تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من قمة المناخ إلى قمة النفط.. كيف تحول «كوب» عبر عقود؟

من قمة المناخ إلى قمة النفط.. كيف تحول «كوب» عبر عقود؟

كتابة: محمد عز، ندى عرفات 16 دقيقة قراءة

أقرت الرئاسة الإماراتية لقمة المناخ «كوب 28» النص الختامي للمؤتمر، يوم  13 ديسمبر، بعد نجاحها في الوصول لتسوية بين جبهتين، إحداهما تمثلها أكثر من 100 دولة دفعت للتخلص التدريجي من استخدام البترول والغاز والفحم، والأخرى، جبهة الدول المُعارضة والتي يعتمد اقتصادها على الوقود الأحفوري، وفي مقدمتها دول «الأوبك» الـ13. 

تضمن النص الختامي جملة «الانتقال بعيدًا عن الوقود الأحفوري»، بعد ثلاثة عقود من المفاوضات حول مواجهة آثار التغير المناخي الذي تسببه، بشكل أساسي، انبعاثات الوقود الأحفوري، دون أن يذكره أي نص ختامي لأي مؤتمر سابق ولو مرة. رغم هذا التطور، جاء النص ضعيفًا، هشًا، مليئًا بالثغرات، وبطيء الأثر، مقارنة بسرعة تغيرات المناخ. 

قبل عقود، اجتمع العالم تحت راية هدف واحد: إيقاف التغير المناخي لإنقاذ المستقبل، وتطويع السياسة العالمية لخدمة أجندات التنمية المستدامة في العالم، بما يضمن ألا تطغى السياسة والاقتصاد على البيئة. لكن سنوات من مؤتمرات المناخ تمخضت عن نتيجة مختلفة.

أضحت اجتماعات «الكوب» مسرحًا للعالم الحقيقي الذي تحكمه السياسية والمال. وتفتت الهدف الجماعي إلى أهداف مبعثرة لخدمة مصالح دول بعينها، بحثًا عن نجاة فردية، حتى لو كانت مؤقتة. تركت الحكومات الكارثة البيئية تغطي عالمنا ببطء كعباءة سوداء، دون خطوات حقيقية لإيقافها، مكتفين باللقاء السنوي وإنفاق المليارات في التحضير له، في حين يرفضون خلال المفاوضات، داخل الغرف المغلقة، مُساعدة الدول الأقل حظًا والأكثر هشاشة والأقل تسببًا في أزمة المناخ. فكيف تغيرت قمم المناخ من بداية حماسية لإنقاذ الأرض لينتهي بنا الحال هنا؟ 

جناح السعودية داخل المنطقة الخضراء في «كوب دبي»

لم يكن «الكوب» البداية الحقيقية للتفكير في أزمة المناخ. البداية كانت في مبنى قديم في ستوكهولم بالسويد، في نهاية القرن الـ19، حينما كان الكيميائي، سفانتي أرهينيوس، يبحث أسباب حدوث العصور الجليدية. حاول الكيميائي السويدي حساب تأثير تراكم بخار الماء وثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي على رفع درجة الحرارة. حصل أرهينيوس على نتائج تقريبية، ونشرها عام 1896.

توقعت نتائجه تراجع درجة حرارة الأرض ما بين أربع إلى خمس درجات مئوية، إذا انخفضت مستويات ثاني أكسيد الكربون إلى النصف. أما إذا تضاعفت مستوياته، سترتفع درجات الحرارة ما بين خمس وست درجات. قدّر كذلك أن استخدام الفحم، الوقود الذي أشعلته الثورة الصناعية، بنفس المعدلات حينها، سيرفع مستويات ثاني أكسيد الكربون 50% خلال ثلاثة آلاف عام. 

في الواقع، لم يستغرق العالم ثلاثة آلاف عام لترتفع درجات الحرارة. تكثيف إنتاج الفحم واستخدامه، واكتشاف أنواع أخرى من الوقود الأحفوري، تسبب في نتائج أكثر فداحة، وبوتيرة أسرع. 

تحولت أبحاث مواجهة التغير المناخي والنقاشات العلمية إلى واقع. في 1979، خرج مؤتمر المناخ العالمي الأول، في جنيف، بإعلان يدعو حكومات العالم إلى «التنبؤ بالتغيرات المناخية ومنع أثرها»، وتبعه عدة اجتماعات دون مخرجات ذات تأثير، حتى قدّرت لجنة من الأمم المتحدة في بحث عالمي، في 1990، أن استمرار الانبعاثات سيرفع درجة الحرارة ما بين 1.4 و5.8 درجات خلال نحو مائة عام فقط. 

دقت نتائج بحث الأمم المتحدة ناقوس الخطر، وقرر العالم أن الوقت حان للتدخل. 

نتائج الأمم المتحدة حول تسارُع الاحترار العالمي كانت حجر الأساس الذي عُقد على إثره مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية (UNCED)، في 1992، بمدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل، فيما صار يُعرف لاحقًا باسم «قمة الأرض». تجمَع قادة دول وسياسيون ودبلوماسيون وعلماء ومنظمات غير حكومية، من 179 دولة، لفهم تأثير أنشطة البشر على البيئة ومواجهة أثرها. 

كانت هذه هي لحظة تدشين أول اتفاقيات أممية متعلقة بالمناخ، وارتكزت على ثلاثة محاور، «الاحتباس الحراري»، و«فقدان التنوع البيولوجي»، و«تصحر الأراضي»، وخُصص لكل محور سكرتارية منفصلة، ومؤتمر دوري، عرف بمؤتمر الدول الأطراف أو COPs اختصارًا.

منذ ذلك الوقت، تعقد الأمم المتحدة ثلاثة اجتماعات لبحث المحاور الأساسية. يُعقد اثنين منها كل عامين لبحث التصحر والآخر للتنوع البيولوجي، ويُعقد الثالث، المعني بتغير المناخ، مرة سنويًا، وهو «كوب المناخ» الأشهر.

caption

اكتسبت اجتماعات COP المناخ أهميتها من توفيرها منصة للتعاون والقرارات الجماعية، في الوقت الذي ارتفعت درجات الحرارة تدريجيًا لتصل إلى 1.2 درجة، وتقترب من 1.5 درجة مئوية، والتي ستكون نقطة تحول وعلامة فارقة في تاريخ كوكبنا.

تجاوُز حاجز 1.5 درجة مخيف. ستقتل الحرارة، تدريجيًا، أشكال الحياة على كوكبنا. سيختل النظام البيئي البحري بعد ارتفاع درجة حرارة المحيطات، فتفنى 70-90% من الشعاب المرجانية، لتُترك الأسماك التي تحتمي بها بلا مأوى، وتموت. وعلى اليابسة، ستغرق المدن الساحلية، وتختفي بلاد بالكامل كالدول الجزرية، أو أجزاء من دول أخرى، بما في ذلك مصر

لن تنجُ الحيوانات والحشرات، خصوصًا النحل، المسؤول عن تلقيح 84% من المحاصيل الأساسية، والذي بدأ في الموت بالفعل منذ سنوات بسبب ارتفاع درجات الحرارة. بموت النحل، يتأثر غذاؤنا، ثم يصبح الطقس المتطرف هو العامل الآخر الذي سيُجهز على الزراعة، ثم يأتي الجفاف ليجعلها شبه مستحيلة إلا بموارد معينة وتكنولوجيا متقدمة لن يقدر عليها الجميع. كما سيكثّف ارتفاع درجات الحرارة الرطوبة الأعاصير والعواصف والأمطار في مناطق، ويترك أخرى للجفاف الشديد.

لذلك كانت البداية حماسية.

اقترنت قمم المناخ بالضغط الشعبي والوعي البيئي العالمي في الستينيات والسبعينيات، بدافع من اكتشاف ثقب الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية في منتصف الثمانينيات. ساهمت هذه الحركات، خاصة في الدول المتقدمة، في الضغط على الحكومات لمواجهة تغير المناخ.

ومع ذلك، بدت القمم بعيدة عن تقديم حلول جذرية منذ بدايتها، لصعوبة الوصول لاتفاقات بإجماع الآراء، بعدما رفضت بعض الدول، ومنها السعودية، إقرار نظام لتمرير الاتفاقيات بموافقة الأغلبية في 1992، بحسب خبير سياسة المناخ الدولية في مركز أبحاث سياسات المناخ «E3G»، ألدن ماير.

التحدي الثاني كان إقناع الدول ذات المصالح المختلفة بأهمية مواجهة تغيرات المناخ، وتغليب النظر للمستقبل على الأرباح المادية قصيرة المدى. 

هذان التحديّان هما أساس العقبات أمام الوصول لاتفاقات سريعة ومؤثرة، حتى وإن كان مستقبل الأرض على المحك، يقول رئيس الاستراتيجية السياسية العالمية في شبكة العمل المناخي الدولية، هارجيت سينج، لـ«مدى مصر».

«الدول المتقدمة لم تُعر اهتمامًا كبيرًا لتغيرات المناخ، نظرًا لقدرتها المادية على مواجهة آثارها. أما الدول النامية، كان يستحيل إقناعها بالتخلي عن أجندتها التنموية. من الصعب للغاية إقناع الهند أو جنوب أفريقيا، اللتان تعتمدان على الفحم، بالتخلص منه دون دعم مادي من الدول المتقدمة للتحول للطاقة النظيفة والتي كانت مُكلفة حتى الفترة الأخيرة،» يضيف سينج.

بدأ الموضوع عندما خلصت «قمة الأرض» إلى اتفاقية «الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ» والتي تضمنت عدة مبادئ أبرزها، «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة» لتعكس أن كل دول العالم مسؤولة عن إيجاد حلول للتغير المناخي، لكن، لكل بلد مسؤولية تاريخية في التسبب به، وبالتالي هناك دول يجب أن تبذل جهودًا أكثر من غيرها لمواجهة التغير المناخي.

بناء على هذا المبدأ، شهد الكوب الثالث، في اليابان، الاتفاق على «بروتوكول كيوتو» عام 1997. حدد البروتوكول أول أهداف إلزامية لتقليل انبعاثات الاتحاد الأوروبي، و37 دولة صناعية كُبرى، بما لا يقل عن 5% عن مستويات 1990 بحلول عام 2012. أما الدول النامية الكبرى، فطُلب منها التطوع لخفض الانبعاث، وتم إعفاء 100 دولة نامية أخرى من الاتفاق. حفّز البروتوكول أيضًا على الاستثمار في الطاقة النظيفة.

كانت الآمال مرتفعة، وبدت الأهداف قابلة للتحقيق. لكن لم يستمر هذا طويلًا.

ليدخُل «بروتوكول كيوتو» حيز التنفيذ، كان ينبغي، أولًا، أن توافق كل الدول المشاركة، ثم تصدق عليه 55 دولة تساهم بـ55% على الأقل من الانبعاثات العالمية، بشكل نهائي.

الولايات المتحدة، التي تنتج وحدها ربع انبعاثات الكربون حينها، كانت أولى الدول التي وقّعت على البروتوكول. ولكن، رفضت حكومة الرئيس الأسبق جورج بوش التصديق عليه، وتراجعت عنه، في 2001، وهو ما عزاه خبير سياسة المناخ الدولية، ألدن ماير، إلى «المواءمات السياسية» في ظل صعوبة الحصول على موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، كما يشترط الدستور.

«الولايات المتحدة تفاوضت على صياغة البروتوكول، في 1997، بل وساهمت بالفعل في توجيهه لخدمة مصالحها عن طريق إدراج سُبل لتداول شهادات الكربون. لكن، فريق التفاوض لم يكن لديه استراتيجية لإقناع مجلس الشيوخ بالموافقة. ولذلك، عندما أُنتخب بوش كرئيس، أٌعلنت وفاة البروتوكول، بينما استخدمت الولايات المتحدة المفاوضات المناخية لخدمة مصالحها الخاصة» أضاف ماير.

لم تتراجع الولايات المتحدة وحدها، إذ لحقت بها كندا، واستراليا، وحتى اليابان التي كُتب البروتوكول على أرضها، على الأقل مؤقتًا.

تخوفًا من انهيار البروتوكول وانفضاض الدول من حوله، ركزت مفاوضات قمم المناخ بين 2001 و2005 على جعل الأهداف أكثر مرونة.

رغم ذلك، تعقدت المفاوضات بسبب حدوثها في مسارين، الأول: اجتماعات الدول التي وقعت «بروتوكول كيوتو» لتناقش التعديلات المقترحة له، والثاني يجمع الدول التي صدّقت عليه بالدول الأخرى في محاولة لجذبها للانضمام للبروتوكول أو إقناعها بالموافقة على بعض المبادئ الأساسية به.

ولذلك، لم يدخل البروتوكول حيز التنفيذ سوى في 2005، بعدما صدّقت روسيا عليه، والتي كانت أحد أكبر مُنتجي الانبعاثات، لتتحقق بذلك شرط نسبة مشاركة دول تساهم بإنتاج 55% من الانبعاثات العالمية. انضمت اليابان في وقتٍ لاحقٍ، فيما انسحبت كندا بعد انضمامها. أما الولايات المتحدة، فلم تنضم أبدًا.

خفّض هذا الانقسام التوقعات من قمم المناخ. بدون الولايات المتحدة، المُلوِث الأكبر تاريخيًا والاقتصاد الأقوى عالميًا، كانت الدول المتقدمة تتحرك على استحياء في العمل المناخي. أما الدول النامية، فقد خفّضت سقف المفاوضات إدراكًا منها لصعوبة الحصول على التزامات مالية من الدول الغنية، في ظل غياب القيادة الأمريكية، يقول المدير التنفيذي لمنصة «وات نكست؟» المهتمة بتحفيز العمل من أجل التغيير الاجتماعي، نيكلاس هالستروم، لـ«مدى مصر».

لذلك، كان الهدف بعد 2005 هو تجاوز الخلاف حول «بروتوكول كيوتو»، وضم الولايات المتحدة للمفاوضات. 

أثناء «كوب 13» في بالي، عام 2007، نجحت المفاوضات في الخروج بخارطة طريق تهدف لخفض الانبعاثات بمعدلات أعلى من «بروتوكول كيوتو»، رغم معارضة الولايات المتحدة التي اعتبرت المسار غير واقعي، ولم توافق عليه إلا بعد مداخلة رئيس وفد بابوا غينيا الجديدة، دعا فيها الولايات المتحدة إلى «القيادة أو الابتعاد عن الطريق».

كعادة قمم المناخ، وضعت الخارطة أهدافًا عامة في العام الأول، للتوافق على تفاصيلها خلال الأعوام التالية. كان من المنتظر استكمال المناقشات خلال المؤتمرين التاليين، الأول «كوب 14»، في مدينة بوزنان ببولندا، لتحديد مسار واضح لـ«خارطة طريق بالي»، انتظارًا للاتفاق النهائي في كوبنهاجن «كوب 15»، عام 2009.

قبيل كوبنهاجن، كان باراك أوباما أُنتخب رئيسًا للولايات المتحدة، ما رفع الآمال في تبني نهج أكثر إيجابية في التعامل مع البيئة، بالتزامن مع إعلان بلاده مع الاتحاد الأوروبي واليابان، عن خطط  لخفض غير مشروط لانبعاثاتهم. 

لكن سرعان ما انهار كل شئ.

«المفاوضات كانت في بلد ملهاش أهمية سياسية، في وقت كانت الدول المتقدمة بدأت تفوق من الأزمة الاقتصادية. 100 رئيس دولة رايحين كوبنهاجن علشان يـ«Seal the Deal» أو يخلصوا الاتفاق، من غير أصلًا ما يكون فيه أي Deal أو اتفاق حقيقي» يقول مسؤول مصري وثيق الصلة بالمفاوضات.

ظهر ضعف الدنمارك وسوء تقديرها للموقف من البداية مع استبدال المفاوضين الدنماركيين، ذوي الخبرة في التفاوض على مدار سنوات، بفريق وزاري يفتقر لخبرة المفاوضات التقنية لاتفاقيات المناخ. وكانت مساحة المؤتمر صغيرة، لذلك، عندما اكتمل وصول الوفود ومرافقيهم، مُنع مراقبي المنظمات غير الحكومية من الدخول، ما خلق أزمة لأن المراقبين هم المعنيين بمراقبة المفاوضات والضغط على السياسيين. 

وفي وسط الفوضى، سُربت «اتفاقية كوبنهاجن» التي أعدها، سرًا، كل من الدنماركيين والأمريكيين، ما أشعل الخلاف، ليس فقط لإثارة الاتفاقية شعورًا بـ«خيانة» الدول المتقدمة للدول النامية، إذ أن الاتفاقيات يجب أن تكون مُعلنة ومشتركة، ولكن لأنها أيضًا ساوت بين الدول في أهدافها والتزاماتها للحد من رفع درجة الحرارة، متجاهلة مبدأ «المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة». كان التخلي عن هذا المبدأ، محاولة من الولايات المتحدة ودول الشمال للتملص من مسؤولياتهم عن الانبعاثات، وإلقاء عبء المواجهة على عاتق الجميع، بما فيهم الدول التي ليس لها انبعاثات تذكر، بشكل متساوي. 

caption

دعت دول نامية إلى الانسحاب من المفاوضات، قبل أن تعدل عن الفكرة، لإثبات حسن النوايا. لكن، قبل يومين من نهاية المؤتمر، وصل أوباما إلى كوبنهاجن، وعقد اجتماعًا مُغلقًا مع دول BASIC (البرازيل وجنوب إفريقيا والهند والصين)، متجاهلًا باقي الدول، وخرجت «اتفاقية كوبنهاجن» كمخرج جانبي، بينما فشلت القمة في الخروج بقرار جماعي ذو قيمة. 

لاحقًا، كشفت تسريبات أن وكالة الأمن القومي الأمريكية، تجسست على الاتصالات بين الدول قبل وأثناء القمة، وزوّدت المندوبين الأمريكيين بتفاصيل مسبقة عن خطة الدنمارك، وكشفت جهود الصين لتنسيق موقفها مع الهند قبل بدء المؤتمر.

لم تتضمن «اتفاقية كوبنهاجن» نقطة مرجعية يُمكن استخدامها للمقارنة بين حجم الانبعاثات لتقدير مدى خفضها من عدمه، أو التزامات بتحقيق هذا الخفض.

عزمت الولايات المتحدة على إجبار باقي الدول على التوقيع، لذلك تضمن الاتفاق حصول الدول التي ستنضم له على مساعدات تبلغ 30 مليار دولار، وحرمان الرافضين من أي دعم مناخي. أقنع العرض العديد من الدول بسرعة، أولهم المالديف. أما الدول التي استمرت في الرفض، مثل بوليفيا والإكوادور، نفذت الولايات المتحدة وعدها، وقطعت عنهم مساعدات تغير المناخ لاحقًا. 

استغلت الدول المتقدمة هذا الاحتياج وكذلك ضعف القدرة الدبلوماسية لبعض الدول النامية، واستخدمت التمويلات لتنفيذ سياسة فرّق تسد، لضمان استمرار مصالحها ومصالح شركاتها الاقتصادية لأطول مدى ممكن، حسبما يوضح سينج. 

«كان العالم يعاني من آثار تغيرات المناخ. لكن الفارق كان في مدى قدرة الدول المتقدمة على التعامل مع الآثار السلبية مقارنة بالدول النامية الفقيرة، والتي احتاجت لتمويلات كبيرة، وهو ما كان الشاغل الأكبر لها، خاصة مع انخفاض عائدات السياحة في بعض الدول مثل المالديف، أو الاستثمار في دول أخرى»، يقول سينج.

«بعد كوبنهاجن، بقى السؤال الأساسي هنلم الليلة دي ازاي؟ الدول المتقدمة بدأت تسأل ازاي نحافظ على البيئة، ونحتوي غضب الدول النامية بأقل ضرر ممكن لاقتصادنا»، يقول المسؤول المصري. 

اضطرت العديد من الدول للإذعان. وأُعتمد النص رسميًا في قمة المناخ التالية «كوب 16» في مدينة كانكون بالمكسيك. التزام البلدان المتقدمة والنامية باتخاذ إجراءات لخفض الانبعاثات شكل قيودًا على قدرة الدول النامية لتحقيق التنمية، على عكس الدول المتقدمة، المُتسببة بالأساس في أزمة المناخ، والتي انتهت من التنمية وصارت تبحث عن رفاهية شعوبها، يضيف المسؤول المصري.  

كانت هذه هي بداية النهاية. 

منذ ذلك الوقت، دارت المفاوضات في فلكين مختلفين.. الدول المتقدمة، والدول النامية. الأولى، عملت بين 2011 وحتى 2015 على تجهيز اتفاق جديد، يُعلَن عند عقد القمة في أوروبا الغربية، في باريس. أما الدول النامية، بدأت تحاول تجميع شتات الفُرقة. 

عمل فريق الاستضافة الفرنسي على تقريب وجهات النظر لكن بشرط «خلينا نفتح صفحة جديدة، وننسى اللي فات، الانبعاثات القديمة والمسئولية التاريخية»، بحسب المسؤول المصري. حققت مفاوضات المناخ في باريس نجاحًا سياسيًا كبيرًا إذ تم الاتفاق على نص جماعي بأهداف واضحة طموحة.

حددت اتفاقية باريس هدفًا لإبقاء ارتفاع درجات الحرارة «أقل بكثير من 2 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة»، و«متابعة الجهود للحد من زيادة درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة». وتضمن الاتفاق عقد «تقييم عالمي شامل» لقياس مدى نجاح أو فشل الحكومات في تحقيق تقدم في أهداف الاتفاقية، تحت اسم «الحصر الجامع» (GST)، بهدف ربط المساهمات المحددة وطنيًا (NDCs) بالهدف العام لاتفاق باريس، وحددت عام 2023 لعقد أول حصر.

لكن، كانت اتفاقية باريس نقطة تحول من إلزام الدول بتنفيذ خطط مُحددة وواضحة لخفض الانبعاثات، لتصبح مساهمات وطنية، تعلنها كل دولة على حدة، بما يتناسب مع ظروفها. صبّ ذلك في صالح الدول النامية، لكنه، أيضًا، ساعد الدول المتقدمة على الاستمرار في زيادة انبعاثاتها.

بالإضافة لذلك، راعى الاتفاق السياسات الداخلية الأمريكية واحتمالية تغييرها. «الاتفاق كان بيراعي أن لو النظام الأمريكي اتغيّر أثناء الانتخابات الرئاسية في 2016، بما إنه الأكبر والأهم عالميًا، نبقى متأكدين إن ده مش هيأثر على الاتفاق. لذلك المادة 28 من الاتفاقية نصّت على أنه لا يمكن لأي دولة تقديم إشعار بالانسحاب إلا بعد ثلاث سنوات من تاريخ التنفيذ، وسنة لحد ما يبقى الانسحاب رسمي. وقتها الناس استغربت. لكن دا حصل علشان يبقوا ضامنين إن لو ترامب كسب الانتخابات وحاول ينسحب من الاتفاقية ميقدرش يعمل كده على الأقل في فترته الرئاسية الأولى» يقول المسؤول المصري.

تحققت النبوءة. في يونيو 2017، تولي دونالد ترامب دفة الإدارة الأمريكية، وأعلن انسحاب بلاده من الاتفاقية. لكن، كان ذلك مجرد إعلان، إذ لم تكن أي دولة قادرة فعليًا على الانسحاب سوى بعد نوفمبر 2020. وبعد يوم واحد من الانتخابات الرئاسية الأمريكية الجديدة ألغى الرئيس المُنتخب، جو بايدن، قرار الانسحاب.

خلال هذه الفترة، اقتصرت مؤتمرات المناخ على مناقشة «اللائحة التنفيذية» لاتفاقية باريس. «اتقال وقتها إن دي السنوات التقنية اللي بنحدد فيها اللائحة»، يقول المسؤول المصري. لكن، كانت المؤتمرات تُعقد في دول نامية ذات قدرات دبلوماسية متواضعة لا تستطيع تحقيق إنجازات كبيرة في المفاوضات.

«دا كان متهندس كويس. يسيبوا الدول النامية تنشغل بالأمور الفنية من غير اتفاق كبير، علشان لما المؤتمر يرجع تاني لأوروبا الغربية، تقدر رئاسته تسوّقه في المكان اللي هي عايزاه. وترجّع تاني الحاجات اللي اتنازلوا عنها في باريس. زي ما حصل في جلاسكو» يضيف المسؤول. 

حقق COP26 في جلاسكو بعض النجاحات: «تخفيض» انتاج الفحم واستهلاكه، والتأكيد على عدم تجاوز الاحترار 1.5 درجة مئوية، كما أُعلن عن وعود بتمويلات مواجهة التغيرات المناخية في الدول النامية. من الناحية الأخرى، الالتزامات التي قدمتها الدول لتقليل الانبعاثات كانت غير كافية لتحقيق أهداف اتفاق باريس، ولم يُشر النص الختامي إلى الإعلان عن صندوق لتمويل الخسائر والأضرار.

لهذا كانت الموافقة على صندوق الخسائر والأضرار في قمة المناخ بشرم الشيخ، نجاحًا كبيرًا للدول النامية، لأنه كان تغيير في خطة «أين؟ ومن يُصدر الاتفاقات المهمة؟ كما جمع شتات دول الجنوب لأول مرة منذ سنوات» حسبما يقول مراقب لـ«مدى مصر». 

لم يكن هذا بمحض الصدفة. انعقدت القمة في مصر، التي تُعاني من آثار تغيرات المناخ، لكنها لم تتسبب بها. لديها وقود أحفوري، لكنها ليست دولة بترولية. دولة نامية، لكن صاحبة باعٍ كبير في السياسة الخارجية.

استغلت الرئاسة المصرية لـ«الكوب» الظروف المواتية في هذا الوقت، ونادت بأن يكون «كوب27» مؤتمر التنفيذ، وهو ما تكامل مع مجهودات الدول النامية، خاصة، باكستان، بحسب سينج.

«كانت باكستان هي رئيسة مجموعة الـ«77+الصين» في ذلك الوقت، وتعرضت خلال عام 2022 إلى فيضانات هائلة قُدرت خسائرها بنحو 16 مليار دولار، وحصلت على وعود من الدول الغنية بتوفير مليارات الدولارات لمساعدتها قبل أشهر قليلة من قمة شرم الشيخ» يضيف سينج.

معًا، تحركت مصر كوسيط تفاوضي، وباكستان كرئيسة لمجموعة دول نامية تعاني من آثار تغيرات المناخ لتنفيذ هذه الوعود. خرج المؤتمر بالموافقة على «صندوق الخسائر والأضرار»، لتعويض الدول المتضررة من تغير المناخ، عبر تمويلات الدول المتقدمة المتسببة به. 

مهّد اتفاق شرم الشيخ الطريق، وصمّم لجنة انتقالية مهمتها الاتفاق على شكل الصندوق وآلية التعويض. وعلى مدار عام كامل، خاضت اللجنة مفاوضات مكثفة في خمس جلسات لوضع الصياغة النهائية.

شهدت الجلسات معارضة قوية من الدول المتقدمة، حتى اضطرت الدول النامية للموافقة على حلول وسط، مثل استضافة البنك الدولي للصندوق، مؤقتًا، رغم تخوفها من تأثير الولايات المتحدة عليه، واقتسام إدارة الصندوق بين ممثلي الدول النامية والمتقدمة، بعدما كانت دول الشمال ترغب في الاستحواذ على إدارته في محاولة لـ«هندسة» الصندوق لحماية مصالحها، بحسب المسؤول المصري.

«هندسة صندوق الخساير والأضرار هو امتداد لهندسة قمم المناخ، والتي تبدأ من اختيار أماكن عقده. الحصر الجامع كان هيحصل في 2023، بالتالي، كانوا مهتمين المؤتمر يكون في مكان ميقدرش يحاسب الدول المتقدمة. مفيش مكان أنسب لده من الإمارات، اللي أجندتها في قطاع الطاقة هتخليها غير قادرة إنها تضغط على الدول لوقف الانبعاثات اللي جاية من الطاقة»، يقول المسؤول. 

بالفعل، قبل أيام من بداية «كوب دبي»، سُربت وثائق تكشف تخطيط الإمارات لاستخدام القمة للتفاوض على صفقات البترول والغاز، برئاسة سلطان الجابر، الرئيس التنفيذي لشركة أدنوك للوقود الأحفوري الإماراتية، والذي قاد المفاوضات الإماراتية. وخلال الـ«كوب»، نفى الجابر «وجود علم يشير إلى ضرورة التخلص من الوقود الأحفوري للحد من ارتفاع درجات الحرارة بما يتجاوز 1.5 درجة مئوية»، مضيفًا أن التخلص منه سيعطل التنمية المستدامة «ما لم نرغب في إعادة العالم إلى الكهوف»، قبل أن يعتذر عن تصريحاته. 

تزامن ذلك مع دعوة السعودية وروسيا لأن تقتصر المفاوضات على «تقليل التلوث»، دون أي ذكر الوقود الأحفوري في النص الختامي، بعد يومٍ واحدٍ من خطاب سُرب من مجموعة الدول المُصدرة للبترول «أوبك»، حثّت فيه أعضاء المجموعة وحلفائهم على نفس الأمر. 

يبدو المستقبل قاتمًا، بحسب المسؤول المصري، وخبير سياسة المناخ الدولية، ألدن ماير، الذي يصف مفاوضات المناخ بأنها منذ بدايتها كانت قشرتها الخارجية حول العلم والمناخ فقط، لكن، المصالح التجارية والسياسية، كانت دائمًا هي السيد. «مقاومة صناعة الوقود الأحفوري زادت مع تصاعد الضغط لاتخاذ إجراءات جادة لمواجهته».

في ظل إدراك المفاوضين أن حقيقة مفاوضات المناخ تختلف عمّا تدعيه، ولأن القليل أفضل من لا شئ، تدور سياسات الدول النامية حول تحقيق أي نجاح ممكن، بحسب المسؤول المصري. «احنا بنروح علشان ندرء المخاطر ونجلب بعض المنافع».

حققت قمم المناخ على مدار نحو 30 عامًا تقدمًا بالفعل. اعترفنا بالأزمة واجتمعنا على ضرورة حلها، ونجح البعض في انتزاع انتصارات صغيرة. لكنها لم تدرك، حتى الآن، الهدف الرئيسي: وقف أسباب تغيرات المناخ وتقليل آثارها، وهو ما أرجعه سينج إلى غياب رؤية عالمية واضحة طويلة الأجل، وهو ما استغلته مختلف الدول لخدمة مصالحها. 

«كانت الانبعاثات هي الهدف الأساسي طوال هذه المدة، بدون مواجهة حقيقة أن الوقود الأحفوري هو السبب. جلسنا نتفاوض على العَرض لثلاثة عقود ولم ننتبه للسبب سوى متأخرًا. النتيجة هي أننا ما زلنا نتفاوض ونحن نعيش في عالم يحترق بالفعل»، يقول سينج.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن