تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مشية الضاهر

مشية الضاهر

#79| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: مصطفى محيي 7 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

يُقال إن شاعرًا يُدعى الشهاب المنصوري كتب قديمًا داعيًا صديقه لشُرب الأرطال «على بركة الرطلي»، وهو أمر نتمنى أن يكون مُمكنة في أيامنا هذه، تحيل الدعوة الشِّعرية إلى أسلوب حياة كان قائمًا في المنطقة المُتاخمة لجامع الظاهر بيبرس، سلطان الدولة المملوكية الرابع.

هذا الويك إند، يكتب مصطفى محيي دعوة أخرى، سردية لا شِّعرية، للمشي لمعرفة قصة الظاهر، الحي لا السلطان وجامعه،  ووقائع معيشة الطبقة الوسطى قديمًا لفهم تحوّلاتها. [تجدون مسار مِشية الضاهر هُنا]. 

#دليل

لم تكن لدي حكاية واضحة عن منطقة الظاهر، أو الضاهر كما اعتدنا أن نقلب الظاء إلى ضاد في العامية المصرية. أعرف واجهتها الخارجية المُطلة على شارع امتداد رمسيس بمباني المستشفى القبطي، وبطريركية الأرمن الأرثوذوكس، ومدرسة العائلة المقدسة. ثم بدأت في التردد على المنطقة -التي تقع شمال شرق ميدان رمسيس- مرات عديدة في السنوات الأخيرة لحضور الفعاليات المختلفة في مبنى جمعية النهضة العلمية والثقافية، التابعة للآباء اليسوعيين «الجيزويت»، في شارع المهراني.

في كل مرة، أدخل الضاهر من شارع الفجّالة متبوعًا بنداءات تبّاعي ميكروباصات ميدان رمسيس، ومخترقًا الحضور المُهيمن لمحلات مستلزمات الحمامات والسيراميك والأدوات المكتبية لمسافة 300 متر، قبل الانعطاف يسارًا نحو شارع قصر اللؤلؤة، ليهدأ الزحام قليلًا رغم مروري بمخازن ومطابع وورش صغيرة تعمل بنشاط تام طوال الوقت. أدخل يمينًا في شارع بستان المقسي ليفاجئني في نهايته - في كل مرة - مبنى بطريركية الروم الكاثوليك بضخامته غير المتوقعة في شارع جانبي صغير. أكمل طريقي لمسافة أقل من 100 متر قبل أن أصل مقر «الجيزويت»، أحضر ما جئت من أجله، وأغادر مفكرًا أن للحي قصة لا أعرفها.

تخبرنا الخرائط بجوانب من القصة، دون أن تكون محايدة أو مكتملة بطبيعة الحال. على موقع «المدق»، المعني بتوفير جولة افتراضية في القاهرة عبر الخرائط، تظهر خريطة الحملة الفرنسية -التي رُسمت في 1809- بركة الرطلي محتلة جزء كبير من الحي، الذي يَظهر كمساحة من الأراضي المزروعة تخترقها قنوات المياه، أثرًا لما كان قائمًا في عصور المماليك ثم العثمانيين قبل التخطيط الحداثي للمنطقة في القرن التاسع عشر؛ فتبدد أغلب ما كان حاضرًا من برك وقصور وجسور عُرفت  قديمًا بالـ«قناطر» ليسكن أسماء الشوارع فقط، مثل «بستان المقسي» و«قصر اللؤلؤة» و«قنطرة البكرية». ثم تظهر خريطة أخرى، تعود إلى 1874؛ المنطقة وقد صارت مربعات  فارغة ما يُشير إلى بدء تخطيط الحي في إطار تأسيس القاهرة الخديوية، الواقعة جنوب غرب الضاهر، ولا يفصلها عنها إلا حي باب الشعرية. وبحلول 1921، تُحال أغلب الفراغات إلى مبانٍ، كما نراها في خريطة أخرى.

تتضح عوامل مختلفة جعلت النمو السريع لمنطقة الضاهر مُمكنًا:

-قربها من عابدين، مركز الحكم قديمًا. 

-مواجهتها لمحطة القطارات الرئيسية في العاصمة التي أُسست في 1856.  

-اتصالها بشمال وجنوب المدينة عبر شارع بورسعيد، الذي حلّ محل قناة المياه المُسماة بالخليج المصري بعد ردمها في الأعوام الأخيرة من القرن التاسع عشر. 

تمنحنا خريطة الضاهر 1921 جانبًا من صورة الضاهر في ذلك الوقت، حيث يسهل تتبع عددًا كبيرًا من الكنائس لطوائف مسيحية مثل الروم الكاثوليك والأرثوذوكس والسريان والأرمن والمارون، بالإضافة إلى مدارس إرسالية متنوعة، فضلًا عن ثلاثة معابد يهودية تقع جميعها بالقرب من مسجد الظاهر بيبرس، الذي يحمل الحي اسمه.

تبدو الصورة التي تطرحها الخريطة، أكثر تنوعًا مما اعتدناه في أزمنتنا المعاصرة؛ حيث يبدو الحي كمكان تسكنه شرائح من الطبقة الوسطى والعليا المتنوعة دينيًا. فيما يخبرنا كتاب الأب وليم سيدهم «حكاوي الفجّالة»، (الجيزويت، 2010)، أن الكثير من الأجانب والشوام سكنوا المنطقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، عندما بدأوا في الرحيل تدريجيًا بداية من الأربعينيات مع حدة مُعاداة الأجانب؛ ليحل المصريون تدريجيًا مكان جيرانهم.

ولكن قبل الترحم سريعًا على تنوع الماضي، علينا تذكر أن الخريطة وحقائقها ليست سوى طبقة واحدة من طبقات ذلك الحي، حيث أمدني صديقي المعماري عمرو أبو طويلة بتصور عن طبقات أخرى.

مسار مشية الضاهر وقد استُخدم في غلاف هذا العدد

قرب نهاية 2019، حدثني أبو طويلة عن اهتمامه بالمشي في الأحياء التاريخية للطبقة الوسطى في القاهرة، ومن بينها الضاهر حيث اعتاد المشي ولملمة التفاصيل المعمارية للمكان والقصص الشفاهية لسكانه. لم يكن أبو طويلة في سعيه لمعرفة الضاهر مدفوعًا بالنوستالجيا، بقدر عنايته بفهم الحاضر والاشتباك معه، حتى وإن استدعى الأمر النظر في كيفية تطور الحي تاريخيًا عبر تفاصيله المعمارية المختلفة.

أثناء مشينا في الضاهر، تحدث أبو طويلة عن أهمية النظر لأعلى، والنظر لـ«الآن»، فيمكننا بتفحص ارتفاعات المباني وتفاصيلها المعمارية معرفة كيف تطور كل من الحي والمدينة. وقفنا أمام بيت من ثلاثة طوابق في مواجهة بطريركية الروم الكاثوليك، وبدأ أبو طويلة في شرح زخارف الباب الخشبي للبيت التي تتضمن صليبًا يونانيًا، ومخروطة إسلامية، ونجمة سداسية. تحاول الزخارف الثلاثة أن تحكي قصة عن الحي وسكان البيت وقت بنائه، ربما منذ مائة عام. يحكي أبو طويلة أنه التقى ناجي وهيب، الساكن الوحيد حاليًا. وأخبره وهيب أن باني البيت هو يهودي ثري، أراد التعبير عن طبيعة سكان الضاهر وقتها عبر تلك الزخارف. وفي الستينيات، عندما هاجرت، وهُجّرت، أغلب الأسر اليهودية من مصر، غطى سكان البيت النجمة السداسية الكبيرة الموجودة في مدخله بطبقة من الجبس، قبل أن يزيل وهيب تلك الطبقة بعدها بسنوات.

caption
تصوير: مصطفى محيي

أُكمل المشي مع أبو طويلة لنصل إلى شارع الضاهر ونقف أمام مبنى آخر بارتفاع طابقين وسقف حديدي وواجهة شبه دائرية عند الزاوية. تبدو تفاصيله أقرب إلى البناء التقليدي للسينما، وهو ما يتضح بصورة أكبر عند دخولنا المبنى، ليظهر شباك التذاكر، والسلم المؤدي إلى البلكون في الطابق الثاني، والزخارف البارزة على جانبي صالة العرض. يُستخدم المبنى حاليًا كجراج للسيارات، كما استُغلت واجهتا المبنى كمخبز، ومحل لمستلزمات الحمامات، ومطعم صغير للكبدة، وآخر للكباب، بعدما توقفت السينما عن العمل في وقت ما..هكذا حافظ الجراج والمحلات على بقاء المبنى حتى الآن.

لم تكن تلك هي السينما الوحيدة في الضاهر، بل تظهر خريطة 1921، دارين أخريين للسينما على الأقل، لا يزال مبنى إحداهما المهجور موجودًا على مسافة قصيرة من السينما / الجراج + المحلات، فيما يقول أبو طويلة إن الضاهر كان بها نحو خمس دور سينما. وفي مقابلة منشورة في كتاب «حكاوي الفجّالة» مع عادل الشيمي، الذي يقطن الحي، يحكي عن سينمات: «ريالتو» و«فيكتوريا»، و«شريف»، و«ضاهر بالاس». كان الشيمي دائم التردد على «ريالتو» التي صمدت وحدها حتى الثمانينيات بحسب روايته. وكانت سينما من الدرجة الثانية، تعرض الأفلام متأخرًا بعد انتهاء فترة عرضها في الدرجة الأولى، بتذكرة رخيصة لثلاث حفلات. 

السينما/ الجراج + المحلات
تصوير: مصطفى محيي

تحيل أطلال سينمات الضاهر إلى تحولات صناعة السينما التي لم تتمكن دور الدرجة الثانية من مواكبتها سواء في الضاهر أو بمناطق أخرى، لكن السينما لم تكن الصناعة الوحيدة التي ترك تبدّل حالها أثرًا، بل أن واحدة من أشهر الحكايات التي يرددها الكثيرون بأسى، ومن بينهم سكان الضاهر أنفسهم، تدور حول «تدهور» حال الفجّالة من طباعة ونشر الكتب إلى بيع السيراميك وأطقم الحمامات، وهي حكاية مُغرقة في الحنين إلى الماضي.

بتمشية بطيئة في شارع الفجّالة يمكن ملاحظة أن الطباعة والنشر لم يختفيا من المنطقة. ربما تغيّرت طبيعتهما، واختفت مركزية الفجّالة كمكان لنشر أعمال كبار الكُتّاب، لكن مازالت «مكتبة مصر» ناشر نجيب محفوظ السابق، ودار المعارف متواجدتين في مدخل الفجّالة. وأضيفت إليهما المؤسسة العربية الحديثة التي أصدرت سلاسل «روايات مصرية للجيب»، إلى جانب عدد كبير من دور النشر والمطابع التي تصدر الكتب التعليمية مثل «الأول» و«المعاصر» و«سلاح التلميذ» و«الأضواء»، فضلًا عن دور النشر دينية الطابع، ومكتبات بيع كتب الأطفال. وفي «حكاوي الفجّالة»، يقول أمير جودة السحار، صاحب مكتبة مصر، إن بقاء دار النشر، التي ورثها عن والده الكاتب سعيد جودة السحار، حتى الآن يعتمد بشكل أساسي على طباعة الكتب الدراسية، وأن ذلك ما يُمكّن «مصر» من الاستمرار في إعادة طباعة الأعمال الأدبية التي نشرتها من قبل لكبار الكُتّاب. 

لم يختف النشر من الفجّالة، بل تغيّرت طبيعته فقط، فلم يعد عمّاد المنطقة، بل صار مجاورًا لتجارة المستلزمات المدرسية والأدوات الصحية والسيراميك. وكما يقول أبو طويلة ، رفيقي في المِشيات السابقة بالضاهر، هناك دائمًا طريقتين للتعامل مع تلك التغيّرات، إما بالغرق في الماضي وإعادة إنتاجه بشكل رومانسي، أو بالاشتباك مع الحاضر كما هو. فبغض النظر عن الاستعلاء على الأنشطة البديلة، حافظت أطقم الحمامات مع مستلزمات المدارس على الحيوية الاقتصادية للحي، مثلما حافظ الجراج على مبنى السينما، وأزال وهيب طبقة الجبس التي طمست النجمة السداسية.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن