تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مشيناها سطورًا.. عن تسكع الأدب

مشيناها سطورًا.. عن تسكع الأدب

هذا النص ضمن «تقليب» #18 «مُنتهى الأدب»

كتابة: محمد عبد النبي 20 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

أتذكَّر نفسي متسكعًا في شوارع وسط القاهرة ما بين 2005 و 2010، مرددًا رباعية صلاح جاهين التي غنَّاها محمد منير بلحن وجيه عزيز، وحدي لكن ونسان وماشي كده. 

أحاول تضييع بعض الوقت قبل موعدٍ، أو في انتظار شخص، في منطقة الألفي وما حولها، عند مطعم آخِر ساعة، فتولدُ في أثناء انتظاري فكرة نصٍّ، فلا أملك إلَّا أن أنهض وأمشي، تاركًا الموضِع الذي يُفتَرض أن ألتقي فيه صديقي، وأستسلم لحركة ساقيَّ تأخذني إلى حيث تريد. كَم مِن أفكار وجدت طريقها إلى ساقيَّ قبل رأسي ثم تجسَّدت في نهاية الأمر كلماتٍ على السطور. 

ألاحظ أنَّ حركتي المهرولة في السير تختفي عند التسكُّع. لا أتباطأ في حركتي إلَّا عندَ التسكُّع، ولا أتأمَّل ما حولي إلَّا وأنا أتسكَّع مضيعًا الوقت، كما لا أعتبر نفسي زرتُ مدينة إلَّا إذا تسكعت سيرًا بين طرقاتها بلا مرشد أو دليل من أهلها. كأنني أقول لها: إنني لا أريد منكِ شيئًا، أريد فقط أن نتعارف. فالمتسكِّع الحقيقي منزَّه عن الغرض. 

«إيديا في جيوبي وقلبي طرب، 

سارح في غربة بس مش مغترب،

وحدي لكن ونسان وماشي كده، 

بابتعد ماعرفش أو بقترب» 

التعبير عن حالة المشي بلا هدف أو التمتُّع بـ«فسحة في جميع الطرقات» مع الحبيب، ليس بالأمر الدخيل أو الغريب على شِعر صلاح جاهين عمومًا، فهو مَن كتبَ في إحدى أغنيات فيلم عودة الابن الضال: «الشارع لنا». لكن المشي في هذه الرباعية يخلو من الحبيب وكذلك يخلو من الرغبة الجماعية النبيلة في الاستيلاء على شرايين الحياة في المدينة لإعلان التمرد والعصيان، بل هو مجرد مشي، مفرَّغ مِن أي هدف أو غاية أو معنى، ويخلو كذلك من الحزن أو الشعور بالاغتراب، عندما يأتنس الإنسان بنفسه فلا يعود بحاجة إلى أحد أو إلى شيء، لا يعود بحاجة حتَّى إلى أن يعرف موضعه من العالَم، وإن كان يقترب مِن شيءٍ أم يبتعد عنه أكثر. 

كان المشي كنشاط إنساني قديم، ولم يزل، محل بحث ودراسة من جوانب عديدة للغاية، وثمَّة كتاب صدر أخيرًا يعتني بتاريخه، هو كتاب الباحثة ريبيكا سولنيت «شهوة التجوال: تاريخ للمشي»، بترجمة نوال العلي. ومن قبل هذا الكتاب ومِن بعده، سيبقى المشي محور تأمُّلات وموضوع ملفات صحافية وأدبية. وإن كان المشي هو الشارع الرئيسي فإنَّ التسكُّع هو شارع فرعي منه، جانبي، يكاد يكون سكَّة مقطوعة، محاطًا بالشبهات والشكوك، تخريمة لكنها لا تختصر الوقت، بل على العكس، فلا يمر منها إلَّا من لديه فائض من الوقت، وليس لديه موعد محدَّد أو مشوار ضروري.

المتسكع غير متعجِّل، الوقت ثروته الأساسية، قد يكون عاطلًا عن العمل، مفلسًا، أو قد يكون ثريًّا ليس مضطرًّا للعَمل، ولكنه في الحالتين كنزه الأساسي هو الزَمن.

المتسكِّع يمشي غير أنَّه لا يريد أن يصل إلى مكان بعينه، ليس لديه محطّة وصول. 

                                                            ــــــــــــ

بُنيَت أعمال كاملة انطلاقًا مِن حالة تسكُّع، لكنَّها غالبًا ما ترتبط بالفقر والتشرّد والجوع. 

في أوَّل كتب جورج أورويل، «متشردًا في باريس ولندن»، يقدِّم للقارئ البرجوازي نظرة سياحية فاحصة للعالَم التحتي للفقراء والمشردين، بعد أن (نزل) بنفسه إليهم وعاش تجربتهم كاملة. الكتاب أقرب إلى يوميات رحلة، حلقات متصلة في سلسلة من التنقلات بين الأماكن والمهن، لا يتبع حبكة بقدر ما تنبع بنيته من: «حركة الجسد المتعب في المدينة»، من البحث عن لقمة، عن عمل، عن فراش، عن قطعة صابون. كل انتقال من شارع إلى آخر يفتح مشهدًا جديدًا، وكل شخصية عابرة -الروسي المهاجر، والنادل المتبجّح، والعاهرة العجوز- تصبح جزءًا من فسيفساء كبيرة عنوانها الهشاشة الإنسانية.

لكنّ هذا هو عنوان التشرُّد، وهو في أغلب الأحوال ليس فعلًا اختياريًّا. المتسكع يختار أن يهيم على وجهه في الصحراء مثل صعاليك العرب في الجاهلية، ممَّن اختاروا الوحدة والفقر وخرجوا على أعراف القبيلة، وكتبوا في أغراض مختلفة عن تلك التي يميل إليها شعراء سوق عكاظ. ومنهم عروة بن الورد، الذي دعا لحياة أقرب للمشاع، في قوله: 

أقسِّم جِسمي في جسوم كثيرة

وأحسو قراح الماء والماء باردُ.

في كتاب آخَر، بعنوان «تَسكُّع»، يتحرك عادل أسعد ميري في انتقالات سريعة بين الأماكن والأفكار، راسمًا لوحة فسيفسائية واسعة بين مدن مصر المختلفة وبعض المدن الأوروبية كذلك، مستعينًا بخبراته السابقة كمرشد سياحي، غير أنَّه لا يصطحب القارئ في جولة بين الأماكن بغرض النزهة، بقدر ما يفتح عينيه على مشكلات وكوارث مجتمعنا مقارنة بأحوال الغرب. عنوان الكتاب يوحي بحرية الحركة، لكنَّ أهدافه واضحة وصريحة، يمكننا القول إنها أهداف تقدمية وعلمانية، فهو ليس حركة في الفراغ وليس خروجًا على الجماعة إلَّا بالقدر الذي يسمح برؤيتها وانتقادها. 

                                                                  ـــــــــــــــ

مِن المثير للتأمُّل أيضًا افتتاح كثيرٍ مِن الأعمال الأدبية بخروج شخصيةٍ من مكان مغلق إلى مكان مفتوح ثم المشي نحو هدفٍ محدَّد أو في تجوال حُر، على غير هدى.  كأنَّ قرار الانتقال من الداخل إلى الخارج ومن الحركة إلى السكون، وحده، كافٍ لكي يرتسم العالَم وتتضح الصورة وتتخذ الشخصية أبعادها الواضحة عبر حركتها في العالَم. 

مثلًا، تُقرِّر السيدة دالاوي أن تشتري الأزهار بنفسها، في الجملة الافتتاحية مِن رواية فيرجينيا وولف، المعنونة باسم شخصيتها الرئيسية، فيتسع العالَم وقد أتى العُمَّال ليخلعوا الأبواب من مفاصلها استعدادًا لحفل العشاء. بعد أن تخرج، يتتبعها القارئ في جولتها في شوارع ويستمنستر. إنَّها تعرف مقصدها، لكنها تمضي كأنها تائهة. تمامًا كما تهيم أفكارها في كل اتجاهٍ ممكن. تمضي حركتها وحركة أفكارها معًا، يدًا بيد أو قدمًا بساق، تغذي إحداهما الأخرى وتندمجان أحيانًا في صور مشتبكة: 

«في أعين الناس، في التأرجُح، والتشرُّد والخَبط؛ في الجئير والصخب؛ والعربات والسيارات والحافلات والشاحنات، ولوحات الدعاية على صدور وظهور بعض الرجال وهُم يتمايلون بينها؛ والفرق النحاسية؛ والأرغن اليدوي الدوَّار، وفي الانتصار والرنين والإنشاد المرتفع الغريب لطائرةٍ ما فوق الرؤوس وما أحبَّته؛ الحياة؛ لندن؛ هذه اللحظة من يونيو». 

وحين تلتقي صديقها القديم هيو في طريقها بالمصادفة تقول له: «إني أحب المشي في لندن. نعم، إنه أفضل من المشي في الريف».

تتيحُ المدينة للمُتسكِّع (الروائي؟) نفس (ونقيض؟) ما يتيحه الريف  للجوَّال الرومانسي (الشاعر؟)، تتيحُ له المادة الخام، لكنها هنا ليست الطبيعة التي خلقها الله بل المناظر والابتكارات التي وضعتها وشيدتها أيدي البشر. تتيح المدينة أيضًا ما لا يتيحه الريف أو الخلاء، لقاءات المصادَفة، حوارات عابرة، حوادث، واجهات المتاجر، نظرات الغرباء المتبادَلة والمشحونة باحتمالات بلا نهاية. 

caption

كما قد يكون المشي مولدًا للأفكار، سواء في الطرقات الخالية وسط الطبيعة أو في شوارع المدينة المزدحمة، وسواء للشاعر أو للروائي أو لغيرهما من الكتَّاب والمفكّرين. فيرجينيا وولف نفسها تقرر ذلك في إحدى مقالات كتابها «لحظات من الوجود»: 

«ثمَّ ذات يوم، بينما كنتُ أتجوَّل في ساحة تافيستوك، اختلقتُ، كما أفعلُ أحيانًا في تأليف كتبي، رواية "إلى المنارة"، في ما بدا اندفاعًا لاإراديًّا قويًّا».

                                                                 ـــــــــــ

كثيرًا ما ربطَ الروائي الأمريكي بول أوستر بين فعل السير وفعل الكتابة، من ناحية أداء فِعل بدني بسيط للعثور على الكلمات المناسبة، قائلًا إنه قد يسير بين جنبات غرفة ما لكي يصل إلى إيقاع جملة. لاحظَ كذلك أنَّ السير يزوده بما أسماه «خواء معزول» يكون مفيدًا لعمله، وأنَّ الكتابة نفسها تُعدُّ بالنسبة إليه تجربة بدنية مادية، فهي: «شكل أقل من الرقص».

caption

في الصفحات القليلة الأولى مِن رائعته «ثلاثية نيويورك»، في معرض تقديمه لشخصية كوين كاتب الروايات البوليسية وبطل الجزء الأوَّل مِن الثلاثية، يقول عنه بول أوستر إنَّ ما كان يحب أن يفعله أكثر من أي شيء آخَر هو المشي: 

«ففي كل يوم تقريبًا، ممطرًا كان أو مشرقًا، باردًا أو حارًّا، كان يغادر شقته ليمضي متجولًا في أرجاء المدينة، من غير أن يقصد قطّ مكانًا بعينه، وإنما ينطلق إلى حيث  تمضي به ساقاه».

«كانت نيويورك فضاءً يستحيل اختراقه، متاهة من خطوات لا نهاية لها، وأيًا كان المدى الذي ذهب إليه أو كانت إجادته معرفة الأحياء والشوارع، فإنها كانت تتركه دائمًا بشعور بأنَّه قد ضلَّ الطريق. ضلَّ الطريق لا في المدينة وحدها، وإنما في داخل في ذاته كذلك. وفي كل مرة قام فيها بجولة ساوره شعورٌ بأنَّه كان يترك نفسه وراءه. وكان بمقدوره، بتكريس نفسه لحركة الشوارع، وبتقليص ذاته إلى عين مبصرة، أن يهرب من الالتزام بأن يفكر، وقد جلبَ له هذا، أكثر من أي شيء آخر، درجة من السلام، وخواءً صحيًا في الأعماق. كان العالَم يقبع خارجه، حوله، أمامه، وجعلت السُرعة التي واصل بها التغيُّر مِن المستحيل عليه أن يركِّز على أي شيء بمفرده وقتًا طويلًا للغاية. كانت الحركة شيئًا ينتمي إلى الجوهر، عملية وضع قدم أمام الأخرى والسماح لنفسه بأن يتبع انطلاق جسمه. ومن خلال التجوُّل دونما هدف، أصبحت كل الأماكن متساوية، ولم يعد موضعه شيئًا يكترث به. واستطاع في أفضل جولاته أن يشعر بأنه في  لا مكان.. »  

كأنَّ المشي هنا نوع من الهرب، الهرب من المكان، حيث تتساوى جميع الأماكن. وهرب من الجسم والذات. تتكرر مفردة الخواء في حديث أوستر عن المشي، سواء بالنسبة إلى شخصيته الرئيسية هنا أو عن نفسه وعلاقة المشي بالكتابة. كأنَّ إفراغ النفس من الشوائب يوازي تحرير الجسد بالحركة، لا سيما إن كانت حركته بلا مقصد، كأنها الرقص أو أقل قليلًا، بحسب تعبيره. 

ليس كوين، في مدينة الزجاج، فقط، لكن شخصيات أخرى كثيرة لدى أوستر تجد في المشي والتجوُّل انعتاقها، يصل هذا التسكُّع حدَّ الانتقال بين الولايات، أو الانطلاق في رحلة من العزلة الكاملة بعيدًا عن الآخرين والحضارة. وكثيرًا ما يكون المتسكّع مبدعًا بالقوة أو بالفعل، كاتبًا متحققًا أو طموحًا، وأيضًا مضطرب النفس بدرجة أو بأخرى. وكثيرًا ما يقتربُ التسكُّع بالتشرُّد وانعدام المأوى، فتصبح المدينة بكاملها بيتًا مفتوحًا للهائم على وجهه فيها، تؤويه بقدر ما تنبذه وتستبعده من حساباتها المعقَّدة. 

                                                                            ـــــــــــــ

التسكُّع ضدَّ النظام بقدر ما هو ضدَّ الغاية الصريحة، لذلك فهو مشبوه عمومًا ومسجَّل خَطَر. أوَّل ما قد يلفت نظر الشُّرطة والمواطنين الصالحين هو شخص غريب يتسكَّع في مكان ما بلا هدف واضح. افتقاد الهدف هو تهمة المتسكّع المضمرة، تبديد حياته، استمناء يومه بلا ساعات عمل رسمية، عكس بقية أفراد المجتمع من الموظفين، ممن يسعون إلى غايات بعينها ويساهمون في دفع عجلة الإنتاج.

لا يمكننا أن نراقب متسكعًا، إلَّا في قصة بوليسية، لكننا قد نشاهد الرقصَ لأنَّه يعمل وفق إيقاع ما، إيقاع صوتي وإيقاع بصري، الجسد يرسم لوحة مع الموسيقى أو حتَّى من غيرها. لكنّ التسكُّع فوضى، عشوائية، مَدُّ خطوط متداخلة في مساحة غير محددة، رسم بالخطوات، بلا ضابط أو رابط. التسكُّع عمل بالنسبة إلى المتسكِّع فقط، وقد يكون عملًا فنيًا كذلك بالنسبة إليه هو فقط، إنه لا يريد جمهورًا، إنه هو نفسه المتفرج وجميع الآخرين (وحتى الأشياء الجامدة والكائنات غير الإنسانية) هُم العَرض الحي الذي يتفرَّج هو عليه، وقد يصبح هو نفسه سِلعة معروضة للبيع. 

في معرض تحليله لأعمال (وشخص) شارل بودلير (أخطر متسكعي تاريخ الأدب) ذكرَ فالتر بنيامين: «كان بودلير يعرف ما كانه الوضع الحقيقي للأديب: إنه يذهب إلى ساحة السوق بوصفه متسكعًا (flaneur)، مِن المفترض أن يتفرّج عليها، لكنه في الحقيقة يبحث عن مُشترٍ».

أعلنَ بودلير كراهيته لمدينة بروكسل في زيارته إليها لعَدم إمكانية التسكُّع فيها وغياب واجهات (فاترينات المحلات) هناك، قال: «التنزه، الذي تحبه الأمم ذات الخيال، ليس ممكنًا في بروكسل. ليس هناك ما يُرى، والشوارع غير قابلة للاستخدام».

caption

والآن عزيزي بودلير ماذا تصنع الأمم ذات الخيال إذا عزَّ التنزُّه والتسكُّع؟ ماذا يصنع الأفراد ذوو الخيال إن افتقدوا الرصيفَ والبواكي والشوارع والطرقات الصالحة للتسكُّع؟ هل يكتفون بالتسكُّع الافتراضي؟ هل كان بوسعك، لو زرتَ زماننا هذا، أن تشاركنا تنويم «السكرول دوان» بدلًا من الأفيون أو ربما بمصاحبة الأفيون؟ هل كنتَ ستكتفي بالفُرجة على المسوخ والسخرية منهم أو حتَّى كتابة منشورات عنهم؟ هل كانت الشاشات ستمنحك متعة الزحام وأنت منيع في عزلتك؟ 

يقرُّ فالتر بنيامين بأنَّ بودلير أحبَّ العُزلة، «لكنه كان يريدها ضِمنَ زحام»؛ أي وسط الحشود، وتحت البواكي، في جولات التسكع في باريس. لن يفوت بنيامين في فصل آخَر من كتابه حول بودلير أن يحلل بواكي باريس التي لولاها «ما كان للتنزه أن يكتسب الأهمية التي نالها». يبدو أنَّ هذا الزحام كان مسليًا بالنسبة إلى شاعر مثل بودلير: «أي شخص يستطيع السأم داخل زحام هو أحمق. أكرر: أحمق، وأحمق جدير بالاحتقار». يستطيع شاعر مثل بودلير أن يخلع عنه ذاته مثل ثوب وأن يرتدي أي ثوب يعجبه ممَّا يراه أمامه معروضًا في فاترينات باريس، أو من تلك الشخصيات الفاتنة التي تعرض لها، حتى ولو كانت أرملة مهدَّمة اهترأت دانتيلا ثيابها السوداء، أو مومس عجوز سقطت أسنانها. هذا هو نوع التسكع الذي عرفه في قصائده.

caption

في قصيدته «الجمهور» يكتب: 

«فالشاعرُ يحظي بهذه المزية الاستثنائية، وهي أنه يستطيع كما يريد أن يكون نفسه والآخرين، وشأن تلك الأرواح الهائمة التي تبحث عن جسد، يتقمص -وقتما يشاء - شخصية كل واحد.. »  

وأيضًا: 

«والمتجول المنعزل والمتأمل يستمد نشوة فريدة من هذه المشاركة الكونية. فمن يقترن بالجمهور بسهولة يعرف مباهج محمومة، ستكون محرمة أبدًا على الأناني، المنغلق على نفسه كصندوق،.. »  

الشاعِر هنا يبدو كائنًا استهلاكيًا جشعًا، يريد أن يكون جميع الناس وأن يتخذ جميع المهن مهنة له وأن يذوق جميع المسرات والتعاسات. سوبر ماركت الحياة اللانهائي يشجعه على الفُرجة والتذوق والتجربة، وروح التسكع الحرة تقوده وترشده. ما دام لديه الفراغ والرغبة. 

                                                              ـــــــــــ

للكاتب والمترجم المصري ياسر عبد اللطيف، في قصائده وقصصه، وَلعٌ خاص بالمشي والتجوال، لا سيما التَسكُّع الجماعي، لشِلة من الرفاق (الشباب غالبًا) وهم في حالات الانبساط أو الضياع. أولى قصائد ديوانه «جولة ليلية» بعنوان «نهاية المُراهَقة» تمضي كالتالي: 

خرجنا ذات ليلة من بيت إحدى المخبولات

 ثلاثة مخمورين يذرعون الظلام

 انتحلنا صفة ضُبَّاط شرطة

 وافتعلنا كمينًا على طريقٍ سريع

 استوقفنا الشاحنات وفحصنا رُخَص سائقيها

وبينما يغادرون بسلامة أوراقهم

 انفجرت ضحكاتنا خلفَ عجلاتهم الكبيرة..

وعلى رصيفٍ بوسط المدينة

عثُرنا بكنز ٍ من لمبات النيون التالفة

 مُلقاة، العشرات منها هشَّمناها في نشوة احتفالية

 على قرميد الأرصفة، بأحذيتنا، وعلى الأسفلت الخاوي

لفجر القاهرة

لم نبقِ حتَّى على الشظايا

تركناها كَغُبار السكَّر فوق عتمة الإسفلت والقرميد

وبعدما خفتت حمأة التحطيم

تبخَّر شيءٌ منا في الهواء إلى الأبد.

أسبوع واحد بعدها

وباع ثالثنا نفسه إلى الشيطان

وبقيت أنا والآخَر

هو لا يرى، وأنا لا أتكلم

وكقَدَر المجرمين حَوَّمنا في ليلةٍ تالية

حولَ الحطام

 كان دليل إدانتنا القاطع

أذني صديقنا الثالث

بين غبار الزجاج..

caption

ربما تُحيل القصيدة مِن بعيد للقِرَدة الثلاثة في الصور والتماثيل: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلَّم. لكنها أيضًا مُشبَعة بعَفرتة وعنفوان فترة على وشك الانتهاء. تبدو لحظة تهشيم الزجاج الناعم مثل طقس وداع للمُراهَقة والاندفاع والغضب وأيضًا الحمأة بحسب تعبير القصيدة. معظم قصائد هذا الديوان الصغير تقع في الخارج، بعيدًا عن جدران البيوت والأبنية، وغالبًا في أثناء التمشية والتجوّل والتسكع. لا تخلو قصيدة «التَّذكُّر عِلم..النسيان جهل»، التي تكتنزُ بداخلها قصة حب صغيرة، من مشي العاشقَين معًا في الفضاء العام: 

ذات مساءٍ شتوى

خرجنا سويًا من الجامعة 

وسرنا حتى ميدان الجيزة

بحذاء سور حديقة الحيوان

وهمهمات ألف وحش نائم بداخلها

تأتينا عبر الظلام.

بعد سنوات عديدة، سوف يستعيد الكاتب سطرًا أو اثنين مِن تلك القصيدة، في سياق قِصة بعنوان «قصص الحب التأثيرية»، في «موسم الأوقات العالية».  كاشفًا عن سياق أوسع للقصيدة، بقدر ما يتيحه له النثر في مقابل الشِّعر، وبقدر ما سمحَ به مرور السنين كذلك، لكي تتحوَّل الذكرى إلى مساحة للتأمُّل. تبدأ القصة هكذا: 

«هذه قصة حب من فصلٍ واحد. دارت أثناء مسيرة متعرِّجة بين طبقات من تاريخ القاهرة كانت لا تزال حيّة تحت السطح المباشر للحياة الراهنة، أو تحت الخريطة الأخيرة التي استقرت عليها المدينة وقتها. كانت مسيرة للاكتشاف، واختزان المشاهِد. فتقطَّعت قصة الحب تلك نفسها إلى عدة مشاهد يمكن أن تختزل عامًا كاملًا، تُلازمنا فيه أنا وامتثال، كطيفين انعكسا على حوائط المقاهي والشوارع بين أشباح تلك الأزمنة الخيالية».

من هذه الفقرة الافتتاحية قد نفهم أنَّها قصة تسكُّع بقدر ما هي قصة حب، تسكُّع بين أماكن وأزمنة على السواء. إنَّها أيضًا قصة حُب تُولَد وتتشكَّل بين شاب وشابة جامعيين مِن فصيلة الكُتَّاب والشعراء. وفيها يتسع مجال المشي والتسكُّع، بعيدًا عن ضاحية المعادي، إلى ما بين الجيزة حيث جامعة القاهرة وأسوار حديقة الحيوان، حيث يؤرِّخ الراوي المشارِك لقُبلتهما الأولى، ثم شارع عماد الدين والتوفيقية، المنطقة التي كان يُفضِّلها الشاب مِن وسط المدينة، فيما فضَّلت هي ما يسمَّى بمثلث الرُعب الخاص بالمثقفين والكتَّاب، بين ميدان طلعت حرب وشارع البستان وباب اللوق، مِن بين اختلافات أخرى في الذوق ستقود العلاقة إلى نهايتها بعد بضعة أشهر. 

«لشهور كنَّا نذرع المدينة برأسينا متلاصقين. هي بقامتها القصيرة بجانبي تستندُ برأسها على كتفي وأنا أخاصرها من خلف ورأسي يميل على رأسها. نسير كالمخدَّرَين غير عابئين بنظرات الاستهجان، وقد تحوَّلت الجموع من حولنا إلى أجساد بوجوه مصمتة. نحن بقعتا لون في بحر الرمال.. نتحرَّك في شوارع بداية التسعينيات أحادية اللون.».

يبدو الكاتب في تشكيله لتلك العلاقة العاطفية القصيرة شديد الحِرص على رسم حدودها الجغرافية ومسار حركتها، كأنه ينحتُ كُتلة العلاقة عبر خريطة خاصة بها، خريطة ليست مكانية فقط، بل أيضًا زمانية، ففي مقهى ركس، الذي يترددان عليه بوتيرة مستمرة ويستريحان إليه، يلتقط اللحظة التسعينية بكل حمولاتها الممتدة إلى زمن نجيب الريحاني والبطل الأوليمبي رافع الأثقال مختار حسين وزوجته الراقصة نبوية مصطفى، ما يستدعي ابنتهما الصحافية في «الأهرام» بهيرة مختار، وصورتها الدرامية عند صلاح جاهين وسعاد حسني في فيلم «خللي بالك من زوزو». 

المشي كان أداة المسح الجغرافي الأساسية في هذه القصة، كما في أعمال أخرى لياسر، لا يستبعد هذا بطبيعة الحال حضور السيارات بين الحين والآخَر، لا سيما عند التحرُّك بين المُدن. غيرَ أنَّ حركة القدمين والاقتراب الحميم من الأماكن، بروائحها وأصواتها، ما يبدو جليًا في علاقة الثنائي بمقهى ركس مثلًا، هو ما يتيح له غالبًا اصطياد اللحظة المناسبة، وتفكيك خيوطها المشتبكة، متجاوزًا قشرة الحاضِر السطحية وإن ظلَّت هي بوابته الأولى، ومنقبًا خلفها في طبقات جغرافية ذات حمولات اجتماعية وسياسية.

في مستهل كتابه «في الإقامة والترحال»، قصة صغيرة وجميلة بعنوان: «المعزوفة القياسية للمتسكّع الغريب»، تبدأ هكذا: «خرج من بيته لا يلوي على شيء. فقط يروم المشي في شمس الربيع الدافئة.. »، بداية موسم الدفء في كندا، بعد أن ظلَّ هذا المهاجر المصري (ليس شابًا على ما يبدو)، طوال الشتاء القارس يترجم كتابًا سخيفًا بدافع أكل العيش. واصطحب معه في جولته الربيعية هذه ديوان شعر بدائي لقبائل إفريقية. لا يحدث شيء تقريبًا في القصة التي تزيد قليلًا على ثلاث صفحات، فقط نتابع خواطر صاحبنا (الأنا الموازية للكاتب، برغم اختيار الكتابة  بضمير الغائب). لم يجد أغنية يضبط عليها إيقاع مشيه إلَّا أغنية عبد الغني السيّد «إيه فكَّر الحلو بيّا؟»، تحت سماء صافية تتخللها سحابات وتحت أسراب الإوز الكندي وأمام بحيرة عادية بلا أي جمال خاص. من جديد، يحلو له أن يربط كل تلك العناصر في حزمة واحدة، الشِعر الإفريقي وأغنية عبد الغني السيد والحي السكني للطبقة المتوسطة في غرب كندا الأوسط، وغير ذلك. 

لكنه يذكر أيضًا جولات أخرى، يكتب عنها في دفتره في بار الحي القريب، حيث يستغرب الزبائن البيض أحفاد رعاة البقر من هذا الغريب الجالس يكتب مع نفسه في دفتر، يكتب مستحضرًا «أماكن وزوايا من ملاعب الصبا والشباب» في المعادي في الثمانينيات والتسعينيات، باب اللوق في امتدادها عبر حياته، حوض من الذكريات في سهوب جليدية بلا تاريخ،.. ».

ثمة جولة فردية للغريب المتسكع المنفرد بنفسه، المهاجر الكهل، المترجم الكاتب، تستعيد في طياتها جولات أخرى قديمة، في ملاعب الصبا والشباب، تلك الجولات التي ستحضر بكامل رونقها في قصص أخرى، بعضها تالية على هذا الكتاب، مثل قصة شهوة الملاك أو موسم الأوقات العالية. الجولات القديمة جماعية دافئة مضمَّخة غالبًا بالشراب والأقراص المخدرة والسجائر الملفوفة، تلفُّها ليالٍ كُحولية وشمس قاسية ومشاوير بسيارات صغيرة بين المحافظات وشقق مؤجَّرة أو شبه خالية بعد أن رحل عنها الأهل. تدخل مشاوير العنف القديمة تلك في أيقونات ملونة ذات حواف حادة، لتصبح قُوتًا روحيًّا في صقيع الشَّمال ورزانة الكهولة وحكمتها. 

                                                     ــــــــــــــــ

التسكُّع زخرفة لوقت الفراغ، زخرفة في الفراغ، ابن البلد يلبس برنيطة السائح الخفية ويعيد اكتشاف العالَم العادي بعين الغريب. 

المتسكع عمومًا ليس محل ثقة الآخرين، قد يظنه البعض لِصًّا أو متطفلًا أو ما هو أسوأ. المتسكع في الفن أيضًا قد لا يكون محل الإعجاب ولا يعوَّل عليه. فعندما يبدو الكاتب بلا غاية، ويذهب ويجيئ في محله، يثرثر، أو يكرر، أو يتردد، أو ينتقل كيفما اتفق من فكرة إلى أخرى، عندئذٍ نشعر أنه بحاجة إلى مُحرر، أو إلى أن يجدَ نقطة محددة يتوجَّه إليها، وقد نسأله (في ورشة كتابة مثلًا): إلى أين تريد أن تذهب؟ وكأنه تائه. يخجل أحيانًا مِن أن يجيبهم بأنه لا يريد الذهاب إلى أي مكان، وأنَّه يضيِّع وقتًا فحسب.  

أحبُّ أن أتسكَّع في الكتابة، أن أفقد طريقي عمدًا. أكتبُ بعض الموضوعات بلا بوصلة إلَّا الرغبة في التسكُّع في منطقة بعينها، متشوقًا لما قد تسفر عنه جولات تسكُّعي. لعلَّ هذا احتجاجي الصغير ضدَّ الغرضية التي تحكم حياتنا من أوَّلها لآخِرها، المفترض بالفن (والكتابة بالنسبة إليَّ) أن يكون بلا غرض، لا دور، أو أنه بالأحرى متعدَّد الأدوار حتَّى يكاد يكون وجودًا بلا معنى، مثل كل شيء جميل حقًا. 

كذلك المتسكع بين الفنون والمِهن لا يوليه أحد ثقة كاملة، يكون عليه دائمًا أن يختار، أن يستقر، أن يراكم في مجال ما، ليصنع اسمًا وخبرة. سواء كان لم يزل في مرحلة البحث عن مرفأ، أو كان يهوى التنقل بين أكثر من مجال عمل، فهو يبقى في الدنيا كأنَّه غريب أو عابر سبيل، تمامًا كالسائح، هذا الوضع لا يمنحه كل حقوق المقيم في المهنة، لكنه يتيح له حريات تكاد تكون بلا نهاية، منها مثلًا حرية التجريب والإخفاق، ثم الانتقال بخفة وابتسامة إلى تجربة أخرى وربما إلى مجال عمل آخَر. أصبحَت المرونة المهنية في الوقت الراهن ضرورة تفرضها ظروف سرعة التغيُّر، لم تعد الوظيفة الآمنة خيارًا مطروحًا. وهكذا لم تعد السياحة بين الأعمال خيار المتسكع رائق البال بقدر ما أضحت فرضًا باهظًا، يعني القدرة على تغيير الجلد بين عشية وضحاها. وقد يتسرّب هذا من المستوى المهنى إلى الحياة بكاملها، لتصير حياة مُرتجلة، مقامة على رمال ناعمة، يمكن اختصارها في حقيبة أو في خيمة. الحُلم بالتسكع شيء وكابوس التشرُّد والنزوح شيءٌ آخَر.

                                                                 ــــــــــــــ

يصل بي التسكُّع إلى نجيب محفوظ، لأجدَ في قصة «الحب فوق هضبة الهرم» لمحة منه، وهي من مجموعة قصصية بالعنوان نفسه. 

يضجر علي، بطل القصة، مِن فراغ ساعات البطالة المقنَّعة كموظف علاقات عامة في إحدى شركات القطاع  العام، برغم تخرجه في كلية الحقوق، وهو التخصص الذي لا يحبه وأجبرَ على دراسته بحُكم التنسيق، فيخرج ليتسكَّع في شوارع وسط القاهرة، حول مقر الشركة، لتضييع الوقت الطويل قبل حلول موعد توقيع الانصراف. يندمج بتيار السائرين والعابرين والزحام المروري والضجيج، ولا يفوته الرَبط بين أزمته الشخصية ومنظر اختناق حركة سير المركبات: 

«وتعلمت أن أتسلل إلى شارع قصر النيل مع الضحى. تعلَّمت الصعلكة. إنها مُسلية ومُفيدة ومُنشِّطة في الجو الآخذ في البرودة، وهي مُضحِكة أيضًا وهي تخوض في بحر مُتلاطم الأمواج من البشر والسيارات والأصوات المُزعجة. طابعه -الشارع- الضِيق والعصبية والكبت. كل شيء يريد أن ينطلق ويعجز عن الانطلاق يستوي في ذلك الإنسان والسيارة؛ الكبت والقهر والتذمر. الطريق يُعاني من أزمةٍ جنسية مثل أزمتي. إنه يفتقد الشرعية والحرية والإشباع، ومع ذلك فهو مغطًّى بالتراب كأنه يتهادى في مدينةٍ خيالية، ولكني لم أُعنَ إلا برصد النساء».

رصد النساء هدف جانبي للتسكُّع إلى جانب قتل الوقت، لكنه يكاد يودي به ذات مرَّة إلى هلاكه حينما يعبر الشارع، مركزًا على صدر ناهد، غير منتبه لسيارة قادمة. لا يعنيه شيءٌ ممَّا حوله لأنه منغمس في أزمته الجنسية التي يراها في كل شيء حوله، حتَّى الاختناق المروري. أو لعلَّ هذا الاختناق مجاز قادر على استيعاب محنته ومحنة وطنه في اللحظة ذاتها، مجاز مجتمع بلا أي قنوات تسمح بتدفق الطاقة، طاقة الشباب والحب والحرية، مع انسداد الأفق إلَّا بسبل فاسدة أو بحلم السفر للعمل بالخارج. 

قبل التحاقه بالوظيفة الحكومية لم يعانِ علي مِن مشكلة الفراغ، شغلته الدراسة وفي الإجازة كان يستعين بالقراءة وأنشطة شبابية مختلفة، لكنه يواجه وحش الفراغ بعد أن يجلسوه على مقعد بلا مكتب حتَّى، وكأنه ينتظر دوره في التحقيق بحسب تعبيره. ومع الفراغ تجسَّد هاجسه الجنسي وحشًا آخَر يتغذى على خياله وأفكاره أربعة وعشرين ساعة في اليوم.  وعلى نحوٍ ما، عكسَ تسكعه في الشوارع صورة طاقة حبيسة لا تجد لها مُتنفسًا، كأنه حيوان فتي في الأسر، كما يوحي صراحةً بالضياع وفقدان الاتجاه والهدف والمعنى. 

غير أنَّ هذا الحال يتغير بمجرد ظهور الحب في صورة رجاء،  زميلتهم الجديدة، الشابة الحلوة السمراء، فيردد في نفسه عبارة «ما هذه البهجة المُنعِشة؟»، التي تتكرر، بتنويعات، بين حينٍ وآخَر، كأنها نَغمة موسيقية تصاحب ظهور رجاء في مجاله. الغريزة لم تزل هناك، لكنها سرعان ما تخضع لسلطان العاطفة، وتصبح ذات هدف سامٍ. ثم يتحوَّل التسكُّع نفسه إلى رحلة مشتركة لشخصين، بمجرد انضمام رجاء إليه، ثم يهربان من غول الزحام إلى مرفأ آمِن يجدانه في محل الأمريكين، حيث يتم التعارف وتتوثق المودة وتتكشَّف المشاعر والحقائق الصادمة كذلك، وحيث يتناوب العقل والجنون على اتخاذ قرارات العاشقين الشابين.

caption

بعد افتراقهما المؤقَّت تحت ضعط أهل رجاء، يواجه علي غول الفراغ وحده من جديد: «رجعتُ إلى الفراغ؛ الفراغ المُحتدِم بالعذاب والملل. إنه يتجسَّد لعينيَّ كما تجسَّد الموت في مقدمة السيارة، كائن محسوس، غير محسوس، يقطر كآبة ورفضًا للحياة، قبضته الخانقة تُفشي لي سر المُدمِنين؛ مدمني الخمر والمُخدِّرات والقمار، لكنني مُحصَّن بمثاليةٍ باهتة وبالفقر. لعلَّ الأوفق لي أن أملأ الفراغ بالسياسة». لكنَّ تفكيره في ممارسة السياسة لم يكن أكثر من خاطر عابر، مكتفيًا بمداعبة الأفكار بلا تورُّط حقيقي، وسرعان ما يعود للتفكير في رجاء التي تحرِّك أحلام يقظته.

ثم يلتقيان من جديد، وتتواصل علاقتهما بعد قرار زواجهما المجنون، رغمًا عن الظروف والأهل وصوت العقل. يحلمان بالسفر وبدء حياة جديدة، لكنهما أيضًا يبحثان عن مكان آمِن لممارسة حياتهما الزوجية، يجدان فندقًا اسمه «العش الجميل»، وهي مفارقة مريرة. وبعد انكشاف سرهما وانقلاب الدنيا عليهما ونفور رجاء من أجواء الفنادق ونظرات العاملين فيها إليهما، يتسكعان أخيرًا حتَّى منطقة الهرم، حيث يلتقي العشَّاق تحت جنح الظلام، متزوجين أو غير متزوجين لا يهم، على حد قول العسكري لهما، المهم دفع المعلوم. 

حتى ختام القصة يظل العاشقان بلا مستقر وبلا جدران تجمعهما، يتسكعان بلا حماية ولا مستقبل، في حين تطل عليهما حضارة القرون من هضبة الهرم وتضرب كفًّا بكف، بحسب جملة الختام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن