مفاجآت «السنوار» تستمر حتى في مقتله
حتى في مشهده الأخير، يحمل يحيى السنوار كل عناصر الأسطورة، لمحبيه ولأعدائه على السواء.
الملايين من مؤيدي المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، وعلى رأسها حركة «حماس»، التي تزعمها السنوار، سواء في فلسطين أو خارجها، ينظرون إليه كرمز لا مثيل له في تاريخ هذا الصراع. حتى في إسرائيل نفسها، ربما لم يحظ أي رمز فلسطيني بهذا الهوس. كل شيء يُروى عن الرجل يشير إلى هذه الهالة، إلى هذه الأسطورة.
تهافت قادة إسرائيل على إعلان خبر مقتله، ذلك أن إعلان هذا الخبر تحديدًا نصر سياسي كبير. استبق وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف جالانت، رئيس وزرائه، بنيامين نتنياهو، في الحصول على فضل الإعلان. وفي محاولة بدت بائسة، حاول جالانت التلميح بأن السنوار قُتل وهو يهرب.
المحاولة كانت بائسة لأن كل التقارير تشير إلى العكس. تشير الصور المتداولة لجثمانه والفيديو السابق للحظة اغتياله٬ أن السنوار قُتل مقاتلًا يرتدي زيه العسكري، يواجه أعداءه. ليس قائدًا يختبئ في الأنفاق يحيط نفسه برهائن لضمان أمنه مثلما أقسمت أجهزة الاستخبارات كافة طوال شهور، ولا خائفًا يقدم حياته فوق حياتهم. باختصار، كل التفاصيل التي تحتاجها الأسطورة حتى تكتمل.
فاجأ مقتله الجميع ليستمر على عادته. شبكة سي إن إن نقلت، عن مسؤول أمريكي، أنه حتى الجيش الإسرائيلي نفسه فوجئ بهذا. لم يكن مقتله اغتيالًا مستهدفًا يستند إلى معلومات استخباراتية، ولم تنفذه قوة إسرائيلية خاصة. كل ما حدث أن مجموعة من جنود المشاة كانت تشتبك مع ثلاثة مسلحين في حي تل السلطان برفح. قصفت موقعهم قبل أن يتوجه الجنود إلى هناك. عثروا على جثث المقاتلين الثلاثة، السنوار من بينهم.
مفاجأة السنوار الأخيرة جاءت بعد عام من أكبرها على الإطلاق: عملية مركبة لم يسبق لها مثيل ضد إسرائيل داخل أراضيها، في السابع من أكتوبر 2023. آلاف الصواريخ انهالت فجأة على مدن ومستوطنات إسرائيل تزامنًا مع اقتحام مئات المقاتلين سور سجن غزة الكبير تجاه مستوطنات غلاف القطاع. خلال ساعات، قتل المقاتلون أكثر من ألف إسرائيلي بين عسكري ومدني، واختطفوا مئات الأسرى وعادوا بهم إلى القطاع.
لم يصدق أحد ما حدث في البداية، لم يصدق أحد أن هذا ممكن. استغرق الأمر ساعات طويلة حتى بدأ الاستيعاب. يحيى السنوار، قائد حركة حماس داخل قطاع غزة وقتها، ورئيس مكتبها السياسي لاحقًا، اتخذ مع زملائه في قيادة الجناح العسكري للحركة قرارًا لم يجرؤ أحد قبلهم على تنفيذه. اتفق الجميع ضمنًا وعلنًا منذ اللحظة الأولى على أن السنوار يقف وراء هذا. في أذهان الجميع، يتطلب مثل هذا الجموح شخصًا مثله. صورته في أذهان الجميع كانت ملائمة لهذا الدور. وبغض النظر عما سيؤول إليه التاريخ، يتفق الجميع على أن الرجل بدأ فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة.

***
من هو السنوار إذًا؟ وُلد في مخيم خان يونس للاجئين في جنوب شرق غزة عام 1962. كانت عائلته لاجئة من مجدل في شرق قطاع غزة، أو ما أصبح يعرف بأشكيلون، بعد نكبة 1948 واحتلال إسرائيل لها.
درس السنوار في الجامعة الإسلامية بغزة، وحصل على درجة البكالوريوس في دراسات اللغة العربية. بدأ عمله العام عبر نشاطه الطلابي في الجامعة مع الكتلة الإسلامية، التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، وشغل عدة مهام بمجلس طلاب الجامعة. اعتقلته إسرائيل للمرة الأولى عام 1982، وعمره 20 عامًا، لمدة ستة أشهر، بسبب تورطه مع المقاومة.
كان السنوار مقربًا للغاية من أحمد ياسين، الزعيم الأول لحركة حماس وقائدها التاريخي، والذي بدأ صفحة جديدة للمقاومة الإسلامية في فلسطين. شارك السنوار في تأسيس الحركة في الثمانينات، وتولى، بصحبة القياديين في الحركة، خالد الهندي، وروحي مشتهى، تأسيس «مجد»، جهاز الأمن الداخلي للحركة، والذي تولى، ضمن مسؤوليات عدة، ملاحقة وكشف عملاء الاحتلال وتتبع ضباط المخابرات وأجهزة الأمن الإسرائيلية.
كانت هذه هي بداية تشكل الأسطورة. اكتسب الجهاز، ومن ورائه السنوار، سمعة قوية بسبب ما أُشيع عن بطشه الشديد. ينقل بروفايل طويل نشرته مجلة ذا نيويوركر عنه، في أغسطس الماضي، عن الصحفي الفلسطيني زكي شهاب، والذي كتب كتابًا عن الحركة، أن السنوار كان عنيفًا للغاية في تعامله مع المتعاونين مع إسرائيل. «كان يقطر الزيت المغلي على رؤوس الناس كي يجبرهم على الاعتراف»، يقول شهاب. مايكل كوبي، أحد الضباط الإسرائيليين الذي حققوا مع السنوار لاحقًا، وصفه بأنه أكثر الرجال برودة ممن قابلهم في حياته. «وضع أحد العملاء المشكوك فيهم في قبر ودفنه حيًا»، وفقًا له. يلاحظ كاتب البروفايل أنه من الصعب الجزم بحقيقة مثل هذه الأمور. لكن بغض النظر عن الحقائق، ساهمت هذه الروايات في إشاعة الرعب في القلوب. أصبح السنوار «جزار خان يونس».
تسبب نشاط السنوار في ملاحقة عملاء إسرائيل، إلى جانب أنشطة المقاومة الأخرى التي انخرط بها، في اعتقاله للمرة الثانية، في 1988، بعد عام واحد من اندلاع الانتفاضة الأولى، بتهمة قتل أربعة فلسطينيين متهمين بالعمالة لإسرائيل، إلى جانب تهم أخرى. عمره وقتها كان 26 عامًا فقط، حين حصل على أحكام بأربعة مؤبدات. هذه التجربة كانت الأكثر تأثيرًا وإسهامًا في تشكّل أسطورته لاحقًا.

لم يستغرق السنوار كثيرًا حتى أصبح شخصية بارزة وسط الأسرى، وتولى قيادة الهيئة العليا لأسرى الحركة لدورتين تنظيميتين من داخل السجن. خلال هذه الفترة، يقول فلسطيني كان محبوسًا معه في أحد السجون وقتها لـ«مدى مصر»، إن قيادته للأسرى داخل السجن وتنظيمه عددًا من الإضرابات عن الطعام تسببت في احتكاكات مختلفة بينه وبين إدارة السجن، انتهت به قيد الحبس الانفرادي لفترات طويلة، وعرضته لإهمال طبي لم ينقذه منه سوى احتجاجات زملائه من السجناء الفلسطينيين.
كان هذا مهمًا بالنسبة لتجربة السنوار لأن المجتمع الفلسطيني يتشكل سياسيًا من ثلاث شرائح: الفلسطينيون في فلسطين (في غزة والضفة الغربية وحتى في الداخل الإسرائيلي)، فلسطينيو المهجر، والأسرى. يتمحور جزء أساسي من الخطاب السياسي الفلسطيني حول أهمية قضية الأسرى وتحريرهم، ولا يختلف هذا باختلاف الفصيل السياسي. الأسرى يمثلون ثقلًا سياسيًا كبيرًا ويلعبون دورًا مشاركًا في صناعة القرارات وصياغة التوجهات.
الصحفي الذي أجرى مقابلة شهيرة مع السنوار للتلفزيون الإسرائيلي، وصف سطوته بأنه يستطيع من سجنه أن يعطي أوامره لإسماعيل هنية، والذي كان رئيسًا للحكومة الفلسطينية وقتها بعد فوز «حماس» في الانتخابات عام 2006. وكان الدور القيادي للسنوار وسط الأسرى حاسمًا في تأسيس شرعيته كزعيم فلسطيني.
يتذكر أحد المحققين الإسرائيليين حوارًا دار بينه وبين السنوار بعد اعتقاله الثاني، «تعرف أنه في يوم ما ستكون أنت من يخضع للاستجواب، وسأقف أنا هنا كحكومة، كمحقق»، أخبره السنوار، «أدوارنا ستنعكس. سينقلب عالمك رأسًا على عقب».
انكب السنوار خلال أعوام سجنه على دراسة المجتمع الإسرائيلي. استهلك الصحف اليومية وما حصل عليه من كتب من الأفكار الصهيونية وحتى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وقياداتها.
درس اللغة العبرية داخل السجن أيضًا، وأتقنها إلى الحد الذي سمح له بترجمة عشرات الآلاف من الصفحات من العبرية إلى العربية، وإجراء مقابلات مع صحفيين إسرائيليين بلغتهم الأم. أصّر في المقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي على الحديث بالعبرية. مرة وحيدة فقط خلال هذه المقابلة لم يتمكن فيها من تذكر اللفظة العبرية التي يبحث عنها. بمنتهى الاسترخاء، ودون أي توتر، سأل محاوره بالعربية عن الكلمة، «تسلط الضوء» فأخبره. استخدمها واستمر في حديثه.
انكب أيضًا على تأليف عدد من الكتب، من بينها عمل أدبي وحيد، سيمثل وثيقة تاريخية نادرة.
تعود علاقته بالعمل الفني لدراسته الجامعية، حيث شارك في تأسيس فرقة «العائدون للفن الإسلامي»، وهي تفصيلة حرصت سيرته الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي لحركة «حماس» على التأكيد على أنها تمت «بمباركة من الشيخ المؤسس الإمام أحمد ياسين». واهتمت الفرقة بإحياء التراث الفلسطيني ونشر رسائل المقاومة.
استمرت هذه العلاقة بالفن أثناء سجنه. بعد أعوام من الكتابة، ومجهودات معقدة لنسخ وتهريب الأوراق شارك فيه العشرات، نشر السنوار روايته الوحيدة عام 2004، عنوانها «الشوك والقرنفل».
اختيار شكل الرواية كان مثيرًا للاهتمام. كان بإمكان السنوار كتابة مذكراته مثلًا، لكنه اختار قالب الرواية. هناك شق عملي لهذا الاختيار. في النهاية، تسمح الرواية بتباديل وتوافيق توزع المواقف والأفكار على أبطالها، وتطرح تنوعًا منضبطًا. على العكس، تنهمك المذكرات في فرض منطق مستقيم على أبطالها وأفكارهم وتصرفاتهم، لتتجاوز بذلك ما يرغب فيه السنوار: تشريح المجتمع الفلسطيني وشرح علاقته بالاحتلال. من هذا المنطلق، يبدو اختيار الرواية أكثر تحررًا.

هذا هو ما أشار إليه السنوار في مقدمة روايته: «الخيال في هذا العمل فقط في تحويله إلى رواية تدور حول أشخاص محددين ليتحقق لها شكل العمل الروائي وشروطه. وكل ما سوى ذلك حقيقي، عشته وكثير منه سمعته من أفواه من عاشوه هو وأهلوهم وجيرانهم على مدار عشرات السنوات على أرض فلسطين الحبيبة». لهذا تمثل الرواية وثيقة تاريخية، ليس فقط للسنوار وإنما لفلسطين بشكل عام.
يمثل أبطال الرواية الرئيسيين أطياف السياسة الفلسطينية: الراوي (إلى حد كبير يمثل السنوار نفسه كمراقب) لديه شقيق ينتمي إلى حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، وابني عم: أحدهم إسلامي يلعب دورًا في تأسيس الجناح العسكري للمقاومة، والآخر عميل لإسرائيل.
تشير مراجعة نشرها موقع Mondoweiss للرواية، في فبراير الماضي، إلى أن الجدالات بين هذه الشخصيات، «والتي تزداد حدتها عند كل نقطة تحول في تاريخ فلسطين المعاصر، تكشف عمق التسييس وسط كل طبقات الفلسطينيين، ويمكن اعتبارها سجلًا تاريخيًا للجدالات الأيديولوجية بين الفصائل الفلسطينية».
كذلك، تُلاحظ مراجعة أخرى، نشرتها مجلة الفراتس، أن الرواية تتجنب الخوض في تجربة السنوار نفسه في ملاحقة عملاء إسرائيل من خلال تنظيم «مجد». لكنها في الوقت ذاته تهتم بمسألة العملاء إلى أقصى حد. يكن السنوار احتقارًا عميقًا للعملاء: ابن العم الإسلامي سيقتُل شقيقه العميل بعدما فاض به الكيل.
خلال لقاء السنوار مع التلفزيون الإسرائيلي، يمكن استنباط تفهّمًا على مستوى ما منه لإسرائيل. إسرائيل في النهاية هي العدو، هي الاحتلال. هذا واضح. لكن ما هو مبرر العملاء؟ من هذا المنطلق، يمكن تقبل فكرة هدنة طويلة الأمد تستمر حتى جيل قادم، لكن لا يمكن تقبل موقف العملاء.

***
نقطة أخرى يتجنب السنوار التطرق إليها في روايته، كما تشير المراجعة الأولى، وهي فترة السجن نفسها.
حاول السنوار مرتين على الأقل الهروب من سجنه. في إحدى المرات، حاول الهرب بحفر ثقب في جدار زنزانته بسجن مجدل بواسطة سلك ومنشار حديدي صغير، لكن الجدار انهار لتنكشف محاولته. ثم حاول مرة أخرى الهرب من سجن الرملة، بعد أن استطاع قص القضبان الحديدية، لكنه كُشف في اللحظة الأخيرة. وتسببت هذه المحاولات في تعرضه لفترات طويلة من الحبس الانفرادي امتدت أربع سنوات. كما حُرم من الزيارات العائلية طوال 18 عامًا.
لم يكتف بهذا فقط، وإنما بدأ التخطيط من داخل السجن لعملية أكثر تعقيدًا في أواخر التسعينات. الخطة كانت تتضمن أسر جندي إسرائيلي وتهريبه إلى مصر، ثم بدء التفاوض حول إطلاق سراحه مقابل إطلاق سراح مئات السجناء الفلسطينيين، حسبما قال السنوار نفسه خلال التحقيقات معه، والتي نقلها بروفايل «ذا نيويوركر»، لكن هذه الخطة فشلت.
لكن الخطة ذاتها نجحت بعد أقل من عقد. أسرت «حماس» جنديًا إسرائيليًا يُدعى جلعاد شاليط في 2006، لتبدأ سنوات طويلة من التفاوض، انتهت في 2011 ، باستبدال شاليط بأكثر من 1000 فلسطيني، من بينهم السنوار نفسه. يوضح مصدر مقرب من «حماس» أن السنوار كان منخرطًا بنفسه في مفاوضات صفقة التبادل. وهكذا انتهت 23 عامًا من السجن كانت محورية بالنسبة للسنوار، وكذلك بالنسبة لأسطورته. خرج السنوار أخيرًا، يحمل أفكارًا كبيرة حول المقاومة ومتطلباتها.
***
لكن غزة التي خرج إليها السنوار تختلف كثيرًا عن غزة التي غادرها. غزة 2011 كانت تحت حصار بدأ قبلها بأربعة سنوات.
البداية كانت في 2005، حين قررت إسرائيل الانسحاب الأحادي من قطاع غزة دون أي تنسيق، في تحول لاستراتيجيتها من الاحتلال القائم من الداخل إلى الحصار من الخارج.
في العام التالي، قررت «حماس» الانخراط في العملية السياسية الفلسطينية بشكل واسع، لتترشح في الانتخابات التشريعية. تمكنت الحركة من تأمين أغلبية من المقاعد تسمح لها بتشكيل حكومة فلسطينية تضم تحتها مختلف الفصائل الفلسطينية.
طرحت اللحظة على الحركة أسئلة وجودية. العمل كحزب سياسي يتطلب فتح نقاشات وتقديم تنازلات، خصوصًا مع استمرار هيمنة الاحتلال الإسرائيلي وتوسع الاستيطان، وفي منطقة لا تزال تعاني من حروب الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر2001، وحسابات سياسية إقليمية معقدة لجميع الأطراف. هل يمكن العمل كحزب سياسي والحفاظ في الوقت نفسه على جناح عسكري؟
تُلخص إجابات السنوار، خلال المقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي، موقف الحركة الذي استمر لاحقًا. المقابلة جاءت بعد فوز «حماس» بالانتخابات. فيها، تمسك السنوار بموقفه: لا اعتراف بإسرائيل مهما كان الثمن. ولكنه أوضح أن يمكنهم الاتفاق مع إسرائيل على هدنة طويلة الأمد، ربما حتى تستمر لجيل قادم. لكن هذا لن يعني أبدًا اعترافهم بإسرائيل.
حين سأله الصحفي عما إذا كان هذا يعني تفكيك كتائب القسّام، الجناح العسكري للحركة؟ أجاب بوضوح أن الكتائب مستمرة طالما استمر الاحتلال. أصر الصحفي على سؤاله، مشيرًا إلى التناقض بين رجال الحزب الذي يرتدون البدلات، ورجال الحرب الذين يقومون بالتفجير. وأصر السنوار على أن هذا ليس تناقضًا: بالنسبة إليه، لم تحترم إسرائيل السياسة من قبل. الهدنة ممكنة، لكنهم لن يصبحوا أحبابًا. السياسة ممكنة، لكن السلاح سيظل موجودًا.
هذا هو التوازن الذي حاولت «حماس» الحفاظ عليه. في مقابلة مع صحفية إيطالية في 2018، عبّر السنوار عما يعنيه هذا التوازن: «أنا لا أقول أنني لن أقاتل بعد الآن. أنا أقول أنني لا أريد الحرب. أريد أن ينتهي الحصار. حين تسيرين على الشاطئ، وتنظرين إلى كل هؤلاء المراهقين هناك يتحادثون ويتساءلون عن شكل العالم على الناحية الأخرى من البحر. كيف تبدو الحياة [هناك]؟ [...] أريد لهم أن يكونوا أحرارًا».
لكن أحدًا لم يقبل بـ«حماس» الحزب بهذا التوازن. يشير طارق بقعوني، في كتابه «احتواء حماس»، إلى أن فوز الحركة تسبب في ارتباك لإدارة الرئيس الأمريكي، وقتها، جورج بوش. أمريكا كانت مشغولة بدفع فكرة الديمقراطية باعتبارها صمام أمان ضد البنية التحتية للإرهاب. والآن فازت «حماس» بالانتخابات بشكل ديمقراطي، في تصويت بدى في جانب منه كأنه تصويت عقابي ضد السلطة الفلسطينية وحركة فتح بكل الفساد الذي أصبحت تمثله.
قررت أمريكا، وإسرائيل طبعًا، أنها لن تقبل بحكومة «حماس». واستغلت السلطة الفلسطينية غياب القبول الدولي في محاولة لتجاوز الانتخابات واستعادة السيطرة على الحكومة. وبدأت مرحلة «خنق حماس»، بحسب تعبير بقعوني.
استغرق الأمر عامًا من المهاترات، قبل أن يندلع اقتتال بين حركتي فتح وحماس، الاقتتال الداخلي الأول من نوعه في فلسطين.
أثبتت الأيام سريعًا صحة وجهة نظر «حماس»: السلاح سيكون مفيدًا في بعض الأحيان. وفي حركة سريعة، تمكنت الحركة من طرد السلطة الفلسطينية وحركة فتح من غزة وبسط سيطرتها على القطاع.
أصبح الانقسام واقعًا جغرافيًا. «حماس» تسيطر على غزة، والسلطة تسيطر على الضفة الغربية. من جانبها، بدأت إسرائيل، بدعم من الولايات المتحدة، فرض حصار شامل على القطاع، حصار شاركت فيه مصر من جانبها على الحدود (وإن سمحت بهامش من الحركة غير الرسمية عبر الأنفاق).
كان الحصار خانقًا بشكل غير مسبوق. قلّصت إسرائيل بشكل كبير الطعام والمياه والوقود. في بعض الأحيان، انخفض الوقود إلى درجة أن معظم محطات الصرف الصحي توقفت عن العمل، ما تسبب في تراكم المخلفات في البحر.
وفي أواخر العام التالي، بدأت إسرائيل واحدة من أشرس حروبها على القطاع. وفشلت كل محاولات المصالحة الوطنية اللاحقة. ومع مرور الوقت، بدا أن «حماس» تتورط أكثر وأكثر في معضلتها: كل من الحزب السياسي والجناح العسكري يعاني بسبب الحصار، ولا يبدو أن هناك مخرج قريب.
كانت هذه هي غزة التي خرج إليها السنوار في 2011.

***
كان طبيعيًا أن ينتقل السنوار من قيادة الحركة داخل السجن إلى سلم قيادة الحركة. في 2012، انتخب عضوًا في مكتبها السياسي في قطاع غزة، وتولى مسؤولية الملف الأمني. وفي العام التالي، انتخب عضوًا في المكتب السياسي العام، وتولى مسؤولية الملف العسكري. وفي 2015، تولى مسؤولية ملف الأسرى الإسرائيليين لدى كتائب القسّام، والتي كان لديها أربعة أسرى إسرائيليين منذ 2014.
يقول طارق حمود، أستاذ العلوم السياسية في جامعة لوسيل بقطر والباحث في الشأن الفلسطيني، لـ«مدى مصر»، إن السنوار «لم يدخر وقتًا للراحة، ومع الأيام الأولى لخروجه من السجن كانت مهامه تتشكل، وكأنها مقاعد خالية بانتظاره. تولى مهمة ضابط الاتصال بين الجهازين العسكري والسياسي كعضو في المكتب السياسي لغزة منذ العام 2012».
في هذه اللحظة، كانت موجة الربيع العربي تنحسر، خصوصًا في مصر، بعدما أطاح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع وقتها، برئاسة محمد مرسي وحكومة الإخوان المسلمين. اشتد الحصار على قطاع غزة، وتوالت الحروب الإسرائيلية عليه في 2012 ثم 2014. وأصبح واضحًا أن الاستمرار في الوضع القائم يمثل خنقًا بطيئًا لغزة وللحركة دون مفر.
خلال هذه السنوات، استمرت الحركة في اختبار التوازن بين مسؤوليتها كفاعل سياسي يحكم غزة وبين جناحها العسكري، التوازن الذي عبر عنه السنوار في مقابلته.
على الجانب السياسي، عملت «حماس» على تحسين علاقتها مع النظام المصري الجديد برئاسة السيسي، أثمرت في 2015 عن زيارة وفد من الحركة للقاهرة، بعد شهور من تصنيف محكمة مصرية للحركة كتنظيم إرهابي. وتكررت الزيارة مرة أخرى في 2016. لكن هذا لم يغير أوضاع غزة بشكل كبير.
في المقابل، وعلى الجانب العسكري، بدأ السنوار العمل في وضع أسس رؤيته الأوضح للمقاومة وطُرقها، الرؤية التي ناقشها تفصيلًا في روايته. المقاومة، بالنسبة له، ليست مجموعة صغيرة من المسلحين. لا بد للمقاومة من طموح للتحول إلى ما يشبه الجيش الصغير.
تحت إدارته، توسعت شبكة الأنفاق تحت القطاع إلى مدينة مترامية الأطراف. وتطور مخزون السلاح كمًا وكيفًا، ليشمل عدة أنواع من الصواريخ وطائرات دون طيار، يُصنع أغلبها محليًا. وتطورت علاقة «حماس» بدول ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، وعلى رأسها إيران.
صعد السنوار درجة أخرى في سلم القيادة حين تولى، في فبراير 2017، مسؤولية المكتب السياسي للحركة في قطاع غزة. واستمرت أسطورته في التشكل. أصبح واضحًا للجميع أن السنوار يسيطر على مقاليد الأمور. لا أحد يمكنه التصرف دون موافقته.
في هذا العام، بدأت واحدة من أكثر المراحل إثارة للاهتمام في تاريخ الحركة: تجربة الانفتاح. وعلى عكس الصورة الشائعة عنه كرجل متشدد لا يقبل الموائمات، أبدى السنوار مرونة سياسية كبيرة، فاقت في بعض الأحيان كل التوقعات.
البداية كانت في الوثيقة التاريخية التي أعلنت عنها «حماس»، وثيقة المبادئ والسياسات العامة. أبدت الحركة قبولًا «مرحليًا» بدولة على حدود قبل الرابع من يونيو 1967، وأوضحت أن معركتها ضد إسرائيل ليست معركة ضد اليهود وإنما نضال من أجل التحرر من الاستعمار. وبدت الوثيقة «استجابة لمستجدات المنطقة، ومحاولة للتعامل مع التحديات التي واجهتها خلال عشرة أعوام من الحكم المنفرد في غزة».
كما اتخذ السنوار خطوة أخرى مفاجئة حين بدأ، بحسب مقال كتبه حمود، في التواصل مع محمد دحلان، الرئيس الأسبق لجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية، والمعروف بعلاقاته الوثيقة مع إسرائيل ليصبح بسببها رمزًا للعمالة وأكثر أعضاء «فتح» والسلطة الفلسطينية كرهًا بالنسبة لهم.
وفي 2018، مع بدء مسيرات العودة، وهي مسيرات سلمية بدأ سكان غزة في القيام بها بشكل مستمر طوال عامين بالقرب من الجدار العازل، أعلن السنوار أن الحركة حريصة على «عدم عسكرة الحراك» واصفًا إياه بـ«المقاومة السلمية»، وذلك في مقابلة مطولة مع قناة الجزيرة. وبدا الأمر أن الحركة تحاول استيعاب حراك عفوي شعبي. يلاحظ حمود في مقاله أن استخدام السنوار وصف «المقاومة السلمية» كان لافتًا لأنه «طالما تجنَّبَ قياديّو حماس استخدامَ كلمةِ «سِلمية» كي لا يثيروا انطباعًا سلبيًا من مواقفهم قياسًا على تجربةِ فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية. وقد كان الاستخدامُ الأكثرُ في خطابِ حماس هو «المقاومة الشعبية» أو «الشاملة»، في إشارةٍ غيرِ مباشرةٍ إلى عدمِ نفيِ المقاومة المسلحة التي لَم تُعلِنْ حماسُ أبدًا التخلّيَ عنها».
لكن إشارات المرونة المتكررة لم تؤتِ ثمارها. على العكس، أعلنت الإمارات العربية المتحدة، في 2020، تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ولحقت بها البحرين والسودان والمغرب. واستمر الحديث عن احتمال التوصل لتطبيع مماثل مع السعودية. وبدا أن العالم يتجاوز القضية الفلسطينية، تاركين غزة تحت حصارها.
يضيف مصدر فلسطيني مطلع على المفاوضات الأخيرة لـ«مدى مصر»، أن السنوار تلقى رسالة من عدد من الأسرى تتهم الحركة بالتخلي عنهم قبل عملية طوفان الأقصى.
يمكن ملاحظة تأثير كل هذا على السنوار في مقابلة مع Vice News، بعد انتهاء الاعتداء الإسرائيلي على غزة في 2021. أعلن السنوار أنهم لا يريدون الحرب، وأنهم لجأوا إلى المقاومة السلمية لكنها لم تسفر عن أي نتيجة، «ماذا نستطيع أن نفعل؟ أن نرفع الراية البيضاء؟ نحن لن نرفع الراية البيضاء. هل مطلوب منا أمام العالم أن نُقتل وأن نكون الضحية الطيبة حسنة الأخلاق التي تٍقتل دون أن يرتفع لها صوت؟ هذا غير ممكن بالمطلق. نحن قررنا أن ندافع عن شعبنا بما أوتينا من قوة»، كما قال السنوار.
بالنسبة لجميع الأطراف، لم يكن حديث السنوار سوى تكرارًا لجمل بلاغية لا تتجاوز إطلاق الصواريخ على إسرائيل (وهو ما أثار خلافًا بينه وبين عدد من قيادات الحركة حول طرق إدارته، بحسب مصدر مقرب من «حماس»). لكن هذا لم يكن هو الحال بالنسبة له. أشرف السنوار على استعدادات لم يجرؤ أحد من قبل على تخيلها. وبكل ما أوتي من قوة، أطلق مفاجأة «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر قبل عام.

***
طوال العام السابق، وأمام آلة إبادة إسرائيلية لا تتوقف، أدار السنوار معارك كتائب القسّام. قابل بنفسه بعض الأسرى في الأنفاق وحرص على الحديث إليهم بالعبرية، بعد يوم من العملية. تمكن من تضليل آلة الاستخبارات الإسرائيلية، وتعاونها مع مختلف أجهزة المخابرات حول العالم، والتي كرست العديد من الموارد للعثور عليه وقتله. نجحت إسرائيل في استهداف عدد مختلف من قادة الحركة إلا أنها فشلت تمامًا في العثور عليه.
في كل جولات مفاوضات إطلاق النار واستبدال الأسرى الإسرائيليين بأسرى فلسطينيين، كان الجميع في انتظار القرار النهائي منه. ولم يكن توليه مسؤولية المكتب السياسي لحركة حماس، في يوليو الماضي، بعد اغتيال هنية، المسؤول السابق، في طهران، سوى خطوة تمنح الأمر الواقع طبيعة رسمية.
تنوعت الآراء حول شخصيته.. عنيد، قاسي، حازم. بالنسبة للبعض، لا أحد يفهم الإسرائيليين ويمكنه التفاوض معهم مثله. بالنسبة لآخرين، امتلكه «جنون العظمة»، بحسب تعبير مصدر أمني مصري على مقربة من المفاوضات مع «حماس» لوصف حالة السنوار طوال العام الماضي.
المهم أنه أصبح واضحًا أن السنوار مسؤول عن كل شيء. وفي لحظة هزائم محلية وإقليمية متتالية، وخيبات أمل كبرى، وجد الملايين في شخص السنوار ملامح أسطورة توشك على الاكتمال. ينقصها فقط خطوة أخيرة: أن يموت.
تحدث السنوار مرارًا عن موته. خلال لقاء إعلامي في 2021، قال السنوار إنه يفضل «أن أستشهد بإف 16 أو الصواريخ على أن أموت بسبب كورونا، أو جلطة، أو حادث طريق.. أفضل أن أقتل شهيدًا».
يبدو هذا رطانة بلاغية يكررها جميع القادة والزعماء. لكن الأمر يبدو مختلفًا بالنسبة للسنوار. ينقل بروفايل «ذا نيويوركر» تقارير عن أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وليام بيرنز، قال في اجتماع مغلق إنه على الرغم من أن السنوار قلق من أن يلومه كثيرون من أهل غزة على الحرب، إلا أنه ليس قلقًا من أن يُقتل هو. ضابط في «الشين بيت» الإسرائيلي، تحدث إلى المجلة، قال إنه «من وجهة نظر [السنوار]، فإنه يعتبر نفسه صلاح الدين [الأيوبي] لهذا العصر». مواطن من غزة عرف السنوار بشكل شخصي قال لـ«مدى مصر»، إن «موته بهذا الشكل هدية لنا، ورسالة أيضًا أن حياته ليست أثمن من حيوات 41 ألف شهيد قتلهم الاحتلال حتى الآن في حرب الإبادة على غزة».
***
تمكنت إسرائيل من قتله أخيرًا، لكن بصدفة بحتة ودون أي ترتيب. المشهد الأخير بدا وكأنه جزء من فيلم ملحمي. ثلاثة جنود من دورية عادية تشتبك مع مسلحين. تعرض المسلحون للقصف، وانطلقت طائرة دون طيار تحمل كاميرا للتأكد من مقتلهم. أحدهم لا يزال حيًا. يده مقطوعة لكنه يلقى بيده الأخري قطعة خشب يحاول إصابة الطائرة بها. يتسبب هذا في قصف آخر للموقع للتأكد من مقتله. يتوجه الجنود لفحص الموقع، فيلحظ أحدهم أن أحد المسلحين يشبه إلى حد كبير زعيم «حماس».
حملوا جثته وتأكدوا باستخدام الحمض النووي أنه هو، يحيى السنوار بنفسه، يرتدى زيًا عسكريًا ويقاتل مع جنود على الجبهة حتى آخر نفس، حتى بقطعة من العصا.
تبدو الطريقة التي انتهت بها حياته ملائمة لمسيرته. تصرف السنوار كأنه يرى زاوية أوسع للتاريخ، زاوية تتجاوز ذاته وحياته. بهذه الطريقة، يمكنه استشراف موته، والتنبؤ بما سيحدث بعده. ينتظر الكثير أن يكون مقتل السنوار نهاية للحرب. لكن إذا كان في مقتله نهاية لأي شيء، ستكون فقط نهاية هذه الجولة.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن