مستعمرة الجذام.. إغلاق يليق بالجمهورية الجديدة
«المكان ده كل حياتنا، وفي الفترة الأخيرة كل شوية نسمع كلام إنهم هيطردونا منه علشان يستثمروا فيه»، عبارة رددها العديد من مرضى الجذام، الذين يتلقون العلاج بمستعمرة الجذام، ويعيشون بها منذ سنوات.
في منتصف يناير الماضي، اجتمع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان، خالد عبد الغفار، مع وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، شريف الشربيني، وناقشا خطة «تطوير» مستعمرات مرض الجذام في مصر، ووضع آلية سريعة لتوفير الوحدات السكنية اللازمة للمرضى.
بعد أسبوع من الاجتماع، أصدرت وزارة الصحة بيانًا نفت فيه نيتها إغلاق المستعمرة وطرح أرضها للاستثمار، مؤكدة أنها تعمل على تطوير بروتوكولات علاج مرض الجذام، وإنشاء مستشفيات عامة لخدمة المواطنين، تضم أقسامًا متخصصة للتعامل مع هذا المرض.
ونوَّه المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، بأن مستعمرات الجذام لم تعد تستخدم في علاج المرضى عالميًا، حيث يتم التعامل مع الحالات الجديدة داخل أقسام الأمراض الجلدية بالمستشفيات، وأضاف أن المستعمرة لم تعد تستقبل مرضى منذ سنوات، وتم إغلاق جميع المستعمرات على مستوى العالم، ولا توجد أي توصية طبية بعزل مرضى الجذام أو حجزهم في مستعمرات، لأن المريض يصبح غير معدٍ بعد تلقي أول جرعة من العلاج، كما أن العلاجات الحديثة تشفي المريض تمامًا خلال ستة أشهر، وأوضح أن الوزارة تستهدف القضاء على المرض في مصر بحلول عام 2030.
ورغم نفي «الصحة»، فإن بيانات ومصادر من داخل المستشفى ووزارة الصحة والبرلمان، تؤكد أن هناك نية، منذ عامين على الأقل، لتغيير طبيعة المستعمرة، استنادًا إلى تراجع معدلات الإصابة بالمرض، وأنه لم يعد معديًا، بخلاف عدم استقبال المستعمرة أي مصابين جدد، ومع ذلك فإن الواقع، لا سيما الوضع الاجتماعي للمرضى، يظل مختلفًا عن التقديرات العلمية التي تعتمدها الحكومة.
من جانبه، رفض مدير مستعمرة الجذام، أحمد سامي، الرد على أي استفسارات بشأن الاستثمار داخل المستعمرة، قائلًا: «الموضوع كبير، وأنا عندي تعليمات ما أتكلمش فيه نهائيًا».
تقع مستعمرة الجذام في منطقة أبو زعبل بمحافظة القليوبية، على بُعد 30 كيلومترًا شمال القاهرة. أنشئت بموجب مرسوم ملكي في ثلاثينيات القرن الماضي على مساحة 2400 فدان، تقلصت تدريجيًا إلى 262 فدانًا، منها 116 فدانًا مزروعًا، أما المساحة المتبقية فتضم مباني ومنشآت، فيما يضم المستشفى ثلاثة عنابر: الأول للرجال، والثاني للسيدات، والأخير للعاملين.
منذ بدء تسجيل الحالات عام 1979، بلغ عدد مرضى الجذام 37 ألفًا و344 حالة، وانخفض العدد مؤخرًا ليصل إلى 500 حالة، وفقًا لوزارة الصحة.
بجوار المستشفى تقع منطقة تُعرف بـ«عزبة الصفيح»، أُنشئت بتبرعات لدعم المرضى المتعافين من الجذام، الذين لم يعودوا إلى ديارهم بسبب الوصم المجتمعي. تضم العزبة ثلاثة أجيال من المرضى وأبنائهم وأحفادهم، وكل من يسكن بها له صلة قريبة أو بعيدة بمريض جذام، ويطلق عليها الأهالي «العنبر الرابع». يعمل أغلب سكانها في ورش تابعة للجمعيات الخيرية، لصناعة الأحذية العادية أو الطبية التي يحتاجها المرضى، أو حياكة الملابس، أو قص الحشائش أو جني الثمار مثل اليوسفى، والليمون، والبرتقال، والزيتون، والمانجو، بمزرعة المستعمرة التي تبعد عنها مئة متر.
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن «الجذام» مرض معدٍ مزمن، لكنه قابل للشفاء، تسببه بكتيريا «المتفطرة الجذامية»، ويؤثر على الجلد، والأعصاب المحيطية، والقناة التنفسية العلوية، والعينين. ينتقل المرض من خلال الاختلاط اللصيق، عبر انتقال قطيرات الغشاء المخاطي لأنف الشخص المصاب إلى جلد أو غشاء الجهاز التنفسي لشخص آخر.
وتظهر الأعراض في صورة طفح جلدي وفقدان الإحساس في البقع المنتشرة على جلد اليدين أو القدمين أو الوجه، وفي حالة تأخر العلاج، تظهر أعراض أخرى مثل تشوهات الوجه، وفقدان جزئي أو كلي للبصر، وانعدام الإحساس باليدين والقدمين.
عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إيرين سعد، قالت لـ«مدى مصر» إن وزير الصحة طرح لأول مرة اقتراح إخراج مرضى الجذام من المستعمرة واستثمار أرضها قبل نحو عامين، وأضافت أن الوزير قدّم تقريرًا مفصلًا حول أهداف هذا الاستثمار، التي تضمنت تحويل الأرض إلى منشآت طبية، كما استعرض صورًا تُظهر تواجد رجال الأمن حول المستعمرة، متسائلًا باستنكار: «ما معنى وجود مستعمرة في الجمهورية الجديدة؟».
وأشارت سعد إلى أن الوزير أنكر وجود حالات جديدة من المرض، مبررًا خطته بأن المرض لم يعد يتطلب العزل، حيث أصبح غير معدٍ، وأوضحت أن هناك اعتراضات من اللجنة على مقترح الوزير، منها أن المرضى معزولون منذ سنوات، والمجتمع قد لا يتقبل دمجهم بسهولة، ما قد يسبب أضرارًا اجتماعية تفوق الفائدة المرجوة من الاستثمار.
كانت الحكومة قدمت، عام 2023، مشروع قانون إلى مجلس النواب، لإلغاء العمل بأحكام مكافحة الجذام، المنصوص عليها في القانون الصادر عام 1946، بما في ذلك العزل الإجباري في مستعمرات.
وفي إيضاحها أمام لجنة الصحة بالمجلس، أشارت الحكومة إلى أن العزل كان ضروريًا في الماضي، بسبب عدم وجود علاج فعال، لكن مع استحداث علاجات في ثمانينات القرن الماضي، تراجع خطر العدوى، وأصبحت مصر آمنة بعد انخفاض معدلات انتشار المرض إلى أقل من حالة لكل ألف شخص، كما لفتت الحكومة إلى أن معظم بلاد العالم ألغت القوانين التمييزية ضد مرضى الجذام.
موظفة داخل المستعمرة، طلبت عدم كشف هويتها، أوضحت لـ«مدى مصر»، أن مسؤولين بوزارة الصحة زاروا المستعمرة وعزبة الصفيح منذ عامين تقريبًا، لقياس مساحتهما، لكن تم غلق الملف وقتها، ليُعاد فتحه حاليًا بهدف تحويل المستعمرة إلى عيادات، تحت ذريعة عدم وجود مرضى جدد، الأمر الذي نفته الموظفة.
تجارب المرضى وأسرهم تعكس مركزية المستعمرة، خاصة مع استمرار وصمهم عند محاولة الخروج منها. تحكي أم كريم، من مدينة رأس سدر بجنوب سيناء، ظروف طرد أطفالها الأربعة المصابين بالجذام من المستعمرة. اكتشفت أم كريم إصابة ابنتها الكبرى بالمرض قبل تسعة أشهر، وبدأت رحلة علاجها في مستشفيات الأمراض الجلدية برأس سدر، وبعد تدهور حالتها في نوفمبر الماضي، تم تحويلها إلى مستعمرة الجذام، حيث تم فحص بقية أطفالها، وتبين إصابتهم جميعًا بالمرض، لتقرر إدارة المستعمرة حجز الأطفال للعلاج، إلا أن وزارة الصحة قررت طردهم بعد يومين.
تقول أم كريم: «قالوا لي خديهم وارجعي على بلدك. قلت لهم إزاي دول تعبانين وعندهم ضمور؟ لكن المسؤولين من الوزارة رفضوا»، وبعد إلحاح منها وتدخل وسطاء من المستعمرة، سمحت الوزارة ببقاء ابنتها الكبرى فقط داخل المستعمرة. «بنتي عملت بتر في رجلها بسبب المرض. هم اللي وافقوا إنها تكون في المستعمرة، باقي العيال طردوني بيهم» تضيف أم كريم، التي عادت إلى مستشفى رأس سدر لاستكمال علاج أحد أبنائها، لكن المستشفى رفض استقباله خوفًا من العدوى. «كشفوا عليه بره وقالوا لي ابنك عنده مرض معدي، ومينفعش يدخل علشان ميعديش الباقي، بالرغم من أن الوزارة لما طردتني قالت إن المرض مش معدي».
تحاول أم كريم حتى الآن استكمال علاج أطفالها، لكن الوحدات الصحية ترفض علاجهم، قائلة: «معنديش غير البنت بس هي اللي في المستعمرة، وأول لما تخلص علاجها هيطردوها زي الباقي، ومبقتش عارفة أكمل علاج باقي أولادي إزاي وأجيب فلوس العلاج منين».
من جهتها، أوضحت الموظفة بالمستعمرة أنه قبل شهر ونصف استقبلت المستعمرة أربعة أطفال مصابين بالجذام، وتم تشخيصهم رسميًا، لكن بعد ضغوط من الوزارة، تدخل مسؤولون ونفوا إصابتهم. «مساعد وزير الصحة كلم الدكتورة اللي شخصتهم بطريقة مش لائقة، قالها: لأ دول معندهمش جذام، وأنتي بتحجزيهم بأي صفة؟ لدرجة إنها كانت عاوزة تقدم استقالتها. في الآخر، رفضوا دخول الأطفال الأربعة». تقول الموظفة. لاحقًا، اقترحت المستعمرة أن تقيم الأسرة في عزبة الصفيح، لكن الوزارة رفضت أيضًا، ما دفع الأهالي إلى استئجار شقة لهم.
«فيه حالات كتير مصابة بالجذام، لكن الوزارة بتنفي وجود مرضى جدد، لأنها عايزة تستولى على أرض المستعمرة، اللي مساحتها كبيرة، رغم إن في أماكن غير مستغلة فيها»، تقول الموظفة، وتضيف: «هما عايزين يحولوها لعيادات علاج بس، مش مكان إقامة. وبداية من شهر 7 المقبل، حياة كريمة هتنقل سكان عزبة الصفيح، والمستعمرة هتتحول لعيادات بس. دلوقتي، فيه 580 مريض مسجلين، بس مش كلهم في المستعمرة» مشيرة إلى أن بعضهم متواجد في العزبة.
في السياق، يقول شعبان، البالغ من العمر 60 عامًا، والذي يعيش في المستعمرة مع زوجته منذ 30 عامًا، إن العديد من المرضى يحاولون تلقي العلاج داخل المستعمرة، لكن المسؤولين يرفضون وينكرون وجود حالات جديدة. ويضيف: «أول ما سمعنا عن تطوير المستعمرة من مسؤولين في الوزارة، عرفنا إن إحنا هنطرد. أهلنا منعرفش عنهم حاجة، ومحدش هيصدقنا لو قلنا إن إحنا خفينا، أو إن المرض مش معدي زي ما الوزارة بتقول».
أما حسن*، 49 عامًا، والمقيم في المستعمرة منذ 35 عامًا، بدأ رحلة العلاج في عمر الـ12، ودخل المستعمرة في الـ 15 من عمره، وهو الآن متزوج ولديه طفلان. يتحدث عن الصعوبات التي يواجهها عندما يخرج من المستعمرة أو عندما يقرر زيارة أقاربه بإحدى محافظات الدلتا: «أهلي والناس بتخاف مني لما بروح أزورهم. في طبيب كنت بعمل عنده شهادة تأمين صحي، لما عرف إني مريض جذام، خاف وطلب يطلعوني من المستشفى».
يقول حسن، الذي يحصل على منحة «تكافل وكرامة» بقيمة 650 جنيهًا شهريًا، فيما توفر له التبرعات التي تصل إلى المستعمرة احتياجاته اليومية: «المستعمرة بتوفر العلاج والأكل، لو عيشنا برة هجيب فلوس العلاج والأكل منين؟».
خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، سمع حسن وبقية المرضى من الأطباء والمسؤولين داخل المستعمرة عن نية وزارة الصحة الاستثمار في المستعمرة، «قالوا إننا هنتعالج ونمشي ومنقعدش في المكان»، يقول حسن، كما ترددت أحاديث عن توفير وحدات سكنية بديلة للمرضى، لكن حسن يشكك في هذه الوعود، قائلًا: «معظم أبناء المرضى عايشين جنبنا في عزبة الصفيح. كلام إنهم هيعملوا وحدات سكنية مش مصدقينه. هيعملوا وحدات سكنية للناس دي كلها إزاي؟ وطبعًا بعد ما يحطوا إيديهم على الأرض مش هنطول منهم حاجة».
من جهتها، تقول عضو لجنة الصحة بـ«النواب»: «مجلس النواب مش ضد الاستثمار أو استغلال الأرض، لكن لا بد من توفير أماكن بديلة للمرضى تضمن لهم حياة كريمة، لكن أن يتم تركهم في الشارع ليواجهوا التنمر، فهذا أمر غير إنساني وغير مقبول».
*اسم مستعار
تقارير ذات صلة
أسعار المستشفيات الخاصة خارج الرقابة: جثامين رهن الفواتير
التفاوض على الجثامين من أجل الدفع يكشف أزمة غياب أي نظام أو رقابة على التسعير
عام مالي جديد: ما تحتاجون معرفته عن كعكة الموازنة ومن أكلها
استحوذ قطاع الخدمات العامة وحده على ما يقرب من 60% من إجمالي المصروفات العامة،
تطوير مستشفى هرمل لم يصل إلى المرضى بعد
تستمر معاناة المرضى بشكل يومي، في انتظار إجراءات «التطوير»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن