثاني لمقاطع مخلّقة بالكامل عن طريق برامج التشكيل ثلاثي الأبعاد، أو حتى مولدة عن طريق الذكاء الاصطناعي، ذلك على المستوى النوعي والشكلي أما على المستوى البصري والموضوعي فإن العروض ككل تشترك في بعض التيمات والتصورات التي تمتد من بلدة وثقافة وتجربة ذاتية إلى أخرى.
يمكن محورة العدد الأكبر من عروض الدورة حول تيمة رئيسية مهيمنة، وهي علاقة المادة الحية وبالتبعية الجسد الإنساني بمحيطه الرقمي أو الافتراضي، خاصة في تصورات ما بعد نهاية العالم أو الحياة كما نعرفها. تصبح المادة الحيوية أو الأجزاء الجسدية العضوية أكثر رقمية حينًا أو تنصهر في المحيط الرقمي ويصبح العنصر الافتراضي أكثر حيوية في حين آخر، بينما تأخذ بعض التجارب توجهًا أكثر أنالوجية تقليدية لكنها محملة بالانغماس في المادة الحيوية والنباتية، وتكتشف علاقة العضوي بالمدينة والذاكرة.
عالم عضوي/رقمي
«هنا حيث الحقيقي والافتراضي مصنوعان من المادة نفسها»
في تماثل لعملية دمج الحياة الحيوية والرقمية معا، يتناول فيديو «من المكان الذي يفنى فيه الضوء» لساندرين دومييه/ فرنسا بشكل واضح في نصه مستقبل بشري جديد، في عالم يبدو أنه بعد عالمنا في تصور حالم ومتناغم، تتوارى أشكال التفرقة أو التمييز بين العضوي والرقمي، يظهر الفيديو كتصور ثلاثي الأبعاد ذو طابع نظيف وهادئ، عالم يوتوبي ومتقبل للتغيير، تبدو فيه الأجساد الحيوية ككائنات عليا مثالية وجدت مكانها الجديد، في هذا العالم تصبح المواد التي تجمع الطبيعي والافتراضي مادة واحدة، انطلاقًا من ذلك الاقتباس يمكن النظر إلى تصورات أخرى تدمج الحيوي بالرقمي.
في «جسد غريب، غريب غريب» لبينجامين روزينثال واريك ساودز/ الولايات المتحدة الأمريكية، نقف أمام إفراط حسي من الأشكال والحركات ثلاثية الأبعاد، يندمج شعر الأجساد بمكونات رقمية يصعب تفسيرها، نحن هنا أمام عالم هجين من العضوي والرقمي، لحم إنساني وموديلات ثلاثية الأبعاد سائلة، مرنة وملتوية، يفقد الجسد صفاته الأساسية لكنه لا يفقد الحيوية.
وفي «لحم على بناء» لبيجلرفايبل/ سويسرا، من عنوانه يتعامل الفيديو مع دمج الحيوي مع المصمت، لكن بشكل أشبه بكولاج تقليدي على مساحة كبيرة، بإعادة استخدام صور لمدينة سويسرية عتيقة تندمج معها أجساد كاملة أو أجزاء من أجساد أنثوية، صانعة صور ليست منصهرة تدمج الحيوي بالمعماري أو الرقمي، لكنها متساوية في الحجم والسياق، هنا لا تتضائل الأجساد أمام الأبنية الضخمة بل تساويها في الحجم أو تتفوق عليها.

مدن ما بعد النهاية
في سياق استخدام المدن الحقيقية والخيالية، تنطلق علاقات الشكل العضوي بالمحيط الرقمي من التجريد إلى الموضعة في سياق التشكيل والبناء وإعادة بناء المدن وأطلالها. تتناول مجموعة من الأعمال شكلًا تخيليًا لمدن في حالة اضمحلال تنصهر مع مواد عضوية أو تصبح المادة الحيوية جزءًا مصمتًا منها. تتعامل التصورات الرقمية للمدن في شكل عملية بطور الحدوث أو جولة في عملية الصناعة والتشكيل الرقمية نفسها تشابه تجربة الواقع الافتراضي، حيث تصبح التجربة البصرية أشبه بتجربة خلق أو إرشاد خارجي، نتحرك داخلها بواسطة شخص أو كينونة عُليا. في تلك الأعمال التي تُعيد تخيل المدن في طور اضمحلال مستقبلي أو تعيد تصور الماضي في هيئة مستقبل رقمي فإن وسيط التشكيل ثلاثي الأبعاد هو المهيمن، خصوصًا في شكله الأكثر فوضوية وتداخلًا.
يمكن التقاط ذلك الخيط الرابط بين التصورات المستقبلية /الديستوبية للمدن ووجود المادة الحية بها في بعض الأعمال تمتد على مستوى البرامج كلها. في «كارتوغرافيا الأحلام» لمارك سامبر/ إسبانيا، نختبر عالمًا رقميًا/عضويًا ثابتًا نتحرك داخله من خلال مؤشر يدور حول مدينة من الحطام والأحلام، ينبثق من خلال أبنيتها ثلاثية الأبعاد صور لأشخاص مجمدين في الزمن مستدعية ربما التصورات البصرية عن بومبي، يصاحب تلك الجولة الرقمية أداء صوتي لقصائد إسبانية، في عالم معلق في الفراغ يستدعي محاولة استدعاء ذكرى متماسكة من حلم منسي.
يشابه «كارتوغرافيا الأحلام» في البناء وشكل الجولة المصممة لتكون جزءًا من عملية البناء نفسها عمل بعنوان «مشاهد مسكونة» لفالنتينا بيرثيليون/ تشيلي، يحمل الفيديو بطابع أكثر مباشرة سياسية، فيصبح جزء من سياقه تعريفًا نصيًا بأن ذلك الحطام الرقمي هو تصور لشكل مدينة تشيلية بعد مظاهرات عارمة محتجة على سياسات الحكومة ورفع الأسعار، تركت ورائها جرافيتي وحطام فوضوي. تنعكس الفوضوية في التشكيل الرقمي المتحرك في فضاء غير مكتمل، نتجول خلاله وندور حوله مثل «كارتوغرافيا الأحلام»، في حطام يدمج المادة الحيوية بسكون التشكيل الرقمي والمديني، ويجعل كل منهما جزءًا من عالم ما بعد رقمي، خلفته حسب نشرات الأخبار الساخرة المدموجة في المقطع اجتياح فضائي مجهول.

في سياق من الفوضى المدينية كذلك يطرح «يوم غد ليس موعودًا لنا» لبولي تي/ روسيا شكلًا أكثر صخبًا ودمجًا لاضمحلال حضري/ عضوي/ رقمي، ممتزجًا بموسيقى احتفالية تصدح، فيما تحترق المعالم التاريخية الشهيرة وتتناثر العناصر متنوعة المصادر مكونة تشكيلات راقصة في فوضى ما بعد رقمية تتكرر إلى ما لا نهاية.

وفي سياق مشابه لكن يتسم بشكل أكثر هدوءًا وتأملية يأتي «أوروبا سيتي» لرومان روث/ ألمانيا، وهو فيديو طويل من 27 دقيقة يتأمل شكل مديني يمكن وصفه باليوتوبي، بناءات مجردة من عربات المترو والسلالم الكهربائية والكباري التي تعلو المسطحات المائية؛ وخلال تلك الأبنية التي تتفكك لتكون شكل بنائي مجرد يصعب تحديد وظائفه يتحرك أناس ذوو شكل واقعي ليس هجين رقمي/ حيوي. مع إطالة المشاهدة تصبح تلك الأجساد كأنها جسد واحد متكرر في شكل أشبه بالتنويم الطويل، يطرح «أوروبا سيتي» شكلًا بديلًا لتصور المدن ما بعد المستقبلية التي تنتشر في أعمال دورة المهرجان، ويستعيض عن الأشكال الهجينة المشوهة التي يطرحها التشكيل الرقمي كونه ذو احتمالات لا نهائية بأشكال منسقة لامعة تغير السياق النقدي المعتاد لشكل التطوير الحضري، وتجعله يشبه تأمل الظواهر الطبيعية، فيتوازى جريان النهر مع حركة الأفراد على سلم متحرك.
في تلك الأعمال تتنوع تناولات الجسد بين مصمت أو مدمج في العالم الرقمي، وفي أعمال أخرى تتناول المدن المستقبلية يختفي الجسد تمامًا، يبقى فقط الصوت الراوي الذي يسرد إمكانية الفناء، وليس إمكانية الدمج بين الرقمي والعضوي في «حكاء الشتاء» لبايليوس سليوبا/ ليتوانيا، تصبح السردية الديستوبية مهيمنة صوتيًا، فيما يغطى العالم أو المدنية المختارة وما تبقى منها بالثلج، في سكون مطبق لا أثر به لحيوية عضوية نباتية أو حيوانية.
نظرة على الحياة الطبيعية
في السياق نفسه الذي يتعلق بتصورات تنذر بنهاية ما، أو بداية عوالم جديدة يمكن تناول الخيارات التي تميل إلى الشكل الأكثر تقليدية من الأفلام القصيرة. في تلك الأعمال تصبح التناولات البصرية ذات شكل أكثر تقليدية ونوستالجية باستخدام التصوير بالفيلم الخام وتناول العالم الحيوي والطبيعي خاصة النباتي.
في «الحديقة السرية» لنور عويضة/ لبنان، وهو فيلم مقسم لعدة فصول، يمكن تتبع سردية خطية واضحة، عن طريق راوي صوتي يسرد قصة رحلة صديقتين لاستكشاف ماهية نباتات جديدة ظهرت وطغت فجأة على المدينة. في ذلك الصدد الذي يبدو موضوعيًا مشابهًا لتيمات المدينة الرقمية والمادة الحيوية لا يلجأ «الحديقة السرية» ليبني عالمه الموازي لعملية خلق واقع بديل من الصفر بل باستخدام صيغ التصوير التقليدية وإضفاء الواقع البديل صوتيًا ومزاجيًا. نرى صورًا لنباتات تتسلق أبنية أو تتواجد ببساطة في وادي مفتوح لكنها تصبح أكثر مما تبدو عليه بالسرد الصوتي.

في سياق مشابه يأتي «نباتات موازية» لمجدالينا برموديز/ الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يستخدم سردًا صوتيًا يسرد بعض الطرفات والحقائق التاريخية وبصريات مقربة لنباتات وثمار يتم تشريحها داخليًا وإعادة تفكيكها وتشكيلها. على عكس «الحديقة السرية» فإن المقطع لا يمتلك سردية خطية بل تجربة بصرية أكثر تجريدًا، لكنها تحوي جماليات أنالوجية مشابهة تطرح نظرة بديلة على المكونات العضوية بتقسيمها، تشريحها وتكبيرها.

ينضم لتلك المجموعة فيلم «انحلال المشهد» لآن ماري بوشار/ كندا، الفيلم المصور بكاميرا أنالوج كذلك، يعرض مشهدية لغابة مشجّرة خضراء تطرأ عليها تغييرات مضافة عن طريق التلاعب بالفيلم الخام بالرسم والتحريك أو بالتلاعب الكيميائي، يطرح «انحلال المشهد» تجربة بصرية وسمعية موسيقية دون سرد روائي، في تتابع مشهدي أشبه بإعادة تركيب الذاكرة الذاتية والجمعية أو محاولة إعادة تجميع شذرات من حلم غائم، يبدو وكأنه تصور آخر لعالم ما بعد العالم.
تقارير ذات صلة
عن الأحلام واستمرار المحاولة
ثلاثة لقاءات جاءت في إطار برنامج «نوبة أخرى من الأحلام»، تناولت البدايات والأحلام والمآلات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن