مصر تفوز بقيادة «اليونسكو».. ما قبل وما بعد خالد العناني
انتخبت الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو، مساء الاثنين الماضي، المصري خالد العناني، وزير السياحة والآثار السابق، مديرًا تنفيذيًا للمنظمة الأممية للتربية والعلوم والثقافة، التابعة للأمم المتحدة، وسط زخم مصري كبير.
جاء انتخاب العناني تتويجًا لحملة انتخابية مكثفة استمرت عامين، وتمثل امتدادًا لمحاولات مصرية سابقة لنيل هذا المنصب، لما له من ثقل وتأثير دولي.
غير أن هذا الفوز أثار تساؤلات في أوساط خبراء الحفاظ على التراث، الذين استحضروا سجل العناني خلال توليه وزارة الآثار بين عامي 2016 و2022، حين هددت مشروعات التنمية الحضرية والبنية التحتية التي قادتها الدولة مواقع تاريخية في أنحاء مصر. فيما يتولى العناني منصبه الجديد في وقت تراجعت فيه قدرة المنظمات الدولية، بما فيها «اليونسكو»، على ممارسة الضغط على صناع القرار في الدول، في قضايا الثقافة والتراث، فضلًا عن النزاعات التي تمس الحياة والموت.
***
يأتي العناني ضمن سلسلة من المسؤولين المصريين الذين سعوا إلى الارتقاء بمسيرتهم المهنية من المناصب المحلية إلى الساحة الدولية عبر بوابة «اليونسكو»، فقد سبقته ثلاث محاولات مماثلة، حسبما قال مصدر شارك في حملات المرشحين المصريين السابقين، لـ«مدى مصر»، كانت اثنتان من تلك المحاولات في عهد الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، الأولى عبر المدير المؤسس لمكتبة الإسكندرية، إسماعيل سراج الدين، والثانية عبر وزير الثقافة الأسبق، فاروق حسني، الذي كان أول مرشح يحظى بدعم رسمي من الدولة. وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خاضت الرئيسة السابقة للمجلس القومي لحقوق الإنسان، مشيرة خطّاب، السباق ذاته، أيضًا بدعم من الدولة.
«إنه لشرف عظيم لأي شخص، ولأي دولة، أن تحظى بهذا المنصب الرفيع، وبالطبع، تأتي أهمية الأمر من عدم انتخاب أي مصري من قبل. إنه أمر عظيم»، قالت أستاذة علم المصريات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، سليمة إكرام، لـ«مدى مصر».
يُنظر إلى فوز العناني بوصفه تعزيزًا طال انتظاره للتمثيل الإقليمي داخل المنظمة التي تأسست ضمن جهد غربي لبناء توافق دولي في أعقاب الحروب العالمية.
قال رئيس هيئة مراقبة التراث العالمي والخبير في شؤون «اليونسكو»، ستيفن دومبكي، إن «هناك شعورًا عامًا داخل دوائر اليونسكو بأن الدول العربية تعرضت لتجاهل، بلغ حد الإهانة»، مضيفًا أن «الأمر تفاقم في الوقت الراهن بسبب الحرب في غزة، التي تسببت في تدمير التراث الثقافي»، وهي النقطة التي أكدتها إكرام، مُشيرة إلى أن «المنصب شغله أفارقة، لكن لم يشغله أبدًا أحد من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لذا يُعد فوز العناني انتصارًا كبيرًا».
جاء فوز العناني تتويجًا لجولة انتخابية استمرت عامين، شملت سفره إلى أكثر من 60 دولة، مستفيدًا من دعم مصري واسع، بدأ من سفراء وزارة الخارجية، الذين شاركوه الاحتفال في باريس ليلة الإعلان، وصولًا إلى شركة مصر للطيران، التي خصها الوزير السابق بالشكر في خطاب فوزه.
وخارج مصر، حظي العناني، خلال حملته، بدعمٍ عربي كامل، بحسب ممثلة مصر في لجنة «اليونسكو» لتقييم التراث الثقافي غير المادي، ومستشارة وزارة الثقافة للتراث الثقافي غير المادي، نهلة إمام، التي قالت إن جامعة الدول العربية عقدت اجتماعًا قبل ترشيحه، واتفقت خلاله الدول الأعضاء على عدم تقديم أي مرشح منافس، والتكاتف دعمًا للمرشح المصري.
كذلك، أشار المصدر الذي شارك في حملات المرشحين المصريين السابقين إلى أن العناني حظي أيضًا بدعم أوروبي قوي، خاصة من فرنسا، التي منحته لقب «فارس جوقة الشرف»، قبل أسابيع من انتخابه. وساعد هذا الدعم، وفق المصدر، في كسب تأييد أعضاء المجلس التنفيذي للمنظمة، الذي يضم سفراء 58 دولة، إذ فاز العناني بـ55 صوتًا، مقابل صوتين فقط لمنافسه الكونغولي، فيرمان ماتوكو، الذي دخل السباق بصفته موظفًا مُخضرمًا في «اليونسكو»، بينما امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت.

أثار فوز العناني قلق عدد من العاملين لسنوات على حماية الثروة التاريخية المنتشرة في أنحاء مصر، فقد تولى حقائب وزارية، منذ عام 2016، بدءًا من وزارة الآثار، ثم أُضيفت إليها حقيبة السياحة عام 2019، في ظل توجّه حكومي عام نحو زيادة الأصول المالية للدولة، وهو توجّه يقول خبراء التراث إنه نُفِّذ على حساب القيمة التاريخية للمواقع المعنيّة، وحرمان المجتمع من الاستفادة من التراث العام.
قبل أيام من فوزه، كتبت مديرة الأبحاث في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث من أجل التنمية، جليلة القاضي، منشورًا على صفحتها على «فيسبوك» اعتبرت فيه أن مجرد ترشيحه «خطأ كبير»، مؤكدة أن العناني خلال توليه وزارة الآثار، كان مسؤولًا عن «جرائم متكررة، ارتُكبت مع سبق الإصرار والترصّد، ضد التراث المعماري والعمراني لمصر».
وأشارت القاضي إلى أعمال التطوير التي تقوم بها الدولة في هضبة الأهرام، ودير سانت كاترين في سيناء، والقاهرة التاريخية، لا سيما هدم عشرات المقابر، من بينها مقابر لشخصيات بارزة، لإفساح المجال لبناء جسر محور الفردوس، من بين مواقع أخرى قالت إنها فقدت «تجانسها العمراني».
ومن أبرز «مشروعات التطوير» خلال فترة توليه الوزارة مشروع تطوير الأراضي المُحيطة بدير سانت كاترين، المزار الديني العريق في جنوب سيناء.
وفي وثيقة اطلع عليها «مدى مصر» بعد أن نشرتها منظمة التضامن القبطي، وهي منظمة مقرها الولايات المتحدة تسعى إلى دعم الأقلية المسيحية في مصر، سلطت الأخيرة الضوء على قضية رفعتها الدولة ضد الوضع الاستثنائي للدير، توسعت لاحقًا لتشمل وزارة السياحة والآثار، حين كان العناني على رأسها في مطلع عام 2022، بهدف تملك الحكومة لأراضي الدير والمُطالبة بتعويض عن «استغلالها التاريخي». وبلغ النزاع القضائي ذروته مع حكمٍ لمحكمة استئناف الإسماعيلية في وقتٍ سابق من هذا العام، قضى بإخلاء رئيس أساقفة الدير لـ14 قطعة أرض في جنوب سيناء، فيما اُعتبر سيطرة غير مسبوقة على التواجد التاريخي المستقل للدير.
كما كان العناني في موقعه الوزاري أيضًا عندما تم هدم عدد كبير من المقابر في جبانات مصر التاريخية، رغم أن العديد منها مُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بهدف خدمة مشروعات البنية التحتية التي تنفذها الدولة.
وعُرف عنه أيضًا رفضه لطريقة «اليونسكو» في تسجيل التراث وحمايته، ففي جلسة عامة لمجلس النواب عام 2021، اعترض على الاستخدام المكثف لفكرة حماية التراث، قائلًا: «لو هسجل كل المباني اللي مر عليها 100 سنة، يبقى هسجل نصف البلد».
وفقًا للمصدر الذي شارك في حملات المرشحين المصريين السابقين، أثارت هذه المواقف مداولات بين بعض الأعضاء المُصوتين حول تداعيات إسناد إدارة المنظمة إلى شخص كان مسؤولًا، خلال فترة عمله كوزير للآثار، عن تدمير جزء كبير من التراث المعماري.
تداعيات فوز العناني بمنصب إدارة «اليونسكو» تمتد إلى موقف مصر من حرية التعبير، كوّن المنظمة معنية «بالتدفق الحر للأفكار عبر الكلمة والصورة». وفي هذا السياق قالت مديرة مركز الصحافة والحرية في معهد «أوبن ماركتس»، كورتني رادش: «مدى التزام المنظمة بهذا التكليف، والمساحة المُتاحة للتقارير النقدية والمطالبة القوية بحرية الصحافة، سيتأثران بمن يقود المنظمة».
رادش، التي عملت سابقًا أخصائية برامج في قطاع الاتصالات والمعلومات بـ«اليونسكو» أوضحت أن خلال فترة عملها بالمنظمة، تأثر البرنامج الذي كانت تعمل به بسبب توجّهات مدير المنظمة، الذي «كانت علاقته وثيقة نسبيًا مع روسيا»، وأضافت «هناك الكثير من الممارسات السياسية في اليونسكو التي يمكن أن تمنع المنظمة من انتقاد انتهاكات حرية الصحافة بدقة وصرامة. لقد تم تقييد مسؤولية المنظومة عن سلامة الصحفيين مثلًا، بحيث أصبح التركيز بشكل كبير على قتل الصحفيين فقط، بينما تم تجاهل العديد من أنواع انتهاكات حرية الصحافة الأخرى».

إلى جانب التساؤلات حول دور العناني المتوقع في «اليونسكو»، استنادًا إلى تجربته في مصر، تثار أيضًا تساؤلات حول ما إذا كانت المنظمة لا تزال تتمتع بالقدر الكافي من النفوذ للتأثير على السياسات الحكومية، في ظل ما تواجهه من تحديات سياسية ومالية.
فقد أعلنت الولايات المتحدة انسحابها رسميًا من المنظمة، ابتداءً من عام 2026، في خطوة يُتوقع أن تُحدث عجزًا في ميزانيتها بنسبة لا تقل عن 8%. يرجع انسحاب الولايات المتحدة إلى سياسة «أمريكا أولًا» التي شكّلت أساس نهج الحزب الجمهوري تجاه الهيئات الدولية خلال عهد ترامب، كما اعتبرت واشنطن انضمام فلسطين إلى عضوية المنظمة خطوة «إشكالية للغاية» ساهمت في انتشار الخطاب المُعادي لإسرائيل داخل المنظمة، وهو موقف تردد صداه في تل أبيب.
دومبكي أشار إلى أن المنظمة أصبحت الآن في موقف دفاعي، تعجز فيه عن اتخاذ إجراءات حازمة لحماية التراث الثقافي نظرًا للأهمية التي يفرضها اتفاقها التأسيسي على بناء توافق آراء متعدد الأطراف، مضيفًا أن هذه الاتفاقية صيغت في وقت مختلف تمامًا، وأصبحت الآن قديمة بعد عقود، في عصر أصبحت فيه الأولوية للقرارات السيادية.
وخلال فترة ولايتها، اتخذت رئيسة «اليونسكو» المنتهية ولايتها، ووزيرة الثقافة الفرنسية السابقة، أودري أزولاي، التي سيتولى منها العناني مسؤولية إدارة المنظمة في المؤتمر العام في نوفمبر، تدابير للحد من تأثير نقص التمويل، ومن غير المتوقع أن يكون الوضع الجديد بنفس حدة المرة الأولى التي انسحب فيها ترامب.
أما العناني فقال عقب انتخابه إنه سيعمل مع جميع الأطراف لـ«تحديث اليونسكو»، متعهدًا بتوسيع قاعدة التمويل من دول أخرى. لكن دومبكي حذر من أن تعويض العجز المالي في ميزانية المنظمة على الأرجح سيعتمد على المُساهمات الطوعية من الدول، لا على التزاماتهم للتمويل المفروضة وقت تأسيس المنظمة، ما قد يؤثر على أولويات الإنفاق.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
النزوة والفخر والربح في المتحف المصري الكبير
عن المتاحف الكبرى وطموحاتها
الافتتاح الكبير للمتحف المصري الكبير
لا تقلقوا، سيظل بإمكانكم الدخول في أجواء الاحتفال عبر الشاشات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن