في أحد شوارع حي عابدين الضيقة، تجمع ٢٠٠ شاب بالأمس تحت منزل، تُزين شرفته لافتة من اللونين الأحمر والأصفر، تنتصفها كلمة "جيكا".
وقف أحد الشباب على الشرفة يلوح بعلم يحمل صورة جابر صلاح الذي فارق الحياة في ربيعه السابع عشر، المعروف بجيكا، الذي قتل خلال اشتباكات مع الشرطة العام الماضي، بينما هتف الجَمْع "اأوعى تنسي و خليك فاكر.. الداخلية قتلت جابر".
في الذكرى الثانية لأحداث محمد محمود، بدأت عملية توظيف لذكرى الأحداث من قبل القوى السياسية المختلفة، تخلق صورة بعيدة عن ما جرى في الواقع.
بالنسبة لمن شاركوا في المعركة الدموية التي اندلعت بين الشرطة و المتظاهرين بعد أشهر قليلة من رحيل حسني مبارك عن الحكم في ٢٠١١، هم لا ينعون فقط زملاءهم الذين سقطوا، ولكنهم ينعون أيضاً تشويه ذكرى المعركة التي مات من أجلها أكثر من خمسين شخص.
بدأت المعركة التي جرت أحداثها تحت حكم المجلس العسكري يوم ١٩ نوفمبر ٢٠١١، عندما هاجمت قوات الشرطة اعتصام محدود لمصابي الثورة، يطالبون فيه بالحقوق التي وعدتهم بها الدولة.
هرع الآلاف إلى نجدة مصابي الثورة، وتصاعدت المعركة إلى خمسة أيام من الاشتباكات العنيفة التي تمركزت في شارع محمد محمود. استخدمت الأجهزة الأمنية الرصاص الحي والخرطوش والغاز المسيل للدموع على المتظاهرين. الإخوان المسلمون الذين كانوا مشغولين بالانتخابات الوشيكة تجاهلوا المعركة.
برغم طبيعة الاشتباكات العنيفة و التي بدت غير مسيسة، إلا أن الكثير يعطونها الفضل في تسريع عملية نقل السلطة من المجلس العسكري إلى حاكم مدني. البعض يعتبرونها لحظة انتصار ثوري نَدُر حدوث مثلها.
في نوفمبر ٢٠١٢، قتل جيكا في الاشتباكات التي اندلعت مجدداً بين المتظاهرين والشرطة تحت حكم الإخوان المسلمين في الذكرى الأولى للأحداث الأصلية.
في ذكرى الأحداث هذا العام أصدرت وزارة الداخلية بياناً تحيي فيه ضحايا محمد محمود. بمزيج من الغضب والسخرية، شبّه البعض تلك المفارقة بأن يصدر أدولف هيتلر بياناً يحيي فيه ضحايا الهولوكوست.
كما دشنت الحكومة الحالية الموالية للجيش يوم الإثنين نصباً تذكارياً في ميدان التحرير ينعي شهداء الثورة، إلا أن المتظاهرين شوهوا وحطموه النصب بعد ساعات قليلة.
بالرغم من أن الأحداث الأصلية وقعت تحت الحكم العسكري، إلا أن ناصر رفاعي، العضو في حملة "كمل جميلك"، والتي تهدف إلى إقناع الفريق عبد الفتاح السيسي بالترشح للرئاسة، لا يرى تناقضاً بين إحياء ذكرى الأحداث وبين دعم الجيش.
يقول رفاعي "نحن موجودون بشكل أساسي في فعاليات اليوم. نحن من دعونا إلى النزول لإحياء ذكرى الشهداء من الجيش والشرطة والشعب، ودعم القوات المسلحة".
رفاعي يتهم الإخوان بإشاعة معلومات كاذبة عن استخدام الجيش للعنف ضد المتظاهرين في محمد محمود. كما أنه يُحمل الإخوان، وآخرين ممن يقول هو أن لهم مصلحة في زعزعة استقرار البلد، مسئولية الاشتباكات الدامية.
استكمالاً للزج بذكرى محمد محمود في الخصومة السياسية الحالية بين القوات المسلحة والإخوان المسلمين، كان للتحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، والذي يتكون من الإخوان المسلمين وآخرين رافضين لرحيل محمد مرسي عن السلطة، أيضاً يحاول توظيف ذكرى ذلك اليوم. أصدر الائتلاف بيان يربط بين حملة القمع التي يعاني منها الاخوان حالياً، وبين العنف الذي مورِس ضد المتظاهرين في أحداث محمد محمود.
كان في حديث التحالف عن ذكرى الأحداث تمجيد وتعاطف يتناقضان مع موقف الجماعة آنذاك. آنذاك، حملت الجماعة المتظاهرين مسئولية العنف ولم تدين تجاوزات القوات الأمنية.
أعلن التحالف مشاركته في المظاهرات في ذكرى الأحداث وتنظيمه وقفات عند منازل الضحايا.
كان أغلب المتواجدين على الأرض وقت الأحداث بعيدين عن السياسة من الشباب صغير السن، الذين واجهوا اتهامات بالبلطجة بسبب مظهرهم الغير مهندم، والذين انتهجوا العداء للسياسيين الذين ظلوا مشغولين بحساب مصالحهم، بينما كان الشباب يقتل في الشوارع.
كذلك، كان المتواجدون في عابدين لإحياء ذكرى جيكا من الشباب الصغير، الذين يرتدون "الجينز" الزائلة ألوانه من كثرة الاستعمال، والكنزة ذات غطاء الرأس.
في أثناء المسيرة إلى ميدان عابدين، تركزت الهتافات على فكرة التذكر، وكأنهم يحاولون الحفاظ على ذكرى الأحداث من تشويش الأطراف المختلفة على حقائقها. هتف المتظاهرون بأسماء القتلى، وعددوا الاشتباكات المميتة التي وقعت تحت حكم الجيش والإخوان المسلمين. هتف المتظاهرون بالحقائق وهم يرددون "أوعى تنسى وخليك فاكر".
تقول الناشطة نازلي حسين التي شاركت في إحياء ذكرى الأحداث في عابدين "محمد محمود هو بطولتنا وغدر كل الاطراف الأخرى، إنها معركتنا التي لن يستطيع أحد أن يمحيها حتى إذا كانت كل المكاسب التي حققتها ذهبت هباءاً مثل سابقاتها".
بالنسبة لها ولآخرين، محمد محود يمثل خيانة الجيش والشرطة والإخوان المسلمين للثورة.
في خلال الأحداث، ظهرت بعض أقوى الشواهد على وحشية الشرطة المدنية والعسكرية.
العدد الكبير من إصابات العيون في هذه الأحداث خاصة، أدت إلى استنتاج أن القوات تستهدف العيون. ظهر فيديو لأحد الضباط وهو يطلق الرصاص ثم يهنئه أحد أفراد الشرطة المحيطين به لإصابته عين المتظاهر بالعبارة التي أصبحت تستخدم كرمز لبطش الشرطة "جدع يا باشا".
كما ظهرت صور قاسية لأفراد من الشرطة العسكرية، يجرون أجسام القتلى من المتظاهرين ويلقونها وسط القمامة.
واجهت جماعة الاخوان انتقادات لامتناعها عن المشاركة في الاشتباكات، ولتقبلها لعنف القوات الأمنية بينما استمرت في الاستعداد للانتخابات التي فازت بها باكتساح.
تقول نازلي "لقد سرقوا أحلامنا ولم يبق لنا إلا ذكرياتنا، إلا أنهم يحاولون سرقتها أيضاً. هناك خطة ممنهجة جداً لتزييف التاريخ وخلق رواية مختلفة وفرضها على الناس".
بالنسبة للمشاركين في الأحداث، يحمل محمد محمود أهمية فريدة عن غيره من الأحداث، ولذلك فتشويه ذكراه له غصة زائدة.
تقول نازلي إن معركة محمد محمود هي المعركة التي شهدت مواجهة حقيقية وقوية بين الثوار والدولة في الشارع، استطاع فيها الثوار التصدي لقوات الأمن. و تضيف نازلي أن المعركة شهدت بطولات كثيرة، منها الشباب الذي استخدم الدراجات البخارية لإنقاذ المصابين من الصفوف الأولى، ونقلهم إلى المستشفى الميداني. "هذه البطولات اكتسبت دلالة أقوى عندما هجرت كل الأطراف الأخرى أرض المعركة".
يقول محمد، متظاهر آخر شارك في أحداث محمد محمود الأصلية تواجد في عابدين لإحياء ذكرى جيكا، أنه يعتبر المجموعة التي شاركت في هذه المعركة و تجتمع كل سنة لإحياء ذكراها هم "النخبة الثورية."
يعتبر محمد أن هذه المجموعة أثبتت تمسكها بطريق الثورة حتى عندما تخلى عنها الجميع، و أثبتوا أنهم ثابتون على مبادئهم.
يقول محمد "حتى إذا توقفنا عن النزول إلى الشوارع طوال السنة، سوف نستمر دائماً في النزول في هذا اليوم. ذكرى محمد محمود مقدسة بالنسبة لنا".
بينما يهتف أمام منزل جيكا، يقول محمد أن جميع الاحتفالات والفعاليات التي ينظمها أي أحد، في هذا اليوم، غير زملاؤه في المعركة لا تخصه في شيء.
يضيف محمد "هذا ليس احتفال ولا إحياء ذكرى، أنا أنزل إلى الشارع في هذا اليوم كل عام لأطالب بحقوق من ماتوا ومن فقدوا أعينهم. لن نتوقف أبداً عن رفع هذا المطلب".
بالرغم من أن ذكريات هذه المعركة مازالت حية في ذاكرة هذه المجموعة، إلا أن القلق اعترى البعض تجاه الصورة التي يتم خلقها عن الأحداث عند الآخرين.
تقول نازلي "لقد كنت أعتقد أنه من المستحيل أن ينجحوا في تزييف الحقيقة، إلا أن الناس الآن يريدون تصديق القصة المختلقة بشدة، لدرجة أن هذا أصبح ممكناً".
تقارير ذات صلة
تجاهل «الترميم» يقتل أسرة سكندرية تحت سقف «الإيجار القديم»
بعض المُلاك يتعمدون ترك العقارات تتدهور
خُبز غزة المحاصر بين غياب الدقيق والفكة والسوق السوداء
مواطنون في غزة يبيتون في الطوابير لضمان لقمة العيش
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن