تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
معلومات مفيدة

معلومات مفيدة

كتابة: هيثم الورداني 9 دقيقة قراءة

في آخر نصوص «الأذن الوسطى»، يدعونا هيثم الورداني إلى سماع صوتنا حين نقرأ كتابًا في التاريخ مثل «المسالك والممالك» أو آخر في الفلسفة كـ«محاورات أفلاطون»، وإذا لاحظنا سماعنا للصوت نفسه فهذا حتمًا هو صوتنا الداخلي. 

يدلنا على خبرات ومعلومات مفيدة، أبرزها كيف تختفي، والذي تطور ليكون أول إصدارات «كيف تـ»، مشروع النشر الذي أسسته مها مأمون وآلاء يونس في 2012، وهو ما ذكرته مأمون والورداني في حوارهما هنا، وللتعمق أكثر في التجربة أقرؤوا خريطة محمد عبد النبي للسمع والعصيان، وصوت إيمان مرسال، وشريط الصوت المُصاحب لحياة ياسر عبد اللطيف، وكيف تفرم الودان وفق نظرية الراحل هاني درويش، ومختارات دعاء علي من صوت الأعصاب، وشبح وائل عشري.

كيف تختفي

1- اجلس وحدك في مكان عام مثل مقهى أو حديقة أو ميدان.

2- حاول أن تنقل تركيزك من الأفكار التي تدور في ذهنك إلى أصوات المكان المحيطة بك.

3- استعرض الأصوات التي تتناهى إلى سمعك صوتًا صوتًا دون أن تولي أحدها اهتمامًا أكبر من الآخر

4- تأمل في ثنايا وتضاعيف الأصوات التي تسمعها الآن. عندما تسمع صوت متحدث عابر تأمل نبرة صوته وعمقها وليس فقط معنى كلامه. عندما تمر بك سيارة مزعجة تأمل حدة صوت محركها وما يصاحبه من طيف من الترددات. وعندما تسمع صوت جهاز راديو قادم من بعيد، لا تركز فقط على صوت المغني أو المغنية واسم الأغنية لكن حاول أن تتأمل درجة نقاء الموجة وسماع ما يصاحبها من خروشات.

5- تحاشى دائمًا أن تكوّن الأصوات هيراركية لها، وحُل دون أن يحتل بعضها الصدارة في حين يتراجع بعضها الآخر إلى الخلفية. تذكر دائمًا أن عليك أن تضع الأصوات في كليتها على مسافة واحدة منك

6- ستجد أن أهم صعوبة ستقابلك هي التركيز على الأصوات في ذاتها، فالأفكار والانطباعات والذكريات التي تثيرها هذه الأصوات لا تكف عن الاستيلاء على جزء من تركيزك مزيحة الأصوات الواقعية إلى الخلفية. حاول دائمًا أن تعود إلى الأصوات التي تنبعث في لحظتك الحاضرة، فمهمتك هي الاستماع إليها فقط، وليس التفكير في معناها.

7- بمرور الوقت ومع انغماسك فيما تسمعه ستتزايد التفاصيل الصوتية التي تكتشفها حولك، كل تفصيلة ستقودك إلى أخرى، كل صوت سيؤدي إلى صوت مجاور له، عندها ستكتشف أن صوتك الداخلي يتلاشى تدريجيًا بالمعدل نفسه الذي تنغمس به أنت في الأصوات المحيطة

8- وعندما تنجح في الاستماع إلى المكان في كليته، ستجد أن المسافة بينك وبين الأصوات قد تضاءلت، وأنك أصبحت جزءًا من المكان، وستكتشف أن لا أحد من حولك أصبح يلحظ وجودك، وأن الجميع يمرون بك دون أن يروك.

كيف تعاود الظهور

1- عُد إلى بيتك. قم بتشغيل كافة الأجهزة التي لديك. شغل المكنسة الكهربائية بأقصى قدرتها، شغل الراديو والتلفزيون بأعلى صوت لهما، شغل التكييف إذا كان لديك، شغل الغسالة الكهربية، واطلق صوت المنبه إذا توفر.

2- اجلس نصف ساعة وسط تلك الضوضاء المزعجة.

3- اترك موجات الصوت تكتسح أي فكرة أو انطباع لديك. وتأمل استحالة تركيز انتباهك على فكرة واحدة.

4- بعد مرور نصف ساعة أغلق الأجهزة تباعًا.

5- اجلس وسط الصمت الذي خلفته الضوضاء، حاول أن تسترخي. سيتناهى إلى سمعك رنين غامض بسبب الفراغ الناتج عن توقف خلخلة الهواء.

6- شيئًا فشيئًا، ستلاحظ أن ذاتك ستطفو على سطح وعيك على شكل كتل متماسكة من لحظات منسية، تمامًا ككتل الجبن التي تظهر على سطح اللبن بعد خضه. فالذات تبدأ في استعادة وحدتها بعد أن كادت أن تفقدها أمام عصف الضوضاء الخارجية. اللحظات الطافية تمر أمامك صامتة، بعضها لحظات عابرة من ماضيك فتتعرف عليها، وبعضها الآخر لا تعرف مصدرها لكنك تحدس بأنها جزء منك

كيف تستمع إلى صوتك الداخلي

1- قم بعدة جلسات قراءة.

2- في الجلسة الأولى اقرأ ما تيسر من كتاب في التاريخ. وليكن كتاب «المسالك والممالك» لابن حوقل. ولاحظ كيف تتحول الكلمات المسطورة التي تقع عليها عيناك إلى أصوات مسموعة ترن في أذنك الداخلية مباشرة. لاحظ أيضًا كيف يرتبط هذا الصوت الذي يتلو الكلمات داخلك بدرجة التركيز، فكلما زاد التركيز سمعتَ الصوت بوضوح، وكلما قل التركيز بسبب وضوح المادة المقروءة أو دخول الإرهاق تراجع هذا الصوت

3- في الجلسة الثانية اقرأ ما تيسر من كتاب في الفلسفة. وليكن «محاورات افلاطون». واسأل نفسك أثناء القراءة ما إذا كان هناك فارق بين الصوت الذي تسمعه الآن خلال القراءة، والصوت الذي سمعته من قبل في الجلسة الأولى.

4- إذا كانت إجابتك بأنه لا توجد فارق، فذلك يعني أن ذلك الصوت الذي سمعته أثناء القراءة لم يكن صوت التاريخ ولا صوت الحقيقة ولا صوت أحد مؤلفي الكتاب، وإنما الأقرب أنه كان صوتك أنت. لكن هل هذا الصوت هو صوتك الخارجي الذي تتحدث به وتسمعه عندما تتكلم؟

5- في الجلسة الثالثة اقرأ ما تيسر من ديوان شعر. وليكن ديوان صلاح عبد الصبور. انتبه للوضوح الذي يظهر عليه الصوت الآن. لاحظ كيف يتردد صداه طويلًا في أذنك، وكيف تصبح الأبيات بفضله مجسدة. اصغ إلى هذا الصوت مجددًا بعد أن ظهر واضحًا لكي تتعرف على خصائصه. ستلاحظ أن الخاصية الأولى لهذا الصوت هي أنه يشبه صوتك الخارجي لكنه لا يتطابق معه، فحالة الصوت الخارجي لا تؤثر على الصوت الداخلي، بمعنى أن صوتك الداخلي الذي يقرأ لك الكلمات لا يتأثر إذا كنت مصابًا بالزكام أو السعال أو السهاد. كما أن صوتك الداخلي لا يتطابق بالضرورة مع المرحلة العمرية التي تمر بها، فهو صوت لا عمر له، أو بالأحرى الصوت الذي قطّرته خلال سنين عمرك.

6- في الجلسة الرابعة اقرأ رواية. ولتكن «الجريمة والعقاب» لدوستويفسكي. قم بتغيير سرعة معدل القراءة. ابدأ أولًا بإبطاء معدل القراءة، توقف وقفة قصيرة بعد كل كلمة. اصغ أثناء القراءة لصوت الكلمات داخلك. لاحظ كيف يبدو الصوت واضحًا. ثم قم بزيادة السرعة حتى تكاد عيناك تعجز عن التقاط الكلمات. لاحظ كيف يتقطع الصوت. لكنك ستكتشف أن الصوت في الحالتين لم تتغير نبرته، لم يكسبه البطء غلظة ولم تكسبه السرعة حدة كما هو معتاد في شرائط الكاسيت المسجلة. وهذه هي الخاصية الثانية لهذا الصوت وهي أنه جوهر فريد لا يغير طبيعته.

7- اترك الرواية جانبًا واسترجع أحداثها، ستجد أن الصوت الذي يسترجع الأحداث والمواقف هو الصوت نفسه الذي سمعته وأنت تقرأ، رغم أنه قد لا يستخدم الكلمات نفسها الواردة في الرواية وإنما يستخدم مفرداتك الخاصة وترتيبك الخاص للأحداث. استأنف القراءة ولاحظ الآن أن تطابق الصوت الذي تسمعه داخلك وأنت تقرأ مع الصوت الذي تسمعه داخلك وأنت تفكر يعني أن صوتك الداخلي -أقرب الأصوات إليك والصوت الذي تعلن من خلاله ذاتك عن نفسها- ينطق بأفكار ومشاعر وذكريات لا تخصك، وإنما تخص الكاتب. ثم تأمل في حقيقة أن تلك الأفكار والمشاعر والذكريات المتضمنة في صوت الكاتب والتي تجري على لسانك الآن هي بدورها تخص أناسًا آخرين. تأمل حقيقة أن صوتك الداخلي في هذه اللحظة إذن ليس سوى أصوات الآخرين وقد أصبحت جزءًا منك، فكل هذه الأفكار والمشاعر والكلمات الخارجية التي لم يمر بها جسدك قد انتقلت الآن إلى داخلك وامتزجت به. وهذه هي الخاصية الثالثة والأخيرة لهذا الصوت، فصوتك الداخلي ما هو سوى صوت الخارج يتردد داخلك بعد أن اكتسب نبرتك الخاصة.

كيف تنضم إلى جماعة

1- اختر مجموعة من الأماكن العامة للجلوس فيها أثناء اليوم، كمقهى أو صالة انتظار

2- خصص لكل مكان ساعة واحدة على الأكثر.

3- عندما تدخل مكانًا لاحظ التغير الطفيف في الأصوات الذي يطرأ بسبب انتباه الحاضرين لدخولك، وهو تغير قد يتضمن انخفاضًا في مستوى الصوت، أو توقفًا مفاجئًا لبعض الأحاديث. درجة التغير تعتمد على المكان الذي دخلته، فكلما اتسع المكان قلت حدة التغير. فإذا دخلت محطة قطارات مثلًا ستجد أن التغير الصوتي الذي يصاحب وصولك لا يكاد يُلحظ، أما إذا دخلت مقهى يجلس فيه رواد قلائل فسيكون التغير واضحًا

4- راقب التوتر الخفيف الذي أخذ يلف المكان جراء جلوسك صامتًا خاصة إذا كان جميع من فيه منهمكًا في الكلام. وراقب افتقادك إلى الألفة مع المكان خاصة إذا كنت تجلس فيه لأول مرة.

5- بإمكانك الآن استخدام صمتك لقياس تجانس الجماعة التي تحيط بك. فإذا كانت جماعة متماسكة تجمع أفرادها رابطة مشتركة فسيرتابون في صمتك، بل قد يصبح مخيفًا ويُفهم على أنه خروج على الجماعة واستعلاء عليها. أما إذا كانت جماعة هشة تتكون من أفراد متناثرين فسيكون صمتك مهملًا وغير لافت.

6- تمسك بصمتك في كلتا الحالتين وانتظر

7- بعد مرور بعض الوقت، طوله أو قصره يعتمد على طبيعة الجماعة، سيعود المجال الصوتي إلى طبيعته المستقرة. ركز انتباهك على الأحاديث التي تسمعها الآن بشكل عشوائي وأنت تجلس صامتًا. لاحظ التجاور الصوتي بينها، فكل حديث دائر يستند صوتيًا على الحديث الذي يجاوره، كأنه يستأنس بحضوره أو يطمئن إليه. تأمل كيف تتجاور الأحاديث الدائرة دون أن تطغى أو تقاطع بعضها وإنما تنخرط في علاقة أشبه بالجيرة المكانية، فالمتحدثون يعرفون أن بإمكان جيرانهم الاستماع إلى ما يقولونه لكن ذلك لا يجعلهم يهمسون أو يمتنعون عن الخوض أحيانًا في أحاديث خاصة، طالما تناهى إلى أسماعهم هم أيضًا همهمة الأحاديث الأخرى المجاورة.

8-توقف قليلًا عند هذه الجيرة الصوتية التي تجلس الآن في حضرتها، واترك نفسك تتشبع بها، عندها ستكتشف فورًا أنك لم تعد خارجها، وأن تعاطفًا مبهمًا انتجه توافقك مع الجماعة المحيطة بدأ يتسرب إليك.

9-عليك الآن التمييز بين نوعين من التعاطف وفقًا لنوعية الجماعة المحيطة. النوع الأول يعود إلى قبول الجماعة المتماسكة لموقعك على هامشها، وتحول صمتك من ثقب أسود يبتلع كل حديث إلى بوابة تمر عبرها تيارات كلام الآخرين. والنوع الثاني يعود إلى رجوعك إلى نفسك وسط الجماعة الهشة، واتساع بحيرة صمتك بعد أن وجدت مكانًا لها.

10- إذا لم تشعر بأي تعاطف فلا بأس، احتفظ بصمتك وانتظر. فذلك أيضًا أحد طرق الارتباط بالجماعة ارتباط بالإكراه.

11- سواء شعرت بالتعاطف أم لم تشعر انهض بعد ساعة وكرر التجربة في مكان آخر.

كيف تخرج على جماعة

1- اخرج من بيتك وقم بتمشية في شوارع المدينة المزدحمة بدون هدف.

2- سر متحللًا من كل ما مررت به في يومك، والتقط بأذنيك ما يدور حولك.

3- اصغ إلى الذرات الصوتية التي تغمرك أثناء سيرك: صرخات البوّابين، صيحات البيّاعين، قرآن البقالين، فحيح الخبّازين، صليل فناجين القهوجية، معاول العمال، وقع أحذية الجنود، هدير سائقي النقل العام، نفثات موتسيكلات الطيّارين، أغاني سائقي الميكروباص، زمجرات سيارات الجيب الحديثة، سرينة الشرطة، دوي أفراح التجار، رنات موبايلات الشباب، صخب المشترين، طلقات رصاص المجرمين، نُباح الكلاب.  

4- راقب الهياكل والطبقات الاجتماعية وهي تتطاحن حتى تنحل إلى جزيئات دقيقة تسبح في لاوعي المدينة.

5- حاول أن تصل تيارات لاوعي المدينة بتيارات لاوعيك أنت.

6- سينشأ عن ذلك محرك غريب الأطوار.

7- راقب كيف يدور هذا المحرك بخشونة دورات غير منتظمة

8- اكمل سيرك وأنت تلاحظ كيف تصل المدينة إلى حافتها أثناء دوران هذا المحرك وتبدأ في الهذيان. هذيان يتمدد في كافة الاتجاهات ويشمل كافة العصور. مع كل دورة محرك يتداخل عصر في عصر آخر، وينزاح موقعك فيها من طرف لآخر. لاحظ أنك لم تعد مراقبًا لهذا الهذيان الواسع وإنما في قلبه.

9- أنت الآن عبد آبق. أنت الآن سيد آمر. أنت الآن كلب شارد. أنت الآن طير مجنح.  

10- لن تستطيع ملاحظة متى خفت صوت المحرك، ولا كيف تجلطت طبقات هذا الهذيان. لكنك ستلاحظ بعد لحظتين أو دقيقتين أو ساعتين أنك بحاجة للجلوس لالتقاط أنفاسك، وأن الذرات تنتظم على شكل جمل، والجمل تشق طريقها إلى لسانك، ولسانك يسأل عن الطريق.

11- وعندما يهمد المحرك تمامًا، تكون قد عدت إلى يومك الذي يطل على حياتك التي تطل على تاريخ المدينة

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن