ملاغية نيلية
جيوب المدينة #2
#جو عام
في ثاني حلقات «جيوب المدينة»، نتجول مع غالب سعيد في مدينة كفر الزيات، يكشف لنا جانبها الرومانسي المنسي، ويكتب عن ظلال وخبايا هذه المدينة النيلية الوادعة، وذلك في سلسلة من إعداد وتحرير مي المغربي وياسر عبد اللطيف، يحكي كُتّابها بمحبة عن أماكن تصلح للخلوة والاستمتاع بأحلى اصطباحة نهارًا أو الاستئناس بـ«الدِروة» باقي أوقات اليوم، وتنسجم هذه السلسلة مع شقيقتها «أليف ووحشي»، فبينما تتجول الأولى في المكان، تغوص الأخيرة في النفس البشرية، ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلستين.
#جيوب المدينة
لا أعرف منذ متى نمت لديّ رغبة مراقبة الآخرين من المقاهي، هي رغبة جمالية أغلب الأحيان، تشمل حتى المقاعد الخالية المرصوصة والجاهزة لاستقبال الزبائن.
جغرافيًا موقع المقهى، تقسيمه الهندسي، العاملون فيه، زبائنه، شريط الصوت الخاص به، وجودة المشروبات المقدمة، وخدمة المعسل وناره، كلها عوامل تتضافر معًا في تحديد شخصية المقهى واختياره دون غيره نهارًا أو مساءً.
لكل مقهى توقيت مثالي لزيارته.
مدينة كفر الزيات، وهي مدينة صناعية صغيرة على ضفاف نهر النيل -فرع رشيد-، صغيرة جدًا، يمكنك طويها على قدميك في ساعتين أو أقل لو كنت رياضيًا. كانت مدينة عمالية قوامها عمال المصانع -الملح والمبيدات والورق والزيوت والصابون- والحرفيون والصنايعية والموظفون. مدينة رومانسية تقدر العمل والنوم والأفيونات والحب والدخان. شوارعها نُسقت للمشَّائين، إيقاعها هادئ حتى نهاية التسعينيات. ثم بدأ التغيير مع بداية الألفية الجديدة وخصخصات عاطف عبيد، حتى وصلنا الآن إلى مدينة مزدحمة ذات أبراج سكنية فقدت رومانسيتها وتبحث عن هويتها التجارية الجديدة.
ومقاهي كفر الزيات هي ظل المدينة، يتجلى فيها إيقاعها والروح الجامعة لزبائنها.
بالقرب من بيتي مقهى حبيس، هو بمثابة الغرفة الثالثة لشقتي، امتداد لها، تقريبًا المكان مُتاح لنا نحن أهالي المقهى -لا زبائنه- طوال الوقت، أو بمعنى أدق طوال فترة استيقاظنا. هنا أيضًا تفصيلة مهمة خاصة بمواعيد نومنا. مَن يختفي طوال اليوم أو يستيقظ مبكرًا نهتم بالسؤال عن جديده الذي عدّل من أجله ساعته البيولوجية.
أبو أحمد، القائم على إدارة المقهى والصنايعي الحريف في عمل القهوة يخدم منطقة مساكن رادار القوات المسلحة، هي في الأصل مساكن الخدمات الصناعية التي تخدم العاملين في مصانع الملح والمبيدات وفيرتا للورق، أنشئت في الثمانينيات في بداية حكم حسني مبارك بجوار رادار إشارة القوات المسلحة الذي أُنشئ وقت الحرب بعد 67، لتقوية الإشارات ونقلها من القاهرة إلى الشمال.
في كفر الزيات لا يزال ممكنًا التمتع بالجلوس إلى النيل، دون عوائق أو رسوم سياحية، بل يمكن دخول نادي كفر الزيات بتذكرة رمزية، وفيه شاهدت حبًا قديمًا شهيًا بين رجل سبعيني تغضنت ملامحه وملابسه، وامرأة ستينية نابضة بالحياة والحيوية والبهجة، مُتأنقة تضع مساحيق خفيفة تبرز جمالها الذي ما زال صامدًا وملابسها تنويع بين اللون الأخضر بدرجاته الفاتحة حتى نصل إلى اللون الأبيض، يبدو أنهما لم يلتقيا منذ زمن، فور رؤيته لها نحّى بظهر كفه أشياءَه على الطاولة الرخامية المستطيلة -أكياس الشمر والولاعات الفارغة والعسلية- والتقط يدها الممدودة بالسلام بكلتا يديه، ثم دامت نظراتهما لبعض الوقت دون كلام. الامتنان واضح كشمس أغسطس. لم تجلس، لم يدم اللقاء أكثر من دقيقتين. اقتربتُ منه طالبًا ولاعته فأعطاني معها سيجارة «لايت»، وكانت من أردأ السجائر التي دخنتها وقتها. المشهد مألوف ومتكرر هنا في مقهى النادي صباحًا. ماضي المدينة الرومانسي يتجلى هنا صباحًا فقط، مع الغروب تدور عجلة العصر الحديث للمدينة، ازدحام ولهاث وحشيش رديء وشجار واتفاقات على هدنات مشروطة.
لا أنسى الرجل في منتصف عقده الثامن خفيف الظل الذي يحفظ شجرة أنساب وعائلات المدينة والقرى المجاورة، ويتحدث بطريقة تشبه مُخبرِى أمن الدولة سابقًا. لا يحتمل العيش وحيدًا، ماتت له أربع زوجات وتعيش معه الخامسة الآن. يحب الحياة والقصيدة العمودية، يكتبها وينشرها في مجلة «الأزهر». سألته عن وظيفته، فأجاب: «كنت مديرًا لمكتب وزير الداخلية»، ثم فضّل العودة بعد سنوات للعمل في إحدى مديريات الأمن نظرًا لعائدها المالي المغري أكثر من وجاهة كونه مديرًا لمكتب وزير حسب قوله. قابلت الرجل نهارًا في مقهى النادي، هل يعد صاحبنا أحد تجليات الماضي الرومانسي للمدينة؟ لا أعرف.. قد يكون.
نادي كفر الزيات أُنشئ قبل ثورة يوليو كملحق ترفيهي للعاملين في محطة سكك حديد المدينة. كان ملتقى أدباء المدينة وفنانيها ومثقفيها والطبقة الوسطى بشكل عام. في الوقت الحالي، ونظرًا لأن الوضع الاقتصادي أذاب الحدود بين الطبقات من ناحية، ووضع الطبقة الوسطى موضع إعادة التساؤل والبحث في المصطلح والتوصيف كما تنبأ منذ عقود الدكتور عبد الباسط عبد المعطي في دراساته الاجتماعية والدكتور رمزي زكي في دراساته الاقتصادية، فإن مقهى النادي وقت الغروب هو مقهى شعبي بامتياز. ضع في ذهنك احتمال أن ترى حولك أيًا ممَن قابلتهم في حياتك هنا، جغرافيا المكان وسعر دخوله الرمزي تغلبَا على الأنفة والاستكبار والتوجس والرهبة، بل كله غارق في الرومانسية والملاغية.
يحدث أن تلتقط أذناك حديثًا صادرًا من طاولة قريبة منك، مثل هذا الكهل الذي يغوي مراهقة، متخذًا فارق السن درعًا اجتماعيًا يحميه من سوء ظن الآخرين. هي مستمتعة تمامًا بالمغامرة ومخدرة بالكامل بسحر النيل وسطوته علينا -رواد النادي- في هذا التوقيت نهارًا. أتابع الكهل من حين لآخر حتى لا أربكه، لفتني الجاكيت الجلدي الهافان الواسع قليلًا، مما يشي بقِدمه، أنه زهرة ما يمتلكه من ملابس الشتاء. لا تثق في مَن يرتدي البنطلون الأبيض والجاكيت الجلدي الهافان.
الميزة الأساسية هنا بالنسبة لي أن الشريط الصوتي لفترة النهار بلا أغانٍ.. بلا موسيقى.. براح المكان يبتلع الترددات الصوتية البشرية المتناثرة إلا لو جلست بالقرب من طاولة أرباب المعاشات. في الغالب المكان هادئ، ويطل على صفحة النيل مباشرة واللقاءات الرومانسية ميزة وامتياز هنا، عززها غياب خدمة تقديم المعسل. مَن أراد أن يشبع رئتيه قبل لقاء حبيبته، فالمقاهي أمام النادي كفيلة بالمهمة. شريط ممتد من المقاهي، معظم رواد هذا الشريط من موظفي مجلس المدينة والضرائب والمحامين والمنتفعين وأصحاب المعاملات الحكومية والطلبة -إذا ما قدم المقهى خدمة الواي فاي- نهارًا.
مع الغروب تتسع قماشة الزبائن. يصل شريط المقاهي هذا إلى مبنى مجلس المدينة الذي كان استراحة للملك قبل ثورة يوليو، وأراه مكانًا مثاليًا للملك «الخلبوص»، يطل على النيل مباشرة، مكون من طابقين بمقاييس معمار الفترة وقتذاك، ويبعد عن محطة السكة الحديد 300 متر أو أكثر قليلًا، ومدينة كفر الزيات تقع في منتصف المسافة بين القاهرة والإسكندرية. المدينة والموقع المُختار مثاليان لاستراحة ملك رومانسي وقتها.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن