كشفت وزارة الخارجية الأمريكية عن آلاف الرسائل الاليكترونية لهيلاري كلينتون وقت أن كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية، ونشرت أحدث مجموعة منها عشية رأس السنة الجديدة. كان جل الاهتمام في الولايات المتحدة الأمريكية موجها للمراسلات الخاصة بهجوم 2012 على القنصلية الأمريكية في بنغازي إضافة الى النميمة السياسية وسوء التعامل مع المعلومات السرية.
ولكن مجموعة المراسلات الحديثة تشمل أيضاً معلومات حول دور الولايات المتحدة في مصر. ورغم أن المراسلات المنشورة ليست جاهزة تماما بعد للبحث، إلا أن ما يلي بعض أبرز ما ورد في أكثر من 60 وثيقة موسومة "مصر" أو "القاهرة".
هل تتذكرون الفيديو الذي التقط لإحدى سيارات السفارة الأمريكية تدهس المتظاهرين يوم 28 يناير 2011، وذكرت الولايات المتحدة وقتها أن السيارة مسروقة؟ على الأرجح لم يكونوا يكذبون.
المراسلات الصادرة عن السفارة الأمريكية يوم 28 يناير تذكر أن 23 سيارة مملوكة للحكومة الأمريكية سُرقت من "موقف السيارات البولندي" الذي يقع حوالي 100 متر شمال مبنى السفارة الرئيسي.
يوم 29 يناير ورد في أحد الايميلات المرسلة من السفارة أنه تم تحديد مكان 18 من السيارات الثلاثة والعشرين، وأن إحدى السيارات المصفحة قيل إنها شاركت في حادث نجم عنه مقتل ما بين ثلاث الى ست ضباط شرطة. كما وُجدت سيارة أخرى على الكورنيش، وتعرض أحد رجال أمن السفارة الى مطاردة "بواسطة مجموعة تحمل السيوف والخناجر" حين حاول استرجاع لوحة الأرقام الدبلوماسية الخاصة بالسيارة.
أمد سيدني بلومنتال كلينتون بمعلومات مثيرة- وإن كانت محل شك- بشان المفاوضات بين حسني مبارك والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
حصلت اللجنة الأمريكية المنوط بها التحقيق في هجوم بنغازي على عدد من الرسائل المرسلة الى كينتون بواسطة الصحفي والمعاون السياسي السابق والحليف طويل المدى سيدني بلومنتال.
كذلك أرسل بلومنتال بعض المعلومات بشأن الوضع في مصر والتي وصفها بأنها نقلا "عن مصادر ذات صلات ممتازة بما يحدث على الأرض في مصر".
في إحدى الرسائل الموجهة الى معاونها جاكوب ساليفان تقول كلينتون إن "مصادر بلومنتال كلها في سن المعاش الا انهم لازالوا على صلة برجال المخابرات."
من الواضح أن تلك معلومات يجب ان تؤخذ ببعض من الشك. فقد رأى كبار الدبلوماسيين، بحسب ما قيل، أن مراسلات بلومنتال "لا يمكن الاعتماد عليها"، ذلك أنه في تقاريره عن مصر ارتكب أخطاء جوهرية مثل الاشارة الى محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة وقتها، باسم "ططاوي". كذلك كان بلومنتال ومصادره مخطئين بشأن احتمال أن يجبر الجيش مبارك على التنازل عن منصبه. مع ذلك تظل تلك المراسلات مستحقة للقراءة.
بلومنتال وأصدقاء حول "موقعة الجمل"
في إيميل بتاريخ 4 فبراير 2011 نقل بلومنتال معلومات إلى كلينتون نقلا عن مساعده تايلر درامهيللر، الذي كان وقتها مستشارا خاصا بعد خدمة 25 عاما في المخابرات المركزية الأمريكية.
فيما يبدو أنها اشارة إلى "موقعة الجمل" يوم 2 فبراير، كتب بلومنتال: "لقد مُنح بلطجية مبارك فرصة واحدة يبدو أنها أهدرت وعلى الأرجح لن يتم تكرارها. لم يتوقع الجيش أن تتجمع جماهير حاشدة في القاهرة يوم الجمعة. تلك كانت نقطة فاصلة. الجيش لن يجبر مبارك على التنحي. الحديث عن قطع المعونة في مجلس الشيوخ الأمريكي تسبب في بعض الخوف بين الموظفين العموميين."
كذلك عبر بلومنتال عن رأيه الخاص بأنه على السلطات المصرية أن تشجع تكوين الأحزاب السياسية تحضيرا للانتخابات الانتقالية، حيث توقع أن يعلن الجيش عن دعمه لانتخابات نزيهة.
"ما وراء خطاب مبارك"
يوم 10 فبراير ألقى مبارك خطابا كان المتوقع أن يعلن فيه عن تنحيه وتسليم السلطة لنائبه عمر سليمان أو طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة. بدلا من ذلك، أعلن مبارك أنه ينتوي البقاء في السلطة الى حين عقد الانتخابات في سبتمبر.
في نفس اليوم كرر بلومنتال إرسال إيميل الى كلينتون يحمل "أحدث المعلومات" من مصادره.
في هذا الإيميل ادعى بلومنتال أن خطاب مبارك تأخر نتيجة صراع بين الرئيس والمجلس الأعلى للقوات المسلحة والإصرار على نقل السلطة الى عمر سليمان. بحسب بلومنتال اعترضت القيادات العسكرية بما في ذلك طنطاوي وحسن الرويني، قائد منطقة القاهرة، على نقل السلطة إلى سليمان- الحليف المقرب من مبارك ذي الخلفية في القوات الجوية والمخابرات- بينما أرادوا نقل السلطة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
كتب بلومنتال "بالأساس يرغب هؤلاء القادة في الحفاظ على المؤسسة وسمعة الجيش. إنهم يرغبون في تجنب إراقة الدماء ويميلون إلى رفع حالة الطوارئ".
خلال ذلك قيل إن رئيس الأركان سامي عنان كان مستعدا لقبول سليمان، إلا أنه أكد على أنه "لا يجب ان يعتمد مبارك على أن الجيش سوف يطلق النيران على المتظاهرين لأي فترة ممتدة من الزمن."
بحسب مصادر بلومنتال كان عنان يعتقد "أن مبارك لا يرغب أن يُجبر على القول بأنه رضخ للضغوط" كذلك قيل إن عنان كان يخشى في حال ظل الوضع هشا "أن يضطر الجيش الى التحرك لإزاحة مبارك، وهي الخطوة التي لم يرغب في الاضطرار الى اتخاذها."
في اليوم التالي جاء رد كلينتون "مفهوم – مفيد جدا. شكرا".
بلومنتال عن تنحي مبارك في النهاية
في إفادة بتاريخ 11 فبراير يقدم بلومنتال تقريرا عما سمعه بشأن المفاوضات حول تسليم مبارك السلطة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
تستحق الرسالة المعنونة "ما حدث بالفعل وما يجب أن يحدث الآن" أن تُقرأ كاملة، إلا أن أهم ما ورد فيها: ادعاء بلومنتال أن قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة أمضوا يوم 10 فبراير في محاولة إقناع مبارك أن يسلمهم السلطة. وبحسب ما قيل، كانت هذا النقاشات "حادة ودارت حول رغبة مبارك الرحيل بكرامة وضمان أن أي حكومة جديدة لن تستولى على ممتلكاته وأمواله الخاصة."
كما ذكرت مصادر بلومنتال أن عنان "أكد لمبارك أن الملك عبد الله ملك السعودية سوف يضمن ثروة شخصية ضخمة لمبارك حتى إذا قررت البنوك الأجنبية تجميد حساباته الشخصية."
بحسب المعلومات التي حصل عليها، تنبأ بلومنتال أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سوف يشكل الحكومة الانتقالية وأنه "على الأرجح سوف يرغب في الحفاظ قدر الامكان على الأجهزة البيروقراطية للحزب الوطني الحاكم مع ادراج بعض عناصر المعارضة لإدارة الفترة الانتقالية". كما كان واثقا بأن الجيش سوف يقبل بالحفاظ على دوره "كضامن للديمقراطية" مع بقائه في الثكنات وتجنبه لأي تدخل مباشر في السياسة. ويختم رسالته قائلا "الجنرالات لا يرغبون في ادارة البلاد، خاصة بعد تجربة مبارك."
... وبعض الأمور المثيرة بشأن ليبيا
في إفادة بتاريخ 8 أبريل يدعي بلومنتال إن بحوزته معلومات عن دور مصر في الصراع في ليبيا "من مصدر له صلات ممتازة بالمستويات العليا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة."
"قال مصدر له صلات ممتازة مع أعلى المستويات في المجلس الأعلى للقوات المسلحة إن الجيش المصري وجه جل انتباهه الى الأزمة في ليبا. في العادة تتمتع مصر بتأثير قوي في برقة في الاقليم الشرقي في ليبيا وتنتهز الآن فرصة الأزمة الحالية في ليبيا لاستعادة هذا الدور. بغض النظر عن بقاء معمر القذافي في السلطة من عدمه، سوف يمنح الانقسام السياسي في ليبيا مصر الفرصة لملء ذلك الفراغ في الشرق. وذكر مصدر دبلوماسي بارز أنه منذ الأيام الأولى للأزمة الليبية كانت الحكومة المصرية تدعم بهدوء قوات المعارضة الليبية من خلال التدريب والتسليح والغذاء والمعونات الطبية في نفس الوقت الذي تسعى فيه الى تنظيم هيكل سياسي ما في الشرق. كذلك تشارك القوات الخاصة المصرية مع قوات المتمردين في القطاع الشرقي من ليبا. كما ذكر كبار القيادات العسكريين المصريين في حوارات خاصة أن تلك القوات مسئولة عن الكثير من نجاحات المتمردين القتالية."
بجسب بلومنتال، كان لمصر عدد من الأهداف في ليبيا، من بينها: تجنب أزمة لاجئين؛ وضمان أن يكون النظام الجديد أكثر انفتاحا على استقبال عمال مصريين؛ و"متابعة دقيقة لتحركات الجهاديين في شرق ليبيا"، والإتاحة المباشرة أو غير المباشرة لموارد الطاقة في ليبيا، وتعزيز منزلة مصر الاقليمية.
يبدو أن السفارة الأمريكية تعتمد على التليفزيون وشبكة من "مصادر المعارضة" للحصول على الأخبار
على حين أمد بلومنتال كلينتون بمعلومات ادعى أن مصدرها مفاوضات الغرف المغلقة، بدا وكأن السفارة الأمريكية في القاهرة تعتمد بشدة على تقارير الاعلام ومتابعات موظفيها في التجمعات السكنية حول المدينة وشبكة من "الصلات بالمعارضة" – إلا أن المتابعات غير السرية التي أرسلتها السفارة إلى كلينتون لا تعطي صورة كاملة عن الاستراتيجية الدبلوماسية للولايات المتحدة أو المعلومات المخابراتية المتوافرة لديها.
تقارير متابعة الموقف التي ارسلتها السفارة خلال الثورة تشير في أكثر من موضع إلى مناقشات مع "مصادر في المعارضة" و"نشطاء حقوق إنسان بارزين" و"نشطاء قدامى" بما في ذلك في الجمعية الوطنية للتغيير التي أسسها محمد البرادعي.
على العكس من ذلك، لا تشير المراسلات التي تم الكشف عنها إلى أن السفارة كانت لديها أي اتصالات مباشرة مع الإخوان المسلمين. يشير تقرير المتابعة المرسل يوم 29 يناير فقط إلى مصادر لها "علاقات قريبة من الإخوان المسلمين". كذلك حصلت كلينتون على إيميل مرسل من الباحث شادي حميد، بعنوان "ماذا بعد بالنسبة للاخوان المسلمين؟". في الرسالة الموجهة أصلا إلى الدبلوماسي السابق مارتن اينديك- مدير مركز بروكينجز الذي يعمل فيه حميد- يقول حميد إنه التقى بأعضاء من الإخوان المسلمين وإن رسالتهم كانت "لا نريد الحكم تحت أي ظرف من الظروف". وأضاف حميد أن "المجموعة أقرب الى الحركة الدينية أكثر منها الى الحزب السياسي".
مع وصوله إلى السلطة تمنى مرسي أن تتدخل الولايات المتحدة لدى صندوق النقد الدولي نيابة عن مصر
أرسل روبرت هورماتس، مساعد وزير الخارجية للنمو الاقتصادي، في عام 2013 إيميلاً مملاً بعض الشيء بحيث لن نجده على الأرجح ضمن أهم الوثائق التي صدرت في ديسمبر، إلا فيما يخص تركيز الإعلام المصري عليه باعتباره دليلا على دعم كينتون للرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين. (ملحوظة: قد تجدر الاشارة إلى أن هذا الإيميل كان على رأس قائمة الرسائل المُفصح عنها في ديسمبر، ويحمل عنوان "مصر" ما يبعث على افتراض أن الصحف المصرية وجدته وأبرزته لهذا السبب. انظر https://foia.state.gov/Search/Results.aspx?collection=Clinton_Email_December_Release]
جاء هذا الإيميل في وقت كانت حكومة مرسي فيه تسعى إلى الحصول على قرض بقيمة 4.8 بليون دولار امريكي من صندوق النذد الدولي. أهم ما ورد في تقارير هورماتس هو أنه أثناء الاجتماعات مع المسئولين الأمريكيين افتقر ممثلو مرسي إلى الوضوح بشأن خطط الإصلاح التي تنتوي مصر تقديمها الى الصندوق، بل طلبوا من الولايات المتحدة الأمريكية الضغط على الصندوق "لإتمام الصفقة في المستقبل القريب".
يقول هورماتس أنه أخبر نظراءه المصريين أن الولايات المتحدة لم يحدث أبدا أن تدخلت في تفاصيل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، لكنه وافق على الاتصال بصندوق النقد ونقل تقديره بشأن إلحاح الوضع. ثم يوضح هورماتس أنه اتصل لاحقا بصندوق النقد الدولي وتحدث مع مسعود أحمد، رئيس وحدة الشرق الأوسط في الصندوق الذي "وافق على أن الوضع ملح".
وفي ختام رسالته أخبر هورماتس كلينتون أن صندوق النقد الدولي ينتظر حزمة إصلاحات من القاهرة وأنه سوف يرسل بعدها فريقا من الصندوق لبدء المفاوضات.
تقارير ذات صلة
تجاهل «الترميم» يقتل أسرة سكندرية تحت سقف «الإيجار القديم»
بعض المُلاك يتعمدون ترك العقارات تتدهور
خُبز غزة المحاصر بين غياب الدقيق والفكة والسوق السوداء
مواطنون في غزة يبيتون في الطوابير لضمان لقمة العيش
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن