تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
أسعار المستشفيات الخاصة خارج الرقابة: جثامين رهن الفواتير

أسعار المستشفيات الخاصة خارج الرقابة: جثامين رهن الفواتير

كتابة: مصطفى حسني 7 دقيقة قراءة

رفض مستشفى خاص في التجمع الخامس تسليم جثمان مريض تُوفي داخله السبت الماضي، مطالبًا أسرته بدفع فاتورة تتجاوز قيمتها مليون جنيه، نظير إقامته لمدة 26 يومًا في الرعاية المركزة. 

بحسب فاتورة المستشفى التي نشرتها عضوة مجلس الشيوخ، أميرة صابر، على صفحتها بفيسبوك، أقام المريض في الرعاية المركزة بالمستشفى في الفترة من 9 مارس حتى السبت الماضي. تُظهر الفاتورة أن تكلفة بند «الأدوية» 286 ألف جنيه. وبلغ بند «المعمل وبنك الدم» قرابة 219 ألف جنيه، وبند «المستلزمات الطبية» 106 آلاف جنيه، و«الرعاية المركزة» 100 ألف جنيه. 

caption

في حديثها مع «مدى مصر»، ​أوضحت صابر أن المريض صاحب الحالة التي نشرت عنها لم يكن تابعًا لأي شركة تأمين، حيث عاد إلى مصر مؤخرًا وليس لديه أقارب بها، مشيرة إلى أنه سدد 800 ألف جنيه، وكان المتبقي هو 200 ألف فقط، وتم إخراج الجثمان في آخر الأمر بعد إجراء خصم لجزء من المبلغ والاتفاق على تقسيط المتبقي.

المتحدث باسم وزارة الصحة، حسام عبد الغفار، أكد لـ«مدى مصر» أنه تم تسليم الجثمان من المستشفى، «والتحقيقات والإجراءات القانونية بخصوص الواقعة ماشين فيها».

احتجاز جثمان المريض «هو آلية تفاوض معروفة في المستشفيات الخاصة علشان الناس تدفع أو تتصرف علشان تدفن ذويهم»، بحسب صابر، وهو الأمر الذي وصفه المحامي هاني سامح بـ«انتهاك صارخ للقانون وجريمة يعاقب عليها»، مؤكدًا أن أي شكوى بسيطة للشرطة أو النيابة كفيلة بمعاقبة المستشفى.

التفاوض على الجثامين من أجل الدفع يكشف أزمة غياب أي نظام أو رقابة على التسعير في المستشفيات الخاصة، وهو ما أكدته مصادر أخرى، واعتبرته صابر في حاجة ماسة إلى المعالجة نظرًا لأهمية دور القطاع الخاص في سد الفجوة في الخدمة الصحية في مصر. 

«نحن نصادف هذه الحالات يوميًا. جثامين أطفال محتجزة في الثلاجات لأن الأب مش معاه الفلوس»، تقول إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، مشيرة إلى أزمة غياب الشفافية في الفواتير التي يدفعها المرضى في غرف الرعاية المركزة دون معرفة تفاصيل ما تلقوه من خدمة أو مستلزمات للمحاسبة عليها. «المريض من حقه يعرف الإجراءات الطبية التي ستُتخذ وتكلفتها بالضبط قبل دخوله المستشفى». 

أوضحت صابر أنها كانت قد قدمت طلب إحاطة في مجلس النواب، بضرورة الرقابة على المستشفيات الخاصة. «على أي أساس تكون المستشفى في نفس النطاق الجغرافي لمستشفى تانية، وبتقدم نفس الخدمة، وتكون التسعيرة ضعف تسعيرة المستشفى التانية؟ والناس لما بتتفاوض الأرقام بتنزل، ده معناه إن فيه مشكلة في آلية التسعير وفي آلية الرقابة»، تقول لـ«مدى مصر». 

التفاوض على سعر الخدمة أمر أكدته هاجر وهي تروي تجربتها مع أحد المستشفيات الخاصة. قالت إن والد صديقتها دخل في غيبوبة مفاجئة، ونُقل إلى أحد المستشفيات الخاصة بناءً على ترشيح أطبائه المعالجين. بعد أقل من 24 ساعة، تواصل أحد العاملين في قسم العناية المركزة مع الأسرة، وأبلغهم بإمكانية خروجه، مطالبًا بسداد فاتورة بلغت 65 ألف جنيه. بحسب رواية هاجر، تضمنت الفاتورة نحو ثمانية آلاف جنيه «تحاليل»، وأكثر من 20 ألف جنيه «أدوية»، إلى جانب مصاريف «كافتيريا». وعندما حاولت الاستفسار عن الفاتورة من قسم الحسابات، فوجئت، على حد قولها، بمحاولة تفاوض المستشفى على المبلغ، إذ عرض الموظف خصم 20 ألف جنيه من إجمالي المبلغ. وأشارت إلى أن أحد أفراد التمريض أخبرهم بأن المستشفى قد تبدأ في «الفصال» على الفاتورة حال إصرار المريض وأسرته على مغادرة المستشفى، وهو ما حدث بالفعل، إذ انخفضت القيمة النهائية إلى 35 ألف جنيه. 

صابر، من ناحيتها، اقترحت اعتماد «هامش ربح معقول» لكل خدمة وتحديد «سقف منطقي» للأسعار، يوقف النزيف المالي في المستشفيات الخاصة. وأضافت أن الأمر غير عادل، وأن البعض يحقق ثروات هائلة على حساب آلام وديون المرضى في غياب أي آلية للحوكمة والمحاسبة، مؤكدة أن الربح يجب أن يكون «بالعقل، وليس بالموت وخراب البيوت».

«القطاع الخاص مبني على أساس تحقيق أرباح، وبيبحث عن أقصى قدر من الربح، وبيعمل حاجات غير قانونية. المفترض يكون فيه إشراف مهني ومالي. يعني لما تشتري المستلزمات الطبية في مستشفيات بسعر، وتحسبها بسعر السوق مضاف لها 30%، وبتقول الـ30% دي علشان جهدنا إننا وفرناها، رغم إن المستشفى بتكون واخداها بتخفيض بسبب أن عملية الشراء بتكون مجمعة»، يقول محمد حسن خليل، رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، وهي منظمة حقوقية، ويضرب مثالًا: «أغلى دعامة في السوق منذ سنوات كانت بـ 4500 جنيه. إحدى المستشفيات الخاصة كانت بتركب الدعامة نفسها بـ16 ألف جنيه، والدكتور اللي كان بيركب الدعامة بياخد في إيده 5000 جنيه بره أي حسابات».

التدخل في تسعير خدمات المستشفيات الخاصة أمر جوهري، بحسب صابر، نظرًا للحاجة الماسة لهذه الخدمات. «إحنا عندنا مشكلة أسرّة ضخمة في مصر.. مشكلة لازم القطاع الخاص والاستثماري يسدها، لكن مينفعش الخدمة دي تكون مسعرة لطبقة معينة بس، وهنا المفترض دور الدولة إنها تدخل وتنظم الشكل ده». بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، بلغ عدد الأسرّة في مستشفيات القطاع الحكومي نحو 88 ألفًا و597 سريرًا، مقابل 33 ألفًا و20 سريرًا بالقطاع الخاص بإجمالي 121 ألفًا و617 سريرًا. تحتاج مصر إلى رفع معدل إتاحة أسرة المستشفيات من 1.2 سرير لكل 1000 شخص إلى 3 أسرّة، طبقًا لمتوسط المعايير العالمية بحسب منظمة الصحة العالمية.

سامح، من ناحيته، أوضح أن المادة 12 من قانون المنشآت الطبية، الذي تُصدر بموجبه التراخيص، تنص على أن أسعار المستشفيات الاستثمارية والخاصة تُحدد من قبل لجنة من وزارة الصحة بالمحافظة، وفي حالة المخالفة تُعاقب المستشفى بالغلق، لكنه، بحسب قوله، قانون «نادرًا ما يُطبق».

​وأضاف أنه عند حدوث أي نزاع، يتم الاحتكام لمواد القانون ويتم الانتصار للمريض، لافتًا إلى وقوع خلاف سابق  بين أصحاب المستشفيات وبعض المحافظين في القضاء الإداري حول مادة «التسعير الجبري» للمنشآت الطبية وضريبة المبيعات، إلا أن دائرة توحيد المبادئ بالقضاء الإداري انتصرت للقانون وقررت وجوب خضوع الجميع لهذه المادة. 

مسؤول ملف الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، علاء غنام، أوضح أن القانون رقم 81 المنظم للمنشآت الطبية، والذي يتضمن المادة 12، تجاوزه الزمن بمرور أكثر من 40 عامًا عليه. وأوضح غنام أن هذا القصور التشريعي ظهرت تبعاته بوضوح خلال أزمة كورونا، فبدلًا من الدخول في المسار البرلماني الطويل لتحديث القانون، وهو ما لم يكن متاحًا في ظل الحالة الطارئة، «ويبدو مكنش عندهم وقت»، اختارت الوزارة إصدار «لائحة استرشادية». ومع ذلك، القطاع الخاص لم يلتزم «ودي فوضى». 

خليل أوضح لـ«مدى مصر» أن في فترة وباء كورونا، ومع الضغط على المستشفيات العامة، كان هناك استغلال للأزمة من قبل المستشفيات الخاصة التي بالغت في الأسعار. «علشان كده، الحكومة بادرت بإنها تحط قائمة أسعار استرشادية بحيث لا يتجاوز أجرة الغرفة بالمستشفى الخاص 3000، والعناية المركزة 10000. الكلام ده كان في 2020»، وأوضح خليل، أن السعر الاسترشادي لا ينتج عنه عقوبة قانونية في حالة مخالفته.

ومع ذلك، بحسب خليل، تصدى أصحاب المستشفيات الخاصة المنظمين فيما يسمى شعبة الخدمات الطبية باتحاد الصناعات لهذه الأسعار، مما أدى إلى قيام الدولة بسحبها.  

ترى سعيد أن الحل يكمن في وجود رقابة حقيقية على التسعير. وأضافت أن لجنة الصحة في مجلس النواب قدمت طلب إحاطة بشأن تسعير المستلزمات الطبية، خاصة أنها في الوضع الراهن عملية غير منظمة والمفترض أن يُحدد لها «سقف ربح». كما أعلنت عن وجود «لجنة كبيرة» خلال الشهور القادمة لمناقشة هذا الملف، معتبرة أنه في حال تطبيق ذلك سيتم إحكام منظومة التسعير في المستشفيات.

بحسب خليل، من المفترض أن إدارة العلاج الحر داخل وزارة الصحة هي المسؤولة عن الرقابة على المستشفيات. «إدارة العلاج الحر هتقولك إحنا مواردنا قليلة، عدد موظفينا قليل، وقدرتنا على إننا نلاحق على كل المستشفيات غير موجودة. ده غير إن الحكومة معروف إنها مش بتحب تضايق المستثمرين».

من ناحيته، شرح رئيس مجلس إدارة المركز المصري للحق في الدواء، محمد فؤاد، أن لجنة العلاج الحر تراقب عمل المستشفيات في حدود التجاوزات التي توصف بـ«الفجة» فقط، كما أنها في الحقيقة ليس لديها قائمة أسعار محددة تحتكم إليها في رقابتها.

فؤاد أشار كذلك إلى أزمة تضارب المصالح في الرقابة: «المشكلة إن الأطباء المتخصصين في إدارة العلاج الحر بيكونوا شركاء أو شغالين في المستشفيات. وكتير جاتلنا شكاوى إن ناس بتشتغل في العلاج الحر وبيفتشوا على مستشفيات هم شركاء فيها ودي كارثة». أعطى فؤاد مثالًا بوجود مدير في إدارة العلاج الحر بمحافظة القليوبية يعمل داخل مستشفى خاص، واطلع «مدى مصر» على الوثائق التي تكشف هذا التضارب. 

في النهاية، أكد خليل، أن حرمان المريض من الخدمة أو أسرة المتوفى من دفن ذويهم أمر «غير موجود في أي دولة. استحضر هنا النظام في أمريكا كمثال، هناك لا يحق للمستشفى عدم استقبال مريض في حالة طوارئ أو في حالة احتياجه إلى عملية جراحية حتى ولو لا يملك المال. لو المريض مش قادر، بيوصلوا معاه لنظام تقسيط. والمشكلة دي مش موجودة في معظم دول أوروبا لأن فيه تأمين صحي شامل. 69 دولة على مستوى العالم عندها تأمين صحي شامل».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن